آخر المواضيع
اخترنا لكم


  الرئيسية    الفقـــــه وعلومه   مقالات وأبحاث
قاعدة مراعاة الخلاف



مرات القراءة:205    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

قاعدة مراعاة الخلاف

إعداد : الشيخ عبد الرحمن محمد ناصر بركات

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد:

فلما رأى فقهاء المسلمين توسع الاختلاف وكثرة الأقوال ، أوجدوا قاعدة تشفّ عن مدى رفعة أخلاقهم ، ورغبتهم في توحيد عمل المسلمين قدر الإمكان ، ألا وهي قاعدة ((الخروج من الخلاف)) أو (( مراعاة الخلاف)).


التعريف:


وقد عرَّفت الموسوعة الفقهية الكويتية هذه القاعدة بالقول : » يراد بمراعاة الخلاف: أن من يعتقد جواز الشيء يترك فعله إن كان غيره يعتقده حراماً ، كذلك في جانب الوجوب ، يستحب لمن رأى إباحة الشيء أن يفعله إن كان من الأئمة من يرى وجوبه« (1).


وعرفه بعض المالكية بأنه : » إعطاء كل واحد من الدليل حكمه« (2).
وأرى أن يكون التعريف : إعطاء كل من الدليلين حكمه إن أمكن . أو نقول : هو الجمع بين أقوال المجتهدين من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إن أمكن .
وقد جعل التاج السبكي قاعدة الاحتياط أصلاً لقاعدة الخروج من الخلاف(3).


الحكم التكليفي لهذه القاعدة :


معظم العلماء يأخذون بهذه القاعدة عند توفر شروطها ، ومنهم الأئمة : الزركشي ، والعز بن عبد السلام ، والتاج السبكي ، والسيوطي ، والجرهزي صاحب المواهب السنية فبعضهم قال: يستحب أن يراعي المسلم خلاف الأئمة(4)، وعبَّر بعض العلماء بأن الخروج من الخلاف أفضل من التورط فيه(5) وبعضهم عبَّرَ أن مراعاة الخلاف من الورع(6).
وهناك علماء لم يأخذوا بها ، وهم قلة ، منهم : ابن قيم الجوزية(7).

وقد استنبط التاج السبكي لقاعدة الاحتياط ـ التي تشمل قاعدة مراعاة الخلاف ـ دليلاً من القرآن الكريم، هو قوله سبحانه : اِجتنبوْا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ؛ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (8). قال الفاداني : »فيكون في الآية طلب الاحتياط في الأمور ، ويؤخذ من طلب الاحتياط ، استحبابُ الخروج من الخلاف ؛ لأنه من أفراد الاحتياط« وقال: »دلائل الاحتياط الجملي [ أي في الجملة بدون خصوص الخروج من الخلاف ] كثيرة كقوله عليه الصلاة والسلام: (دَعْ مَا يَرِيْبُكَ ، إِلى مَا لَا يَرِيْبُكَ)(9) (10).

 

حالات الخلاف وكيفية مراعاته :


1-2-الخلاف بين الإيجاب والندب. ويدخل فيه الخلاف بين الإيجاب والإباحة مثال ذلك : إشهاد الرجل على رجعته زوجتَه .
فالمذاهب الأربعـة ندبت الإشهـاد(11)، ولكن هناك قول عن المالكيـة بالوجوب، ومثله المذهب الشافعي(12). والأولى هو الإشهاد .


3- ما اختلف فيه بين الإيجاب والكراهة .

 

مثال ذلك : قراءة البسملة في فاتحة الفرض(13).
فالمالكية كرهوها، والشافعية أوجبوها(14).. والأولى في هذه الحال الإتيان بها مراعاة للخلاف .


4- الخلاف بين الإيجاب والتحريم .

 

مثال ذلك : قصر الصلاة لمن كان دائم السفر كالملاّح.
فالحنفية أوجبوا عليه ذلك كغيره من المسافرين، والحنابلة حرموه عليه(15).
والأولى في هذه الحال عدم القصر؛ خروجاً من خلاف الحنابلة ، وإنما رجحنا الخروج من خلافهم على الخروج من خلاف الحنفية؛ لأن قول الحنابلة وافق الأصل وهو الإتمام(16).

5- الخلاف بين الندب والكراهة .

مثال ذلك : تكرار العمرة في العام الواحد في غير رمضان .
فالمالكية والحنابلة كرهوه(17)، لكن قيد الحنابلة الكراهة بالإكثار والموالاة بينها، أما الشافعية فاستحبوا التكرار والإكثار، وكذلك الظاهرية(18).
والأولى في هذه الحالة القول بالتكرار؛ لأن من شروط مراعاة الخلاف - كما سيأتي- أن لا يؤدي الخروج من الخلاف إلى المنع من العبادة ، وإلا لم يؤخذ بمراعاة الخلاف.

6- الخلاف بين الندب والتحريم

ويمكن التمثيل أيضاً بقصر مديم السفر الصلاةَ .
وقد سبق التمثيل به، وأن المالكية سنّوه، والحنابلة حرموه.
والأولى هو الخروج من خلاف الحنابلة.
لأنه حين يكون القول المحرِّم للفعل قوياً ، فالأحوط الخروج من الخلاف .

7- الخلاف بين الكراهة والإباحة.

مثال ذلك : تكرار العمرة في العام الواحد في غير رمضان.
وقد سبق التمثيل به ، وذِكْرُ أن الحنفية أجازوه ، والمالكية والحنابلة كرهوه. والأولى القول بتكرارها لأن من فعل المكروه يلام ، وإن لم يعاقب ، أما لو تركه ناوياً الطاعة لأثيب ، ولاشيء عليه قط في فعله المباح أو تركه له ، لذا كان مقتضى الاحتياط ، الخروجَ من خلاف الكارهين.


8- الخلاف بين الكراهة والتحريم.


مثال ذلك : نكاح الرجل بنتَه من الزنا.
فلا يجوز عند المالكية والحنابلة أن ينكح الرجل بنته من الزنا(19)، ويجوز مع الكراهة عند الشافعية(20).
والأولى في هذه الحالة اجتناب الفعل والكف عنه ، لأن من اجتنب الفعل ناوياً الطاعة بذلك أثيب، وبرئ يقيناً من الوقوع في المحظور.


9- الخلاف بين التحريم والإباحة.

ومثاله : الربا في غير الأصناف الستة ، التي نص عليها الحديث الشريف(21).
فجمهور الفقهاء ، ومنهم المذاهب الأربعة، قالوا : إن الربا يمكن وجوده في كثير من الأشياء غير هذه الأصناف الستة(22) - حسب قيود كل مذهب - ، أما الظاهرية فقالوا : إن لا ربا في غير هذه الأصناف(23).
وتمثيلي بالربا هنا على قول من قال بالأخذ بأقوال الظاهرية.
والأولى الأخذ بالتحريم ، - على فرض أن قول الظاهرية يعتد به - ، أما إن لم نأخذ بكلام الظاهرية ، فالأمر من باب أولى احتياطاً لبراءة الذمة.


شروط مراعاة الخلاف :


الشرط الأول: أن لا تؤدي المراعاة إلى مخالفة نص ثابت عن الشرع ، وهذا يتضمن مسألتين :
المسألة الأولى: أن لا تؤدي المراعاة إلى مخالفة القرآن أو السنة الثابتة .
المسألة الثانية: أن لا تؤدي المراعاة إلى مخالفة الإجماع .

الشرط الثاني: أن يمكن الجمع بين أقوال المجتهدين .

فلو اختلف الأئمة في شيء على أكثر من رأي ، وأمكن الجمع بين أقوالهم جمعنا بينها وخرجنا من الخلاف .
أما لو كان بعض المجتهدين يقول بطلب الفعل وبعضهم بالنهي عنه ، فلا يمكن الجمع بينهما، وقد سبقت الأمثلة على كل هذه الحالات ، وسنذكّر ببعض منها :

مثال ما يمكن الجمع فيه بين أقوال المجتهدين :

الجمع بين قول الحنفية والمالكية المحرمين لنكاح الرجل بنته من الزنا ، وبين الشافعية الكارهين لهذا النكاح

ومثال ما لا يمكن الجمع فيه :

الجمع بين قول الحنفية والحنابلة المستحبين لقراءة البسملة في فاتحة الفرض ، وبين المالكية الكارهين لها ، أو بين المالكية الكارهين لقراءة البسملة في الفرض وبين الشافعية الموجبين لها .

الشرط الثالث: أن لا تؤدي مراعاة الخلاف إلى المنع من العبادة .

الشرط الرابع: أن يكون دليل كلا القولين ـ أو كل الأقوال ـ قوياً ، بحيث لا يكون القول غريباً أو ضعيفاً .
وهنا كلام وافٍ للإمام التاج السبكي ، أودّ أن أذكر مقاطع قيّمة منه ، توضح هذا المطلب بجلاء ، قال : » ليس الخروج من الخلاف أولى مطلقاً بل بشرطين :

أحدهما : أن لا يؤدي الخروج منه إلى محذور شرعي ، من ترك سنة ثابتة ، أو اقتحام أمر مكروه ، أو نحو ذلك .

الشرط الثاني: أن يقوى مدرك الخلاف ، فإن ضعف ونأى عن مأخذ الشرع ، كان معدوداً من الهفوات والسقطات « (24).

ومن أمثلة ما ضعف دليله وبدا غريباً ، قول المزني بعدم جواز أكثر من عمرة واحدة كل عام ، كالحج، وكذلك قول الظاهرية أن لا ربا إلا في الأصناف الستة ، التي نص عليها الحديث الشريف.
بقي أن نختم بالإشارة إلى أن الخلاف قد يكون بين الأرجح من المذاهب الأربعة كما قد يكون بين فقهاء المذهب الواحد ، أو بينهم وبين المذاهب الأخرى.

كما يلاحظ أن أكثر ما يراعيه الأئمة من آراء المخالفين ، هي الآراء الموجِبة ، والآراء المحرِّمة؛ إذ يتأكد في هاتين الحالتين الخروج من خلافهما إن أمكن ؛ خشية أن يكون الصواب معهما.
وأمثلة ما يراعي فيه أيُّ مذهبٍ الأرجحَ من مذاهب الآخرين ـ كثيرةٌ ، وتنطبق على معظم الأمثلة التي أسلفنا ذكرها في هذا البحث ، كقراءة البسملة في فاتحة الفرض ، وإتمام مديم السفر صلاتَه ، ونكاح الرجل بنته من الزنا.


فوائد متفرقة :

• قال عليش في فتح العلي المالك 1/82: إن القول بمراعاة الخلاف قد عابه جماعة من الأشياخ المحققين والأئمة المتقين: منهم أبو عمران وأبو عمر وعياض. قال عياض : القول بمراعاة الخلاف لا يعضده القياس، وكيف يترك العالم مذهبه الصحيح عنده ويفتي بمذهب غيره المخالف لمذهبه ؟ هذا لا يسوغ إلا عند عدم الترجيح وخوف فوات النازلة فيسوغ له التقليد ويسقط عنه التكليف في تلك الحادثة .

• استخدم الفقهاء للتعبير عن هذه القاعدة عبارات شتى منها :خروجا من الخلاف ، ومنها : وكره للخلاف ، ومنها : رعيا للخلاف .

• قال ابن عرفة في حدوده ص 178:من الأسئلة الغرناطية أن أهل المذهب ( المالكية ) يستندون إلى مراعاة الخلاف ، وجعلوه قاعدة ، فسأل السائل عن دليله من جهة الشرع واستشكل السائل مراعاة المجتهد دليل غيره ، والمراعى في الحقيقة إنما هو الدليل لا قول القائل ، وهل يراعى كل خلاف أو ما يراعى إلا الخلاف القوي ؟ فيه خلاف . وكذلك هل يراعى الخلاف مطلقا كان مذهبيا أم لا وهذا هو التحقيق ؟ وهل يراعى الخلاف ابتداء أو لايصح إلا بعد الوقوع ؟

• قال السيوطي في الأشباه والنظائر ص 138 : من فروع هذه القاعدة في العربية : إذا دار الأمر في ضرورة الشعر أو التناسب بين قصر الممدود ومد المقصور ، فالأول أولى ، لأنه متفق على جوازه والثاني مختلف فيه

• قال الشيخ عليش في فتح العلي المالك 2/ 61-62 : مراعاة الخلاف وظيفة المجتهد لا المقلد كما توهمه بعضهم , وقال : مراعاة الخلاف وظيفة المجتهد كمالك رضي الله تعالى عنه , ومعناها أن يظهر له قوة دليل مخالفه بالنسبة للازم مدلوله الذي أعمل في نقيضه دليلا آخر لقوته عنده بالنسبة له ، فيعمل دليل مخالفه في ذلك اللازم فلا حيرة , ولا إشكال إلا على من جهل حقيقة الحال , وغلط في نفسه ظانا أنه من الرجال الذين يراعون الخلاف .

• تناولت الموسوعة الفقهية مراعاة الخلاف في موطنين : في مصطلح (اختلاف) ، وفي مصطلح (مراعاة الخلاف) ، فليعلم ذلك للمهتمين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله رب العالمين،،،،،

 

 


إعداد : الشيخ عبد الرحمن محمد ناصر بركات
المراجعة العلمية : الشيخ عبد الله نجيب سالم
الثلاثاء : 2 من ذي القعدة 1425
14/12/2004

_______________________________

(1) الموسوعة الفقهية / اختلاف ف 21.
(2) مقاصد الشريعة ومكارمها لعلال الفاسي ص 136.
(3) الأشباه والنظائر للتاج السبكي 1/110 ، قال : » ...ومثال ما يرى على بعض الوجوه لا يرى إلا على كلها : تارك الصلاة ، نسي عينها من الخمس ، فإنا نوجب عليه الخمس ؛ وإن كانت البراءة في نفس الأمر تحصل بواحدة «.
(4) المنثور للزركشي 2/127-128 ، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 136 ، والفوائد الجنية للفاداني 2/170 ، والأشباه والنظائر للتاج السبكي 1/114 ، وحاشية ابن عابدين 1/99 ، ومراقي الفلاح للشرنبلالي ص 115.
(5) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ص 361 ، والأشباه والنظائر للتاج السبكي 1/111.
(6) انظر الفواكه الدواني للنفراوي 2/355.
(7) انظر كلامه في أعلام الموقعين 3/250-251.
(8) سورة الحجرات (49/12).
(9) مستدرك الحاكم ك البيوع 2/13، وقال : » صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه « ، وأقره الذهبي ،وقال : » سنده قوي «.
(10) الفوائد الجنية للفاداني 2/171-172-173.
(11) حاشية ابن عابدين 2/531، وحاشية الدسوقي 2/667، ومغني المحتاج للشربيني 3/336، وكشاف القناع للبهوتي 5/397.
(12) مراجع المالكية والشافعية السابقة.
(13) أما فاتحة النفل فتختلف أحكامها عن فاتحة الفرض عند المالكية ، فمثّلت بفاتحة الفرض ؛ لأنها أَدَلّ على المراد هنا.
(14) حاشية الدسوقي 1/396 ، مغني المحتاج للشربيني 1/156.
(15) حاشية ابن عابدين 1/528 ، وكشاف القناع للبهوتي 1/629.
(16) إعانة الطالبين للبكري 2/98.
(17) الفواكه الدواني للنفراوي 1/407-437 ، و الروض المربع للبهوتي ص 258.
(18) مغني المحتاج للشربيني 1/472 ، وانظر حاشية الجمل على شرح المنهج 2/397 ، والمهذب للشيرازي 1/200 ، وللظاهرية انظر المحلى لابن حزم 7/60.
(19) ابن عابدين 2/277-394 ، وحاشية الدسوقي 2/395-396 ، وكشاف القناع للبهوتي 5/75.
(20) مغني المحتاج للشربيني 3/175.
(21) الحديث أخرجه مسلم ك المساقاة ، ب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً ، رقم 80 (1587) فما بعد.
(22) حاشية ابن عابدين 4/176 فما بعد، وحاشية الدسوقي 3/70 فما بعد، وحاشيتي قليوبي وعميرة على شرح المحلي للمنهاج 2/208 فما بعد، وكشاف القناع للبهوتي 3/292 فما بعد.
(23) المحلى لابن حزم 9/503-504.
(24) الأشباه والنظائر للتاج السبكي 1/114-113.

 

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع