آخر المواضيع
اخترنا لكم


  الرئيسية    الفقـــــه وعلومه   مقالات وأبحاث
أحكام الردة في الإسلام



مرات القراءة:362    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

                              

أحكام الردة في الإسلام

 

 

الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى به نعمة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام. وبعد:


ارتد أحد ضعاف الإيمان عن دينه في إحدى البلدان الإسلامية، وهرب إلى بلاد النصرانية. فقامت إحدى الإذاعات الناطقة باللغة العربية ( إذاعة B.B.C ) تطرح سؤالاً على عامة الناس دون علمائهم! مفاده: ما رأيكم بدين يأمر بقتل من يرتد عنه بعد أن كان فيه؟؟؟؟

فاضطربت الألسنة، وتزعزعت قلوب الضعفاء، فمنهم من تكلم بغير علم، ومنهم من دافع تعصباً، والعاقل فيهم من رد الجواب لأهل العلم.


أولاً: الحكمة من إقامة الحدود عامة:


بين الله تعالى لنا الحكمة من إقامة الحدود في قوله:وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ سورة البقرة/179. والألباب: العقول.
والمعنى أن القصاص وإذا أقيم وتحقق الحكم فيه ازدجر من يريد قتل آخر. وكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حمي قبيلاهما وتقاتلوا، وكان ذلك داعياً إلى قتل العدد الكثير، فلما شرع الله القصاص منع الكل به وتركوا الاقتتال. فلهم في ذلك حياة.(1)
وكذلك باقي الحدود. فالشريعة الإسلامية لها مقصد عام من تشريع الأحكام وهو: تحقيق مصالح الناس بجلب النفع لهم ودفع الضرر عنهم. ومصالحهم تشمل الضروريات الخمس التي ترجع إلى ( حفظ الدين و النفس و العقل والعرض أو النسب والمال).

ـ فحفظ الدين يكون بدفع ومنع كل من حاربه أو كان سبباً في الفتنة فيه، لأن التلاعب فيه وهدم بنيانه عدوان على النظام العام للكون والمجتمع.

ـ وحفظ النفس يكون بقتل قاتل النفس إن كان عمداً أو دفع الدية إن كان خطأ، وذلك لترميم الخلل الذي أحدثه القاتل.

ـ وحفظ العقل يكون بردع كل من أتى بشيء يذهب بعقله. لأن العقل يحفظ قول وفعل الإنسان من الخطأ كله.... روى النسائي عن عثمان قصة الرجل العابد الذي دعته امرأة وضيئة إلى الوقوع عليها، أو شرب كأس من الخمر، أو قتل غلام كان أمامها، فاختار الخمر. فلما شربها وقع عليها وقتل النفس.

ـ وحفظ العرض أو النسب، ويكون بتأديب القاذفين بالزنا أو الطاعنين في الأنساب، لأن العرض هو موضع المدح والذم من الإنسان، وهو وصف اعتباري تقويه الأفعال الحميدة وتزريه الأفعال القبيحة. وبه تكون صحة نسبة الأبناء إلى آبائهم، وبالتالي إقامة بنية المجتمع على أسس عائلية وأسرية.
ـ وحفظ المال لأنه به تقوم حياة الناس فلا بد من حمايته لأصحابه ومنع الأيدي من الامتداد إليه، وذلك بإغناء الفقراء وقطع المفسدين.
وآكد هذه الأمور الخمسة: هو حفظ الدين، لأن حفظ غيره وسيلة لحفظه. (2)

ومقصد الحدود كلها الزجر في الدنيا ، كما فعل سيدنا عمر رضي الله عنه من إيقاف قطع يد السارق عام المجاعة، لأنه بتطبيقه له في هذا الوقت لن تحصل الغاية المرجوة من إقامة الحد. والزجر يتناول المجرم وغيره، ويعيد الأمن إلى النفوس بعد اضطرابها.


فدين الإسلام ليس دين عبادة فحسب، بل هو دين نظام وحكم. والزجر عن المعاصي والفساد هو الحكمة من إقامة الحدود، حتى يستتب الأمن والأمان في أرجاء مجتمع المسلمين، وحتى لا تشيع الأمراض الأخلاقية الخطيرة التي يتضرر بها العباد، من إفساد للفراش، أو إضاعة للأنساب، أو هتك للأعراض، أو إتلاف للأموال، أو إزهاق الأنفس واضطراب الأمن. فالحدود دواء شاف وعلاج ناجح لما يصيب المجتمع من الأمراض النفسية الفتاكة التي تهلك المجتمع، وتنخر في جسده، وتمزق أوصاله، تذهب به إلى الهاوية.


وهذا الذي ذكر من إقامة الحدود لا يتنافى أبدا مع الحرية التي هي مطلب كل إنسان، لأن الحرية لا تعني أن تخرج عن نظام الحاكم فتنشئ الفتن وتقتل الناس وتأخذ المال وتهتك الأعراض.


وهذا لا يقول به عاقل. بل الحرية أن تختار ما يصلح لك ولمجتمعك ضمن إطار يحدده لك الشرع الحنيف، أو الإمام الحاكم العادل، أو عقلاء الأمة وعلماؤها، أو أكثرها وجمهورها.


فالضوابط التي وضعها لنا الشارع، هي ضوابط ليحفظ لنا بها حريتنا باختيارنا ما يصلح لنا فنتمتع بحياتنا. فلا نعتدي على أحد ولا يعتدي علينا أحد.


تعريف الردة :


الردة لغة : الرجوع عن الشيء , ومنه الردة عن الإسلام . يقال : ارتد عنه ارتدادا أي تحول . والاسم الردة , والردة عن الإسلام : الرجوع عنه . وارتد فلان عن دينه إذا كفر بعد إسلامه . والردة في الاصطلاح : كفر المسلم بقول صريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه. (الموسوعة الفقهية: ردة: ف 1)


عقوبة المرتد وأدلتها:


أجمع العلماء على قتل المرتد. لقوله تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ سورة التوبة. وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ سورة التحريم. والمرتد يعد من الكفار. ولقوله : (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري. ولقوله : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلى الله، قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) رواه البخاري.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه البخاري. والمرتد قد فارق جماعة المسلمين.
ذكر الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: حديث أبي موسى حينما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه قال: انزل. وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده موثق. قال ما هذا؟ قال: هذا كان يهودياً فأسلم ، ثم راجع دينه دين السوء فتهود. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله فقال: أجلس. نعم. قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله. ثلاث مرات. فأمر به فقتل.. وأيضاً لا يخفى علينا قتال سيدنا أبي بكر لمانعي الزكاة.


الحكمة من قتل المرتد:


ذكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. فقال: جمهور كبير من الفقهاء قالوا: إذا أعلن المرتد عن ردته في المجتمع الإسلامي، فقد أعلن الحرابة من خلال ذلك على المجتمع الإسلامي من حيث كونه إسلامياً، وتحول إلى ما يشبه جرثومة تنشر فيما حولها عادية السوء.
المرتد يلاحق ... والمرتد يستتاب ويحاور في أسباب ردته، وفي الشبهات التي طرأت على فكره، والمرتد بعد ذلك يهدد ثم يهدد، ثم يقتل إن ظل على الرغم من ذلك كله مستعلناً بردته، لا لأنه جنح إلى دين غير دين الإسلام، وإنما لأنه أعلن بذلك الحرابة على المجتمع الإسلامي الذي هو فيه. ولو كان سبب قتله جنوحه إلى غير دين الإسلام، إذن لاقتضى ذلك قتل الكافر الأصلي أيضاً. (3)
وهذا لا يتناقض مع قوله تعال: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ فالنهي وقع هنا قبل الدخول في الدين، حيث لا يكره الإنسان على اعتناق دين الإسلام. أما بعد أن يدخله فلا بد له من أن ينصاع لأحكامه.... ومن أحكامه قتل من خرج منه علانية بلسانه أو بشاهدي عدل.


ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أسلم رجل من اليهود، فذهب بصره وماله، فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني! فقال: إن الإسلام لا يقال: فقال: إني لم أصب في ديني هذا خيراً، ذهب بصري ومالي وولدي! فقال: يا يهودي إن الإسلام يسبك الرجل كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب، فأنزل الله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ (4).سورة الحج) رواه القرطبي.


وروى (5) إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ سورة الحج/ 11. قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله. قال: هذا دين صالح. فإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله. قال: هذا دين سوء. (6)
وقال المفسرون: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون، فإن نالوا رخاء أقاموا، وإن نالوا شدة ارتدوا.


فحتى لا يصبح دين الإسلام الذي هو دين الله وشريعته هوى من أهواء الناس، يدخله من شاء متى شاء مكراً، ويخرج منه متى شاء لعباً وفساداً. قال صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه). فالمرتد كما قال د.البوطي (7): جعل من ردته التي أصر إلا أن يعلن عنها فيروساً لنشر الكفر بين الناس، وهو إن لم يعلن ذلك صراحة فقد أعلنها ضمناً، والمحارب في قانون العالم كله يلاحق، ثم إن لم يقلع عن محاربته يقتل.


قول الله تعالى: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.


اختلف العلماء في معنى هذه الآية إلى أقوال عدة:

1ـ قيل إنها منسوخة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام. قاله سليمان بن موسى. قال: نسختها: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ سورة التوبة/73. وروي هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه وكثير من المفسرين.

2ـ ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام فهم الذين نزلت فيهم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ هذا قول الشعبي وقتادة والحسن والضحاك. والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمداً بالحق، قالت: أنا عجوز كبيرة والموت لي قريب. فقال عمر رضي الله عنه: اللهم اشهد وتلا: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ سورة البقرة/265.


3ـ ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت هذه في الأنصار، كانت تكون المرأة مقلاتاً. فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النصير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار. فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. والمقلات: التي لا يعيش لها ولد.
قال النحاس: قول ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية أولى الأقوال لصحة إسناده.


4ـ إنها وردت في السبي، متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا على الإسلام إن كانوا كباراً، وإن كانوا مجوساً صغاراً أو كباراً أو وثنين فإنهم يجبرون على الإسلام، لأن من سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين، ألا ترى أنه لا تؤكل ذبائحهم، ولا توطأ نساؤهم، ويدينون بأكل الميتة والنجاسات وغيرهما . فيتعذر على المالك الانتفاع من جهة الملك، فجاز له الإجبار. ونحو هذا روى ابن القاسم عن مالك.


من لا يقتل من المرتدين؟ :


اتفق الفقهاء على أن من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر , لم يصر كافرا لقوله تعالى : مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ سورة النحل/ 106. وما نقل من: (أن عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - حمله المشركون على ما يكره فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : إن عادوا فعد) رواه الحاكم والبيهقي وعبدالرزاق. وهذا في الإكراه التام.
ومن أكره على الإسلام فأسلم ثم ارتد قبل أن يوجد منه ما يدل على الإسلام طوعا، مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه، فإن كان ممن لا يجوز إكراههم على الإسلام - وهم أهل الذمة والمستأمنون - فلا يعتبر مرتدا، ولا يجوز قتله ولا إجباره على الإسلام لعدم صحة إسلامه ابتداء .
وذهب القائلون بوقوع ردة الصبي إلى أنه لا يقتل قبل بلوغه. وقال الشافعي: إن الصبي إذا ارتد لا يقتل حتى بعد بلوغه، قال في الأم:( فمن أقر بالإيمان قبل البلوغ وإن كان عاقلا، ثم ارتد قبل البلوغ أو بعده، ثم لم يتب بعد البلوغ، فلا يقتل لأن إيمانه لم يكن وهو بالغ، ويؤمر بالإيمان، ويجهد عليه بلا قتل) . (الموسوعة الفقهية: ردة: ف 8 وما بعدها)


حكم المرأة المرتدة:


الجمهور أن المرأة تقتل كما الرجل لأن (من) تعمُّ الذكر والأنثى.
ولأنه أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما راوي الحديث أنه قال: (تقتل المرأة المرتدة).
ولما أخرجه هو والدار قطني أن أبا بكر رضي الله عنه قتل امرأة مرتدة في خلافته والصحابة متوافرون ولم ينكر عليه أحد (حديث حسن) وقد وقع في حديث معاذ حينما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن: أنه قال: (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فأضرب عنقه، وأيا امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها) قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن وهو في محل النزاع.
وذهب الحنفية إلى أنها لا تقتل المرأة إذا ارتدت. قالوا: لأنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن قتل النساء لما رأى امرأة مقتولة وقال: ما كانت هذه لتقاتل. رواه أحمد.


ما تقع به الردة :

اتفق الفقهاء على أن من أشرك بالله، أو جحده، أو نفى صفة ثابتة من صفاته، أو أثبت لله الولد فهو مرتد كافر. وكذلك من قال بقدم العالم أو بقائه , أو شك في ذلك . ودليلهم قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إََِلا وَجْهَهُ سورة القصص/ 88. وقال ابن دقيق العيد: لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر , بالنقل عن صاحب الشريعة , فيكفر بسبب مخالفته النقل المتواتر.
ويكفر من جحد القرآن كله أو بعضه، ولو كلمة. وقال البعض: بل يحصل الكفر بجحد حرف واحد. كما يقع الكفر باعتقاد تناقضه واختلافه، أو الشك بإعجازه، والقدرة على مثله، أو إسقاط حرمته، أو الزيادة فيه. أما تفسير القرآن وتأويله، فلا يكفر جاحده، ولا راده لأنه أمر اجتهادي من فعل البشر.
وقد نص ابن قدامة على أن استحلال دماء المعصومين وأموالهم، إن جرى بتأويل القرآن - كما فعل الخوارج - لم يكفر صاحبه. ولعل السبب أن الاستحلال جرى باجتهاد خاطئ، فلا يكفر صاحبه. وكذلك يعتبر مرتدا من اعتقد كذب النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ما جاء به، ومن اعتقد حل شيء مجمع على تحريمه، كالزنا وشرب الخمر، أو أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة.


واتفق الفقهاء على أن من سب الله تعالى كفر، سواء كان مازحا أو جادا أو مستهزئا. وقد قال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ سورة التوبة/ 65. واختلفوا في قبول توبته: فذهب الحنفية والحنابلة إلى قبولها، وهو الراجح عند المالكية. ولم نجد للشافعية تفرقة بين الردة بذلك وبين الردة بغيره.


وحكم سابه صلى الله عليه وسلم أنه مرتد بلا خلاف. ويعتبر سابا له صلى الله عليه وسلم كل من ألحق به عيباً أو نقصاً، في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو ازدراه، أو عرض به، أو لعنه، أو شتمه، أو عابه، أو قذفه، أو استخف به، ونحو ذلك .


واتفق الفقهاء على أن إلقاء المصحف كله في محل قذر يوجب الردة، لأن فعل ذلك استخفاف بكلام الله تعالى، فهو أمارة عدم التصديق. وكذا كل فعل يدل على الاستخفاف بالقرآن الكريم.


كما اتفقوا على أن من سجد لصنم، أو للشمس، أو للقمر فقد كفر. ومن أتى بفعل صريح في الاستهزاء بالإسلام، فقد كفر. قال بهذا الحنفية ودليلهم قوله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ سورة التوبة/65.

 

الارتداد الجماعي عن الدين :


المقصود بالارتداد الجماعي: هو أن تفارق الإسلام جماعة من أهله، أو أهل بلد. كما حدث على عهد الخليفة الراشد أبي بكر رضي الله عنه . فإن حصل ذلك، فقد اتفق الفقهاء على وجوب قتالهم مستدلين بما فعله أبو بكر رضي الله عنه بأهل الردة.


ثبوت الردة :


تثبت الردة بالإقرار أو بالشهادة. وتثبت الردة عن طريق الشهادة بشرطين: أ - شرط العدد: اتفق الفقهاء على الاكتفاء بشاهدين في ثبوت الردة، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن، فإنه اشترط شهادة أربعة . بـ - تفصيل الشهادة: يجب التفصيل في الشهادة على الردة بأن يبين الشهود وجه كفره، نظرا للخلاف في موجباتها، وحفاظا على الأرواح .
وإذا ثبتت الردة بالإقرار وبالشهادة فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وإن أنكر المرتد ما شهد به عليه اعتبر إنكاره توبة ورجوعاً عند الحنفية فيمتنع القتل في حقه. وعند الجمهور: يحكم عليه بالشهادة ولا ينفعه إنكاره، بل يلزمه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلماً.


استتابة المرتد:


ذهب الجمهور (8) إلى وجوب استتابة المرتد لما في رواية أبي داود في حديث أبي موسى. (أنه استتيب قبل ذلك) وله رواية أخرى أنه دعاه أبو موسى عشرين ليلة أو قريباً منها، وجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه.
وذهب الحسن وطاووس وأهل الظاهر وآخرون إلى عدم وجوب استتابة المرتد، وأنه يقتل في الحال مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه). والفاء تفيد التعقيب، ولأن حكم المرتد حكم الحربي الذي بلغته الدعوة فإنه يقاتل دون أن يدعى.
وعن ابن عباس وعطاء: إن كان أصله مسلماً (أي ولد مسلماً) لم يستتب وإلا استتيب. نقله عنهما الطحاوي.
ثم للقائلين بالاستتابة تفصيل آخر وهو: هل يكفي مرة؟ أم لا بد من ثلاث مرات في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام. والراجح عند الجمهور أنها في ثلاثة أيام. ويروى عن علي كرم الله وجهه (يستتاب شهراً).


أثر الردة على الزواج :


اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد أحد الزوجين حيل بينهما فلا يقربها بخلوة ولا جماع ولا نحوهما. ثم قال الحنفية: إذا ارتد أحد الزوجين المسلمين بانت منه امرأته مسلمة كانت أو كتابية، دخل بها أو لم يدخل، لأن الردة تنافي النكاح ويكون ذلك فسخا عاجلا لا طلاقا ولا يتوقف على قضاء. ثم إن كانت الردة قبل الدخول وكان المرتد هو الزوج فلها نصف المسمى أو المتعة، وإن كانت هي المرتدة فلا شيء لها. وإن كان بعد الدخول فلها المهر كله سواء كان المرتد الزوج أو الزوجة. وقال المالكية في المشهور: إذا ارتد أحد الزوجين المسلمين كان ذلك طلقة بائنة، فإن رجع إلى الإسلام لم ترجع له إلا بعقد جديد، ما لم تقصد المرأة بردتها فسخ النكاح، فلا ينفسخ معاملة لها بنقيض قصدها. وقيل: إن الردة فسخ بغير طلاق. وقال الشافعية: إذا ارتد أحد الزوجين المسلمين فلا تقع الفرقة بينهما حتى تمضي عدة الزوجة قبل أن يتوب ويرجع إلى الإسلام، فإذا انقضت بانت منه، وبينونتها منه فسخ لا طلاق، وإن عاد إلى الإسلام قبل انقضائها فهي امرأته. وقال الحنابلة: إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح فورا وتنصف مهرها إن كان الزوج هو المرتد، وسقط مهرها إن كانت هي المرتدة. ولو كانت الردة بعد الدخول ففي رواية تنجز الفرقة. وفي أخرى تتوقف الفرقة على انقضاء العدة.


أثر الردة في إحباط العمل :


قال تعالى : (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). سورة البقرة/ 217. قال الألوسي تبعا للرازي: إن معنى الحبوط هو الفساد. وقال النيسابوري: إنه أتى بعمل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرة، أو أنه تبين أن أعماله السابقة لم يكن معتدا بها شرعاً. وقال الحنفية: بأن الحبوط يكون بإبطال الثواب دون الفعل. وقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أن مجرد الردة يوجب الحبط، مستدلين بقوله تعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ سورة المائدة/ 5. أما الشافعية فقالوا: بأن الوفاة على الردة شرط في حبوط العمل، أخذاً من قوله تعالى: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فإن عاد إلى الإسلام فقد صرح الشافعية بأنه يحبط ثواب العمل فقط، ولا يطالب الإعادة إذا عاد إلى الإسلام ومات عليه .

 

المراجع:

ـ الموسوعة الفقهية مصطلح( ردة ).
ـ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
ـ الدر المنثور للسيوطي.
ـ الله أم الإنسان أيهما أقدر على رعاية حقوق الإنسان للبوطي.
ـ سبل السلام للصنعاني.


 


إعداد الشيخ: أحمد عبدالفتاح دباغ
المراجعة العلمية للشيخ: عبدالله نجيب سالم
23/شوال/1427هـ 14/11/2006م 14/12/2004


(1) الجامع لأحكام القرآن ـ القرطبي. ج2
(2) شرح الجوهرة ـ الباجوري.
(3) الله أم الإنسان أيهما أقدر على رعاية حقوق الإنسان ـ للبوطي. ص67
(4) الجامع لأحكام القرآن ـ القرطبي ج12
(5) صحيح البخاري.
(6) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ـ السيوطي ج6
(7) الله أم الإنسان ص68
(8) سبل السلام للصنعاني.









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع