أسماء الله الحسنى

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمدٍ طه الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن علم التوحيد علمٌ جليلُ القدر رفيع ُ الشأن، يتعلق بمعرفة الله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته، فالأسماء والصفات هي الوسائل التي تعرّفَ الله بها إلى خلقه، وهي عبارة عن نوافذَ يُطل منها القلب على ربه سبحانه وتعالى، فتحرك الوجدان وتفتح أمام الروح آفاقاً واسعة، تشاهد فيها أنوار الله سبحانه وتعالى.
تعريف الاسم:
الاسم هو: اللفظ الدال على الشيء بالوضع، أو الكلمة الدالة على شيء مفرد. قال ابن العربي : حقيقة الاسم كل لفظ جعل للدلالة على المعنى إن لم يكن مشتقا , فإن كان مشتقا فليس باسم , وإنما هو صفة , هذا قول النحاة. ( أحكام القرآن 2 /332)
وللعلماء خلاف في: هل الاسم عين المسمّى أم هو التسمية؟ فمنهم من يجعلونه عين المسمّى ويستدلون بحديث الأسماء الآتي، ومنهم من يجعلون الاسم: التسمية.
لكن الراجح: أن الاسم عين المسمى. ومنه قوله تعالى ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) سورة الأعلى أي سبح ربك وليس المراد التسمية.
ولفظ: الله ; هو اسم الله الذي يرجع إليه كل اسم , ويضاف إلى تفسيره كل معنى , وحقيقته: المنفرد في ذاته وصفاته وأفعاله عن نظير , فهذه حقيقة الإلهية , ومن كان كذلك فهو الله .( أحكام القرآن 2 /332)
سبب نزول الآية:
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف:180)في سبب نزولها: روي أن المشركين سمعوا المسلمين يدعون " الله " مرة, و " الرحمن " أخرى, و " القادر " بعد ذلك, فقالوا: أينهانا محمد عن الأصنام وهو يدعوا آلهة كثيرة ؟ فنزلت: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )أي هذه الأسماء إله واحد , وليست بآلهة متعددة.(أحكام القرآن2/332)
حديث الأسماء الحسنى:
روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لله تسعة وتسعون اسماً مئة إلا واحداً، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، البخاري جـ5 ص235 أ مسلم جـ45 ص2062، وهو وتر يحب الوتر" زاد الترمذي في روايته: " وهو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدي المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور جل جلاله". الترمذي جـ5 ص530.
الكلام في سند الحديث:
روى الشيخانِ البخاري ومسلم حديث الأسماء دون سردها، وسرد الأسماء بهذه الطريقة واحدا واحدا جاء في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي، وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجه. وهذان الطريقان يرجعان إلى رواية الأعرج وفيهما اختلاف شديد في سرد الأسماء والزيادة والنقص فيهما، ووقع سردُ الأسماء في طريقة ثالثة أخرجها الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
واختلف العلماء في سرد الاسماء هل هو من قبيل المرفوع أم المدرج ( أي من قول الراوي) فمشى كثير منهم على الأول، واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن الكريم بصفة الاسم، لأن كثيراً من هذه الاسماء كذلك. وذهب آخرون إلى انه مدرج لخلو أكثر الروايات عنه.
وجود هذه الأسماء في القرآن أو في صحاح الأخبار؟
وحاول كثير من العلماء كابن حزم وابن حجر وغيرهم استخراج هذه الأسماء من القرآن الكريم أو صحاح السنة النبوية الشريفة: قال الغزالي في شرح الأسماء له: ولا أعرف أحداً عَني بطلب الاسماء وجمعها سوى رجل من حفاظ المغرب يقال له علي بن حزم فإنه قال: صح عندي قريب من ثمانين اسماً يشتمل عليه كتاب الله والصحاح من الأخبار، فلتطلب البقية من الأخبار الصحيحة. قال الغزالي معقباً: وأظنه لم يبلغه الحديث أو بلغه فاستضعف إسناده. قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: وتتبعت ما بقي من الأسماء مما ورد في القرآن بصيغة الاسم مما لم يذكر في رواية الترمذي، وهي: الرب الإله المحيط القدير الكافي الشاكر الشديد القائم الحاكم الفاطر الغافر القاهر المولى ـ النصير الغالب الخالق الرفيع الملك الكفيل الخلاق الأكرم الأعلى المبين الحفي. فهذه سبعة وعشرون إذا انضمت إلى رواية الترمذي تكمل التسعة والتسعين، وكلها في القرآن، لكن بعضَها موجود بالإضافة كالشديد من قوله سبحانه شَدِيدُ الْعِقَابِ غافر (3) والرفيع من قوله رَفِيعُ الدَّرَجَات غافر(15).
هل أسماء الله توقيفية أم اجتهادية؟
اختار جمهور أهل السنة أن أسماءه تعالى توقيفية، وكذا صفاته، فلا نثبت لله اسماً ولا صفة إلا إذا ورد بذلك توقيف من الشارع. وذهب المعتزلة إلى جواز إثبات ما كان متّصفاً بمعناه ولم يوهم نقصاً وإن لم يرد به توقيف من الشارع، ومال إليه القاضي الباقلاني، وتوقف فيه إمام الحرمين، وفصّل الغزالي: فجوّز إطلاق الصفة ومنع اطلاق الاسم.
معاني الأسماء الحسنى :
أورد الإمام ابن العربي معاني أسماء الله الحسنى مما جمعه هو، فقال:
الأول : الله: وحقيقته المنفرد في ذاته وصفاته وأفعاله عن نظير. الواحد: وهو الذي لا نظير له في صفات ولا ذات ولا أفعال. الكائن: وهو الموجود قبل كل شيء وبعد كل شيء. القائم: إذا ذكرته مطلقا فهو الذي يستغني عن كل شيء , وإن ذكرته مضافا فهو قائم على كل شيء بالوجود فما وراءه. القيوم , والقيام , والقيم: وهو الدائم القائم على كل شيء. الكافي: من كفى إذا قام بالأمر , أو دفع عنه ما يتوقع. الحق: وهو الذي لا يتغير. الملك , المالك , المليك: وهو الحاكم لكل شيء من غير حاجته إليه. القدوس: وهو المطهر عن كل نقصان. السلام: الذي لا يتطرق إليه عيب , وسلم الخلق من ظلمه وغبنه , وبه. العزيز: الذي لا يغالب ; ولا يكون معه غالب. الجبار : الذي يستغني عن الأتباع , ولا يحنو عند التعذيب , ولا يحنق عن الغضب. المتكبر: وهو الذي لا مقدار لشيء عنده. العلي: الذي لا مكان له. الكبير: الذي لا يتصور عليه مقدار. العظيم : الذي يستحيل عليه التحديد. الجليل: وهو الذي لا يليق به ما يدل على الحدوث. المجيد: هو الذي لا يساوى فيما له من صفات المدح. الجميل: هو الذي لا يشبهه شيء. الحسيب: وهو الذي يستحق الحمد على الانفراد , ويحصي كل شيء ويقوم عليه. الصمد: الذي لا يجري في الوهم , ولا يقصد في المطالب غيره. الغني: الذي لا يحتاج إلى شيء. رفيع الدرجات: لا يلحق مرتبته أحد بحال ذو الطول يقال فيه القادر والغني والمنعم. ذو الفضل: وهو المنعم يؤتي من يشاء. السيد: المنفرد بالكمال. الكريم: وهو الذي تعم إرادته. الطيب: المتقدس عن الآفات. الأول: الذي لا ابتداء له. الآخر: الذي لا انتهاء له. الباقي: هو الذي لا يفنى. وهو الوارث , وهو الدائم . الظاهر: وهو الذي يدرك بالدليل. الباطن: وهو الذي لا يدرك بالحواس. اللطيف: العالم بالخبايا , المهتبل بالعطايا , القادر , والمقتدر , والقدير , والقوي والمقيت: وهو القادر الذي لا يعجزه شيء , المؤتي لكل شيء قوته. المتين: وهو الذي لا يلحقه ضعف. المحيط: وهو الذي لا يخرج شيء عن علمه وقدرته وإرادته. الواسع , والموسع: وهو الذي عمت قدرته وإرادته وعلمه كل شيء, وكذلك بصره وسمعه وكلامه. العليم , والعالم , والعلام ، السميع: وهو الذي يسمع كل موجود. والبصير: وهو الذي يرى كل موجود , ويعلم المعدوم والموجود. الشهيد: الحاضر مع كل موجود بالقدرة والعلم والسمع والبصر .الخبير: العالم بالخبايا. الطبيب: وهو العالم بالمنافع. المحصي: وهو الذي ضبط علمه وقدرته وإرادته كل شيء. المقدر: وهو الذي رتب مقادير الأشياء بحكمة متناسبة. الرقيب: الذي لا يشغله شأن عن شأن. القريب: بالعلم الذي لا يختص بمكان . الحي ، المريد ، الحكم: وهو يتصرف في الدعاء فعلا , تقول : يا من يفعل ما يشاء , ويحكم ما يريد , صرفني بطاعتك , واحكم بيني وبين من يخاصمني فيك. الرحمن ، الرحيم: الذي يريد الخير لعباده على العموم والخصوص. المحب: ويتصرف فعلا قال تعالى: (ٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) المائدة آية54. وكذلك المبغض: فالذي يرجعان إليه إرادة الثواب والعقاب , الرضا: يتصرف فعلا , وهو إرادة ما يكون فوق الاستحقاق. السخط: يتصرف فعلا . وهو إرادة خلاف الرضا. الودود: وهو الذي يفعل الخير مع من يستحقه ومع من لا يستحقه. العفو: وهو الذي يريد تسهيل الأمور. الرءوف: وهو الكثير الرحمة. عدو الكافرين: وهو البعيد بالعقاب. الولي: وهو القريب بالثواب والنعم. الصبور: الذي يريد تأخير العقاب. الحليم: الذي يريد إسقاط العقاب. المعز: وهو الذي يعز أولياءه. الحفي: وهو غاية البر. الولي: وهو المحب لأوليائه. خير الفاصلين: الذين يميز المختلفات بقوله. المبين: وهو الذي يعرف عباده بكلامه مراده ; وذلك لأهل السنة خاصة. الصادق: من لا يوجد خبره بخلاف مخبره. الهادي: وهو الذي يعرف المراشد , ويوفق لها. الرشيد: بمعنى المرشد, ويرجع إلى الهادي. نور السموات والأرض: ويرجع إلى الهدى. المؤمن: يصدق نفسه وأولياءه ويخلصهم من العقاب. المهيمن: فيه كلام كثير يرجع إلى الرقيب. الحميد: يثني على أوليائه , ويثنون عليه. الشكور: وهو الذي يمدح على الفعل خاصة. غيور: وهو الذي لا يحرم سواه. الحكيم: محكم الأشياء بخلقها على نظام وتدبير. التواب: الذي يرجع بالعبد من حال المعصية إلى حال الطاعة. الفتاح: يفتح غلق العدم بالوجود , وغلق الجهل بالعلم , وغلق الرزق بالعطاء ، وذلك كثير. ومثله الحكم: قال الله تعالى :( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ) (الأنعام:114). القاضي: وهو الذي لا يرد حكمه. الكفيل: الملتزم لثواب عباده ورزقهم. المبرم: هو الذي إذا عقد لم يحل عقده. المنذر: هو الذي يعرف بكلامه عباده وعيده. المدبر: وهو الذي يعلم الانتهاء قبل الابتداء , فيرده عليه. الممتحن , البالي , المبلي , المبتلي: هو الذي يكلف عباده الوظائف ، ليعلم من حالهم في القبول والرد مشاهدة ما علم غيبا , الفاتن: وهو المبتلي ، لأنه يرجع إلى الاختبار. الرب: وهو الذي ينقل الأشياء من حال إلى حال , ويبدلهم بصفة بعد صفة في طريق النمو والإنشاء. العدل: وهو الذي تأتي أفعاله على مقتضى إرادته. الخالق: وهو الذي يوجد بعد العدم , ويقدر الأشياء على الأحوال. البارئ: منشئ البرية من البرى , وهو التراب. المصور: وهو الذي يرتب الموجودات على صفات مختلفات وهيئات متغايرات. المبدئ: وهو الذي يأتي بأوائل الأشياء من غير شيء. المعيد: وهو الذي يردها , بعد الفناء , كما كانت وجودا وصفة ووقتا. فاطر السموات والأرض: الذي أنشأها من غير مثال وقبل كل منشئ. المحيي: ويقابله المميت: يحيي الخلق بالوجود والحركة والعلم والإيمان والهدى , ويميتهم بذلك إلى سائر متعلقات الإحياء. الجامع: وهو تأليف المفترق. المعز: وفي مقابلته المذل , وهو الذي يرفع مقدار أوليائه , ويحط مقدار أعدائه. (مخزي الكافرين) التوبة أية(2) والخزي هو فعل ما يستحيا منه. العفو: وهو الذي يسقط حقه بعد الوجوب. القهار: وهو الذي يغلب العباد. الوهاب: وهو الذي يعطي من غير توقع عوض. الرزاق: وهو الذي يهب الغذاء والاكتساء من رياش ومعاش. جواد: وهو الكثير العطاء. الخافض , الرافع: وهو الذي يحط درجة أعدائه , ويعلي منازل أوليائه ومقاديرهم دنيا وآخرة ; جاها ومالا , عملا واعتقاداً. القابض , الباسط: وهو الذي لا يتصرف عبده ولا ينبسط إلا بقدرته , وفي حيز مشيئته ; فإن خلق له القدرة على العموم تبسطت على ما خلقت له , وإن خلقها على الخصوص تعلقت بما خلقت له وقدرت به. المقدم , والمؤخر: وذلك معنى يرجع إلى الأوقات , يخلق شيئا بعد شيء , بحسب ما علمه وقضاه وقدره ; ليس لأحد ذلك إلا له. المقسط: وهو الذي تجري أحكامه على مقتضى إرادته. النصير: وهو الذي يتابع آلاءه على أوليائه , ويكف عنهم عادية أعدائه. الشافي: وهو الذي يهب الصحة بعد المرض. مقلب القلوب: وهو اسم عظيم , معناه مصرفها أسرع من مر الريح على اختلاف في القبول والرد واليقين والشك , والإرادة والكراهية , وغير ذلك من الأوصاف. الضار , النافع: وهو خالق الألم الذي يقع به موازنة. والنفع هو كل ما لا ألم فيه ; وهو نعيم الجنة , فأما الدنيا فلا تخلو منهما عن الاشتراك. ذو المعارج: يعني الذي يؤتي المنازل , ويصرف الأمور على المراتب , وينزل المأمورين على المقادير. خير المنزلين: المنازل لله يؤتيها محمودة لمن يحب , ومذمومة لمن يبغض. (خيرالماكرين) آل عمران آية (54) هو الذي يظهر خلاف ما يبطن . (متم نوره) الصف آية (8) ; أي يدوم ولا ينقطع , ويظهر ولا يخفى , في قلوب أوليائه بالإيمان ; وبين أيديهم يوم القيامة بالجواز على الصراط , وفي الجنة بالنعيم الدائم. الوكيل: وهو الذي يلقي إليه الخلق مقاليدهم , فلا يقوم بها أحد غيره. المستعان: وهو الذي لا يطلب العون وهو خلق القدرة على الطاعة إلا منه. المعبود: وهو الذي لا يتذلل إلا له. المذكور: وهو الذي لا يجري لسان إلا به , ولا يعمر خاطر إلا بذكره , ولا يرى شيء إلا وهو فيه بأدلته وآثار صنعته. (أهل التقوى , وأهل المغفرة) سورة القيامة آية (56) الذي لا يتقى سواه , ولا يغفرالذنوب غيره. (أحكام القرآن 2 /332 وما بعدها)
هل الأسماء تسع وتسعون أم أنها أكثر؟
اختلف العلماء في هذا العدد هل المراد به حصرُ الأسماءِ، أم أنها أكثر واختصت هذه التسع والتسعون بأن من أحصاها دخل الجنة؟ فذهب الجمهور إلى الثاني، ونقل النووي اتفاق العلماء عليه، فقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، إنما المقصودُ أن هذه الأسماءَ من أحصاها دخل الجنة. ويؤيده حديثُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه الذي أخرجه(1) الإمام أحمد وابن حبان(2) كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم " أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " وإذا كان الأمر كذلك فكم بلغت أسماءالله سبحانه وتعالى عدداً؟ حكى القاضي أبو بكر بن العربي عن بعضهم: أن لله ألفَ اسمٍ. ونقل الفخر الرازي عن بعضهم: أن لله أربعة آلاف اسمٍ، استأثر بعلمِ ألفِ منها، وأعلم الملائكة بالبقية، والأنبياء بألفين، وسائر الناس بألف. وهذا يحتاج إلى دليلٍ يؤيده، وكثرة الأسماء تدل على عظمة المسمى والله سبحانه أجل وأعظم.
ما هو المقصود بالاحصاء في الحديث؟
اختلف العلماء في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " من أحصاها " على أقوال عديدة.
قيل: أحصاها: حفظها مستدلين بالرواية الثانية للحديث "من حفظها دخل الجنة " وهذا بعيد.
وقيل: عرفها لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمناً، والمؤمن يدخل الجنة.
وقيل: أحصاها عدها معتقداً بها، لأن الدهري لا يعترف بالخالق، والفلسفي لا يعترف بالقادر.
وقيل: عمل بها فإذا قال: الحكيم مثلاً سلّم لله جميع أموره، لأن جميعها على مقتضى حكمة الله سبحانه، وإذا قال: القدوس استحضر كونه منزها عن جميع النقائص،.. والله أعلم.
هل هناك تفضيل بين أسماء الله سبحانه وتعالى:
من العلماء من يفضل بعض الأسماء على بعض، ومنهم لا يفضل لأنها راجعةً إلى ذات الله سبحانه وتعالى
اسم الله الأعظم:
قال بعض العلماء: لقد استأثر الله سبحانه وتعالى بعلم الاسم الأعظم، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه وأثبته آخرون معيناً واختلفت أقوالهم في ذلك قال ابن حجر رحمه الله: وجملة ما وقفت عليه من أقوالهم أربعة عشر قولاً:
الأول: الاسم الأعظم "هو" نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف.
الثاني: "الله" لأنه اسم لم يطلق على غيره، ولأنه الأصل في الأسماء ومن ثم أضيفت إليه.
الثالث: "الله الرحمن الرحيم" ولعل مستنده ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمها الاسم الأعظم فلم يفعل، فصلت ودعت: اللهم إني أدعوك الله، وأدعوك الرحمن، وأدعوك الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعـلم فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : " إنه لفي الأسماء التي دعوت بها ". ابن ماجه جـ2 ص1268 ـ
الرابع: "الرحمن الرحيم الحي القيوم" لما أخرجه الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وفي سورة آل عمران اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الترمذي جـ5 ص550 رقم 3478 وهو حديث حسن
الخامس: "الحي القيوم" أخرج ابن ماجه من حديث أبي أمامة: " الاسم الأعظم في ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، وطه " قال القاسم الراوي عن أبي أمامه: "التمسته فعرفت أنه الحي القيوم". ابن ماجه جـ2 ص1267.
السادس: "الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام الحي القيوم": ورد ذلك مجموعاً من حديث أنس عن أحمد والحاكم(1). مسند أحمد جـ2 ص 158 شعيب الأرنؤوط صحيح.
السابع: "بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام": أخرجه أبو يعلى عن طريق السري بن يحيى عن رجل من طيء وأثنى عليه قال: كنت أسأل الله أن يريني الاسم الأعظم، فأريته مكتوباً في الكواكب في السماء. مسند أبي يعلي جـ13 ص132 قال حسين أسد رجاله ثقات غير أنه منقطع.
الثامن: "ذو الجلال والإكرام" أخرجه الترمذي من حديث معاذ بن جبل قال سمع النبي رجلاً يقول: يا ذا الجلال والإكرام قال: " قد استجيب لك فسل ". جـ5 ص541 وقال الترمذي حسن.
التاسع: "لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد": أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث بريدة. أبو داو جـ1 ص323 صحيح. الترمذي جـ5 ص515.
العاشر: "رب ـ رب" أخرجه الحاكم من حديث أبي الدرداء وابن عباس بلفظ: " اسم الله الأكبر رب رب ". الحاكم جـ1 ص684.
الحادي عشر: "دعوة ذي النون": أخرجه النسائي والحكم عن فضالة بن عبيد رفعه: " دعوة ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له ". الحاكم جـ2 ص414 صحيح. النسائي لم أجده في النسائي.
الثاني عشر: نقل الفخر الرازي عن زين العابدين أنه سأل الله أن يعلمه الاسم الأعظم فرأى في النوم "هو الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم".
الثالث عشر: مخفي في الأسماء الحسنى كلها، ويؤيده حديث عائشة السابق أنها لما دعت قال لها النبي : " إنه لفي الأسماء التي دعوت بها ". ابن ماجه جـ2 ص1268
الرابع عشر: كلمة التوحيد، نقله القاضي عياض عن بعضهم.
فوائد متفرقة
يجوز الذبح باسم الرحمن أو باسم الرحيم ,( البحر الرائق 1/324)
الداعي يشرع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب للمطلوب كما علم من الآيات والأحاديث ( البحر الرائق 1/346)
وأما النفث عقيب الرقي فهو مستحب قال القاضي عياض رحمه الله وفائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء أو النفس المباشر للرقية والذكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى .( المدخل 4/133)
واسم الجلالة ( الله ) علم على ذاته تعالى وهو أعرف المعارف وحكى ابن جني أن سيبويه رئي بعد موته فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : خيرا , وذكر كرامة عظيمة , فقيل له : بم ؟ فقال : لقولي : إن اسم الله أعرف المعارف. وهو اسم جامع لمعاني الأسماء الحسنى كلها وما سواه خاص بمعنى، فلذا يضاف الله لجميع الأسماء, فيقال : الرحمن من أسماء الله تعالى وكذا الباقي، ولا يضاف هو إلى شيء, وقيل : إنه الاسم الأعظم وبه وقع الإعجاز حيث لم يتسم به أحد، ولا يصح الدخول في الإسلام إلا به، وتكرر في القرآن ألفي مرة وخمسمائة وستين مرة، وقيل : ألفي مرة وثلاثمائة وستين , واختلف فيه هل هو مشتق أو مرتجل ؟ وعلى الأول فقيل : من أله يأله كعلم يعلم إذا تحير ; لأن العقول تتحير في عظمته وقيل غير ذلك .( مواهب الجليل 1/11)
قال أبو الليث : لا أحب للعجم أن يسموا عبد الرحمن وعبد الرحيم ; لأنهم لا يعرفون تفسيره , ويسمونه بالتصغير (تتارخانية) وهذا مشتهر في زماننا , حيث ينادون من اسمه عبد الرحيم وعبد الكريم أو عبد العزيز مثلا فيقولون : رحيمّ وكريمّ وعزّيز بتشديد ياء التصغير، ومن اسمه عبد القادر قويدر وهذا مع قصده كفر. ففي (المنية): من ألحق أداة التصغير في آخر اسم عبد العزيز أو نحوه مما أضيف إلى واحد من الأسماء الحسنى إن قال ذلك عمدا كفر، وإن لم يدر ما يقول ولا قصد له لم يحكم بكفره، ومن سمع منه ذلك يحق عليه أن يعلمه ا هـ . وبعضهم يقول : رحمون لمن اسمه عبد الرحمن , وبعضهم كالتركمان يقول حمور , وحسو لمن اسمه محمد وحسن ( رد المحتار 6/418)
قوله تعالى: (وَذرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) (لأعـراف: من الآية180) يقال : ألحد ولحد : إذا مال . والإلحاد يكون بوجهين : بالزيادة فيها , والنقصان منها , كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الباري بغير أسمائه ويذكرونه بما لم يذكره من أفعاله , إلى غير ذلك , مما لا يليق به ; فحذار منها.
ملاحظة: المرجع الأساسي لهذه المادة كتاب فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله. باب التوحيد.
والحمد لله رب العالمين
إعداد: الشيخ محمد عبدالرحمن النجار
المراجعة العلمية : الشيخ عبد الله نجيب سالم
28 ذو الحجة 1425
8 / 2 / 2005