فخـــــــــــر العــــارفيـــــــــــن    »   مجالسة الغافلين    »   وحللنا ضيوفا على رمضان    »   صلاة التراويح وعدد ركعاتها    »   التعريـــــف بعـــلـم الرؤيــــــا    »   المواقف والمفاهيم.. بين رمضان والصّائمين    »   عبيـــــــــــر رمضــــــــان    »   ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟!    »   صلاة التراويــح في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابــه والتابعين رضي الله عنهم    »   رمضان والصيام عبادة وأخلاق    »   
 

الوارث المحمدي

 

 

محرك البحث

 



بحث متقدم



احباب الكلتاوية » المقالات » السيد النبهان


منهجه ودعوته

  
الدعوة إلى الله تعالى غاية أساسية، يسعى لها كل مؤمن غيور، ويتوقف عليها صلاح الفرد والأمة
_ بداية دعوته_ الكلتاوية هي المنطلق
_ ملامح طريقته وطرق دعوته
قُلْ هَذِهِ سَبيلي أدْعو إِلى اللهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني
(نقاط ارتكزت عليها دعوة السيد النبهان رضي الله عنه



الدعوة إلى الله تعالى غاية أساسية، يسعى لها كل مؤمن غيور، ويتوقف عليها صلاح الفرد والأمة

قال تعالى: (ادْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ [النحل 125] .

قُلْ هَذِهِ سَبيلي أدْعو إِلى اللهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني [يوسف 108].

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّني مِنَ الْمُسْلِمينَ  [فصلت 33].

بيد أن هذه المهمة من الخطورة بمكان، لأنها مرتبة إرشاد عام، يرتهن نجاحها بصدق حال الداعي  وكماله ويتحتم على فارس هذا الميدان أن يكون تجسيداً حياً لمراتب الدين الثلاث (الإسلام والإيمان والإحسان) مرآة تعكس كمالات الإسلام وأنواره تظهر كلمة الحق، وتجذب إلى الحق، وتحمي كلمة الحق بالحق، لا تتنازل للأعداء ولا تتأثر بالمخالفين، وتلك أمور لا تجتمع إلاّ بصادق مع الله، متخلق، متحقق، عالم بما يدعو إليه  .
والسيّد النبهان رضي الله عنه لا يرتضي أحداً يتصدر للإرشاد وهو غافل عن إصلاح نفسه، فتنقلب (الدعوة) إلى (دعوى) قال تعالى:  أَتَأْمُرونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلونَ [البقرة 44] وقال  رضي الله عنه  :  ((إذا صلح المجتمع كله وأنت لم تصلح فما هي الفائدة؟ )) وهل لإنسان أن يطرد الذباب عن جاره والأفاعي في داره؟ وما جدوى دخول الناس بسبب الداعي جنة الخلد وهو محروم منها تضرب به الأهواء كما تضرب الريح في الرمال، لذلك يحث  رضي الله عنه  أصحاب الهمم على الاهتمام بالنفس أولاً، قال  رضي الله عنه :  صاحب الهمة يوجه همته ــــ بداية أمره ــــ إلى نفسه، ينظفها من الأوساخ والعفونات، حتى يتطهر ويتكمل، فإذا طهرت نفسه توجه بهمته دالاًّ على الله تعالى، فتنفعل الناس به ويُقبلون على ربهم، وصاحب مرتبة البداية لا يشتغل بعيوب الناس بل بعيبه، لا ينظر إلى نقصهم بل إلى نقصه حتى يكمل كما ذكرنا وهناك يؤذَن له بالإرشاد، فتُسمع إشارته وتُفهَم عبارته، أما لو اشتغل بتذكير الناس ووعْظِهم قبل تذكير نفسه ووعْظِها فلا يُسمَع كلامه، وربما خسر الجهتين، خسر نفسه، فمن باب أولى أن يخسر غيره، وصفات الدال على الله تعالى:
1. أن يكون إنسانياً .
2. أن يكون عالماً صادقاً.
3. أن لا يكون محباً للدنيا .
4. أن لا يكون محباً للنساء .
5. أن لا يكون محباً لنفسه، يمشي مع الحق لا مع نفسه، ويدور مع الحق أينما دار .
6. أن يكون متخلّقاً، لا يكذب ولا يخون ولا يغش ولا ينمّ ولا يغتاب .
7. أن تكون عنده فراسة،وحكمة يعرف بها الداء ويقيس بها الدواء .
8. أن يكون عبداً لله تعالى، لا ينسب لنفسه شيئاً.
9. أن لا يرى نفسه شيخاً أو سيداً، بل هو خادم لعباد الله تعالى، ويعتز بهذه الخدمة .
10. المذكِّر ينبغي أن يكون متذكراً مطهراً، وإلاّ لم ينفع أحداً، فإذا كان يتكلم حتى يبين حاله أنه يتكلم لم ينفع شيئاً وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين  [سورة الذاريات55] دائماً كونوا بالاستفادة، لا تطلبوا الإفادة، والله ما رأيت واحداً صار منه خير وهو طالب الإفادة، فالمفيد في الحقيقة هو الله تعالى  .
وأكّد رضي الله عنه على دعوة الحال، فقال: ((الّذي يدل على الله تعالى لا بالقوة ولا باللّسان، بل بالحال، إذ بيان الحال أكثر تأثيراً من بيان القال والفعل، لأنّ القال قد يكذب والفعل قد يرائي به، أما الحال فلا يكذب ولا يرائي وإن أقوى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر هو بحالك المتخلق به أنت، وكثير من العلماء والدعاة أساء بتعبيره القالي، الخالي من التعبير الحالي، وماذا ينفع تعبير القال إذا لم يكن هناك حال؟ المرشد هو الّذي يدل بالقول والفعل والحال والخُلُق، نحن بحالنا نزين العلم، ونزين المال، ونزين الوظائف ونزين العمائم، ونزين اللحى)).
وإيجازاً فإن نجاح الداعي متوقف على إصلاح النفس وتهذيبها، وجلّ الّذين تصدّروا لهذه المهمة ــــ من غير مراعاة لهذا الجانب ــــ ضلّوا وأضلّوا وباؤوا بالفشل .
أما أولئك الأفراد الكمّل، الّذين لم يخرجوا للناس إلاّ بالأمر فإن الواحد منهم أمّة، ولو اجتمع المرشدون والمربون في زمن لن يتجاوزوا قليلاً من فضله وجزءاًً من أدائه .
وكان لمعالم شخصيته وما ظهر عنها من مواقف ومُثُل أكبر الأثر في نجاح دعوته، فانتفع به خلق كثير وأسف على عدم الأخذ عنه الكثير، وبقي بالحسرة إلى رؤيته والاستفادة منه الكثير الكثير، وسنقف في المباحث الآتية على أطراف توفيق الله تعالى له .

بداية دعوته


في الأربعين من عمره رضي الله عنه ألهمه الله تعالى أن يخرج لدعوة الناس وإرشادهم وخدمتهم، قال  رضي الله عنه ((الحقّ حمّلنا الكمالات، قال: اخرجوا بها إلى الموجودات، دلّوهم على كمالاتي، بالكمالات التي حمَّلتكم إياها)) وأمره رسول الله r أن يتحمّل من أجل الدعوة كل صعبٍ..

فانطلق من دائرة العزلة إلى خارجها، مخالطاً الناس على علاّتهم، غير آبهٍ بالمغرضين والمرجفين، متحققاً بقوله تعالى } وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ { [ المائدة 67 ] وابتدأ يتحدث قليلاً لقليل.
وبينما هو جالس في نفر من أصحابه ذات يوم إذ دخل رجل غريب يحمل مصحفاً ولا يعرفه أحد فسلّم وجلس، ثمّ بدأ يقرأ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ } وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى، قَالَ: يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ. فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، قَالَ: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ: عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ. وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ: وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ، قَالَ: مَا خَطْبُكُمَا؟ قَالَتَا: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقَى لَهُمَا، ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ، فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ { [ القصص 20- 24 ] .
فعند كلمة ( فَقِيْرٌ ) تفجرت ينابيع الحكمة من قلب السيد النبهان على لسانه، فكانت فيضاً متواصلاً من بعد صلاة العشاء حتى مطلع الفجر ثمَّ أمسك t إلى ظهر اليوم الثاني، ثم تابعَ حديثه أربعة أيام بلياليها!!
قال  رضي الله عنه :  ((فكنت أتكلم،  وأخالط الناس على علاّتهم، على ذنوبهم، على ما هم عليه، متجاهلاً متلطفاً بهم، لأنّهم عياله عزّ وجلّ، قال لي سيدنا عيسى عليه السلام: كيف تطيق مخالطة الناس؟ فقلت له: أنا محمدي، وأنا مأمور بذلك... ولكن أكره أن تطلق عليّ كلمة الشيخ، إذ لا أريد المشيخة، بل لأكون خادماً لعيال الله تعالى غيرَ معتمدٍ على أحد منهم مهما بلغ الأمر، بل عليه سبحانه، ولو أن أهل الأرض جميعاً أقبلوا عليّ ما زادوني شيئاً لنفسي بل فرحاً لهم، ولو أن أصحابي جميعاً هجروني ما نقص من فرحي به شيء، بل الرحمة الإلهية تأخذني شفقة عليهم )) .


        الكلتاوية هي المنطلق

الكلتاوية: تسمية تركية لحيٍّ قديم في حلب، تعني: تل الورود، أو الزهور، وقبل أن يأوي إليها رضي الله عنه  هي مسجد طين بسيط متواضع، تحيط به مقبرة دارسة، موطن الأشقياء والخمّارين والمقامرين ومأوى المفسدين، والآباء يخشون على أبنائهم من المرور بها!

وبعد أن تشرفت بقدومه  رضي الله عنه تغيرت تلك الرسوم فأزهرت وأثمرت، يلحظها الناظر اليومَ جَنّة شامخة وارفة الظِلال والجمال، تحيط بمنارة شاهقة وقبتين، حيث مرفأ الأولياء، وكهف السعداء، وصفاء الخاطر، وكل ما حولك يثير إعجابك، وربما هزّ أوتار قلبك للإنشاد..

بالأمس كانت قبورا وحشة الساحِ وموطناً للشقاوالخوف والراحِ
ومسجد قد رثاه الحزن من زمن عفا بكومة أحجار وألواحِ
وإذ بها أصبحت للسالكين هدىً حُفَّت بطيب من الفردوس فوّاحِ
يؤمّها الناس من عرب ومن عجم بالخير قد أومأت للغادي والناحي
كيفَ ارتقى الحيّ عن غبراء معتمةٍ بالخمر والميسر المعهود يا صاحِ
سلها، تجبك: بنى النبهان حاضرتي  وأنه فجر أنواري وإصباحي
فكل ضير مضى داسته أرجله وكل خير أتى من وارث الماحي
وإن أردتَ مزيدا فادن دوحتنا تنبئك أحوالنا من غير شُرّاحِ

قال  رضي الله عنه :  ((لم يكن في الكلتاوية جامع، بل مسجد صغير، وأنا إلى جنبه في حجرة وحدي وليس فيه غيري، وشهرتها مأوى الخمارين والسرّاق والمقامرين، ثم ذهبت سنة وجاءت أخرى..فإذا بها مأوى الأمراء والعلماء والأكابر، بل مأوى السعداء من الصغار والكبار، ووجدتُ لكم فيها كيراً مثل كير المدينة تماماً، تنفي الكذاب الخائن الغشاش وتخرجه منها ولو بعد أربعين سنة، فلا يبقى فيها غير السعداء))  .

ظهر رضي الله عنه  للناس نبأً مهماً، يتذاكرون أطواره ويتابعون أخباره، فانتشر أمره واشتهر، وأقبل عليه أهل البادية والحضر، وسار رضي الله عنه  في خطين رئيسين:

الأول : يربّي فيه تلاميذه، فابتدأ  رضي الله عنه بحلقات علمٍ في المسجد، وأمّــر على كل حلقة واحداً من أصحابه، فكانت دروساً في الشريعة وعلومها والعربية وفنونها .

والثاني : مــــــع كل الناس، يتعارضهم في المساجد والأسواق والمحلات والطرق، يذاكرهم بالله ورسوله، يعود المرضى والسجناء، ويستجيب الدعوات، ويتفقد الفقراء والأرحام والأيتام، ويقضي معظم وقته بالمذاكرة والخدمة، غايته ــــ بعد أن عرف الله حقيقةً ــــ أن يُعرّف عليه من العباد، ما وجد إليه سبيلاً .

وشمل كل أطياف المجتمع ذكوراً وإناثاً، ومن جميع الأعمار والمهن والصنائع .
ولكي تكون توجيهاته ومواعظه وفق أحوال الناس ومراتبهم بادرt بتوزيع دروسه و مذاكراته، فجعل في كل أسبوع :
درساً للعلماء: بين المغرب والعشاء من كل ثلاثاء.( يحضره أكابر العلماء من حلب وغيرها، وفيه: شيخه في العلم الشيخ نجيب سراج، والشيخ أسعد العبجي، والشيخ عبد العزيز عيون السود، والشيخ محمد لطفي، والشيخ أديب حسون، والشيخ محمد عبد الله الشامي، والشيخ عمر الملا حفجي، والشيخ علاء الدين علايا، والشيخ نزار لبنية، والشيخ محمد صندل.. وغير هؤلاء .)
درسين للنســـاء: في صبيحتي السبت والأربعاء .
درسين للتــــجــــــار: بعد عصري الجمعة والأحد .
درساً لعـــــامّة الناس: مساء الجمعة بين المغرب والعشاء .
درساً لأهل محلته ( باب النيرب ) بعد ظهر الاثنين.
درساً لطلبــــــة العـــــــلوم الشرعية مــــع أساتذتهم: عصر الاثنين.
مذاكرة للمتقدمين من طلبة العلوم الشرعية: بين الفجر والشمس من يوم الأحد .
درساً للأطباء والمهندسين، يحضره بعض الحكام والمحامين .
وآخر لطلبـــــــــــــة الجامعــــــــــــــة والثــــــــانويـــــــة
ودرساً خاصاً للمدرّسات والمعلّمات ضحوة الجمعة.
مع مذاكرة يومية لعامة الناس والقرويين والفلاحين، ما فرغ من دروسه السابقة .
وخص يوم الخميس لزيارة القرى، ويوم الجمعة ــــ بعد فرضها ــــ لحلقة الذّكر .
ولم تكن دروسه  رضي الله عنه على نمط واحد، وإنما بمستوى وحاجة كل مجموعة، يعلمهم الوجهة إلى الله تعالى والإتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم، والصدق والإخلاص في العلم والعمل وإتقان الصنعة والمهنة، وحسن المعاملة والأدب مع جميع المخلوقات والتبري من الحول والقوة إلى حول الله وقوته، ونسبة النعمة إلى المنعم، ويحثهم على الكمالات من شرف وشجاعةٍ، وكرم ونزاهةٍ، وأدب وأمانةٍ، ويحل لهم إشكالاتهم، ويعينهم في أمور دينهم ودنياهم، فتجده شريك كل ذي همّ في همّه، ليرده إلى فطرته وإنسانيته، ويوصله إلى عبديته

ولا نغفل أهمية الجلسات الخاصة، التي يقتطعها رضي الله عنه من وقت راحته لتربية السالكين، يشخّص لكل واحد داءه ويرشده إلى دوائه، فيجعله ــــ بفضل الله ــــ خيط نور في أشعة الهداية المحمّديّة .
كل هذه الأمور ــــ وغيرها ــــ كان جامع الكلتاوية مركزها، وبذلك أصبح المسجد يؤدي دوره كما هو في صدر الإسلام .
وكجزء من منهج دعوته طرأ توجه آخر، اعتمد فيه رضي الله عنه  الزراعة وتربية الأغنام، واستأجر عدداً من القرى، وأقام عليها وكلاء وفلاّحين، فآل إليه توجيه أهلها وإرشادهم، وأما الناتج فيأخذ منه القوت ويتصدق بالفضل، وأوّل قرية عمّها الخير (الجابرية) فأصبحت به مركز هدى وصلاح، بعد أن كانت مأوى اللصوص وقطّاع الطريق .ثمّ لحقت بها قرى التويم، والسكرية، ومسكنة، وأبو ظهور، وتل حاصل، وتل عرن، والحاضر والمعادي، والمليحية، والشويحة، والشيحية، وعين المبارك، وأمّ الكراميل، والشيخ عيسى، وتل سلطان، والقيصومة، والباب، وهوير العيس، وجزراية، وتل سلمو، والصعيبية، والزيارة، ودلامة، والواسطة، والكرم والبويدر وأمّ العصافير، ورأس العين..
وبهمة رجل الدنيا والآخرة يعمّر رضي الله عنه  القلوب والأرض والمساجد، حتى طارت شهرته في الآفاق والتف حوله خلق كثير، وازدحم عليه الورّاد من كل صوب وحدب، جلُّهم المشايخ وطلبة العلم، لاسيّما العراق وتركيا ومصر والكويت، ليرتشفوا من معينه الطاهر العذب، جذبهم إليه شخصيته الفذة، وتخلُّقه بما يدعو إليه، وأبهرتهم تلك الحقائق والفتوحات والأذواق، التي منّ الله تعالى بها عليه، حتى غدت به جميع أيام الكلتاوية أعياداً ومناسبات، يجتمع فيها الناس من كل فجّ، بين سالك ومتبرك، ومتطلع، ومتعلم، وذي فاقة، فيحظى كلٌ بقصده ومراده .

المبادئ العامة

·    إنها دعوة بالإسلام وللإسلام دون تسمية ثانية هدفها صحوة إسلامية عامّة ووعي صحيح موصول بالله ورسوله، بعيد عن المداخل الطائفية والحزبية والإثارات الخِلافية، وهي مظهر كمال للصوفية الصادقة والسلفية الصادقة في آن واحد .


·    امتداد للخط العام الوسط غير المتطرف أو المتعصب أو المتحزب من أهل السنّة والجماعة، تنشد دستورية هذا الدين في جميع نُظُم الحياة وأطوارها، وهي بهذا المعنى تغيير في النفس والأسرة والمجتمع .


·        اعتمادها على كتاب الله تعالى وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم وفقــه المذاهب المعتبرة، دون تمييز لمذهب على آخر


·        حُبٌّ لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والأولياء أجمعين، وتتبُّع لسِيَرهم وآثارهم .


·        تأسيس المساجد ومعاهد العلوم الشرعية والجمعيات الخيرية، للنهوض بالمسلمين، وتحقيق آمالهم .


·        تصحيح عادات الناس وتقاليدهم المخالفة للشرع الحنيف .


·    اهتمام بالفرد المسلم وبيته، ضمن تربية صوفية، تجمع كل المشارب والطرق، وفــــق مفاهيم العبدية لله تعالى، والإتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وتزكية النفس .


·    العناية بكل شرائح المجتمع، والعمل على بناء أسر شرعية، بعيدة عن مزالق الجهل والجاهلية ونزوات المدنية التي لا ترتدع بعيب أو حرام .


·    وأمّهات الفضائل ــ من شرف وشجاعة، وكرم ونزاهة، وصدق وأدب وإخلاص ــ من أهمّ الأسس التي تقوم عليها، مع تعميق في معاني الغيرة على الدين والعِرض .


·        والتودد للمسلمين ومعاونتهم ركن دعوته الركين .


·        إخماد الفتن .


·        إبداء النصح للحكّام .


·        إحياء المناسبات الإسلامية، كالمولد النبوي الشريف، والإسراء والمعراج، والهجرة، اعتزازاً بصاحب الذكرى واعتباراً بمآثره صلى الله عليه وسلم.

عليه من المهابة تاج قدر يهيمن في الرعية والرعاةِ

يموج وضاءةً، ويدرّ حسناً ويطفح حسنه بتجلياتِ

يعمّ جليسه كرماً وبِشراً ويتبع بشره بمبشّراتِ

ويجذب بالحنان لباب قومٍ بذكر الله تضرع هائماتِ

بطيّ حديثه نغمات هديٍ تردّ لميْتنا نَفَس الحياةِ

كأنك حينما تصغي إليه  تتابع بالصلاة على الصلاةِ

فهو مهيمنٌ حاكم على المجلس، تلجم هيبته الأفواه، فتنكسف أبصار من حوله أدباً، ولا أظن أحداً حضر عنده وتمكن أن يُشبع منه بصره، ولا دخل عليه شيخ علم أو طريق أو محدّث إلاّ سلَّم له واعترف بفضله، وربما استحيا أن تطلق عليه كلمة ( الشيخ ) في حضرته، هذا مع شدّة تواضعه رضي الله عنه  وهو يـــــــوزّع كلمات الترحيب والأنظار، حتى ليظن كل جليس أنه وحده المقصود في المجلس أو المذاكرة!.


فنظره تلقيح للقلوب وعافية للأرواح، يكلمك حاله قبل قاله، فإذا نطق لا تدري أيهما أسبق إلى روعك، فيُنهض همتك، ويجذب لباب قلبك، ويغرز سهم محبته فيك، ينسيك حديثه ما سوى الله ورسوله وينقلك إلى خالقك وبارئك، فتشعر ــــ من يقين الإيمان الذي أنت فيه ــــ كأنّك في حضرة شهود، لذلك لا تجد أحدا لديه إلاّ وهو مشدود إليه مأخوذ بين يديه


يتصرف  رضي الله عنه  في المجلس والجلاّس، ليعطي جوابا لهذا دون أن يسمعه ذاك! ويتغير وجهه رضي الله عنه  في الجلسة الواحدة، بحيث لو أخذ له مصور عدة صور لوجد اختلافاً بسبب ما يظهر عليه من إشراقات وتجليات!


وهو جميل الكلام، فصيح اللسان، جهوري الصوت، دقيق التحقيق، عميق الغَور في الفهوم والمدلولات قوي الحجّة والبيان، ينطبع حديثه في الجَنان، تتغذى بكلماته المهج، وتنعم بنسيج إلهامه القلوب، وتستأنس بيتيم يواقيته النفوس الزكية، وإنّ درساً واحداً من دروسه لا تستوفى فهومه وعلومه، وربما أطلق المعنى أو التحقيق في مسألة فترك جليسه متلذذاً بها زمناً، عجباً لسرعة ردّه وبداهته، وكأن الجواب حاضر على شفتيه يطرّز مواعظه بالآية والحديث والمَثَل والشعر والقصة، وكلماته ميزان الذهب .


يتحدّث عن عوالم الأرض والسماء والجن والملائكة والبرزخ على سواء كأنه ساكن فيها أو ناظرٌ إليها يشير إشارة جغرافي على الخارطة، وذلك بما أعطاه الله تعالى من بصـيرة وكشف، فلا تُحس ــــ وأنت تستمع إليه ــــ ببُعْد أو حجاب بينه وبين العوالم، كما أنه  رضي الله عنه لا يملّ طول الدرس والمذاكرة، إذا وجد همماً عالية وقلوباً واعية يكثر في حديثه من الإثارة والتساؤلات، ويُجيب عليها، ويفتح أبواب التحدث وإبداء الرأي والمشورة لجلسائه، وربما بإيراد الخبر والحكاية الموجزة والنكتة. .

( كان  رضي الله عنه وقور الحركة، كثير الإطراق، شديد الصمت، لا تلمح في قوله ولا فعله رنة الزهو ولا لذة الشهرة، إذا داخلته ودخلت إلى عالمه تكشف لك عن موهبة إلهية تستتر عادة بين الحياء والحشمة، وجــذوة نورانية تتوارى غالبا خلف التضرع والتواضع، ثم هو مع ذلك صحيح الفهم لما يسمع ويقرأ، سليـم الفكر فيمـا يرى وفيما يشير، دقيق الحس فلا يهوى الجدل، سليم الصدر لا يحمل على أحد، رقيق القلب لا يقسو نفّاح اليد لا يبخل ولا يدخر، إذا نظرته أحببته، وإذا خالطته ازددت له حبا حتى إذا ما فارقته تملكك الحنين والشوق إلى لقائه مرة أخرى .

إذا رأيته يذكر الله تعالى بدا لك من وجله ما تعرف منه مدى إيمانه، وإذا تطلــعت على سماحـة يـــده ورحابة صدره وزهده ظهر لك من ذلك مدى تقواه .

وإذا جالسته وسمعت منه تحيرت في مدى علمه وحدود معرفته، فإذا أحصيت النابهين من طلابه ومريديه وسبرت غور أنفسهم وعقولهم تكشف لك أن وراء ذلك معلما ومربِّيا كريما، وشــيخا يعرف أين يضع الحبّة، وكيف يسقيـهـا حتى تــزهــو وتزدهر .


لا تسمع منه يوما حـديث المتبجح عن كرامة، ولا نظرة المزهو بالخوارق، ولكنك لا تجلس إليه إلاّ ويتجلى لك بصيص من كشفه، ووميـض من مشاهداته، إذا تكلم نطق بالحكمة، وإذا تحدث جرت كلماته خلف فراسة صادقة وحماسة ناطقة، ففي سيرتـــه عبرة لكل سالك، وفي سريرته زاد لكل مهاجر، إذا رأيت وجهه ذكرت الله تعالى، وإذا سمعت كلامه ذكــرت الآخرة، وإذا تقصيت خلالـه وشمائله عرفت كيف يكون أولياء الله تعالى .)


هكذا رأيناه  رضي الله عنه  وأرضاه  .


ملامح طريقته وطرق دعوته


قال  رضي الله عنه  : الطريق طريقان لا ثالث لهما، افهموا أنتم يا أهل الطريق ويا أهل السير، إمّا شاذلي وإما غزالي، فالشاذلية طريقة المحبة وهذه لأهل العناية، وأما الغزالية فهي المجاهدة والرياضة والمكاشفة والأعمال الشاقة بأنواعها، الشاذلي ما عليه خطر لأنه لا يعرف إلاّ المحبة قلبه مأخوذ، فإذا كلّمته نباتة أو حيوان أو جماد؟ لا ينظر ولا يلتفت أبداً، نهاية طريق أهل المجاهدة بداية طريق أهل المحبة قال تعالى: }والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا { [سورة العنكبوت 69] المجاهدة توصل إلى الطريق، والذي يصل إليه صاحب المجاهدة بالأعمال الشاقة والسنين الطوال يناله صاحب المحبة في لحظة. يكون لدى المرشد اثنان أحدهما يشتغل بالمجاهدات وآخر مشغول قلبه بالمحبة فان الثاني يسبق الأول بأعمال القلب من المحبة والتعلق بآلاف السنين فصاحب المحبة طيار وصاحب المجاهدة سيار. الغزالية: المجاهدة والرياضة والمكاشفة، صاحب المكاشفة نوراني تكلمه الجمادات والحيوانات والنباتات وكل شيء حتى ثوبه يخبره كل شيء ويحكي معه، فإذا وقع معكم فلا تخافوا!  أنتم عملتم عملاً خيراً إخلاصاً للحق فيبين لكم حتى يزيدكم ويقوّي الضعيف، أما القوي فليس بحاجة إلى كرامة، الكرامة : هي الاستقامة، الاستقامة: عين الكرامة، سألنا شخص : أي الطريقين أسلم وأقوى وأحكم؟  قلنا: الشاذلي أقرب بالفعل وأحكم، ما عليه خطر، في الغزالية عليه خطر، إذا فُتِح عليه يخاف عليه، إيّاكم من الطريقة الغزالية أهل المجاهدة والرياضة، إلاّ الّذي له مرجع فلا يخاف لو انطبقت عليه السماء والأرض بالابتلاءات لا يخاف ولا يبالي فلها تصريف، المصيبة كل المصيبة إذا سلك الطريقة الغزالية لوحده وجاءه الفتح ربما يُــجَــنُّ أو ينقطع عقله أو يصيبه شيء، وهذا أكيد، إياكم أن يعمل أحد المجاهدات بدون مرجع، وأن يكون مرجعاً قوياً عفيفاً نزيهاً صادقاً تهابه الشياطين بكل أنواعها، وإذا ما تهابه الشياطين يأخذونه هو ومرجعه!  أما من عقلكم فلا، كثير ناس يأكلون بالميزان  أكلهم ونومهم وشربهم وكلامهم ولبسهم.. لا مانع، شرط أساسي بإذن المرجع، وأعلى منه بأمر المرجع، وحتى الإذن فيه من المكر الإلهي، أما الأمر فلا مكر فيه أبداً، إذا أمره لا يخاف، والمرجع هو وارث رسول الله صلى الله عليه وسلم نتبعه في كل الأمور وفي كل الشؤون، لا نشتهي إلاّ ما يشتهيه، نصير عينه هناك نتخلق ونتهيأ للرسول صلى الله عليه وسلم  لأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لا أحد يعرفه، يخمنونه شخصاً عادياً، لا!  ليس شخصاً عادياً، هو خليفة الله في الأرض، لكن علينا بالسبب الأول قال الله تعالى ] وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [ [سورة البقرة 189] الرسول r باب الله، وباب الرسول هو المرجع العارف بالله  وليس المدّعي، لأن المدّعين في العالم كثيرون وإنما نعني العارف بالله الصادق التابع الممحوّ في محبوبه بتاتاً ولا وجود له البتة.


وأنا لا أقول إن الطريق غزالية وشاذلية، بل أقول بحسب المشرب، فربما يكون المريد غزالياً ومشربه شاذلي، أو شاذلياً ومشربه غزالي، وهنا فائدة المرشد العارف الّذي يعرف مشارب المريدين، يأمر واحداً بالصوم، وثانياً بالّذكر، وآخر بالخدمة والمجاهدة، وآخر بالتفكر، وبالخلوة.. بحسب مشرب المريد واستعداده، جاء إلى رسول الله r عشرة أشخاص بسؤال عن أفضل الأعمال فأعطى كل واحد جواباً غير الثاني، ليكمل النقص الّذي عنده، هذا هو الحكيم .


أحب جميع الطرق، وكلها موصلة إلى الله، ولكن طريقتي محمّدية بحتة، عنوانها (الإتباع) وتحمّل الأذى من الناس وعن الناس، وعدم الدعاء على أحد. طريقتي مبنية على ركنين: في البداية تحمّل الأذى من الناس، وفي النهاية تحمّل الأذى عن الناس، طريقتنا محمّدية، طريقتنا الإتباع، كالصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.


ومن طرقه التي ورثها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يؤاخي بين اثنين أو اثنتين يتناصحان ويتذاكران في الله، ولا يرضى إذا اختلف أحدهما مع آخر في مسألة أو أخطأ معه قاطعه فالاتفاق في تسعة وتسعين بالمائة لا يقضي عليه خطأ لا يعدل واحدا منها! ولا أن تفرق المادة بينهما، وهذه مسألة لا ينجو منها إلا قليل.


ومع كثرة أوراده  رضي الله عنه فترة سيره وسلوكه فليس في طريقته إلزام ببيعة، ولم يهتم بتوزيع الأوراد على أتباعه كما هو مألوف عند شيوخ الطرق، قال رضي الله عنه  :  أنا لا أقول لواحد قل ألف مرة سبحان الله، ألفي مرة الحمد الله، ثلاثة آلاف مرة أستغفر الله ولكني أقول: احفظ سمعك وبصرك ولسانك وأنا أضمن لك الوصول إلى الله !! وزاد في قول آخر  التهجد  .


ولم ينشغل رضي الله عنه بكثرة الأتباع والمريدين، بل بنوعيتهم، فالمنسوب إليه هو الصادق، المتـّبع  النزيه الذاتي، الّذي لا يتنزل لفعل المخالفة، المهتم بأمر نفسه وبيته وخدمة مجتمعه، على المنهج الّذي رسمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة الكرام  رضي الله عنهم أجمعين،  وليس في طريقته خلفاء أو وكلاء،

قال رضي الله عنه  : أنا ما خلّفتُ ولا وكّلتُ . ومن أجازه  رضي الله عنه من أتباعه ما تجاوز حلقة الذّكر والنصيحة!!


وإذا كان بعض المتصوفة يجمع المال من المريدين والمحسوبين!! فإنه  رضي الله عنه  الصوفي الذي يفرّق المال فيهم ولغيرهم، بل يستدين ويقضي حوائجهم، ولا يتحدث بإحسانه إليهم، وعلى ما هو عليه من علوّ الهمّة يريد أن يربي الشخصية الذّاتية في الرجال والنساء على السواء، ويوصل كلاً إلى المعرفة الإلهية والكمال الإنساني .


ومشاورة أصحابه في بعض الأمور التي تهم المسلمين خصلة متميزة في تعامله معهم، يقول  رضي الله عنه  : الّذي يقرّه المريدون هو مراد الشيخ  .


وإنّ الرجل الذي تتصاغر لديه الجبابرة، وتُسلِّم له الأكابر، وتلتهب عنده أكباد المحبين ـــ لم يترك لنفسه وقت فراغ، فكله لله بالله، والخدمة  والمذاكرة شغله وديدنه، ولديه طرق لا تُحصى ولا تُستقصى، يردّ بها إلى الله تعالى كل ملحد أو متشكك، إلاّ أنّه لا ينسب لنفسه شيئاً بل } ذَلكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيْهِ مَنْ يَشَاءُ{[الجمعة 4 ]  } وَمَا تَوْفِيْقِيْ إلاّ بِالله { [ هود 88 ] ، ولا يرى نفسه موطن إفادة، بل مجرى للفوائد، فالمفيد الحقيقي والناصح هو الله سبحانه، يفيد وينصح بالله لله .


ومن باب } وَأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحِدّثْ { [ الضحى 11 ]  يقول  رضي الله عنه :  نحن عندنا الكيمياء التي تحوّل الشقي إلى سعيد، والعدوّ إلى صديق، والبعيد إلى قريب  .


يعرض  رضي الله عنه  بضاعته، دون أن ينتقص بضاعة غيره إلاّ نادراً، فيستهوي القلوب ويجذبها، ليصبّ المعاني في أطهر الكؤوس والأواني .


ولا يجابه بالنصح، بل يتلطف بالمنصوح تلطُّف الجواهري بالجوهرة، كي يمسح ما علق بها من غبار، فيستعمل القصة الموحية والإشارة المفهمة، ولا يقرّع تصريحاً أو تلويحاً، وينفذ إلى قلب منصوحه من الباب الّذي يحبه، يكلم التاجر بالتجارة، والمزارع بالزراعة، والغنّام بالغنم، والزعيم بالزعامة، والشجاع بالشجاعة، والطبيب بالطب، والعالم بالعلم، والقاضي بالقضاء، حتى إذا أصغى إليه الطبيب قال: هذا أحسن الأطباء، وإذا أنصت إليه القاضي قال: لا يصلح للقضاء غيره! وإذا لحظه الجندي قال: إنه القائد الفذّ، وإذا قصده السالك وجد غاية الطلب، فهو عالمِ بالمراتب كلها .


قال رضي الله عنه  :  لو أن كنّاساً كنّس ورشّ وأتقن فهذا يصل إلى الله تعالى، لأن الوصول إليه عزّ وجلّ لا بالصنعة ولا بالصفة بل بإتقان العمل (( إن الله يحب المتقن عمله )) (المعجم الأوسط للطبراني، برقم (897) 1/ 275 .بلفظ آخر) فهكذا شأنه t مع كل صاحب صنعة أو مهنة أو وظيفة، يعلمّه فيها الصدق والإخلاص لله تعالى، فيدهش عقله ويأخذ بمجامع صدره حناناً إلى الله تعالى ورسوله r شأنه شأن الطبيب الحاذق، الذي يحقن الإبرة في العضلة ليصل بمفعولها إلى العضو العليل، وشتان بينه وبين مَن يُجابه بالنصح، فيغرز الإبرة في القلب ويقتل عليله، اللّهمّ إلاّ إذا سئل على انفراد ــ وظهر له صدق السائل ــ أو كانت حالة المنصوح توجب المصارحة فيقول له: افعل أو لا تفعل، قال رضي الله عنه : أنا لا أمدح ولا أذمّ، أنا أبين، وهذه مرتبة القرآن والحديث، تبيان لا مدح ولا ذمّ .


حضر عنده مرة شخص يلبس خاتما من ذهب فقال واحد في المجلس: سيدي، إن فلاناً يلبس خاتما من ذهب فلو قلت له ليخلعه، فأجابه t : ((واحد مثلك يقول له! أما أنا فلن أقول له)) وإذا بصاحب الخاتم يخلع الخاتم من يده ويقول: سيدي والله كرامة لحضرتك لن ألبسه بعد.


وقال رضي الله عنه  :  جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كلّموا الناس على قدر عقولهم، على قدر فهومهم، ونزّلوا الناس منازلهم )) (صحيح مسلم، 1/ 6 ، سنن أبي داود، برقم (4842) 4/ 261.1) أي في نفوسهم، فمن كان يحب التصدّر فأعطه الصدر بنية أخذه، فيعطيك قلبه فتأخذ بيده إلى الله وتعرّفه به ( ولو كان أمير القرباط )( وإياكم أن تنصحوا بالصراحة الواضحة لكل الناس، بل تنزّلوا لهم إلى مراتبهم، ليعطوكم قلوبهم، خشخشوا لهم بما يحبون كالأطفال تستجلبوا قلوبهم بالألعاب، فإذا أعطوكم قلوبهم فذاك وقت النصيحة بلطف، وعلى قدر استعداد المنصوح وتسليمه لك، وإيّاك أن تخدع بالمتديّن وهو حبّاب الدنيا، فإنّ ديانته صورة، وحب الدنيا هو الذي استولى على قلبه، فهذا لا تأمن له وتنغش بديانته، بل أعطه حق محبته لدنياه، ثمّ ائته من طريقها إلى أن يعطيك شيئاً من قلبه، فتلوح له بالنصيحة تلويحاً لا تصريحاً  .


فبهذه الكلمات وضع رضي الله عنه  ميزان التناصح والتذكير .


وله ميزان آخر في كيفية الإجابة على أسئلة الناس يعتمد النسبة بين السؤال والسائل،    قال  رضي الله عنه : النسبة بين السؤال والسائل، هل هذا السؤال من السائل؟ أم من عند غيره؟ لابدّ أن تكون نسبة بين السائل والسؤال والداء والدواء، كثير يأتوننا بسؤال واحد، فنعطي جواباً لعمرو غير بكر ولبكر غير عمرو والسؤال واحد، السائل بدوي أو فلاّح قل له: كُل عيشاً، لأنه معتاد عليه، لا تقل له كُل شوربة  .


كثير يسألون ولا نسبة بين السؤال والسائل ــــ كمن جاءنا يسأل عن اسم حصان جبريل عليه السلام ـــــ فطالما هو غير هاضم للسؤال، فكيف يهضم الجواب؟. فالإجابة تقتضي أمرين، الأوّل: النسبة بين السائل والسؤال؟ الثاني: الإجابة على حسب السائل لا على حسب السؤال .


شرط أساسي أن تكون عند الطبيب فراسة، بمجرد ما يدخل المريض يشخّص له داءه، طبيب طلب الطب للطب، فجاءه المال تبعاً، وأخذ من عدا المال عزّاً، هذا الّذي نبحث عنه أينما سكن، والّذي جذبنا إليه صدقُه في الطب، نريد علم أي شيء رأيت في المريض، لا الطبيب الذي لا يعرف إلاّ العلم الّذي تعلّمه، ليكتب ( الوصفة ) ويقبض المال .


علماؤنا في هذا الزمان مثل أطبائنا، أول ما يضع بين عينيه أجرة الفحص ، لا يبالي، شُفي المريض أو لم يُشفَ! وهنا غلطتان، الأولى: عند فحصه للمريض، الثانية: عندما يكتب الدواء .


فيا عجباً الدواء من لندن أو فرنسا أو أميركا؟ هواؤنا غير هواء فرنسا، غير هواء أميركا، طبيعتهم غير طبيعتنا، أجواؤهم غير أجوائنا، عالمَهم غير عالمنا، شمسهم لا تطلع إلاّ قليلاً، لابدّ من عالم ماهر في الطب، يعرف كيف يعطي قياساً بين المريض والدواء، لابدّ أن تكون نسبة بين السائل والسؤال، وبين المريض والدواء. دواؤنا في حلب، ويأتوننا بدواء من فرنسا ومن لندن ومن أميركا، هذا هو الغلط. الطبائع تختلف، هذا طبيعته حارّة، وذاك طبيعته باردة، فالطبيب الّذي يأتيه خمسة أشخاص أو ستة بداء واحد إذا أعطاهم دواءً واحداً فهذا غلط!  لاختلاف طبائعهم  .

فلا يعطي  رضي الله عنه جواباً يغص به السائل أو جواباً متماثلاً لتماثل الأسئلة، وضرب على ذلك مثلاً: الخيّاط والزبائن، يأتيه واحد طويل سمين، وواحد قصير نحيف، وثالث لا هذا ولا ذاك، فكيف تكون ثيابهم واحدة؟ فلابدّ إذن من قياس دقيق .

ويظهر أثر الفراسة، التي هي بمثابة الأشعّة، إذ بدونها لا يتمكن المسؤول ــــ عالماً كان أو طبيباًــــ من الإجابة بدقةٍ بحسب حالة السائل أو المريض، وهو  رضي الله عنه لا يجيب بحسب حال السائل فقط، وإنّما يفاتح جلاسه بإشكالاتهم وخواطرهم دون مباشرة منهم بسؤال، قال رضي الله عنه : (أنا أقرؤكم بدون تكلف) إلاّ أنه لا يعامل أحداً إلاّ بظاهر الشرع، وربما يُسأل فلا يجيب! قال رضي الله عنه  : لا أجيب السائل أحياناً فيكون السكوت هو الجواب. ومراعاةً لأحوال السائلين يجيب على أسئلتهم الفقهية من المذاهب الأربعة، وقد تكون له إجابة دون تقيُّد بمذهب .فما من سؤال إلاّ ولديه جوابه ـــ بعد فحص سريع بنور الله تعالى ـــ ينتقي به العقار المناسب من صيدلية الكتاب والسنّة .

ومن طرقه  رضي الله عنه الإحسان إلى المسيء وقتل عداوة العدو وإزالتها بالإحسان إليه، قال رضي الله عنه : ((الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يحب قتل الكافر ــــ أي لذاته ــــ وإنما قتل كفر الكافر، ونحن سائرون على هذه القدم، لا نريد قتل الأعداء، بل نريد قتل عداوتهم، وكيف يكون ذلك؟ يسيء إلينا ونحسن إليه، إذ ذاك يقول: أنا كنت مخطئاً والحق مع الشــــيخ، هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى يومي هذا ما لي عداوة مع أحد لذاته أبداً، حتى مع إبليس، ولولا أنّ الله تعالى قال: } إنَّ الشَّيْطَاْنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاْتَّخِذُوْهُ عَدُوّاً { [فاطر6] لما اتخذته عدواً، لكنّي أعادي مبدأه، الذي يخالف القرآن الكريم، فالذي يخالف القرآن يخالف حقيقته، فإذا رجع إلى حقيقته صرت وإياه أخوين. أنا لا أريد أن أنتصر على أحد في العالمَ، وإنما أريد أن أردّه إلى الله، الّذي لا يصاحب أهل الله يرى نفسه: أنا وأنا.. أكبر فرعون!

والله ما لي غرض، ولا لي حاجة مع أحد في الوجود والحمد لله رب العالمين، ولكنّي بحاجة إلى خدمتكم ( سيد القوم خادمهم ) الخدمة لا في الجسم فقط } وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه { [سورةالحديد7].

إذا خدمنا أهل النور يسري نورهم إلينا، لا أنبسط لكوني أعطيت أو أطعمت، بل أنبسط لأن الله جعلني خادماً لهذه القضية. فأنا خادم، وأعتز بكلمة خادم، إفهموني رجلاً خادماً، ظاهري وباطني كله واحد، أدلكم على حقيقتكم، ارجعوا إلى حقيقتكم، سيروا على الصراط المستقيم .

والله لا أبغض أحداً لا أوربيين ولا شيوعيين ولا بعثيين، ولا خبيثين ولا شريرين، ولا قطّاعي طريق، أنا أعدّ حالي كالطبيب، لا تفهموا النبهاني عصبيّاً، لا أطيق العصبية، ولا أبغض أحداً، فمن الناس من يقول: أبغض جمال عبد الناصر ومنهم من يقول: أبغض الشيوعيين، ما أنا بذاك، أنا رجل خادم، أقامني الله تعالى لخدمة البشر سواءٌ كان يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً، أو كافراً، أو مشركاً، أو شرّابَ خمر، أو قطّاعَ طريق، أو مبغضاً لرسول الله r " إيش بدّي منّه؟ " الواجب عليّ أن أخدمه حتى أردّه لحقيقته، فإذا رجع إلى حقيقته  صار رفيقي وصاحبي ومن أحســــــن الناس لا لي بل لغيري، وأنا أعتقد أنّ (هيلاسي لاسي)/ رئيس الحبشة، معروف بحربه على المسلمين آنذاك /)، إذا يقعد معي عشرة دقائق ينقلب. فلا يحقد ولا يتحامل، ويتعامل مع بني الإنسان حتى مع المحتالين والكذابين على أنهم خلق الله وعيال الله، وكثيراً ما يردد }هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الّذين من دونه { [سورة لقمان 11] وإن شخصاً سأله قائلاً: سيّدي، أما تعرفني كذاباً فكيف تصدّقني؟ قال t : أعرفك ولكنني قلت: لعلّه صدق هذه المرة!  .
ولا ييأس رضي الله عنه  من أحد ولا يحكم على فاسق أو فاجر أو مجرم بالشقاوة، فربما لاطفه فتاب وكان من الصالحين، قال  رضي الله عنه : لكل إنسان في كل أربع وعشرين ساعة أربعة وعشرون ألف نَفَس، وكل نَفَس له برزخ خاص، وبين كل نَفَس ونَفَس حاجز لا يختلط بآخر، ولا يُحكَم على نَفَس بآخر، بل ربما كان نَفَسٌ إيماناً ونَفَسٌ كفراً، نَفَس ولاية ونَفَس معرفة، وهلمّ جرّا، فلا يُحكَم على نَفَس بالآخر البتّة، والله واسع عليم فالعارف حينما يعطيه الحق السعة، يسع عدوه وصديقه والكافر والمؤمن، فإذا رأيتَ أحداً أقبل على أهل الله فلا تحكم له بأنه وصل، لأنك لا تعلم النفَس الثاني، وإذا رأيتَ أحداً أعرض عن أهل الله فلا تحكم عليه بالقطيعة لأنك لا تعلم النَفَس الثاني.. صاحب النور يرى الأشياء ويرى الناس بالله، ولكن الحق يعطيه الرحمة قبل ذلك، فينظر الناس بالرحمة ويؤوّل لهم ولأعمالهم، وأقل التأويل أن يرى قلوب الخلائق بين إصبعين من أصابع الرحمن، فلعل ذلك العاصي أو الفاسق بعد نفَس يكون ولياً، كذلك لا يجزم لصلاح صوري، فإن الخاتمة مجهولة، كان الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم يقول (( لا  ومقلب القلوب)).

وبهذا الخُلُق العظيم يدعو الناس و يذاكرهم، أمين على أسرار الناس، يستر ولا يفضح، يقول  رضي الله عنه كل من يرضى بالفضيحة لابدّ أن يفضحه الله تعالى ولو بعد حين . لا يتعصب، ولا يحب الأشخاص ولا يبغضهم لذواتهم، قال رضي الله عنه : ((لا نحب ولا نبغض الأشخاص بل للحق والباطل، نحبهم للحق، ونبغضهم للباطل، وما جئنا إلا للسعادة)).

ولا يحب أحداً أن يخبره عن نفسه أو غيره بسوء قال  رضي الله عنه  :  لا يخبرْني أحدكم عن  نفسه أو غيره بسوء أبداً . معتمداً خلُقاً محمّدياً، (( لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر )) سنن أبي داود، برقم (4860) 4/ 256 ، سنن الترمذي، برقم (3896) 5/ 710. قال أبو عيسى هذا حديث غريب من هذا الوجه.)، فيسع الجميع بالرحمة والشفقة، ويعاملهم بحسن الظن وسلامة القلب ويتجاوز أخطاءهم لكنه لا يهمل تأديبهم بالنصح والتذكير والإعراض أحياناً قال  رضي الله عنه : الّذي يزيد المحب : الإعراض عنه، الإعراض من الكمالات، وعليه فهو إعراض صوري وليس إعراضاً حقيقياً، الإعراض يسيـّره في قلبه، لأنه عنده أهلية، وبالظاهر إعراض الشيخ عبارة عن وضع (بنزين) للمريد ليسير لأن هناك عقبة حتى يقطعها ( والّذي يريد أن يترك فليترك! ) هذا يبقى يحاسب نفسه حتى يصير كله نوراً، الإعراض لا أحد يعرفه، أول ما عمله الله سبحانه وتعالى مع سيدنا محمد r قطع عنه الوحي قال : ] وَالضُّحَى.وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى.مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [ [سورة الضحى1-3] الله سبحانه وتعالى قطع الوحي عن سيدنا محمد r ليعلمنا كيف نسير ، كما سار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الإعراض رأيناه في السير، الحق له فيه حكمة بالغة يعرفها أهل الله، وغير أهل الله لا يعرفها أحد، حكمة بالغة..حتى بدأ الناس يتكلمون فتحوا ألسنتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: بغضه! قلاه! ] مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [ سألني واحد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كاد يرمي نفسه من أعلى شاهق: أيجوز هذا؟  قلت : هذا تحكيه الروح وليس الجسم، واحد من أهل الله يقول : رميت بنفسي مرةً من مكان عالٍ جداً، وما أصابه شيء أبداً!  هذه بالروح، أما صاحب النفس فيتكسر تكسيراً تاماً، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عمل هذا من قبل أن يطّلع أن الحق قطع الوحي لحكمة بالغة، من أجل أن يقولوا عنه بغضه أو تركه..حتى قالوها، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لما نزل الوحي بعد القطع قوي كامل وكان مستعداً الاستعداد التام، تلقى الوحي من الحضرة الإلهية تاماً كاملاً من كل الوجوه، كعطشان كثيراً في يوم صيف حار وجاءه ماء بارد : فكيف يشربه؟ تتنعم كل ذرة من ذراته!  ] وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ [سورة الضحى 11 ] وهكذا : سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان يقولها من الروح، والّذي يقولها من النفس ويرمي حاله يتكسر تكسيراً تاماً، وهذه موجودة مع أهل الله، هذه القضية ذاقها أهل الله... المحبون يتكلمون بالإعراض، هذا ما وجد في الوجود،

إلاّ إذا كان المحب كذاباً اللهم هذا صحيح؛ لأنه هو أساساً ما أقبل على الشيخ حتى يعرض عنه، الشيخ إعراضه حتى يبين له أنه معرض، الشيخ أحنُّ بل الشيخ وارث الرسول صلى الله عليه وسلم وكل وارث عنده خاتم النبوة على كتفه الأيسر والله قال عن سيدنا محمدصلى الله عليه وسلم ] وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [ [سورة الأنبياء 107 ] وليس للمؤمنين فقط، والحق يقول ] بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ [ [سورة الحديد 13 ] هذه لابدّ أن يذوقها الإنسان)).

تلك بعض مزايا دعوته، وهو رضي الله عنه يتأذى بأذية أصحابه ويفرح لفرحهم ويدعو الله سبحانه وتعالى لهم بالحفظ، ويقول رضي الله عنه : أنا طلبي من الله أن يحفظ إخواني . يزرع في قلوبهم المحبة، ويغرس فيهم الاتباع مقروناً بحسن الظن بالله وآمال الخير والنجاح والتفاؤل وصدق التوكل على الله !

يدعو إلى الله تعالى بالكمال الّذي كمّله الله تعالى به، وبالحال الّذي تخلّق به وبما ورثه عن

حبيبه صلى الله عليه وسلم يأمر بالمعروف بالمعروف، وينهى عن المنكر بالمعروف، وهو عون المحتاجين، وكهف الســالكين، والشيء الذي غرسه في قلوب أتباعه مظنّة كل واحد منهم أن الشيخ رضي الله عنه  يحبّه أكثر من جميع أتباعه .

وأولى اهتمامه رضي الله عنه  لأمور، أولها: الوجهة إلى الله تعالى، الثاني: العمل بالشريعة، الثالث: الإنسانية، الرابع: مخالفة المدنية الماجنة، الخامس: بناء الشخصية.



أولاً: الوجهة إلى الله تعالى

قال رسول الله رضي الله عنه : (( من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله هم دنياه وآخرته، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله به في أيّ وادٍ هلك! )). سنن ابن ماجه، برقم (257) 1/ 95 .ولفظه من جعل الهموم هما واحدا هم آخرته كفاه الله هم دنياه ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك.)

قال سيدنا النبهان رضي الله عنه  : ((إن لكل إنسان همة قوية أو ضعيفة، وهذه الهمة تابعة ومنقادة إلى الهمّ، فلكل إنسان هم، فطالب الدنيا همّه الدنيا وهمته تابعة ومنقادة لهمّه،، وطالب الوظيفة همّه الوظيفة وهمّته تابعة لهمّه، والعاشق للزوجة والأولاد وحبّاب المال همّه الوصول لمحبوبه وهمّته تابعة لهمّه  كما أنّ طالب الجنان والحور والقصور همّه الحصول عليها وهمّته تابعة لهمّه.

وطالب الله همّه الحق، وهمّته تابعة لهمّه، وشتّان بين الهموم، فإذا قويت العلائق من زوجة ومال وولد وكرسي وغيره فمعناها أن الهمّة ضعيفة، فإذا وجّهت الهمّة للعلائق وضعتها بغير محلها، ويجب على صاحب الهمّة قطع العلائق ليتجه بهمّته إلى خالقه، وذاك إذا صرفها عن قلبه وتوجه بها لربه، أما لو اشتغل بالدنيا بجسمه فقط لا بقلبه فذاك صاحب همة ومتوجه لخالقه أيضاً، فليس الوصول إلى الله بكثرة الصوم والصلاة ولا بكثرة العلم والعبادة، لا والله، بل بتحقيق العلم بتحقيق العبادة، فبدلاً ما اصلّي مائتي ركعة اصلّي ركعتين ـــ ما عدا المفروضات ـــ بخشوع وخضوع مع الله، وأشهد هو الّذي يتولاني وهو الّذي وفّقني لهذه الصلاة ولهذا الخشوع .

الدين لا بكثرة صوم ولا صلاة وذكر، ولكن بالوجهة الصادقة إلى الله، الّذي يقوّي الرابطة هو الصدق، أي صدق الطلب .

من الناس من يقطع بساعة ما لم يقطعه أهل الذكر والعبادة والزهد في خمسين عاماً، وذلك من سلّم نفسه وما يملك فباعها بكاملها بلحظة .

فالموضوع يحتاج إلى صدق، بأن لا تجد في القلب غير المحبوب من وسخ وأموال وزوجة وعيال ومراتب ولا جنة ولا ثواب ولا درجات .

صاحب الهمّة يوجه همته بداية أمره على نفسه، حتى ينظفها من الأوساخ والعفونات ينظفها من المعاصي والمكروهات، من المباحات، من ميولها وعاداتها، حتى تتطهر وتكمل، فإذا طهرت نفسه توجه بهمّته إلى الناس دالاًّ على الله، فتنفعل الناس بهمّته العالية ويُقبلون على ربهم .

وصاحب المرتبة الأولى، لا يُشغل نفسه بعيوب الناس، بل هو مشغول بعيوبه، لا ينظر إلى نقصهم بل إلى نقصه حتى يكمل كما ذكرنا، وهناك يؤذَن له بالإرشاد وتُسمَع إشاراته وتُفهَم عباراته، أما لو اشتغل بتذكير الناس ووعْظهم قبل تذكير نفسه ووعْظها فلا يُسمَع لكلامه، بل ربما خسر الجهتين، خسر نفسه فمن باب أولى أن يخسر غيره .

صاحب الهمّة لا يرضى بالكرامات والمكاشفات، لا يرضى إلاّ به عز وجل ولا يبتغي به بديلاً . صاحب الهمّة لا يُجالس إلاّ من هو أعلى منه ليستفيد منه فيرقى، وهذا يرث المراتب العالية، أما صاحب النفس فيجالس من هو أدنى منه ليعمل عليه المشيخة، وهذا دائماً في التدني تلعب به نفسه .

وقيمة الإنسان همّته، فأينما تعلّقت همّته كان ذلك مبلغه .

قل: ( الله ) واركض!


ثانيا: العمل بالشريعة


قال رضي الله عنه  : أنا من عندي خذوا : لو أن أحداً مسك السماء والعرش والفرش وطلع ومسك الوجود لا تؤمنوا به إذا خالف أدباً من آداب الشريعة، فكيف إذا خالف سنّة؟ فكيف بالّذي يخالف الفروض.؟


الشريعة، كل من دخل منها نجا ونجح وأنجى غيره } وأتوا البيوت من أبوابها { [ البقرة 189 ] .


الشريعة فوقنا، تأمرنا وتنهانا، ونحن تحت إمرة الشريعة، الخير كله في الشريعة } قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله { [سورة آل عمران 31]  نحن نعرف الشريعة، والشريعة أمرتنا ونهتنا، غير الشريعة ما عندنا .


أنا في الشريعة كالسمكة في الماء، إذا خرجت من الماء تموت، وأنا كذلك إذا خرجت عن الشريعة أموت، الشريعة أخذت لبّي، الشريعة طريقة حبيبي محمّد r، الشريعة فوقنا نعمل بمقتضاها والسلام .


لابدّ أن نكون مثل كلب الصيد، إذا أرسله الصائد يرتسل، وإذا زجره ينزجر، وإذا أرسله وما ارتسل وزجره فما انزجر لا يؤكل صيده .


إذا أتوني برجل من العرش ولا يأتمر بما أمره الله ولا ينتهي عما نهاه الله لا أعترف به وليس على شيء البتة .


المريد في حال السير يجب عليه أن يتأدب بآداب الشريعة .


لا شريعة دون حقيقة، الحقيقة والشريعة واحد، لكن الهمة مطلوبة أولاً .


لا نتكلم مع الشريعة، الشريعة هي قائدنا إلى الحقيقة .


الرجل المحبوب إلى الله تعالى حقاً هو الّذي يتبع أوامر الشريعة، أنا أتحدى أن يكون عاصٍ مسروراً، سعادتنا باتباع الشريعة، الشريعة أخذت لبي .


لابدّ أن نكون مع الشريعة .الشريعة قانون الإنسان .


الشريعة أمرت بكل كمال، ونهت عن كل نقص، ما جاء يوم ليس فيه الله، وما جاء يوم ليس فيه قانون إلهي .


علامة الشخص المقرَّب أنه يأتمر بالأوامر وينتهي عما نهاه الله .


الّذي يخاف الله حق المخافة ويعمل بما أمره الله يهابه كل أحد وتهابه الملوك وغيرهم .


الوجود قائم بالأمر والنهي وكذلك الإنسان لأنه جامع ومأمور بالخلافة على كل ما هو جامع له .


ما أمرنا الله يوماً من الأيام بشيء يضرنا، وما نهانا عن شيء ينفعنا .


الحيوان لا يمشي إلاّ بالعصا، ونحن المكلفون نمشي بالأوامر والنواهي الإلهية، هذه هي العصا التي تسوقنا إلى الله سبحانه وتعالى.


الله سبحانه وتعالى أمرني وأمرك، ونهاني ونهاك، فالّذي يأتمر وينتهي من السعداء، والّذي لا يأتمر ولا ينتهي من الأشقياء .


إذا كان للإنسان غرض شخصي ثم جاءت الشريعة بأحكامها فإن صاحب الغرض يتبع أغراضه الشخصية وهو عالمِ بأن الشريعة بخلاف أغراضه، إلاّ المؤمن صاحب الإيمان الذّوقي فلا تكون له أغراض شخصية، بل أغراضه في اتباع الشريعة  .


استعدوا للأمر والنهي، لا يوجد غير الشريعة، قال: اصدق، صلِّ، صم، لا تكذب، لا تخن، لا تغش، لا تسرق، لا تزنِ.. عليكم الائتمار بالشريعة ـــ بالأمر والنهي ـــ لا تكن تابعاً لعقلك، كن تابعاً للرسول صلى الله عليه وسلم} قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني { } وما على الرسول إلاّ البلاغ { [سورة آل عمران 102] العمل الصالح هو مظهر للإيمان، الإيمان أمر معنوي يعني التصديق بالله، كثير من المسلمين لا توجد بينهم وبين الإسلام نسبة إلاّ الصورة أو الاسم فقط! أين الانقياد والاستسلام لله؟ مستسلمون للحكمة الإلهية } ولا تموتُنَّ إلاّ وأنتم مسلمون { علينا أن نرجع إلى الله } وإن عدتم عدنا{ } وكان حقاً علينا نصر المؤمنين { صدق الله العظيم  .


ثالثاً: الإنسانية


حينما نطلق كلمة إنسان أو آدميّ على أحد فهي للمعاني الخيرة فيه وللغرائز الحميدة التي يحملها، ولكونه جمع من صفات الكمال الإنساني أعلاها وأحلاها. فإذا انعكست صفاته نطلق عليه بالمفهوم العام المتداول ليس آدمياً ولا إنسانياً. إذ أن مفاهيم الإنسانية والآدمية معشوقة لدى جنس البشر، بغضّ النظر عن دينهم ومعتقدهم ولونهم وقوميتهم .


وبالتالي نخلص إلى أن " الإنسان ليس هو الحيوان الناطق، كما زعم المناطقة " ليستوي بتعريفهم جنس البشر إنسانياً كان أم لا، إذ الآدمي والإنساني الّذي يمتلك الكمالات الإنسانية ويتعامل بها، قال الله تعالى } لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم { [سورة التين 4 ] فمن ضيع إنسانيته فهو ضائع، ومن قتلت إنسانيته فهو مقتول، يمشي بلا هدف، ويعيش فوضى } أولئك كالأنعام بل هم أضل { [سورة الأعراف 179] وكما أن جوف الإنسان يتحسس إلى الماء والغذاء، فإن قلبه وروحه وسمعه وبصره تتحسس النقص الإنساني فيه!. وهناك دافع ذاتي في كل آدمي يبحث عن الحقيقة، فإن لم يجدها عانى من التيه والحرمان، وربما أدّى به إلى الانتحار!!.


ووظيفة الوارث المحمّدي إرجاع الآدمي إلى آدميته وإنسانيته فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال عليه الصلاة والسلام: (( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )) (صحيح البخاري: برقم (1319) 1/ 465)، وقال سيدنا النبهان رضي الله عنه :  ما خلق الله يهودياً ولا نصرانياً ولا مجوسياً ولا كافراً ولا مشركاً ولا شقياً، كله عارض، وجاءت الشريعة حتى تردّك إلى أصلك.


فيذاكررضي الله عنه  الإنسان بفطرة الكمال الإنسانية المودعة فيه، ليرده إليها ليبني شخصيته، ويدرك حقيقته، ويأخذ بيده إلى بارئ الإنسانية ومشرّع قوانينها، حتى يصل به إلى الكمال، فيكون عبداً لله تعالى، وخليفةً له في أرضه، وهذه قطفات من أزهار دعوته إلى الإنسانية:


قال رضي الله عنه : الإنسان لا يمكن أن يأخذ الدين من أصله إلاّ إذا كانت إنسانيته كاملة } لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم { [سورة التين، 4] الإنسانية قبل الإسلام، والّذي ليس عنده إنسانية ليس قابلاً للإسلام، وأدنى الإنسانية: عامِل الناسَ كما تحب أن يعاملوك به، وأعلى الإنسانية: أن تعمل بدون غرض، فمن ذاتك تعلم وتعرف وتذوق، وبضمن الإنسان السرور والعلم والمعرفة } باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب { [سورة الحديد 13] وما رأيت فلكاً كبيراً إلاّ فلك الإنسان فقط، كل الأفلاك العلوية والسفلية مندمجة في فلك الإنسان وفلك الإنسان يمدهم كلهم، والإنسان يستمد من الرحمن } الرحمن على العرش استوى { [سورة طه 5]  .


بعضهم يقول: لابدّ للإنسان أن يزيل بشريته ـــ البشرية هي حاجة الإنسان إلى الشراب والطعام ـــ هذا غلط!. البشرية هي الكمال، بشرط أن تكون تحت أمرنا كما نأمرها تأتمر؛ الحق خلقنا بشراً


محمّد بشر وليس كالبشر            بل هو ياقوتة والناس كالحجر


سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حكم على البشرية، بشر بالصورة لكن حاكم بالحقيقة على بشريته وصار هو المسؤول في الوجود، فالبشرية تصير تحت أمر الإنسان..


أتزعم أنك جرم صغير                      وفيك انطوى العالم الأكبر


الإنسان يدلك على الله وعلى رسول الله، وإن رسول الله هو أعظم إنسان ومرشد العبيد إلى الله، والإنسان مراد الله في أرضه، الموجود مع الإنسان غير موجود مع غيره، الموجود مع غيره كله موجود في الإنسان؛ لذلك لا يصلح للخلافة إلاّ الإنسان } ما فرّطنا في الكتاب من شيء { [سورة الأنعام 38] عند أهل الله الكتاب هو الإنسان!. كل إنسان ـــ لا نعني به أهل النفوس وإنما الإنسان أهل الإنسانية ـــ } بل الإنسان على نفسه بصيرة { [سورة القيامة 141] الإنسان مهما كان، إنسان صادق ويحاسب نفسه عنده تمييز درجة أولى يعرف كل شيء، فالإنسان البصير هو الإنسان، الإنسانية فوق كل الكمالات لابدّ أن نحفظها، يحفظها الإسلام، جاء الإسلام قانوناً للإنسانية .


الإنسانية أعلى من الملائكة، الحق خلقها كاملة قابلة للحسن والسيء، فالّذي يسيء ويخالف الشريعة، ويميل للمدنية، ويحب الدنيا قطع الصلة مع الحضرة الإلهية، والّذي يضع اللحية والعمامة لا يليق به أن يقع منه خلاف الأولى، ولا يعمل المباح إلاّ بالنية، يقلبه فرضاً أو سنّة أو نفلاً أو ما شابه ذلك. الإنسانية جمعت أو عكست إنسان العين، الوجود كله عين، والحق يقول } واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا { [سورة الطور 48] يعني أنت الإنسان، أنت النور، بك الإدراك، نحن عين كلنا، السماء والأرض والعرش.. وسيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم هو البصر هو الإنسان .


الضمير في الإنسانية، والّذي ما عنده ضمير لا يفهم شيئاً، الإنسان لما يدرك يدرك بمقدار شخصيته الإنسانية، لأجل ذلك فالرسول r شخصيته ما كان أكبر منها أبداً ولا أجمل ولا أبهى ولا أتمّ ولا أكمل، من هنا مدحه الحق قال } ما زاغ البصر وما طغى { [سورة النجم 17] مع كونه } لقد رأى من آيات ربه الكبرى { رأى الآيات الكبرى بمقدار شخصيته، ولا قدر أن يسير مع الشخصية العظيمة إلاّ سيدنا الصدّيق رضي الله عنه  ، قال له سيدنا عليّ رضي الله عنه : يا أبا بكر كلنا صحبنا رسول الله بم سبقتنا؟  قال له: يا علي صحبت رسول الله وأعطيت الصحبة حقها .


في السير والسلوك بعض الأفراد أحباب الله تصير عندهم لوعة، هذه تتمكن إذا رجع إلى إنسانيته التي خلق عليها (( كل مولود يولد على الفطرة..)) هذه القضية تقويه، ولبـُعد الناس عن هذه المرتبة الإنسانية صار يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً..لذلك الحق عز وجل ما عنده أعلى من الإنسانية، أعلى من كل شيء، لا تعتقدوا أحداً يفهم الإسلام من غير الإنسانية أبداً، والّذي ما عنده إنسانية ما عنده استعداد أن يصير مسلماً وإن صلى وإن صام!


الملائكة أشرف من الإنسان، والإنسان أكمل من الملائكة، كمال الإنسان وضع الأشياء في محلها بالأمر الإلهي لا بعقلياته. صاحب الإنسانية الكاملة لا يتطلب المعجزات، لأنه } وفي أنفسكم أفلا تبصرون { [سورة الذاريات 21] الكمالات كلها موجودة في الإنسان، فالمراد منه أن يدل الناس على كمالات الله .


العاقل لا يعمل مخالفة لا صغيرة ولا كبيرة، والّذي ما عنده إيمان ما عنده إنسانية، ما عنده رأس مال بتاتاً، ما عنده قوة، فالإنسان الّذي لا يستسلم لله هذا بعيد عن إنسانيته عن حقيقته عن معنويته، الإسلام قانون إلهي للإنسانية، والإنسان سعيد ما دام ضمن هذا القانون، وشقيّ ما دام خارجاً عنه، الإسلام نور إلهي جامع للكمالات كلها، الإسلام مرتبة حافظة تحفظك وتحفظ منك  .


الإنسانية يلزمنا حفظها، يحفظها الإسلام، جاء الإسلام قانوناً للإنسانية، الإنسانية لا يوجد أعلى منها، أعلى من الملائكة، الأصل في الإنسان الإنسانية وليس الإسلام ] لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [[سورة التين 4]  الّذي ما عنده إنسانية ما عنده استعداد أن يقبل الإسلام، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك به، إذا كنت لا تريد أن يتكلم الناس عليك كلاماً واطئاً لا تتكلم أنت عليهم كلاماً واطئاً، الإنسان لا يمكن أن يأخذ الدين من أصله وبحقيقته إلاّ وإنسانيته كاملة، الإنسان فيه الخلافة ومستعد أن يكون خليفة الله في الأرض، وكل المعارف موجودة عند هذا الإنسان، وهو يأمر وينهى، هذا هو الإنسان الّذي يستمد من ربه ] فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [ [سورة الكهف 13 ]  .


الإنسان عندما لا تبقى عنده حجب يقدّر مرتبة الخلافة التي أعطاها الله له، الإنسان عظيم.. جامع.. الملَكية في الإنسان والجنّية والشيطانية في الإنسان، والحيوانية والنباتية والجمادية فيه كذلك! والإنسان الحيواني في الإنسان، أيُّها تغلب عليه يكون الحكم لها! الصفة التي تغلب عليه تظهر، أعلاهم إنساني، هذا يدلّك على الله، الخلافة غير موجودة إلاّ عند الإنسان، لا الملَك ولا غير الملَك، بل يتتلمذ الملَك عند هذا الإنسان، يستفيد علوماً لا يعرفها من قبل! ] لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم[ ] قل: الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون [ [سورة الأنعام 91] الّذي يوصلنا إلى الله، الّذي وصل إلى الله ] إني جاعل في الأرض خليفة [ [سورة البقرة 30] ] هو الّذي ينزّل على عبده آيات بيّنات ليخرجكم من الظلمات إلى النور [ [سورة الحديد 9] صدق الله العظيم.


فهكذا يذكرّ t الإنسان بإنسانيته، ويعرّفه بالإسلام قانون الإنسانية المبني على جلب المنافع للناس ودفع المفاسد عنهم، يحمي ويحفظ ضرورياتهم الخمس الدين والعرض والنفس والمال والعقل، ولا تكاد تجد شيئاً في الإنسانية إلاّ داخلاً في دائرته، ولا في الإسلام شيئاً خارجاً عنها فمنه ظهرت الإنسانية ومنه توزّعت وعلى ضوء أمره ونهيه تحكم .

رابعاً: مخالفة المدنيـة الماجنة


المدنية شيئان لا عيب فيها ولا حرام، وهي ضد الإنسانية، والحق تعالى يغضب من هذه المدنية وممن يتبعها، مع كون أصلها في الدين ليست هكذا، إذ المدنية في الإسلام هي التقوى وعدم التعدي على الغير، لا المدنية التي تزيل كلمة ( عيب ) وكلمة ( حرام ) .


العقل والمدنية لا يجتمعان، ما رأيت في أهل الأرض مدنياً وعنده عقل بتاتاً، لأن المدنية قائمة على ركنين لا عيب، ولا حرام .


لا تتبعوا المدنية وتقلدوها، خالفوا المدنية، خالفوا المجوس، ولا يتبعها إلاّ من لم يتزكَّ .


المدنية ضد الإنسانية، والحق يغضب غضباً شديداً على المدنية وعلى كل من اتبع المدنية .


المدنية لها ركنان أساسيان لا عيب، ولا حرام .


المدنية لا قانون لها، قانونها الشهوات، لو أشهد في المدنية خيراً لاتبعتها، الرجال مثل النساء والنساء مثل الرجال، تشبهوا ببعضهم البعض!! وهؤلاء بعيدون عن الجنة .


إذا لم يكن عند الإنسان شرف فهذا اسمه ديوث، والديوث لا يشم رائحة الجنة، .


دين الإسلام مرتبة حافظة، تحفظك وتحفظ منك، أما المدنية فلا تحفظك ولا تحفظ غيرك،

تضرك وتضر غيرك .


القلب نور خالص درّاك، القلوب لها حياة، إذا كان القلب حياً يكون مؤمناً، الكفار قلوبهم ميتة، لو كان فيها حياة لاستعملوا المخترعات ـــ من صاروخ وقمر صناعي وراديو وتلفزيون.. ـــ بالخير، هذا يكون جميلاً جداً، الراديو والتلفزيون إذا استعملوه بالخير بالعلم لا يوجد أجمل من ذلك! نحن لا نحرّم الحديد والخشب، نحرّم ما يُبثّ فيه، وما يظهر فيه من السفالات، يغزونكم به غزواً! فرعون لما أراد أن يدّعي الربوبية ما قدر أن يدّعيها رأساً! بل فسّقهم قبل كل شيء، أدخلهم بالفسق }فاستخفّ قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين { [سورة الزخرف 54] فلما فسّقهم صاروا تحت الأمر، وما بقي لهم وجود أبداً البتة ( فَرِّقْ تَسُدْ ) كذلك هؤلاء أهل التلفزيون يأخذون زوجاتنا وأولادنا وبناتنا منا؛ يعلّمونهم الغراميات والمحبات الواطية والسفالة، ولا أحد يردعهم، حرام حلال كيفما اتفق!  لا يوجد رادع يردع، الإنسان إذا ما عنده من داخله رادع يردعه ـــ ضميره قلبه ـــ ذهب وراح هباءً منثوراً! العاقل لا يدخل تلفزيوناً في بيته، لو كان التلفزيون في العلم والكمالات والدروس لا يوجد أجمل منه! ولكن ما فيه إلاّ الشرّ! كل من يدخل تلفزيوناً في بيته فزوجته راحت منه، وهو راح من زوجته، وأولاده وبناته كلهم راحوا منه؛ تعلّموا السفالات وسينفذونها خارجاً ويطبقونها، الإسلام لا يطبقونه! أما الشرّ فيطبقونه رأساً، رأوا أجمل منهم فلم يبقَ فكره على زوجته، وكذلك زوجته لم يبقَ زوجها في فكرها، والبنت رأت، والصبي رأى.. إلى أن وقعوا في السفالات، اُلعوبة بيد الشيطان ويستحسنون ألاَعيبه! 

ثم القلب يخرب، هذا القلب الحي يموت، لا يبقى بينه وبين الكفر إلاّ حجاب رقيق، ولا يكتفون بحالهم بل يجادلونك: بيت فلان عنده! بيت العالمِ عنده! بيت المفتي عنده.. ( طم طم )هم والعالمِ والمفتي والّذي عنده تلفزيون!! (طم طم) للّذي يخالف الله، هذا لا وجود له عندنا البتة، رجل واطئ مزيَّف فقط، نحن نعرف الشجاع الّذي يطيع الله تعالى ورسولهr ، الله سبحانه وتعالى هو خالق المخلوقات، هو أنزل قانون الخالق للمخلوق، فإذا سار عليه سعد مهما كان المخلوق، اليهودي مخلوق، والمجوسي مخلوق، والجن مخلوق مثلنا تماماً } وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون { الذاريات 56 ، كلهم مخلوقون، المخالف مطرود مُبعَد عن الحضرة الإلهية، لا وجود له، حتى طُرِد عن الإنسانية وليس فقط عن الدين! } ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم { الملائكة تقويمهم حسن، والجن تقويمهم حسن، والحيوانات.. إلاّ الإنسان } في أحسن تقويم { لأن فيه الخلافة ليكون خليفة الله في الأرض، وهو يأمر وينهى، هذا هو الإنسان، أما إذا ينظر ويشاهد التفلزيون يذهب العقل تماماً ! حب وعقل لا يجتمعان أبداً، الحب يأكل العقل، حتى السالك إلى الله لا يجتمع عقله وحبه عندما يحب الله ورسوله! من بابٍ أولى الفاسق والفاجر راح عقله، أحب واحدة، المحبة غير مربوطة بالجمال ولا مربوطة بالشخصية، الحب ما له ارتباط بالجمال وغير الجمال، الارتباط بالنسبة الموجودة بينهما، أين الكامل المميز؟ هذا صار عنده تمييز، صار عنده عقل، عقلا نورانيا وليس عقلاً مادياً، الأوربيون يخترعون صواريخ يحرقون بها بعضهم البعض، أما نحن فنحيي الميت بإذن الله، هذا هو العاقل.


خامساً: بناء الشخصية

قد يبني شخص مدينة كاملة، أو يحصل على عدد من الشهادات ويؤلّف عشرات الكتب، أو يحظى ببراءة اختراع في كثير من المبتكرات، أو يحلّق في مراكب الفضاء فيصل إلى عجائب الاكتشافات، ومع هذا فهو غافل عن إعداد شخصيته متغافل عن الكمالات.


الكثير من المصلحين يهتمّ بصلاح الأمة أكثر من اهتمامه بنفسه، متجاهلاً كونه لبنة في صرحها، ومن هنا حصل الضياع، فتفرق شملها، وتسلط عليها من لا يرحمها، لذلك نجزم بأن بناء الشخصية وإعدادها هو الأهم، فإذا حظي إنسان بمرشد صادق ومستشار أمين يأخذ بيده إلى شاطئ النجاة، ويضع له إشارات المرور على جادّة الصواب حصلت الثمرة المطلوبة، وحيث أنّ غالبية المسلمين اليوم صورة بلا حقيقة، وأن الفرق شاسع والبَون واسع بين المسلم والإسلام كما هو بين حقيقة الأسد وصورته فلابدّ لنا أن نبحث عن إنسانيتنا وفطرتنا وإسلامنا وشخصيتنا، وأن نعطي أهل الاختصاص دورهم، قال رسول الله r : (( استعينوا على كل صنعة بصالح أهلها )) ونعرض أنفسنا على حكيم يرشدنا إلى الدواء، يضع لنا خطة العمل لبناء الشخصية، كما يضع القائد خطة لجنده في سوح الجهاد، إذ الشخصية تتغذى من اجتماعها بالشخصية المؤثرة، بالمجالسة والمذاكرة والنظر والقول والفعل والحال والخُلُق والحركات والسكَنات، وهذه الأمور لا تجتمع إلاّ في ورثة الأنبياء، يضعون الإنسان على سكة الاتباع، ويوثقون رباطه بماكنة العبدية لله تعالى، فينقلب عندهم في لحظات من شقي إلى سعيد، ومن عدو إلى صديق، ومن بعيد إلى قريب، وهكذا كان شأن سيدنا النبهان t مع أصحابه .


فهورضي الله عنه  لم يؤلِّف كتاباً! وحين سئل رضي الله عنه : لماذا لم تؤلف كتاباً؟  أجاب رضي الله عنه : أنا تأليفي إخواني  يعني تلاميذه ومريديه، وهـذه من آثار الوراثة المحمدية حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤلف كتاباً، بل ربى شخصيات وأوجد أمة .

وربما يحتاج البعض إلى توضيح أكثر عن الشخصية، فيتبادر لهم سؤال ماذا تعنون بالشخصية؟ وما هي المواصفات؟.فنقول لا يُعنى بها طول الإنسان وعرضه ووزنه، ولا أصله وفرعه ولونه، وإنما يعني بها الإنسان الّذي يأتمر بما أمره الله وينتهي عمّا نهاه، فلا يكون لفظاً مهملاً أو حجراً في فلاة، بل الرجل الّذي يأخذ دوره بما يرضي الله تعالى في ميادين الحياة، ويرقى بالتقوى والمحبة والاتّباع والعلوم والفهوم والفتوحات، يحمل معاني الصحوة واليقظة والتغيير للأحسن في النفس والبيت والمجتمع، ويغتنم فرص الليل والنهار بمواقف تقرّبه إلى الله تعالى، ولا يتأثر بالظرف والتيار، قال سيدنا النبهان رضي الله عنه : نريد أن نعطيكم حقيقة الشخصية، الشخصية أمر ونهي، صاحب الشخصية الّذي لا يعصي الله أبداً


الشخصية تأتي من العقل، فهي لا تموت ولا تعزل، تهابها الإنس والجن وتعظمها الملائكة!


الشخصية لا تعدم، وهي باقية في الدنيا والبرزخ والآخرة .


صاحب الشخصية لا يتأثر بالبيئة وإنما يؤثر بالبيئة .


الشخصية الفذّة لا تعبد الله إلاّ لله، لأنه عظيم يستحق العبودية .


صاحب الشخصية هو جليس الحضرة الإلهية .


الإسلام لا يحمله إلاّ صاحب الشخصية، بعض المسلمين يصوم ويصلي ويغش ويخون، فيلعن الناس كلَّ من يصوم ويصلي بسببه، عليه الوزر، والعكس بالعكس!


الإيمان بمقدار الشخصية، المرتبة بمقدار الشخصية .


الشخصية تتغذى من الرسول عليه الصلاة والسلام .


الشخصية النفسانية يمشي مع العصبية، والشخصية الروحانية يمشي مع الحق .


النزاهة تأتي من الشخصية، ولا تأتي الشخصية من النزاهة .


يجب أن تكون الشخصية الحاملة للعلم أكبر من المرتبة ومن العلم، لأن العلم كالسيف، ومن لم يحمِ سيفه لا يحميه السيف .


الشخصية تأبى المدنية التي لا تعيب عيباً ولا تحرّم حراماً .


لا يطلب السلوك إلاّ صاحب الشخصية .


الإنسان يأخذ بمقدار صدقه أي بمقدار شخصيته .


الإنسان نتيجته أخلاقه لا أعماله، أعماله إذا كانت مقبولة عند الله تُهضَم إلى الأخلاق، وصاحب الشخصية لا يسيء الأخلاق، حياة الإنسان بحسن المعاملة .


الصدق يخرج من الشخصية، صاحب الشخصية البارزة لا يكذب ولا يسرق ولا يغتاب ولا يكون ديوثاً ولا اعتبار للمدنية عنده.


المربي الكبير يربّي الشخصيات ويربّي المراتب، وهو ليس له مرتبة أبداً، حتى الغوث لا يحكم عليه! عبد المرتبة وعبد المعرفة.. لا  لا! مثل: تعس عبد الدينار، تعس عبد المرتبة، أو المعرفة، تعس عبد الزوجة.. الخ  الشخصية عبد يعني } سبحان الّذي أسرى بعبده { [سورة الإسراء 1] لما رأى الآيات البينات الكبرى قال } ما زاغ البصر وما طغى { [سورة النجم 17] قلبه مع القديم جل جلاله أما الحادث فلا يعبأ شيئاً، صاحب المرتبة محمول، وصاحب الشخصية حامل، هو الكل في الكل، هو المكلف، هو المسؤول، فسيدنا عمر رضي الله عنه  لما صار أمير المؤمنين جعل المسؤولية عليه، وكل شيء في البلاد مطلوب منه، إذا فقدت دابة من الدواب في الفلاة فهو مسؤول عنها! هذا صحيح، أوّل ما صار أميراً بقي مدة لا ينام لا ليلاً ولا نهاراً، في النهار يدبر شؤون الخلافة، وفي الليل يتحرى ماشياً يبحث: أين توجد أرملة أو عاجز.. رأى مرة قافلة محمّلة ولما أنزلوا الحمل ناموا، فبقي يحرس إلى أذان الفجر حتى أيقظهم قال لهم: قوموا إلى دوابّكم، لأنه يرى نفسه هو المسؤول، وإذا لم ير المسؤولية فليس بصاحب شخصية، صاحب المرتبة ما عنده مسؤولية، أما صاحب الشخصية فعنده مسوؤلية، عبد الله، الله أكبر من الكبير، لا تدخل بالصلاة إلاّ بالأكبر، الله أكبر، هذا صاحب الشخصية، مسؤول عن كل قضية! (( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون )) ) / ورد في صحيح البخاري برقم (3290) 3/ 1282 : أن نبياً من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.  /لا يدعون على أحد البتة، ما وجد عارف ولا رسول يدعو على أحد البتة ولا سيدنا نوح، سيدنا نوح عرَفَهم أنهم يبقون كفاراً فدعا عليهم رحمة بهم لئلا تزداد ذنوبهم.. لا يمكن لعارف بالله أن يدعو على أحد مهما عمل فيه (( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون )) حسبي الله ونعم الوكيل .


الشخصية لا تصير إلاّ بأكل الحلال، الّذي يأكل الحلال: بدون تكلُّف منه يحفظ اللهُ سمعه وبصره ولسانه وفرجه وبطنه ورجله ويده.. لماذا لا تأكلون الحلال؟ لماذا لا تأكلون قليلاً؟ عوّدوها على القليل الحلال، بعد التقوى توجد صداقة، قال الله تعالى } الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلاّ المتقين{

[سورة الزخرف 67] ليست التقوى الأولى ولا التقوى الثانية، وإنما التقوى الثالثة أهل الذات الإلهية،

لا يمكن إلاّ التقوى الثالثة، في الأولى والثانية النفس غير مهذبة غير مؤدبة، كل من نفسه غير مهذبة غضبة من الغضبات لا يبقى عنده شيء ينقلع قلعاً .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية    


 

الكلتاوية

 
 

واحـــــة الموقــــــع

 

 

القائمة البريدية

 

 

مواقع صديقة

 
  • السيد النبهان
  • د. محمود فجال
  • د. محمود الزين
  • عالــــــم القرآن
  • الشيخ: عبد الهادي بدلة
  • الموسوعة الفقهية
  • فقه المصارف