آخر المواضيع
اخترنا لكم


  الرئيسية    الفقـــــه وعلومه   مقالات وأبحاث
كشف المرأة المسلمة للوجه واليدين



مرات القراءة:278    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

كشف المرأة المسلمة للوجه واليدين

 

إعداد الشيخ محمد عبد الله سالم

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيد المرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

فإن الإسلام قد وضع المرأة في موضع التكريم ، وأعطاها من المزايا ما تفتخر به ، وشرع لها من القوانين ما يحفظ لها كرامتها وحقّها وعفافها ودينها ، ومن ذلك الحجاب ، حيث تبقى المرأة المسلمة ـ إن التزمت به ـ محفوظة من الزلل ، مصونة في أعين الناس ، لا سيما ونحن في زمنٍ ضاعت فيه القيم ، وفُقد الحياء ، وكثرت المفاسد التي أغوتِ الرجال والنساء على السواء .

و يُعتبر حجاب المسلمة في عصرنا سلاحاً في وجه الفساد والتغريب لا يقلّ أهمية عن أي سلاح في هذه المعركة الشرسة، ولهذا أحببتُ في هذا البحث المختصر أن أذكر شروط لباس المرأة المسلمة على سبيل الإجمال ، ثم أُعرّج على خلاف العلماء في وجوب ستر الوجه واليدين للمرأة أمام الأجنبيّ عنها من الرجال ، أم جواز كشفهما ، مع ذكر أدلة الفريقين مما يسّر الله لي جمعه .


1ـ تعريفات مهمة :


ـ الْحِجَابُ : فِي اللُّغَةِ : السَّتْرُ . وَلَا يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ السَّتْرُ وَالْحَيْلُولَةُ .

ـ الْخِمَارُ : مِنْ الْخَمْرِ وَأَصْلُهُ السَّتْرُ ، لَكِنَّ الْخِمَارَ صَارَ فِي التَّعَارُفِ اسْمًا لِمَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا . وَيُعَرِّفُهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ مَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ وَالصُّدْغَيْنِ أَوْ الْعُنُقَ .

ـ النِّقَابُ : النِّقَابُ - بِكَسْرِ النُّونِ - مَا تَنْتَقِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ ، يُقَالُ انْتَقَبَتْ الْمَرْأَةُ وَتَنَقَّبَتْ غَطَّتْ وَجْهَهَا بِالنِّقَابِ .

فالْفَرْقُ بَيْنَ الْحِجَابِ وَالْخِمَارِ وَالنِّقَابِ ، أَنَّ الْحِجَابَ سَاتِرٌ عَامٌّ لِجِسْمِ الْمَرْأَةِ ، أَمَّا الْخِمَارُ فَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مَا تَسْتُرُ بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا ، وأَمَّا النِّقَابُ فَسَاتِرٌ لِوَجْهِ الْمَرْأَةِ فَقَطْ .

ـ الجلبابُ : هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها ، وهو يُشبه الجبة للرجل .
( الموسوعة الفقهية / حجاب ، لسان العرب ، المجموع 1/171 ، المفردات للراغب الأصبهاني) .

 

2ـ الآيات القرآنية المتعلّق بموضوع الحجاب :


ـ قوله تعالى في سورة الأحزاب : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا 53.


ـ وقوله تعالى في سورة الأحزاب أيضاً : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا {59}

ـ وقوله تعالى في سورة النور : قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ {30} وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {31}

ـ وقوله تعالى في سورة النور : وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {60}


3ـ الشروط العامة الواجب توفرها في لباس المسلمة أمام الأجانب :


أ ـ ستر جميع البدن عدا ما استثنته النصوص الشرعية :


قال ابن حزم في " مراتب الإجماع" (ص29) : " واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة ، واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ " وأقرَّه ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه .

 

ب ـ ألا يصف الثوب جسد المسلمة :

 

فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال : كساني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قُبطية(ثياب من كتان بيض رقاق) كثيفة أهداها له دحية الكلبي ، فكسوتها امرأتي ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ما لك لا تلبس القبطية ؟ قلت : كسوتها امرأتي . قال : مرها فلتجعل تحتها غِلالة( ثياب داخلية رقيقة) , فإني أخاف أن تصف عظامها. ( الحديث في مسند أحمد ، وقال الذهبي في المهذب2/673 : إسناده صالح ).

 

ج ـ ألا يشفّ الثوب عن جسد المسلمة :

 

عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا ، وأشار إلى وجهه وكفيه " . (رواه أبو داود في سننه4/358 ، والحديث مرسل واحتجّ به الإمام أحمد ).

 

د ـ التزام الاعتدال في الثياب :

 

فلا يكون من ألوان تُثيرالفتنة ، أو بشكل مُغرٍ للرجال ، ولهذا ورد النهي عن لباس الشهرة ، وعن أن تستعطر المرأة ، وعن التشبه بلباس الكافرات .

 

هـ ـ أن يكون اللباس في مجموعه مخالفاً للباس الرجال :


للحديث الصحيح: " لعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال " ( البخاري ـ فتح الباري 12/452 ) .


4ـ أدلة مَنْ يرى وجوب ستر الوجه والكفين :

 

يستدل من يرى وجوب ستر الوجه والكفين بأدلة كثيرة أهمها :
أ ـ قوله تعالى في سورة الأحزاب : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ .... {59} فالإدناء هو الإرخاء والسدل ، ولا يكون هذا إلا بتغطية الوجه ، وورد في تفسير الطبري (22/46) : " ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عيناً واحدة " ثم نقل تفسير ابن عباس رضي الله عنهما: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة " .

ب ـ قوله تعالى في سورة النور :وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا .... {31}

وجاء في الدر المنثور: وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الزينة زينتان. زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج، فأما الزينة الظاهرة فالثياب. وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار، والخاتم.

ج ـ قوله تعالى في سورة النور : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ.... {31} . عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول ، لما أنزل الله: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ شققن مُروطهنَّ ، فاختمرن بها ( صحيح البخاري حديث رقم 4758 ). فقال الحافظ ابن حجر : (8/490): " أي: غطين وجوههن " .

وقال الطبري -رحمه الله- في تفسير هذه الآية : " وليلقين خمرهن على جيوبهن ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن. وفي هذه الآية دليل على تغطية الوجه، لأن الخمار هو الذي تغطي به المرأة رأسها، فإذا أنزلته على صدرها غطت ما بينهما وهو الوجه. (تفسير الطبري 18/121 ) .

د ـ قوله تعالى في سورة النور : وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {60}
فلو أننا أجزنا لها كشف الوجه والكفين ابتداءً ،فما الشيء الزائد الذي سمحت به الآية للنساء القواعد كبيرات السن؟ أفيجوز لهن أن يبدين شعورهن أو أعناقهن أو سيقانهن ؟ وهذا لم يقل به عالم مسلم ؟ فدلَّ هذا النص على أن الأصل، وجوب الستر ويجوز كشفهما لمن كانت من القواعد .

هـ ـ قوله تعالى في سورة الأحزاب: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ....{53وهذا نص صريح واضح في وجود الحجاب ( وهو الساتر هنا في المنزل ) بين الرجل والمرأة ،

و ـ حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تباشر المرأة المرأة ، فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها " . ( صحيح البخاري حديث رقم 5240 عن ابن مسعود ). فعلة التحريم أن الوصف كأنه يجعل الزوج ينظر للمرأة الأخرى، فجاء النهي النبوي فدلّ على عدم جواز النظر ، فلو كشفت المسلمة وجهها فكيف لا يجوز النظر؟

ز ـ عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال: " كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرابي معه ابنة له حسناء فجعل يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها قال: فجعلت ألتفت إليها وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ برأسي فيلويه " .قال الحافظ ابن حجر: " رواه أبو يعلى بإسناد قوي" . ( فتح الباري 4/68) .
وهذا غيرُ الحديث المشهور بين الفضل والخثعمية في الحج ، ودلالته واضحة في عدم جواز الكشف .

ح ـ حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " المرأة عورة ، فإذا خرجت استشرفها الشيطان ". زاد ابن حبان: "وأقرب ما تكون من ربها إذا هي في قعر بيتها " .( فتح الباري 5/318 وقال عنه :إسناده كلهم ثقات ) .وهذا صريح في أنه لايجوز كشف شيء من جسد المرأة لغير ضرورة .

ط ـ وروى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً قام فقال: " يا رسول الله ، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلبسوا القميص ، ولا السراويلات ، ولا العمائم ، ولا البرانس ، إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين ، وليقطع أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا شيئا مسه الزعفران ولا الورس ، ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين " ( صحيح البخاري حديث رقم 1838، و مسند أحمد 8/195 ).فقوله صلى الله عليه وسلم : " ولا تنتقب المرأة المحرمة " يدلّ على وجوب النقاب ( وهو تغطية الوجه وإبراز العينين أو إحداهما ) خارج الإحرام ، وأن النقاب كان مستخدماً من قبلهن ، كما أن إسدال النساء على وجوههنّ أثناء الإحرام والحج يزيد الدلالة على وجوب ستر الوجه خارج الحج .

ي ـ أجازت الشريعة للخاطب النظر إلى المخطوبة في عدة أحاديث صحيحة، وهو دليل قوي على وجوب ستر الوجه، فلو كان مكشوفاً في الأحوال العادية لما كان لندب الشارعِ معنىً في النظر للمخطوبة .

ك ـ يقولون: إن أجمل ما في المرأة وجهها، فمن غير المعقول أن يجوز لها أن تكشف عنه! وأن الشريعة مُبرّأة من التناقض ، فكيف تُوجب ستر القدمين والجمال فيهما محدود وتبيح كشف الوجه واليدين والجمال كله فيهما!!


5ـ أدلة مَنْ يرى جواز كشف الوجه والكفين :


يرى جمهور العلماء جواز كشف الوجه والكفين إلا عند تحقّق الفتنة، ويستدلون بأدلة أهمها :

أ ـ قوله تعالى في سورة الأحزاب : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ .... {59} فالإدناء هو من الدنو وهو القرب ، فيُدنين يعني يُقرّبنَ عليهن ، ولا يشترط في هذا تغطية الوجه ، وقد ورد في تفسير الطبري اختلاف المفسرين في تفسير الإدناء : " ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عيناً واحدة " ثم قال بعد ذكر النقول والآثار : " وقال آخرون : بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن " تفسير الطبري (22/46) .

وقد أحصى الشيخ عبد الحليم أبو شقة بناءً على الروايات الواردة التي تُفسّر معنى الإدناء بأنها عشر هيئات مختلفة ( تحرير المرأة ج4/38) .

وعن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ خرج نساء الأنصار كأنَّ على رؤوسهنَّ الغربان من الأكسية. ( سنن أبي داود 4/ حديث رقم4101 ) فهنا أشارت للرؤوس ولم تُشر للجسد كله . ثم إن تتمة الآية تُفيد معنى الكشف لا الستر ، فقوله: ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ...{59} واضح في أنّهن لا يُعرفن إلا بكشف الوجه ، وأن علّة الحجاب هي حفظ المرأة من أن يتعرّض لها أحد بسوء .

ب ـ قوله تعالى في سورة النور : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا .... {31} . فعن ابن عباس رضي الله عنه أن الزينة الظاهرة الجائز كشفها : الكحل والخاتم ، وعن ابن عمر أنها الوجه والكف ، ومثله عن أنس ، وعن عائشة أنها القُلْب ( السوار) والفَتْخَة ( حلقة من ذهب تلبس في البنصر)، وعن غيرهم قريبٌ من ذلك ، حتى قال الطبري : "أولى الأقوال قول من قال : عنى بذلك الوجه والكفين ، فيدخل في ذلك إذا كان كذلك : الكحل والخاتم والسوار والخضاب " . وقد رُوي هذا عن كثير من الصحابة ، عن عائشة وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وأبو هريرة والمسور بن مخرمة رضي الله عنهم . ( انظر تفسير الطبري18/117و أحكام القرآن للجصاص تفسير سورة النور، وزاد المسير لابن الجوزي ، والمحلى لابن حزم ، وغيرها من كتب التفسير).

ج ـ قوله تعالى في سورة النور : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ.... {31} . والجيب هو فتحة الصدر من الثوب ، حيث كن يلبسن الدروع ولها فتحة ، فتكون المرأة مكشوفة الصدر والنحر إذا لبسنَها ، فأرادت الآية تضييق مصادر الزينة ، لا ستر جميع الجسد ، فكان الضرب من أجل ستر الأذنين والعنق والنحر .

د ـ حديث البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردف الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته ، وكان الفضل رجلا وضيئاً ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم ، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطفق الفضل ينظر إليها ، وأعجبه حسنها ، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها ، فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل ، فعدل وجهه عن النظر إليها ، فقالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله في الحج على عباده ، أدركت أبي شيخا كبيرا ، لا يستطيع أن يستوي على الراحلة ، فهل يقضي عنه أن أحج عنه ؟ قال : نعم .( البخاري حديث رقم 6228 من حديث ابن عباس) وفي رواية أحمد : رأيت شاباً وشابة فخفت الشيطان عليهما " ( المسند 2/343 ) . فهذا واضح في أن المرأة جميلة ، وأنها كانت تكشف عن وجهها ، وقد كاد يحصل به فتنة ، ومع هذا لم يأمرها رسول الله بستر وجهها .

هـ ـ عن جابر رضي الله عنه قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد . فبدأ بالصلاة قبل الخطبة . بغير أذان ولا إقامة . ثم قام متوكأ على بلال . فأمر بتقوى الله . وحث على طاعته . ووعظ الناس . وذكرهم . ثم مضى . حتى أتى النساء . فوعظهن وذكرهن . فقال "تصدقن . فإن أكثركن حطب جهنم" فقامت امرأة من سطة النساء( من أشرافهن أو أواسطهن) سفعاء الخدين( السفعاء : السمراء مشربة بحمرة )فقالت : لم ؟ يا رسول الله ! قال "لأنكن تكثرن الشكاة . وتكفرن العشير" قال : فجعلن يتصدقن من حليهن . يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن (صحيح مسلم حديث رقم 885 ). فكيف عرف جابر لون خدِّها ووصفه لولا أنها كاشفة عنه ؟

و ـ قوله تعالى في سورة الأحزاب : لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا {52} . قال الجصاص في تفسيرها :" ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههنّ !" .
ز ـ عن سهل بن سعد الساعدي أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، جئت لأهب لك نفسي ، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر إليها وصوبه ، ثم طأطأ رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست ، فقام رجل من أصحابه فقال : أي رسول الله ، إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها ، فقال : (هل عندك من شيء) . فقال : لا والله يا رسول الله ، قال : ............ ( صحيح البخاري حديث 5126) وهذا حديث الواهبة نفسها يُشير بوضوح لكشف وجهها أمام رسول الله وصحابته .

 

8ـ من الآراء والمذاهب الفقهية:

 

أولا: في مذهب أبي حنيفة: قال أبو جعفر الطحاوي في " شرح معاني الآثار" (2/392- 393): " أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى".

ثانياً: في مذهب مالك : في " الموطأ" رواية يحيى (2/935): " سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله". قال الباجي في" المنتفى شرح الموطأ" (7/252) عقب هذا النص: " يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها".ابن عبد البر في " التمهيد" (15-111) ،

ثالثاً : في مذهب الشافعي : قال الشافعي في " الأم " (1/110): " وكل المرأة عورة إلا كفيها ووجهها ، وظهر قدميها عورة ..)

رابعاً : في مذهب أحمد : في الإفصاح لابن هبيرة (ت560هـ) : " وقال أحمد في إحدى روايتيه: كلها عورة إلا وجهها وكفيها .. والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها خاصة ، وهي المشهورة " (1/86) .

قال ابن عبد البر في "التمهيد" (6/364) - وقد ذكر أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين وأنه قول الأئمة الثلاثة وأصحابهم وقول الأوزاعي وأبي ثور: " على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها!"
ثم قال ابن عبد البر: " قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم، لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر الأرض به، وأجمعوا أنها لا تصلي منتقبة، ولا عليها أن تلبس القفازين في الصلاة، وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة؟! وقد روي نحو قول أبي بكر هذا عن أحمد بن حنبل…"
وهناك نقولات أخرى عن المذاهب ترجح وجوب ستر المرأة وجهها وكفيها. وأغلبها عن متأخري فقهاء المذهب.


9ـ ملاحظات وفوائد :


ـ قال ابن مفلح(ت763) في " الآداب الشرعية " (1/316) : " هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟ ينبني (الجواب) على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ وفي المسألة قولان قال القاضي عياض في حديث جرير رضي الله عنه قال: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري ". رواه مسلم. قال العلماء رحمهم الله تعالى: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي. ذكره الشيخ محيي الدين النووي ولم يزد عليه". ثم قال بعد ذلك : " فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه، فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم: إن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة".


ـ قال الحافظ ابن القطان: " وقد قدمنا في مواضع أن إجازة الإظهار دليل على إجازة النظر، فإذا نحن قلنا: يجوز للمرأة أن تبدي وجهها وكفيها لكل أحد على غير وجه التبرُّج من غير ضرورة، لكون ذلك مما ظهر من زينتها، ومما يشق تعاهده بالستر في حال المهنة، فقد جاز للناس النظر إلى ذلك منها، لأنه لو كان النظر ممنوعاً مع أنه يجوز لها الإبداء، كان ذلك معاونة على الإثم ، وكذلك ينبغي أن يكون من لم يجز للمرأة الإبداء والإظهار، غير محتاج إلى إقامة الدليل على تحريم النظر، وقد قدمنا أنه جائز للمرأة إبداء وجهها وكفيها، فإذن النظر إلى ذلك جائز لكن بشرط أن لا يخاف الفتنة، وأن لا يقصد اللذة،، وأما قصد اللذة، فلا نزاع في التحريم".(2/53)


ـ من خلال استقراء شبه عام يُلاحظ أن الفقهاء المتأخرين من بعد أوائل القرن الثامن قد فرّقوا بين عورة المرأة في الصلاة وعورتها خارج الصلاة ، مع ملاحظة عدم وضوح مثل هذا التفريق في عبارات المتقدمين ، وملاحظة غلبة الرأي القائل بوجوب ستر جسد المرأة كله ـ وهو رأي الأقلية في القرون الأولى ـ ، ولعل فساد الزمان وكثرة الفتن والحروب ساهمت في ذلك .


ـ تحت زعم منع الاثارة الدينية والقضاء على التطرف دخلت بعض الدول الغربية معركة ضد حجاب المسلمات فيها، فمنعت الطالبات المسلمات من تغطية شعر الرأس والوجه والكفين، في المدارس والجامعات واعتبرت ذلك مخالفة قانونية لما فيها – كما زعموا – من تحد الآخرين في إبراز شعار من شعائر الإسلام... وهذا يذكرنا ببعض الدول الإسلامية التي تحظر الحجاب في الدوائر الرسمية وتحت قبة البرلمان. وقد أجبرت إحدى النائبات المسلمات في البرلمان التركي على التخلي عن مقعدها بسبب الحجاب.


ـ أدخلت بعض المنظمات الغربية الدولية أنفها في الحجاب فاعتبرته تمييزاً ضد المرأة وانتقاصاً لكرامتها بل واعتبرته علامة تخلف، ودعت إلى منح المرأة الحرية الكاملة في اللباس كالرجل مغفلة الفارق الكبير في الإثارة الجنسية بينهما في الستر والكشف.


ـ بدأت الدعوة أولاً إلى كشف المرأة للوجه واليدين أيام قاسم أمين قبل مائة عام، ثم تحولت إلى إلقاء العباءة وخمار الرأس، ثم انتقلت إلى كشف الذراعين والساقين وصاحب ذلك الدعوة إلى الاختلاط بين الجنسين وانتشار مفاهيم الإباحية والتهتك وهذا ما يبرر عودة المسلمين للبحث عن أصول الأحكام الشرعية الكاملة في الحجاب.

إعداد / الشيخ محمد عبد الله سالم

المراجعة العلمية/ الشيخ عبدالله نجيب سالم

الثلاثاء 29/محرم/1427هـ 28/2/2006م

 

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع