فخـــــــــــر العــــارفيـــــــــــن    »   مجالسة الغافلين    »   وحللنا ضيوفا على رمضان    »   صلاة التراويح وعدد ركعاتها    »   التعريـــــف بعـــلـم الرؤيــــــا    »   المواقف والمفاهيم.. بين رمضان والصّائمين    »   عبيـــــــــــر رمضــــــــان    »   ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟!    »   صلاة التراويــح في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابــه والتابعين رضي الله عنهم    »   رمضان والصيام عبادة وأخلاق    »   
 

الوارث المحمدي

 

 

محرك البحث

 



بحث متقدم



احباب الكلتاوية » المقالات » السيد النبهان


في طريق أهل الله

  
هاتف من العناية الإلهية
خطوة على المفترق
في طريق القوم أهل الله
في طريق الشاذلية
ميزات سيره وسلوكه
نفحة من باب الأحمر

هاتف من العناية الإلهية

في مقهى إلى الغرب من باب الفرج يقضي رضي الله عنه بعض أمسياته، والمقهى آنذاك منتدى الأقارب والأصحاب، خالٍ من اختلاط النساء بالرجال.

قال رضي الله عنه: قعدنا قبل المغرب في مقهى (الشاه بندر) أنا ورفيقي (علي أبو اصطيف) وأنا أصلّي، ولا أمشي إلا مع من هو أكبر مني، لكن القيادة لي دائماً، فنظرت في الساعة فلم يبق للمغرب إلاّ خمس دقائق، فقمت فقال: إلى أين؟قلت: إلى الصلاة .قال: الآن وقت الصلاة؟

قلت: الآن وقت قهوة؟ أنا عندي مقاهي الدنيا كلها لا تعدل ذرة من الصلاة .

قال: أترجع؟ قلت : نعم سأرجع.. فجئت جامع (الملاّ خانة ـــ المولوية) فصليت، ثم سرت في طريق العودة إلى المقهى، وأنا أستغفر الله، إذ كان لي بعد المغرب وِرْد اسـتغفار ســبعين مرّة، وصلاة على النبي سبعين مرة، ولا إله إلا الله سبعين مرة، وإذا أنا بيدين قويتـين لا أراهما تمسكان بي وتفتلاني من المغرب إلى المشرق، وصوت قوي من داخلي أسمعه بكل ذراتي: أين رائح؟ أين رائح؟ من القهـوة للجامـع سلّمنا لك، أما من الجامع إلى القهوة فلا!! وما رأيت أحداً حولي ولا من بعيد! جاءني النور فأحاطني من رأسي إلى قدمي، وما بقي في دماغي عالمَ ولا دنيا ولا أعرف شيئاً!  كأن واحداً فتلني من باب الفرج إلى باب النيرب بقوة أربعين حصاناً..

وبينما أنا ماشٍ إلى البيت: جاءني أبو مرة (الشيطان)في الطريق فقال لي: أين قولك لصاحبك نعم سأرجع؟ ألست صادقاً؟ ألست أميناً؟ ألم تعطِ وعداً وأنت لا تخلف الوعد..؟ لكنّ واردي قوي فلم يقف أمامه شيء!

وصلت إلى البيت، وبعد قليل أُذّن للعشاء فصلّيت، وإذا بالباب يطرق فعرفت أنه صاحبي، وخرجتُ فإذا هو: عليٌّ، فأراد أن يحكي فقلت: اسكت لا تحكِ أنا أحكي! صار معي كذا وكذا.. فسكت كأنك صببتَ عليه ماءً بارداً ( والنعمين منه!)..

فلم يعد رضي الله عنه إلى المقهى بعدها، وتُذكِّرُنا حالته بسيدنا إبراهيم بن أدهم  وما كان عليه من إمارة وغنى ودلال، وحب للخيل والصيد والتجوال، فسمع هاتفاً ـــ وهو على جواده يقول له ـــ  يا إبراهيم ما خُلِقتَ لهذا . ثلاثاً..! فنزل عن جواده، وتعرّف على راعٍ فبادله الملابس، وتبرأ مما كان عليه وهام.

وكذلك فعل سيدنا النبهان إذ تبرأ من التجارة والإمارة، مخلفاً الدنيا والاشتغال بالأدنى ومجالس باب النيرب وراء الوراء، متوجها بهمته إلى الله عازماً على طلب العلم.. دون تأثر بصاحب أو جليس أو أمر من قريب أو غريب، وتلك مناسبة بينه وبين سيدنا إبراهيم بن أدهم أشار إليها رضي الله عنه  قائلاً: الشيخ إبراهيم بن أدهم وجواده، أنا محمد بن أحمد النبهان جرت معي، هذه اسمها عناية، قبل أن أدخل العلم بشيء قليل، قبل أن أدخل العلم بأشهر.

ثمّ كانت ليلة النصف من شعبان، والناس ـــ على فطرتهم ـــ يترقبون تلك الليلة المباركة ليجتمعوا في المساجد يجهرون بسورة (يس) ويعيدونها، ويتضرعون عقب كل تلاوة بدعاء (إلهي بالتجلي الأعظم في ليلة النصف من شهر شعبان المعظم التي يفـرق فيها كل أمر حكيـم ويبرم..) وهي ليلة عظيمة اعتاد الناس قيامها وصيام نهارها فحضر حفلها فاجتذبه إلى الله ورسوله حنان واحتواه نحيب، وهكذا ربنا يستجيب لتكون الليلة فرقاناً، تأخذ به إلى ما كان يبحث عنه ويحس بفقده، وعزم رضي الله عنه على طلب العلم والتفرغ له.

ففزع والده وجزع حين علم بعزمه دخول مدارس الشرع لأنه أكبر إخوته والعمل كله بعهدته، فيقول لولده: أمعقول يا ابني أن يظهر من بيت الزطّ مؤذّن؟!  وهو مثل عند أهل حلب أصله أن الزط لا يتوجهون إلى عمل ذي شأنٍ كالأذان.. فكيف بطلب العلم! ، فتوسط لدى فضيلة الشيخ نجيب سراج رحمه الله لعله يقنع ولده بالتراجع عن عزيمته، قال رضي الله عنه: ((قال لي الشيخ نجيب رحمه الله: يا ابني، إرضاء والدك فرض والعلم فرض، احضر للعلم كل يوم ساعة.. قلت : لا تكفيني!

قال: اجعل النهار نصفين بين العلم والتجارة ، قلت : جَبَسَتان لا تحملان في كف، وإني أريد العلم .وحين أدرك الشيخ صدقَ إرادتي قال: أودُّ أن أعلمك علماً ، قلت: تفضّل .

قال: قل كل يوم: اللهم ارزقني العلم النافع.  ثلاث مرات، يَرضَ والدُك، ويُفتَحُ عليك فتوح العارفين .قلت: على راسي، هذه أتمكن منها!!

ثم أرسلت صاحبي إلى مفتي حلب آنذاك الشيخ أحمد الكردي رحمه الله) فسأله لأجلي وجعل السؤال عن نفسه، فقال: والدي غنيّ، أمّي لا يقرأ ولا يكتب، وأنا أكبر أولاده، وأشتغل بتجارته، وأرغب في طلب العلم، لكنه لا يرضى! فقال له: أطلب العلم رضي أبوك أو لم يرضَ... فوجدته أشجع الشجعان )).

خطوة على المفترق

جاءت خطوته التالية ـــ وهي الانتقال إلى طلب العلم والطريق ـــ نتيجة حَيرته وتأمّلاته، وثمرةً لإشراقة بدايتـه ومقدّماته، مع أن الحالة الأولى ليست منفصلة عمّا بعدها، بل هي بمثابة الأرضية الصلبة والقاعدة المتينة لمستقبل حياته وتطلعاته، إذ هو فتى حلب كرمــاً وشرفاً وشجاعةً، وصدقاً وأمانةً وفروسيةً، وهو ملتزم بالصلاة، ولوع بكتاب الله، ملازم لجملة أذكار وأوراد، متعلم بما يحمل على الاستقامة قبل أن يدخل مدارس العلم، وسالك قبل أن يتعهده شيخ أو ينتمي إلى طريق، والرؤيا عنده صادقة كاليقظة لصفاء قلبه، لكنّ خطوته هذه ضرورة يحتمها تلازم العلم والسلوك التام.

ومن عجيب التقدير الإلهي أن يُلحَق البيـت الّذي أنشأه رضي الله عنه لإمارة العشيرة بعمارة مسجد القرية! بعد أن لحق صاحبه رضي الله عنه بالمساجد لطلب العلم!!

في طريق القوم أهل الله

لم يمض على انتقاله إلى الخسروية إلاّ بضعة أشهر، حتى قدم من مدينة حمص إلى حلب الشيخ أبو النصر محمّد سليم خلف النقشبندي رحمه الله، وكان مشهورا بالولاية وصاحب حال مؤثر، فالتقى به أكثر علماء حلب وطلبتهم فأخذوا عنه الطريقة، وكان يلازمه في حلب إذا مدة إقامته فيها، ويسافر إليه في حمص كلما سنحت الفرصة له، فأصبح موضع عناية الشيخ واهتمامه لما رأى فيه من شخصية وتطلعات، إذ كانت له على التجرّد لله قوّة، وعلى مخالفة النفس عزيــمة، وعلى ملازمة الأذكار همة عظيمة، فبداية أمره يعتكف رمضان كله، ويقضي معظم وقته بالأوراد، فيشفق عليه شيخه ويقول:  مهلاً.. ارفق بنفسك.

ويتحدث رضي الله عنه عن حالته مع شيخه أبي النصر ويقول:  كنت أدخل الدرس وأخرج لا أتكلم مع أحد أبداً، فيقول لي أصحابي: بالله يا شيخ محمد البيت الّذي كنا فيه مع الشيخ كيف سقفه؟!  لا أنظر إلى سقف ولا يميناً ولا شمالاً.. وأطبــّق أكثر مما يقول الشيخ! التطبيق الأتم والأكمل، وكنت أعرف مراد الشيخ، فالذي يبغضه أبغضه، والذي يحبه أحبه، أعرفه فطريـاً وبدون تكلف . .وأدرك الشيخ مكانة تلميذه وانجذب إليه وتوجه له توجُّه سيدنا يعقوب إلى سيدنا يوسف عليهما السلام، وأحبّه محبّة أثارت غيرة شديدة وحسداً لدى جماعة من رفاقه في الطريق، فأطلقوا عليــه اسم " ابن الجديدة " قال رضي الله عنه :  ((حتى صاروا يقولون: جاء ابن الجديدة!  سمّوني: ابن الجديدة!  قلت لأحدهم: لماذا تسمّوني ابن الجديدة؟ قال: لأنك عندما تأتي الشيخ لا يعرف غيرك!! قلت له: أكان الشيخ مخطئاً أم مصيباً؟ قال: والله مصيب!! )). .

وأضاف رضي الله عنه: ((كنا أربعة أو خمسة في حمص عند شيخنا الّذي يربينا رحمه الله تعالى، والشيخ يحبني كثيراً، وأثناء رواحنا من ختم إلى ختم بين الفجر والشمس إذا بكلب يأتي إليّ ويعضُّني ـــ إلاّ أنه لم يصب لحمي! ـــ فقال واحد حسود: انظر للكلب ما عرف غيرك! فأجابه شيخنا رحمه الله ـــ وأنا أسمع ـــ : إنّ هذا الكلب ليس من حيّنا، بل أجنبي غريب، جاء خاصةً ليتبارك به!  ولم يجد أهلاً للتبرك به غيره!!! )) .

ثم غلبت عليه وحشة من الخلق، لا يتجوّل في المدينة وأسواقها، ولا يخرج إلى أهله إلا ليلاً، وإذا رأى أحد أصحابه تخبأ عنه في أزقة الحي!  فقاطعهم إلاّ واحداً، قال رضي الله عنه : ((اتخذتُ أخاً في الله تعالى هو الشيخ معروف الدواليبي، كان لي مرآة؛ الذي في قلبي في قلبه، أأتمر بأمره ويأتمر بأمري، يوميّاً نتحاسب ويوميّاً نترقى، نحاسب أنفسنا نحاسب بصرنا وسمعنا وألسنتنا ومشينا وأين نقعد وأين نأكل))  وما بين المغرب والعشاء وقت للمحاسبة بينهما.

وتجاوزت محاسبتهما الأقـوالَ والأفعالَ إلى الأفكار والفهوم والخواطر، قال رضي الله عنه: ((يقول البعض مشايخنا لهم دفتران دفتر في الليل وآخر في النهار، وزدنا عليهم أننا نحاسب خواطرنا كذلك، رأيت الخير كل الخير في سيري إلى الله بمحاسبة النفس، أحاسبها الحساب العسير لا اليسير "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا" )).

وبلغ تحكّمه حتى بالمخيّلة! قال رضي الله عنه : ((جلست مرة ساعتين أفكر بخاطر سوء فما حصل))!

وكان رضي الله عنه في حال وحدته يتفكر ويتساءل ويناجي الله تعالى، فيُلهَم الإجابة!  قال رضي الله عنه: ((كنت مرة ـــ منذ زمن ـــ قاعداً وحدي وأنا ولد أخاطب الله تعالى.. قلت: يا رب، أنت تقول } إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين { [سورة البقرة 222] يعمل ذنباً بل ذنوباً وتعطيه المحبة أيضاً؟ قال: نعم عبدي، أنا أبيّن لك! قلت: بيّن يا ربي، قال: هذا غلب أربعة: غلب الشيطان الكبير الأهبل، والشيطان الأبيض، والشيطان النمنوم ـــ الّذي خُلق بين شيطان الجن والإنس ـــ وغلب نفسه: أفلا يسمّى محبوباً؟ قلت: يا ربي والله صحيح!.. أخذتها عن ذوقٍ من ذراتي)).

ولم يكن في هذه الفترة ليتلقى أمراً أو نهياً من أحد في التزامه طاعة الله ورسوله وشيخه، قالt : ((أنا لا أعتقد أن أحداً أمرني أو نهاني من يوم دخلت العلم، ولا نفسي طالبتني بشيء من المخالفات، لأنني أحاسب نفسي، وهذه من نعم الله تعالى عليّ.. الّذاتي لا يحتاج لأحد أن يأمره أو ينهاه )).

ومن طريف ما بلغنا عنه أنه كان يسأل الشيخ (معروف الدواليبي) : ((ماذا تريد أن تكون؟)) فيجيبه: رئيساً للدولة! ويسأله صاحبه: وأنت ماذا تريد؟ فيجيبه رضي الله عنه: ((عبداً لله تعالى)).ـ/ شاء الله تعالى أن يوصل كلا إلى غايته فتسلّم الشيخ معروف الدواليبي رئاسة الحكومة سنة 1962م لكنها سرعان ما زالت أوائل سنة 1963م وبعد سنوات قليلة ذهب إلى السعودية، وشغل بعض وقته هناك رئيسا لمنظمة المؤتمر الإسلامي، واتخذه الملك فيصل مستشارا، وظل في هذا المنصب إلى عهد الملك فهد، وفيه توفي سنة.../

فطرح حب الرئاسة وحب النفس ليحيا حياةً يتلذذ فيها بالعبدية لله عز وجل، قال رضي الله عنه: ((آخر ما يخرج من قلوب الصدّيقين حب الرئاسة وحب النفس)) وجعل نصب عينيه سُلَّما من أربع درجات: العلم والعمل والإخلاص والتبرّي من الحول والقوّة إلى حول الله وقوّته.

ورافق أخذه للعلوم الشرعية قراءة في كتب الصوفية ابتداءً (بالرسالة القشيرية) ثم ( إحياء علوم الدين) و(مجموعة رسائل القصور العوالي) للإمام الغزالي فــ (البرهان المؤيد) و ( حالة أهل الحقيقة مع الله ) لسيّدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنهم أجمعين.

وكلَّما تفحّص رضي الله عنه كتب القوم ونظر في سيرة رجل من أهل الله الأكابر ساءل  رضي الله عنه نفسه: أيمكنه أن يكون مثل هذا؟

وتفقَّه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه  فأحسّ بنفسه للشافعيِّ تعصُّبا على بقيّة الأئمة وفقهِهِم ـــ وهذا التعصب قلّما ينجو منه طالب علم ـــ فبادر يحاسب نفسه ويعاتبها:  لماذا يا نفسي تفضّلين هذا الإمام على ذاك؟ وهذا المذهب على غيره؟..  حتى طرد ذلك التعصُّب .

وولع رضي الله عنه بالسيرة النبوية ولعا شديداً، وواكب حفظ القرآن ومراجعته، وأحبّ العلوم كلها إلا الكلام والفلسفة، فلم يجد لهما في قلبه هوىً، ثم أنه رغب في السفر إلى بغداد سنة 1344 هـ 1926م ليدرس على مشايخ العراق قبل أن يكمل دراسته في الخسروية، فجاء يودِّع شيخه نجيب سراج رحمه الله فقال له:  يا شيخي، علم الكلام هذا أنا لا أحبه! ، فأجابه رحمه الله تعالى: هو ما وجد أصلاً من أجل الاعتقاد بل من أجل الردّ على الخصم، فقال رضي الله عنه:  لقد أرحتني يا شيخي فجزاك الله عني خيراً. لكنه عدل عن رغبته في السفر، ليقوم مقام والده في التجارة فترة غيابه للحج.

ولم تقتصر دراسته ــــ كعادة بعض طلبة العلم ــــ على حفظ المتون، يرددونها بلا فهم، ويلتقمونها بلا مضغ، بل يعتبر حفظ المتون بلا شروح طريقة عقيمة، لذلك فهو يدقق ويفهم ويكتب على حواشي ما يقرأ هوامش وتعليقات .

وكان ما وهبه الله تعالى من وعي وفطنة ربما يضيف لشيخه معنىً في مسألة أو تحقيقاً في قضية، قال : ((كنا نقرأ درساً في معجزاته صلى الله عليه وسلم فذكر الشيخ تسبيح الحصى والطعام بكفّه صلى الله عليه وسلم ، فقلت له:  يا شيخي، إن المعجزة ليست في التسبيح بل في سماعه، لأن التسبيح واقع، شئنا أم أبينا، قال الله تعالى: }  تسبّح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم  { [الاسراء 44] فالمعجزة في سماع التسبيح لا في التسبيح، فسكت رحمه الله وقال: الحق معك)).

ومرة أخرى سمع شيخه نجيب سراج رحمه الله تعالى يقول: إن أعلى المراتب هي الرضا، فاستدرك عليهt  قائلاً: شيخي، الله يرضى عليك! يقول سيدنا عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه : لا زلت أرتع في ميادين الرضا              حتى بلغتُ مكانةً لا توهبُ

وهذه المكانة هي الذاتية والعبدية، فأقره فضيلة الشيخ نجيب رحمه الله  .

ومن أخباره في الخسروية أن طالباً من صف آخر قد أساء بكلامٍ بحضرة أستاذه، وحين تأكد من فعله دخل عليه رضي الله عنه وضربه! فأثار مدير المدرسة الشيخَ أبا الفضل الطيّار، لأنّ تأديب الطلبة منوطٌ بالإدارة، فاستدعاه وقال: أحضرتكم مدير ثانٍ هنا؟ فأجابه رضي الله عنه  بأدب رفيع: شيخي، لا تحكِ معي هكذا، إني أحبك. فدخل عليه الشيخ أسعد العبجي رحمه الله تعالى وصار يعرّفه بمكانة تلميذه محمد النبهان وأنه من طراز خاص، فأعقبها صحبة وصداقة بينه وبين أبي الفضل رحمه الله تعالى! قال رضي الله عنه : ((كنت أحبُّه لأنه كان يزرّ فتحة عنق قميصه)).

وربّما يقال: إن زرَّ فتحة العنق لا يستدعي الحب أو البغض، لكنّ الفتى الذي يتعشّق الكمالات المحمّدية لا يودّ أن يلحظ العلماء غير مرآة تعكِس سننَ الكمال، مهما كانت تلك السُنّة صغيرة أو بسيطة في أعين الناس.

وطرأ عنده تعصُّب لطريقته، مثلما طرأ عليه من قبلُ لمذهبه، قال رضي الله عنه : ((كان مذهبي شافعياً وطريقتي نقشبنديةً، وعندي همّة عالية، أجادل الكبير والصغير، فإذا رجعت إلى غرفتي: أقول لنفسي: ماذا تريدين؟ ولماذا تجادلين؟ فأبكي وأبكي، حتى منّ الله تعالى عليّ بإزالة ذلك الجدل والتعصب)).

ثمّ عهد إليه شيخه بإدارة ختم الذكر النقشبندي وإيواء المريدين وتربيتهم، في جامع باب الأحمر بمدينة حلب، فامتثل..

في طريق الشاذلية

وما أن استنفد رضي الله عنه علوم شيخه أبي النصر وأسراره، حتى قام بجولة في بلاد الشام، يبحث عن مرشد أعلى أو كما سمّاه هو  حامل مرتبة الفرد الذاتي، أو صاحب الوراثة المحمدية . ليكمل عليه سيره ــــ في الظاهر ــــ وتجوّل في مدن سوريا، فكلما التقى بشيخ قال له: هوّن عليك ابحث عن أعلى مني!. ومن العجب حقاً أن تجد إنساناً في مركز دائرة الكمال يبحث داخلها وخارجها ليتعرف على الفرد الذاتي أو حامل مرتبة الوراثة المحمدية، فإذا به يعود من حيث بدأ، ليجد نفسه ميم تلك الدائرة وقطبها المحب المحبوب والمريد المراد الّذي لا ينفك عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم !

وحصل له لقاء بالشيخ محمد الهاشمي الشاذلي في مجمع للعلماء في دمشق، فألحّ عليه بعضهم بأخذ الطريقة الشاذلية عنه، قال رضي الله عنه  :  أوّل يوم دخلنا بالطريق: كنا في دوما عند شيخ الأولياء الشيخ محمود أبي الشيخ الهاشمي، قال الهاشمي: أريد أن أعطيك طريقاً، قلت: لا أريد طريقاً، فألحّوا عليّ، قلنا: خير إن شاء الله ـــ والطريق الشاذلي له ثلاث مراتب ـــ فقطعت المراتب الثلاث في نصف ساعة أو أقلّ أو أكثر! فطار عقله؛ لأن بعضهم يقضي حياته في أول أو ثاني مرتبة! فصرت أبين للشيخ المراتب وكيف يكون السير.. فعلم أن ذلك عناية من الله تعالى لي.

وأشاررضي الله عنه  إلى قول الهاشمي فيه فقال: كان لي شيخ في دمشق يقول: ما قطعناه في سنوات، قطعه الشيخ محمّـد النبهان في ساعات . .

وألحّ عليه إلحاحاً شديداً لأن يكون شيخ طريق وجاءه إلى الكلتاوية مرات.. فلم يستجب له! وقال له:  ما خُلِقتُ لهذا . .وهو رضي الله عنه  لم يتخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة، بل يعتقده غاية داخلة في المغيا، تداخُل الوضوء في الصلاة، فكما أن الصلاة لا تصح إلاّ بالوضوء فإن العبدية لله تعالى لا تتحقق إلاّ برسول الله صلى الله عليه وسلم  قال عليه الصلاة والسلام : (( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )) وقال أيضاً : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين )).

وخلافاً لما درج عليه السالكون، من جعل أشياخهم واسطةً بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ريثما يكتمل حالهم بالفتح، فإنه الواسطة لأشياخه، يرى رسول الله عليه الصلاة والسلام يقظةً فيقول له عليه الصلاة والسلام :  قل لشيخك : افعل كذا أو لا تفعل!! . .

وربما يرد على الّذهن سؤال لماذا سلوكه على شيوخ الصوفية مع كونه يجتمع برسول الله r يقظة ويأخذ عنه مشافهةً ؟ والجواب في جملة أمور :.

الأول : لتكون شهادات شيوخه مبعث اطمئنان لدى المريدين والتلاميذ فيما بعد

الثاني: إن كثيراً من المريدين يبقى مع شيخ لا ينتفع من سلوكه عليه، إلاّ أنه لا يتحول عنه تعصُّباً وتحزُّباً

الثالث: أنه لم يجد شيخاً يملأ دماغه، فهو يفتش هنا وهناك ليتعرف على صاحب الوراثة المحمّدية، مع أن قلبه ممتلئ برسول الله صلى الله عليه وسلم .

الرابع: حتى لا يدّعي هذه الرؤية من لا قدم له في السير والسلوك على المشايخ، مع أن الله تعالى قادر أن يمنحها من يشاء من عباده بسبب أو بغيره .

الخامس: أنه أجيز من شيوخه بالتربية في الطريقتين النقشبندية والشاذلية، فلم يلتفت ولم تطمئن نفسه إلاّ لأمر من سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم فشتان بين من يأخذ من الأصل ومن يأخذ من الفرع، وحين يكون الأمر محمّدياً تكون الرعاية أكبر والعناية أكثر وأثرها أقوى وأعظم، وهو ما سنتعرف عليه في ظهور أمره رضي الله عنه وانتشار دعوته .

ميزات سيره وسلوكه

1.        الصدق مع الله تعالى والتجرد القلبي للهدف، بقوّة الطلب، وإقدام المتفائل المتيقن من الوصول بلا تشكِّك أو تردّد أو تقلّب أو تلفّت.

2.      علو الهمة، والأخذ بجميع الأسباب الممكنة بدءً بالتوكل على الله تعالى الّذي يعتبره t أقوى الأسباب .

3.        الفوريــّة في الامتثال، ومباشرة التغيير إلى الأحسن والأنفع والأكمل، وعدم التدرج أو التبـــاطؤ في ما يجب أو يُراد فعله أو تركه.

4.    الذاتيــّة مع الله تعالى، والنزاهة عن الأغراض الدنيوية والأخروية، لأن العباد على ثلاثة أصناف: منهم من يعبده رغبا، ومنهم من يعبده رهبا، ومنهم من يعبده محبة، وهورضي الله عنه  من الصنف الثالث.

5.        الجديــّة في العلم والعمل، والموازنة بين النظر والتطبيق، والأخذ بعزائم الأمور، من غير كسل أو ملل ومن غير ضعف أو برود أو كلل .

6.    تحقيق العمل وتحقيق العبادة، لا بكثرة العمل وكثرة العبادة، بل بالصدق والإخلاص وإتقان العمل وحسن المعاملة بالنية الصادقة لله تعالى والحضور بين يدي الله ونسبة النعمة إلى المنعم عز وجل .

7.        الإنسانية وأقلُّها أن يحب الإنسان لغيره ما يحب لنفسه .

8.        الحديــّة في تنفيذ الأوامر واجتناب النواهي، واعتماد موازين الشرع ومعاييره، دون تنازل أو مجاملة على حساب العقيدة والمنهج .

9.        المحبة والإتباع التام لحضرة المصطفى عليه الصلاة والسلام .

10.  مداخلة العلم بالسـلوك، والانقطاع التام إلى الله تعالى، والإعراض عن الخلق بالعزلة والخلـوة ابتداءً، لئلا يشتغل بالأدنى عن الأعلى قبل وصـول الهدف، وحتى يصل إلى مرتبة الكمال الذي يؤثر فيها بمن حوله ولا يتأثر بالظرف والتيار والبيئة وما يقول الناس .

11.      موافقة الله تعالى فيما يريد.

12.      التحكم بالنفس والطباع والعادات والعواطف والهوى، والأخذ من المباحات بمقدار الضرورة .

13.      نبذُ العصبيّة للمذهب والطريقة والشيخ والقبيلة، والوقــــــوف مع الحقِّ أينما دار .

14.      الاشتغال بالأعلى، وتقديم الأهم على المهــــــم، وعدم التفريط في الوقت .

15.  الانفصال التام عن العادات أو الأعراف المخالفة، وعن التقليد الأعمى والبدع والتسميات والأُطُر السياسية والمدنية الماجنة التي لا ترتدع عن عيب أو حرام .

16.      الالتزام التام بكمالات الإسلام من كرم وشرف وشجاعة وصدق وأدب ونزاهة...

17.      تزكية النفس والترقي بها إلى العبدية لله تعالى وتقوى السوى والمعرفة الإلهية ومرتبة الشهود .

18.      الصبر على الابتلاء، وتحمل الأذى من الناس والإحسان إلى المسيء .



نفحة من باب الأحمر


وفي جامع باب الأحمر، ظهررضي الله عنه  لأول مرّة بعد مدّة أمضاها في وحشة، فأحاط به جمع غفير بين سالك وتائب ومتبرك، وفي ختم الذكر الذي يقيمه يحضر قارئٌ للقــرآن الكريم حسن الصوت، رقيق القلب يَبكي ويُبكي سيدَنا وكلَّ من معه، ويفترش بعضهم الأرض من غلبة الحال عليهم، فيخيّل لمن يمرّ بين القلعة والجامع أنّ القوم مجتمعون على جنازة، لما هم عليه من ذكر وضراعة!  قال رضي الله عنه  :

((يجيئنا الوارد فشيخنا ورفقاؤنا وجماعتنا يصرخون، وأنا لا أتحرك)) أي لا يصرخ في الذكر، لأنهt كان قوي الروح والقلب على تحمل الوارد النوراني فلا يصرخ ولا يهتز، كما أوضح ذلك فيما بعد.

فلقيه يوماً في أسواق المدينة رجل فقال له: يا شيخي، هؤلاء صوتهم تحت القلعة من البكاء! قال رضي الله عنه  : ((وماذا في البكاء؟ ورسول الله r يقول : (( فإن لم تبكوا فتباكوا )).

قال: وهل نحن مثل الرسول صلى الله عليه وسلم؟  قال رضي الله عنه  : لئن أمكنني الله تعالى لأضعن القدم محل القدم في الاتباع له صلى الله عليه وسلم )) فاندهش الرجل وانصرف!

وفي البيت الذي ولد فيه رضي الله عنه  وعلى الحالة التي كان عليها بعض أصحاب رسول الله  : ((تعالوا نؤمن ساعة)) بقي سنوات يلتقي بخمسين إلى سبعين من أصحابه في الختم، لا يهجعون الليل! يصلون على سيدنا رسول الله مائة مرة، ويتحدثون بكلام أهل الله، وقبل أن يودّع الليل أرجاء حلب بساعة أو ساعتين يأخذهم رضي الله عنه  إلى جامع الكلتاوية لأداء الصلاة.. فإذا بزغت الشمس ناموا قليلاً ثم ينهض كل واحد لبيته أو عمله .


حديث لخادمه

لا يلمس الناس الصدق والإخلاص في رجل إلا وتسابقوا في التقرب منه وإبداء المحبة والخدمة له وكان السبق هنا، لشخص من أبناء محلته يدعى الحاج علي القصاب) زرناه في بيته ـــ ونحن ثلاثة ـــ فإذا هو في التسـعين من عمره، قد طفح نـور وجهه وغشيته السكينة والوقار، قلنا : يا شيخ بلغنا أنّك خدمت سيّدنا النبهان، فهلاّ حدّثتنا عن أيامه الأولى؟ وكان رحمه الله تعالى واحداً ممن رأيناهم إذا حدّثوا عنه بكوا فقال ودموعه تنساب إلى شفتين يحركهما ببطء:  كنت أرقب سيدنا وصاحبه معروفاً الدواليبي، وهما طالبان في الخسروية، فلا أراهما إلا ملكين، فلما أقام رضي الله عنه  في جامع باب الأحمر، تشـرّفتُ بخدمته، وأنا أمتهن آنذاك القصابة، وكنت أبيع الذبيحة وأنتهي منها ظهرا، ثم أشتري لسيدنارضي الله عنه  ما أوصاني به، وأخرج معه إلى مزرعة الكرم، وأبقى معه، فالسيد يدخل غرفته بعد العشاء، أما أنا فلا أنام الليل كله، حتى إذا خرج قبل الفجر وصلى الصبح اقتديت به، ثم نزلت إلى حلب، لا أعرف النوم زمنا طويلا، كيف؟ لا أدري!

ثم منَّ الله تعالى عليّ ببركة تلك الخدمة بترك مهنة الذبح والسلخ التي تورث القلب قسوة وجلادة، وطعامه آنذاك التمر المقلي أو البيض المقلي، أو ما تيسّر من فلفل وزيت وزعتر وكسر الخبز ، ولم يتجاوز ما فرضته الخسروية له من مصروف، وهي ليرة ذهب واحدة في السنة أكلا وشربا ولبسا.

قلنا : أما تحدّثنا عن شيء من كراماته؟ قال: عن أيهـا أتحدَّث؟ فحركاته و سكناته وأحواله وأقواله وأفعاله وأخلاقه كلها كرامات، كرامته : استقامته.

كانت لنا بغلة نركبها سوية إلى مزرعة الكرم) فخرجنا ليلة إلى بستان له هناك ـــ وخاله حارس فيه ـــ فما أن وصلنا حتى فاجأنا خاله بإطلاق نار، ظنّاً منه بأنّنا لصوص، فصرخ رضي الله عنه  : لا يا خالي قتلتني! . وتناثر الرصاص عن صدره دون أذى! فذلك هو بداية أمره . .



خلوةٌ واغتراب

سالك طريق القوم ـــ أهل الله ـــ باحثٌ عن الحقيقة، وحين يجد الناسَ بمنأى عنها يتخذ من العزلة حميةً ومن الخلوة سلّماً، متأسّياً بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، يستأنس بالله تعالى، ويتدبر ما وراء هذا الكون من قدرة وعظمة، مهتما بخويصة نفسه وإعداد شخصيته والوصول إلى غايته.

وعلى هذا النهج كانت عزلته  رضي الله عنه فاعتكف في مسجد الكلتاوية في حجرة صغيرة من طين فهي له البيت والخلوة والمدرسة، حدثنا إمام المسجد آنذاك، الشيخ بشير حداد رحمه الله تعالى، قال: بينما كنت في الكلتاوية إذ أقبل رجل في الثلاثين من عمره يبحث عن إقامة له فيها، وليس معه إلا حزمة كتب وحصير قديم، وكانت هناك غرفة طين صغيرة فسكنها ــ لكنها أدخلت في بناء الجامع بعد تجديده وموقعها الآن عن يمين الداخل إلى حضرة الزيارة ــ ديدنه العلم والذكر، لا يختلط بالناس، ولا يسمح لأحد بالدخول عليه إلا نادرا، طعامه قليل ولباسه بسيط لكنه نظيف، فمذ نظرته أخذ قلبي وظننته من الأكابر... كانt ينظر إلى ساحة المسجد ويقول: ((إني لأرى هناك مدرسة دينية وطلبة علم بعمائم بيضاء)) ... ودخل عليه مرة الولي الشهير بحلب الشيخ ياسين سريو المؤقت، ولما خرج قال: لئن بلغ هذا الشاب الأربعين لتسمعن منه العجب العجاب!

قال رضي الله عنه  : فررت ـــ أول أمري ـــ من الليرات وجئت إلى هنا جاهلاً، ولولا أن الحق عزّ وجلّ يفهمني ما فهمت، وكل الّذي عندي من الله لا من عند زيد ولا عمرو . ولم يكن عنده في الخلوة أمتعة غير كتبه وحاجات مسافر منها، حصيرة مكسّرة وفراش بسيط، فلا مروحة ولا مدفأة! وثوبه واحدٌ في الحرّ والقرّ إذا تهرأ يرقعه بيده، لكنه يتميز بالنظافة، حتى صار حاله حديث الناس!  معتقداً بعضُهم أن فيه مسّاً من الجن!

قال رضي الله عنه  : كنت هنا وحدي في الخلوة معتزلاً، فجاءني يوماً شخص معه كتاب ينتقد فيه أبا يزيد البسطامي! : لماذا يقول بالعزلة؟  قلت له : وماذا في العزلة؟ العزلة حق، وكلام أبي يزيد البسطامي حق، العزلة مثل الحمية وزناً ومعنىً، وحين تذهب لمعاينة الطبيب أيمنعك عن أكلاتٍ طول حياتك أم ما دمتَ في المرض؟  قال: ما دمتُ في المرض، قلت: وكذلك العزلة ما دمتَ في المرض. .

إيــــهٍ.. لقد تغيّر ذلك الفتى المدلّل الذي يرتدي أجمل الثياب وأحسنها إلى زاهد متبتل، شأنه شأن سيّدنا مصعب بن عمير رضي الله عنه  قبل الإسلام وبعده، إلاّ أن سيّدنا مصعباً أخرجته أمّه من بيتها بعد إسلامه، أما سيّدنا النبهان فقد كان قريبا من نبض قلبها، إذا رأته فكأن حالها ينطق: ربّي وربّك الله  أيها الهلال!

ووالده يحبه ويجله، ولا يجلس أحياناً مدة بقاء ولده في البيت! فيقول له: اجلس يا أبي . فيجيبه: والله يا ابني أودّ أن أبقى واقفاً حتى تذهب!

وبداهةً فلا بدّ لكلّ غاية من وجهةٍ تناسبها وهمّة تنهض بتبعاتها، لذلك أجهز على العلائق والعوائق لا همّ له إلا الله تعالى، مستهدفاً تنفيذ أوامره والتعرّف على حضرته، متحقّقاً بالعبدية، لا لنيل وظيفة أو مشيخة أو جاه أو رتبة أو كشف أو كرامات، فغايته دونها جميع الغايات، ومراده من الله هو الله سبحانه قال رضي الله عنه : صاحب الهمّة لا يرضى بالكرامات ولا بالجنان ومراتبها، لا يرضى إلا بالله تعالى لا يبتغي به بديلاً . .

فهو رضي الله عنه  مريد لله تعالى يتعشّق وجهه، ويتطلع إلى فناء بمحبته وإرادته، وكثيراً ما يردد قوله تعالى } مِنْكُمْ مَنْ يُريدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُريدُ الآخِرَةَ { [ آل عمران 152 ]  ويتساءل : فأين من يريد المولى تعالى؟  ويردد شعراً :

كل من تلقاه : يشكو دهره                ليت شعري : هذه الدنيا لمن

ويجيب في كل مرة:  لمن أعرض عنها . .

ثم صار يقول فيما بعد:  لا لمن أعرض عنها، وإنما لمن أخذها بحق وأعطاها بحق . .)) وهذا يدل على دوام ترقيهt في العلم والفهم والذوق.

صدق عجيب

قال رضي الله عنه  : أنا صادق من صغري، تهابني الإنس والجن، لماذا؟  لكوني صادقاً، وهي ليست خصوصية لي!  بل وكل صادق منكم تهابه الإنس والجن، سيري كله صدق وإخلاص، ولو كذب هذا اللسان لقطعته! . فالصدق والصراحة ديدنه فطرةً وسجيّةً .

قال رضي الله عنه  : إن أحد مشايخنا الّذي كنا نقرأ عليه التوحيد والمنطق قال: ((يا شيخ محمد، ما أجمل وجهك لو قصّرتَ لحيتك قليلاً! ـــ وكانt لا يقصّر ــ فضحكتُ لكوني أحبه، ولم يكن أحد يجرؤ أن يتحدث معي بهذا الكلام!

وبعد مدة : كنت تحت القلعة فرأيته، فقلت له : يا شيخي لو أطلت لحيتك قليلاً .

قال: يا شيخ محمد أنا أنزعج! قلت : أنا أطبق شريعة وأنت تنهاني عنها، وأنا آمرك بالشريعة فلماذا تنزعج؟قال: كم هي الساعة الآن؟

وكانت الساعة السادسة إلاّ نصف أو ربع دقيقة لا أعرف، فتأخرت عن الإجابة، ثم قلت: السادسة

قال: لماذا تأخرتَ؟قلت: ما كانت الساعة ستاً .قال: قل : تقريباً .

قلت له : لا أريد أن أكذب من أجل حضرتك..قال: أود أن أحكي لك حكاية .قلت: تفضل .

قال: أنظر إلى عوام الناس: هذا يكذب وذاك يخون، وهذا يغش وذاك يغتاب ـ ـ  فلا أقدر على مصاحبتهم وأنظر إلى الصوفية: لا يكذبون ولا يؤوّلون، وهذه لا أقدر عليها كذلك!! )). .


[color=FA0309]زاد الطريق



لا بدّ لكل مسافر من زاد وراحلة .فأما الزاد فهو التقوى قال تعالى } وتزودوا فإن خير الزاد التقوى { [ البقرة 197] .

وأما الراحلة هنا فهي الاعتقاد قال رضي الله عنه  : ((مطيتنا العظمى إلى الله هي الاعتقاد)) ..

ولأجل هذا جعل رضي الله عنه الشريعة طريقته، والأمر والنهي ميزانه في كل لحظة من لحظات الترقي التي رافقت سيره وسلوكه، وحرص على متابعة رسول الله  في الأقوال والأفعال والأحوال والأخلاق والنيات فلم يؤجل مسألة تقتضي الامتثال إلى الغد بل دأب على تنفيذ ما علم من يومه، يؤدي الفرض والسّنّة على السواء، ويعمل بعزائم الأمور والأورع والأنفع، ويتقي الشبه والرخص، ويأخذ من المباح بمقدار الضرورة، ولا يتنزل لفعل خلاف الأولى فضلا عن المحرم والمكروه ويقول t : نحن عندنا خلاف الأولى : كبيرة . ولا يستهين بشيء يعمّه لفظ الاتباع مهما كان في أعين الناس صغيراً أو يسيراً، ولا يجد سنــّة ماضية عن رسول الله  إلا أحياها .

يكره الذنب ويخشى المخالفة ويتساءل  : هل يقدر عاقل أن يعمل مخالفة؟ هل يقدر عاقل أن يكذب أو يغش أو يخون؟ . ويجيب :  العاقل لا يعمل مخالفة ، ويردِّد :  الله شاهدي، الله ناظري، الله معي، الله يشهد باطني، الله ينظر ظاهري، وهو معي في الظاهر والباطن، فكيف أعمل المخالفة وأنا عبده؟  } وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ { [ سورة الحديد 4 ]  .

وأضاف رضي الله عنه : ومما منَّ الله تعالى به عليّ أن رزقني اتباع حبيبي محمّدٍ صلى الله عليه وسلم ، في أقواله وأفعاله وأحواله وأخلاقه. اتبعته r في الصغيرة والكبيرة، ومن كثرة اتباعي إذا سألني أحد : هل الرسول صلى الله عليه وسلم يتختم؟  أرفع يدي وأقول: نعم بخنصر اليمنى، وكنّا نقرأ درسا فجاء حديث معناه : (( أن الله يكره العمامة الصمّاء )) فرفعت عمامتي وأنا في الدرس فأخرجت لها عذبة، سيري من أوله إلى آخره في الإتباع، لا أبالي من أحد، ولا أحب البدع، وإذا عرفت عن أحد بدعةً لا أحبه أبداً ولا آخذ عنه !

وهو غزير البكاء كثير الدعاء بـــ  يا ربّ قلبي قلبي، يا ربّ طهّر قلبي، يا ربّ احفظني وإلاّ تحفظنِ أقع . وخلف كل فريضة :  اللهمّ ارزقنا اتباع سيّدنا محمّد r في الأقوال والأفعال والأحوال والأخلاق واجعله يا ربّنا روحاً لذاتنا من جميع الوجوه في الدنيا قبل الآخرة يا عظيم ..

أوراده وأذكاره رضي الله عنه

قال الله تعالى في كتابه العزيز : } يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا اذْكُروا اللَّهَ ذِكْراً كَثيراً 

وَسَبِّحوهُ بُكْرَةً وَأَصيلاً  هُوَ الَّذي يُصَلّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ  لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النّورِ  وَكانَ بِالْمُؤْمِنينَ رَحيماً { [ الأحزاب 41 ـــــ 43]، وقال أيضاً : } فاذْكُروني أَذْكُرْكُمْ واشْكُروا لي وَلا تَكْفُرونِ { [ البقرة 152]

ولما كان الذكر مفتاح خزائن قلوب الذاكرين، ومعراج أرواح السالكين، فإن له t أذكاراً وأوراداً أهمها:

الأول :  قوله :  الله شاهدي، الله ناظري، الله معي . : إحدى عشرة مرة، مفرّقةً على اليوم والليلة  مع التدبّر والتفكّر في معانيها .

الثاني :  التهجد : وأقله ركعتان في الثلث الأخير من الليل، مع ساعة من التضرع والبكاء والتسابيح والمناجاة .

فمن التسابيح :
سبحان الأبدي الأبد

سبحان الواحد الأحد

سبحان الفرد الصمد

سبحان الذي لم يتخذ صاحبة ولاولد

سبحان الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد

سبحان من رفع السماء بغيرعمد

سبحان من بسط الأرضين على ماء جمد

سبحان من خلق الخلائق كلها فأحصاهاعددا

سبحان من قسم الرزاق بين عباده فلم ينس من فضله ورزقه أحدا

لاإله إلاالله



ومن المناجاة قوله

يا عزيز أنت العزيز وأنا الذليل فــــــمن للذليل سواك؟  لا اله إلا الله

يا قادر أنت القادر وأنا العاجز فمن للعاجز سواك؟  لا اله إلا الله

يا قوي أنت القوي وأنا الضعيف فمن للضعيف سواك؟  لا اله إلا الله

يا غني أنت الغني وأنا الفقير فمن للفقير سواك؟  لا اله إلا الله .

يا عالم أنت العالم وأنا الجاهل فمن للجاهل سواك؟  لا اله إلا الله .

يا باقي أنت الباقي وأنا الفاني فمن للفاني سواك؟ لا إله إلا الله.

يا حي أنت الحي وأنا الميت فمن للميت سواك؟  لا اله إلا الله .

الثالث :  قوله ـــــ بين سُنّة الفجر والفريضة ـــــ : يا حي يا قيوم ( أربعين مرة ) .و :  سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أستغفر الله  ( مائة مرة ) .الرابع :  قوله ـــــ عند النوم وبعد اليقظة ( صباحاً ومساءاً ) ـــ ثلاث مرات:

بسم الله ما شاء الله، لا يسوق الخير إلا الله

بسم الله ما شاء الله، لا يصرف السوء إلا الله

بسم الله ما شاء الله، ما كان من نعمة فمن الله

بسم الله ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله

الخامس :  ذكر اسم الجلالة ( الله الله ) : من بعد صلاة الفجر حتى مطلع الشمس .

السادس :  الورد بعد الصلوات الخمس :

أ ـــــ أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيّوم وأتوب إليه ( ثلاثاً ).

ب ـــــ اللهمّ أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام، تباركت وتعاليت يا مـــالك الملك يا ذا الجلال والإكرام .

ج ـــــ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ( ثلاثاً ) .

د ـــــ جزى الله عنا سيدنا ونبينا محمداً r وشيخنا ومربينا ما هو أهله ( ثلاثاً ) .

هـ ـــــ اللهمّ صلِّ على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلِّم .

و ــــــ اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ولا تجعلنا يا مولانا من الغافلين .

ز ـــــ آية الكرسي : } اللهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وَما في الأرْضِ مَنْ ذا الَّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْديهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحيطونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسيُّهُ السَّماواتِ والأَرْضَ وَلا يَؤودُهُ حِفْظُهُما وَهوَ الْعَليُّ الْعَـظيمُ  { [البقرة 255] 

ح ـــــ } آمَنَ الرَّسولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ والْمؤْمِنونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ .  لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْســاً إِلا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسينا أَوْ أَخْطأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى الْقَوْمِ الْكافِرينَ { [البقرة 285 ـــــ 286]  .

ط ــ } شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ والْمَلائِكَةُ وَأولوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ  . إِنَّ الدّينَ عِنْدَ اللهِ الإسلام  { [آل عمران 18 ـــــ 19]  .

ي ــــ } قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تؤْتي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ  .  تولِجُ الْلَيْلَ في النَّهارِ وَتولِجُ النَّهارَ في الْلَيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ { [آل عمران 26 ـــــ 27] .

ك  ــــــ  سورة الإخلاص    ل  ــــــ  سورة الفلق    م  ــــــ  سورة الناس      ن  ــــــ  سورة الفاتحة

س ــــــ  سبحان الله (33 مرة )، الحمد لله (33 مرة )، الله أكبر ( 34 مرة ) .

ع  ــــــ الدعاء : وهو في الغالب من صيغ الدعاء المذكورة في نهاية حلقة ذكر الجمعة السابع :  وقت الفراغ : يصلي  ركعتين ثم يقول :

أ.  أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه  ( 25 مرة ) .

ب.  اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد، عبدك ونبيّك ورسولك وحبيبك، النبيّ الأميّ، وعلى آله وصحبه وسلِّم  ( 25 مرة ) .

ذكر اسم الجلالة :  الله الله  . 

الثامن : يقرأ بعد فرض الجمعة : سورة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين ( سبعاً سبعاً )، يختمها بدعاء :  اللهمّ يا غني ويا حميد، يا مبدئ ويا معيد، يا رؤوف ويا ودود، أغننا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمّن سواك، اللهمّ أغننا بالعلم، وزيّنا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى وجمّلنا بالعافية، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلِّم  .

التاسع :  الصلاة العظيمية : بعد العشاء من ليلة الجمعة :اللهمّ إني أسألك بنور وجه الله العظيم، الذي ملأ أركان عرش الله العظيم، وقامت به عوالم الله العظيم، أن تصلي على مولانا محمّد ذي القدر العظيم، وعلى آل نبي الله العظيم، بقدر عظمة ذات الله العظيم، في كل لمحة ونفَس عدد ما في علم الله العظيم، صلاة دائمة بدوام الله العظيم، تعظيماً لحقّك يا مولانا يا محمّد يا ذا الخلق العظيم، وسلِّم عليه وعلى آله مثل ذلك، واجمع بيني وبينه كما جمعت بين الروح والجسد، ظاهراً وباطناً، يقظةً ومناماً، واجعله يا ربِّ روحاً لذاتي من جميع الوجوه في الدنيا قبل الآخرة يا عظيم  .

العاشر  : الصلوات الإدريسية* وهي أربع عشرة صلاة، ووقتها بعد العشاء من ليلة الجمعة أيضاً، مدونة في كتاب (مجموعة الأحزاب الإدريسية) فمن أراد الاستزادة فلينظرها هناك.

رياضة السُّلوك

سار رضي الله عنه  في طريق مفاده:  خلِّ نفسك وتعال، وليس خلّ عقلك وتعال، إنماالمطلوب ترك رعونات النفس وأهوائها وحظوظها حتى تتزكى، ولازم حالة يترقى فيها بمراتب الإحسان، مخلِّفا وراء ظهره كل ما فيه جاهلية أو عصبية، ولم يعطِ لعادة من العادات طريقاً لأن تتحكم فيه، ونفسه تتشهى لأن تشبع من خبز شعير حار فيأبى عليها، ويرسل له أهله طبيخا أو لحما فيتصدق به أو يردّه، ويتحرى الحلال ولا يحضر دعوة أو وليمة ويقلل الطعام لقمة فلقمة، ويكتفي فترة خلوته بوجبة واحدة في اليوم والليلة وربما طوى اليومين والثلاثة على لقيمات يقمن صلبه، حتى ضعف جسمه ونحل، قال رضي الله عنه : بقيت مدة طويلة لا أعرف الشبع كيف يكون، وأشتهي أن أشبع ولو من خبز شعير يابس أسود إلا أنني في بسط وسرور، وضعف جسمي ونحل حتى صرت هيكلاً عظمياً، إذا أقعد تقعد العظام على الأرض . .حدثنا الشيخ عبد الرحمن حوت قال: زرنا سيدنا النبهان وكنا خمسة صائمين فقلنا له :

يا شيخ محمّد نريد أن نفطر عندك، فلم يكن عنده وقتئذٍ غير بندورة واحدة، فرمها وأضاف لها ماءً وملحا وخبزا ثم طبخ فأفطرنا عنده والطعام كما هو لم ينقص منه شيء .

وافتقر كثيرا قال رضي الله عنه  : كل من يحب الرسول صلى الله عليه وسلم لابدّ أن يفتقر ذقناها لدرجة حق الإدام ما عندنا . أي ثمن الإدام، وهذه من موافقات الوراثة، قال رضي الله عنه : كل ما ذاقه الرسول  يذوقه السالك إلاّ النبوة ورسالة التشريع!.  يُفهَم من قوله: أن المحب الصادق لابدّ أن يفتقر في جزء من حياته اقتداءً برسول الله r ومصداقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: (( إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه))

واحتاج مرة إلى ثمن الخبز، فلم يكن عندهّ! فقال:  يا رب : ابعث لي برغوتاً صغيراً. فوردته رسالة من صاحب له بمصر، ما أن فتحها حتى وجده فيها فابتاع به خبزاً وفلفلاً وأطفأ سغبه!

قال رضي الله عنه  : كنت مرة في الطريق فاشتهت نفسي العنب، وليس عندي ثمنه! فلحق بي شيخ اسمه محمد مقيد قال: يا شيخي، فالتفت وقلت: ما بك؟ فإذا بيده عنقود عنب! قلت: لا! فأقسم بالله: إنه لك!!. .

ملك كِسرى تُغني عنه كسرةٌ            وعن البحر اجتزاءُ بالوشل

قال رضي الله عنه : أنا كنت ابن غنى، ـــ والمال بيدي ـــ فتركت المال وتوجهت إلى الله، صرت آكل الشيء البسيط، وما بقي معي قرش سوري!  ما عندي أكل، لا لحم ولا شحم ولا برغل ولا رز ولا عنب ولا جبَس ولا شاي..!!  هذا كله ما كنت أعرفه أبداً، وانشقت ( ساكويتي ) فما عندي ثمن (الساكوية) فرقعتها ولبستها! لكنني مسرور أكثر من الملوك!  والحق عز وجل وهبني هذا السرور من صغري . .

وعرض عليه ذو مالٍ قرضاً، فأبى وقال: أنا أستدين من نفسي . أي بالصبر والتوكل والاكتفاء بالضرورة، فما كان ليقترض أو يقبل مالا من أحد أبداً، وهكذا خالف نفسه وفطمها عن الطيبات إلا بقدر ما يجري به الدم والنفس، فزاد ذلك في جلاء بصيرته.. وكتب على جدران خلوته حديثين : الأول : (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )) والثاني: (( كفى بالمرء إثما أن يحدِّث بكل ما سمع )) ، وكلمات لسيدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنه : العمر قصير، والناقد بصير، وإلى الله المصير . .فاغتنم الوقت، ووضع الحصاة تحت لسانه زمناً قال رضي الله عنه  : بقيت مدة ـــ وأنا في السير ـــ أضع الحصاة في فمي  واستفدت منها كثيراً، لا أتكلم إلاّ بما يجب عليّ، وإذا كانت الكلمة الواحدة كافية لا أتكلم اثنتين، فطالما الواحدة تكفي لا نزيد عليها ثانية!  وإذا سألني أحد أقول له : كيف قلبك مع الله؟  فيسكت!  جاءنا هذا من النور، الّذي يعطينا تمييزاً لما نقول . فهو لا يخالط الناس ولا يكلِّمهم إلاّ ضرورةً حتى عبّروا عنـه بـــ ( الأبله ) و( الأخرس ) إذا نطق فلسانه وراء قلبه يتدبر الكلمة، ويعدل من النافع إلى الأنفع ومن الحسن إلى الأحسن، فأورثت فيه حالة الفرار إلى الله والاغتراب منالخلق اشتغالا بالأعلى وأنساً بالمحبوب فذاق حلاوة الاطمئنان وارتشف كأس المحبة والعرفان، وعلى حالته هذه لا يشتغل بنصح الناس وتذكيرهم وبقي سنتين في مرتبة قوله تعالى } مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبيدِ{ [ فصلت 46] .

قال رضي الله عنه  : أنا كنت في السلوك لا آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر! وإذا سألني أحد لا أردّ! حتى تمكنت من نفسي . .

لذلك يطرق بابَ خلوته أولياء وعلماء فلا يفتح لهم، قالرضي الله عنه  : من الناس علماء أولياء أكابر يطرقون عليَّ الباب ويلتمسون أن أجيب أسئلتهم فأكلّمهم من شبّاك صغير .. وطلب منّي الشيخ عيسى البيانوني المطالعة معه في كتاب إحياء علوم الدين، فقلت : بشرط أن نعمل بما في الكتاب، فانصرف!  .

وهكذا هجر الخلق وهم مقبلون عليه، وترك الدنيا وهي خضرة نضرة لديه، فمنذ أن لحق t  بركب العلم والسلوك لم يأخذ من مال أبيه إلاّ ما يدفع به الضرورة أو يسدّ الرّمق وربما لا يأخذ، ولم يفاتح والده بشراء دار مع حاجته الشّديدة إليه، وعزّ على الوالد أن يرى فلذّة كبده على هذه الحالة من الزهد والفقر وهو من أغنى الناس في حلب، فأشفق عليه وعلى عياله وقال له : أنت زاهد فهل زوجتك وأبناؤك مثلك؟ تعال يا ولدي أهبك ما تريد من مال، وأسجّل لك ما تحب من أرض أو دار.. فلم يجد من ولده إلاّ الرّفض! فأمضى سنين عجافاً ملجئاً نفسه إلى الفاقة، واضعاً القدم على القدم في الاتّباع، يتنقل ـــ بأهله ـــ من باب النيرب، إلى ملحق صغير في جامع الإسماعيلية، ثم إلى باب الأحمر، ثمّ إلى مستأجَر في حارة الباشا، ومنه إلى مستأجَر في الكلتاوية.

قال رضي الله عنه  : أنا كنت في الدنيا ابن الدنيا، وابن غنى، لا من آحاد الناس، وكان المال كله بيدي وأنا أكبر أخوتي وكنت أعمل الوليمة الواحدة لثلاثمائة أو أربعمائة شخص، وأعطي للشاباش) ليرات ذهب، كل هذه الأشياء عندي، وكنت أظنها وهماً في وهم، ومن النعمة علي أن رأيتها وهماً؛ لكي أعرض عنها، أما الآن فما عندي شيء اسمه وهم، بل كلها حقائق .

تلوين بتمكين

وجمع رضي الله عنه في سيره وسلوكه بين معانٍ متضاربة ظاهراً متلازمة باطناً، فالبسط والسرور والرضا والطمأنينة بمقابلة الحَزَن الدائم، وهي مسألة ذوقية، فكيف يسوّغ هذا التناقض وكيف يُفهم؟!  هاك بعض أقواله ابتداءً قال رضي الله عنه  : لا أرضى أن يكون نَفَس مثل نفَس، وإنما كل نفَس أعلى من الأول، لا أرضى بالعالي إلاّ بالأعلى.. لماذا يفوز صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم برسول الله؟! واللهِ لأزاحمنّهم عليه بالرُّكب! . .

فأثمر عنده الفأل الحسن وعلوّ الهمة والموافقة لله ورسوله حالة البسط والسرور والرضا والطمأنينة، وأورثه التعطّش المستمر والتعشّق للمزيد مقام الحَزَن، وذلك مقام المتمكن الأمكن في السلوك أو ما يطلق عليه عند أهل الله "التلوين في التمكين" قال رضي الله عنه : تأتي على السالك مرتبة التلوين، ثم يرقى منها إلى التمكين، وهناك مرتبة لا يصلها ولا ينالها إلاّ الأفراد، وهي التلوين في التمكين، أي متمكناً في التلوين الإلهي كقول بعضهم :  دليلي فيك تلويني .  أما التلوين الأول الّذي يأتي قبل التمكين فهو حال يمكث عليه زمناً، فإما أن يرجع عنه وإما أن يرقى منه إلى التمكين، وعليه أكثر القوم الأفراد، وهم العارفون .

المتلون المتمكن: يقول في الساعة أمراً ثم يقول ضدّه في تلك الساعة وهو متمكن  .

الفجر المرتقب

إنه الأمل المرتقب والجرس الذي يضرب على قلوب الناس، والدهشة التي تملأ عقول الأولياء والعلماء، مذ اشتهر عنه رؤية الرسول في اليقظة والأخذ عنه مشافهة، فرجل هذا شأنه لابدّ أن ينتشر ذكره، ويظهر أمره، ويترقب الناس رؤيته والتعرف على شخصيته، قال رضي الله عنه : الناس يرقبونني على الطريق ليروا صورتي، فأمر من بينهم ونظري على قدمي لا أرى نساء ولا رجالا، فإن بدأني أحد بتحيّةٍ بادرتُ بالصلاة على سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم ورددت بأحسن وسألته: كيف قلبك مع الله؟ ومشيت.. والمرشدون الكمّل يأتون من البلاد البعيدة ليتعرّفوا على الشيخ النبهاني ومن يكون الشــيخ النبــهاني؟  إنه عبد من عبيد الله!


وشيوخ حلب يحترمونني، لماذا؟  فهمت ذلك من الشيخ نجيب سراج رحمه الله : لأن والدي غني، والمال بيدي والزعامة لي، فتركت المال والزعامة، وأقبلت على الله ورسوله وعلى الجوع والعراء، من هنا فالمشايخ يحترمونني، صغيرهم وكبيرهم يعتقد أنني أجتمع بالرسول r يقظةً..


جاءني الشيخ أسعد العبجي مرةً وهو معتقد ومحب، فقال: يا شيخ محمد، قلت له : نعم، قال: أودّ أن أرى الرسول عليه الصلاة والسلام!  قلت : أبالمنام أم باليقظة؟  قال: أيهما كان، وكان عنده أربعمائة ذهبة فقلت له: تأتيني بالأربعمائة ذهبة نعطيها للفقراء؟  قال: لنرى الرسول عليه الصلاة والسلام قبلها!  قلت: تريد أن تكسب! قال: أرى قبل أن أعطي..!


وسألني الشيخ ياسين سريو المؤقت في جامع حلب الكبير رحمه الله تعالى قال: يا شيخ محمّد، أنت وصلت إلى هذه المرتبة بواسطة شيخك؟ فقلت: أتبرأ من ذلك، وبعد خروجه التقى بنفرٍ في المسجد وقال لهم : إذا بلغ هذا الشاب الأربعين من عمره سيكون له شأن عظيم، ولتسمعُنَّ منه العجب العجاب!  .

الفتح الأكبر

وحكم على قلبه حب سيدنا محمّد فعاش سنواتٍ  القلب حزين والعين تدمع

وبلغ ــــ بصدق حاله ونقاء قلبه وصفاء سريرته وجلاء بصيرته وشدّة وجده ـــ مكانةً عظيمة، قال  : ما أخذ قلبي غير حبيبي محمد ما عبّأ دماغي غير حبيبي محمدمحمّد محمّد، لو تعرفون محمّداً وكنت أجلس معه صلى الله عليه وسلم لا أريد مفارقته ولا يريد مفارقتي، وكنت أحبه ولكنّه صلى الله عليه وسلم يحبّني أكثر، وكان يمشي معي في الطريق، ويعلّمني كل شيء، وكنت أنظر في المرآة : فلا أرى صورة نفسي بل صـورة حبيبي محمّد  ذرّة مني وذرّة منه  حتى صرنا شيئاً واحداً، فأوصلني إلى الحضرة الإلهية، شهدته بكل ذراتي، فلمّا وصلت هناك بدأت الابتلاءات تأتيني من كلّ جانب وهجمت عليّ، من المريدين والمشايخ وأهل العلم والأصدقاء والأهل والأحباب، هذا يقول ساحر وذاك يقول دجّال.. وكان لي صاحب يكتب لي من بلده:  يا شيخ محمد، موتي وحياتي بين شفتيك! ، فالتقيت به في بيروت.. فإذا به يقول: أنت قليل حياء قليل أدب ما تستحي! ، واللهِ سمعتها منه بأذني في بيروت، هو ما له خبر؛ عندما سألوه: أأنت تكلمتَ بهذا الكلام؟ قال: أنا؟  والله ما لي خبر! وآخر كان كالميت بين يدي! يراني بينه وبين شيخه في المدرسة ـــ يقظةً ـــ وقت الابتلاء قال لي: (أنت إش شايف حالك؟) قلت له: ((والله ما أعرف  إش شايف حالي)) قال لي: أنت خادم! قلت له: عند من؟ قال: عندي، قلت من أجل ماذا؟ قال: تغسل الأغراض.. ابتلاءات تعبئ الدماغ.. وعرّفني الحق عز وجل أن المحرك والمسكن لأولئك هو جل جلاله، وأنه هو المبتلي لا هذا ولا ذاك، وأن ابتلاءه محبة لي، فلم يبق عندي غضب على أحد! وكنت أرحمهم وأدعو لهم إذ وجدتهم معرّفين لي في الحضرة الإلهية، والذي رأيته ما من صاحب إلاّ الله، لا زوجة ولا ولد ولا مريد ولا تلميذ ولا صديق ولا حميم، فلا محبوب ولا صاحب إلاّ الله ورسـوله، ولا ســير بدون ابتـلاء . .فخلص رضي الله عنه  إلى تقوى السوى، وفرغ فؤاده من غير الله تعالى فراغَ قلب أمّ موسى عليه السلام من غير موسى، وارتحل من ( أشهد ) التي تعني الإقرار والإعتراف لله بالوحدانية إلى ( أشهد ) القلبية التي تعني شهود الحق بالحق، يشهد بأن الوجود المطلق لله وحده، ويستشهد بوجود الله تعالى على وجود مخلوقاته، بل هو في آفاق توحيده يقول رضي الله عنه  : ما رأيت شيئاً اسمه شيء، ما في الوجود إلاّ واجب الوجود، المحرك والمسكّن في الوجود هو الله، أحد أحد، ليس معه أحد، كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان.. أطلعني الله تعالى سنة ألفٍ وثلاثمائة وتسعٍ وأربعين هجرية على المخلوقات فإذا بها لا انفصال لها عن الله ولا اتصال لها بالله عز وجل، بل هي معه كالظل والشاخص . فذلك هو التوحيد والشهود الّذي أضاءت له به عوالم الغيب، ليرى ويسمع من العجائب والغرائب ويكون غريباً وعجيباً في الناس، بمقدار عظمة شخصيته، وبقدر ما سمع أو رأى أو علم، مصداقاً لمعاني وأذواق الحديث القدسي، الّذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: (( قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، وإن سألني لأجيبنّه، وإن استعاذني لأعيذنّه )).

وَقُل رَّبِّ زِدْنِيْ عِلْماً 

وحين أعطى كليته للعلم فتح الله عليه خزائن علمه ومعرفته، قال  : درستُ العلم على أشياخي حتى انتهيت منهم، فلم أشبع، وقدّر الله أن التقيت برجلٍ، هو مجدّد المائة، فاستوفيت ما كان عنده من علم، فلم أشبع، فالتقيتُ بآخر، هو مجدّد الألف، فأخذتُ ما كان عنده من علم، فلم أرتوِ ولم أشبع إلاّ من العلم الّذي أخذته من حبيبي رسول الله  فإن كان عندنا رملة من علم فهي من رماله صلى الله عليه وسلم وإذا كان عندنا واحد بالمائة من علمه عليه الصلاة والسلام فإن المائة جميعها له } ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم { [ الجمعة 4 ] .

كنت مقيماً في جامع الحموي فتجلى لي الحق عزّ وجلّ وأنا نائم في النهار فقال لي: يا محمد إني أحبك، والدليل أني أحبك أعطيتك العلم! الّذي ما عنده علم لا يعرف يبيع، ولا يعرف يشتري، ولا يعرف يتزوج.. وأطنب الحق عزّ وجل!!!  .

الصّدق متبوع بالابتلاء

قال رضي الله عنه : الصدق متبوع بالابتلاء، وكل عمل فيه إخلاص لله تعالى فلا بدَّ أن يتبعه ابتلاء .  وعلى هذه القاعدة : وبعد أن أصبح له أصحاب أجهد نفسه في توجيههم وتربيتهم فلا بدّ أن يتصدّى له الحسدة والمرجفون فيكيدوا له كيداً، فترصّد له أربعة؛ ضاقت أنفسهم بعلوّ مكانته ورِفعة شأنه وسبقه، فأضمروا شراً وتآمروا على قتله، ووشَوا إلى الشيخ أبي النصر رحمه الله تعالى يقولون له: إن مشيخة الطريق آلت إلى الشيخ محمّد النبهان، ولم يبق لك إلا الاسم والرسم!!

وحين بلغه رضي الله عنه  خبرهم راجع شيخه بحمص، يوضح الحقيقة قائلا :  ما أنا ذلك الشخص، ولا هكذا طلبي " يعني المشيخة " والله ما مَثَلي ومَثَلُكم إلاّ مَثَل سيدتنا عائشة والّذين اتهموها!  إن قلت لكم نعم: فلا والله ما أنا هكذا، وإن قلت لكم لا: فلن تصدقوني، وإن شاء الله يا شيخي: يريك إياها في المنام.. وكنت أعتقد أنّ الشيخ لا يعلم الغيب، ولكن الله سيريه إياها في الرؤيا . واعتذر لشيخه عن إدارة ختم الذكر، فقبل بادئ الأمر اعتذاره، ثمّ ارتحل رضي الله عنه  إلى جامع الكلتاويةسنة 1347هـ.. فتفرّق الجمع، ولحق به أتباع من الطريقة الرشيدية والشيخ عبد الباسط ابن شيخه أبي النصر .


فعاوده الشيخ أبو النصر رحمه الله تعالى في الكلتاوية مرات يقول له :  يا شيخ محمّد إن الطريق ضعف وخرب، وأنا لا أريدك أن ترجع إلى الختم فحسب بل ولتخرج إلى المقاهي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر!  وتكون مثل الشمعة تحرق نفسها من أجل غيرها . .

قال رضي الله عنه  : لا يا شيخي أنا عقلي صغير، وعلمي صغير، وعمري صغير، نفسي فوق الوجود، كيف تريد ياشيخي أن أكون شمعة ، تحترق لتضيء للآخرين؟ بعدها : تنطفئ الشمعة وتصير ظلمة، وإذا انطفأت تنطفئ عليّ وعليهم . .وإن من يضع كفيه على أذنيه لئلا يسمع غيبة أو نميمة لا يتنزل للخوض في قيل وقال أو يقبل بضياع نفسه على حساب غيره؟ وما هي الثمرة التي يجنيها المرء إذا ربح العالم كله وخسر نفسه؟  قال رضي الله عنه  : ((الشيخ أبو النصر رحمه الله هو السبب؛ لأنه يمدحني أمام الصغار والكبار: الشيخ النبهاني.. الشيخ النبهاني.. اذهبوا إلى الشيخ النبهاني.. فدخلوا عليه بعد ذلك، وقلبوها إلى ضدية.. فأرسلتُ إليهم من يخبرهم عني: وأنا نائم لا أخاف منكم)). .

وكيف عامل رضي الله عنه  الوشاة؟ هل انتقم لنفسه؟ أم كظم غيظه وأقال العثرات؟        لقد أكرمه الله تعالى بالصبر والسعة والرحمة، فلم ينتقم لنفسه، ولم يرهم أعداءً أو حسدةً، قال رضي الله عنه  : ((رأيتهم مؤدِّبين لي ومهذِّبين، ومخلِّقين ومعلِّمين، فأنا أدعو لهم خلف الصلوات الخمس بأسمائهم)) وما أحرى دعاة اليوم لأن يتخلقوا بهذه الأخلاق، فلا يعثر المسلم بأخيه أو يختلف معه على حساب الولاء للتسميات، بدلا من الولاء لله تعالى ورسوله ولسائر المؤمنين } إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسولُهُ والَّذينَ آمَنوا الَّذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعونَ { [ المائدة 55] .

وكان بداية طلبه للعلم يجد في نفسه أنه أحسن من غيره! فلما تمكن في السير والسلوك وصُبَّت عليه الابتلاءات صَبّاً أصبح لا يرى نفسه أحسن من مخلوق على الإطلاق .

جائزة الابتلاء

ولم يقتصر امتحانه على أولئك الأربعة بل شمل الّذين سهر على إيوائهم وتربيتهم زمناً! قال رضي الله عنه : ((الناس الّذين كنت أخدمهم وأربيهم صاروا أعداءً لي، وأصحابي الّذين تربّوا عندي في بيتي يمرّون من جنبي ولا يرمون السلام! فأقول: الحق معهم، مع كوني لا أعمل خلاف الأولى! ولما صبرت، أعطاني الله تعالى شيئاً ما كنت أعرفه)) . .

وما هو الشيء الّذي وهبه الله تعالى له؟ هل أعطاه سيارة بأحدث صنع؟ أم قصراً على آخر طراز؟ أم وجد كنزاً؟.. لم ينل من ذلك شيئاً؛ وليس هذا طلبه، فمن تعلق بالمعاني لن يتشوّف إلى المادة والأواني، ونال الجائزة التي لا يحظى بها إلاّ أفراد الصادقين مع الله تعالى، قال t : ((وأنا ولد أروح إلى سيدنا زكريا عليه السلام، أحكي له الحكاية مثلما أحكي لكم!  فيتلقاني بالقبول بالقبول بالقبول، ويبشرني بشاراتٍ بشاراتٍ!  أقول: ما بقيت أبالي بالدنيا كلها، أروح إليه بعد المغرب كل ثلاثة أيام أو أكثر، فأحكي له وأرجع وهكذا..!!)).

وكانت بداية الفتح عليه في الخامسة والعشرين من عمره تماماً، قال رضي الله عنه  : ((وفتح عليّ بذرّة من المحبة، فبقيت خمسين أو ستين يوماً لا أنام : لا ليلاً ولا نهاراً... فظنّ الأطباء أنها حالة مرضية خاصة، بعد أن عجزت عقاقيرهم أن تكحّل عينيه بسهوة، وهم لا يعرفون حقيقة ما ألمّ به، إنها لوعة حب وفتح محبة، جمعه بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقظةً )).قال رضي الله عنه  : ((حتى أتاني صاحب الرسالة سيدنا محمّد  يقظةً لا مناماً ومعه سيدنا أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه  فسلّمني رضي الله عنه إلى سيدنا أبي بكر وقال:  يا أبا بكر هذا محمد النبهان علّمه وضع الحصاة في الفم حتى لا يكثر الكلام  !! فبقي يعلّمني ويرشدني ستة أشهر، ثم تولاّني رسول الله  يربيني التربية المحمدية فشيخي في الظاهر أبو النصر، وفي الباطن رسول الله  وقتئذٍ لم يبق لي صاحب غيره صلى الله عليه وسلم  يجيبني دون سؤال مني!

وفي أول قدم وضعته في السير والسلوك آخاني مع سيدنا أبي يزيد البسطامي  وقال لي :

(أنت أبو يزيد وأبو يزيد أنت))! و آخاني مع سيّدنا عبد القادر الجيلاني ومع سيّدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنهما، فأنا والرفاعي والجيلاني إخوان على السُّفرة المحمّدية . .

وحضر رضي الله عنه  بعدها ذكراً أقامه شيخه أبو النصر رحمه الله، فوُزِّع الشاي والذّكر قائم، فقال رضي الله عنه لشيخه : هذا سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سلّم لي على شيخك وقل له : اسمي يذكر على لسان المُدّاح وأنت تقدّم الشاي؟  فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، قال: هنيئاً هنيئاً لك يا ولدي أنت من أهل العناية، أنت أخذت جميع ما عندي، أنت سبقتني!  وأخذت قلبي، أدعُ الله لي لا تنسني، واذكرني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ! . .

وقال رضي الله عنه : وكنت أجلس مع شيخي أبي النصر فيأتي رسول الله r فيعرج بي إلى حيث يشاء إلى حيث يريد وأنا جالس أقول في نفسي: لماذا يأخذني ولا يأخذ شيخي مع أنه أعلى مني؟  هكذا كنت أعتقد! ثم فهمت فيما بعد بأنني أنا المراد لا شيخي، الشيخ أبو النصر ما وجدت غرضي عنده .

وإذا كان للسالك أن يذوق ما ذاقه رسول الله  إلاّ النبوة ورسالة التشريع وأن الوحي قد انقطع عنه ثلاثة أو ستة أشهر ـــ فلابدّ لسيدنا  أن يلاقي حظه من الإعراض!  قال : الإعراض رأيناه في السير . لكنه يقابل الإعراض بالّذل والانكسار والإضراب!  قال : وكنت لا آكل ولا أشرب ولا أنام حتى أرى حبيبي رسول الله  . .

أدب يا هو

أدب مع الله تعالى: ظاهره وباطنه مع الله، يستحيي أن يطلب من غير الله، أو يعتمد في شيء على سواه، أو يجعل له وجوداً معه، أو حظاً لنفسه بغيره، أو إرادة بغير مراده.

أدب مع الله تعالى: لا يخشى إلا الله، ولا يغفل عنه، ولا تأخـذه في الله لومة لائم .

أدب مع الله تعـالى: ينفذ فيه أوامر الله ويجتنب فيه نواهيه .

أدب مع الله تعالى: يمتحن فيه نفسه بأقدار الله تعالى بفقد زوجته أو ولده فلا يجد إلا تفويضا وتسليماً لمولاه .

أدب مع الله تعالى: لا تتطلع نفسه إلى حظ في ولاية أو كرامة أو مشيخة أو جاهٍ.. بل حظوظه في الله لأنه هو الله .

أدب مع الله تعالى : يصور فيه نفسه جليسا لله تعالى يحافظ فيه على الطـهارة ولا يتجرد في حمام أو غيره .

أدب مع رسول الله لا يباشره بكلام قال رضي الله عنه  : وكنت معه صلى الله عليه وسلم مثل خط الألف على الحائط! .

وأدب مع القرآن : ينصت إليه يتدبر ويبكي .

وأدب مع أشياخه : لا يأكل معهم، ويحفظ ودّهم . قال رضي الله عنه : كنّا مع أشياخنا مؤدَّبين لا نأكل معهم، من علّمني حرفاً كنت له عبداً ..

وأدب مع طالب العلم: إذا دعاه قال له:  يا شيخ....

وأدب مع زوجته: لا يخاطبها باسمها! بل:  يا أمّ أحمد . .

وأدب مع أبنائه: لا يدعوهم بأسمائهم بل:  يا ابني، يا ولدي  .

وأدب في الطريق : نظره على قدميه، قال رضي الله عنه :  نظري على قدمي، فإذا سلّم عليّ أحد بدأته بـــ : اللهم صلّ على سيدنا محمد، كيف قلبك مع الله؟ وتركته، حتى لا يتكلم معي بأمور الدنيا . .

وأدب مع الأرض: لا يبصق عليها ولا يتمخط .

وأدب مع الجمادات والنباتات: يتلطّف بها، كما لو أنها كائنات حيّة، ويعطي كل ذي حق حقه، فالصابون يغسله بعد أن يغتسل به، والجورب يرتبه ويضعه في مكان يناسبه وقس على ذلك .

وأدب مع النساء، قال رضي الله عنه  : وكنت أعدّ النظر إلى النساء فوقَ فوقِ الشرك!

والأغرب من هذا حياؤه حتى من محارمه، قالt : أختي لا أنظر إلى ما تحت عينيها!

أدب مع الناس: لا ينادي أحداً بصريح اسمه بل بكنيته، ولا من وراء جدار!

أدب مع الناس: لا يكشف سترا، ولا يتتبع عورة، ولا ينتقد ولا يسيء الظن ولا ينمّ ولا يغتاب ولا يرى لنفسه فضلا أو مِنَّة على أحد، فإن ظهر له من أحد عيب أو نقص قال: (( الحمد لله الذي عافاني)) ويعتبر بتقصير المقصر ويقول : المقصر أو المسيء يقول لنا : هكذا أنا فلا تكن مثلي . ويلحظ المؤدب فيستفيد من أدبه، وغير المؤدب فيؤدب ـــ بالاعتبار ـــ به نفسه ولا ينسب لنفسه شيئا بل : } ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ واللهُ ذو الْفَضْلِ الْعَظيمِ { [الجمعة 4]  فــ (أدب يا هو) تشمل عنده الأدب في كل شيء ومع كل شيء، بل هو على مجمل آدابه يقول عن نفسه رضي الله عنه  : هذه اللحية تحت كل شعرة منها أدب محمّدي.

[/color]


المشاركة السابقة : المشاركة التالية    


 

الكلتاوية

 
 

واحـــــة الموقــــــع

 

 

القائمة البريدية

 

 

مواقع صديقة

 
  • السيد النبهان
  • د. محمود فجال
  • د. محمود الزين
  • عالــــــم القرآن
  • الشيخ: عبد الهادي بدلة
  • الموسوعة الفقهية
  • فقه المصارف