الخصـائص النبـوية
الحمد لله الذي اختص هذه الأمة بخير نبي أرسل للبشر، والصلاة والسلام على نبينا محمد المخصوص بالفضائل الغرر، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
أما بعد:
فإن الحديث عن فضائل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بحر لا يسبر غوره ، ولا تنتهي عجائبه، ويكفي نبينا فخراً أن جعله الله سبحانه سيد ولد آدم.
وسوف نتحدث في هذا المقام عن بعض خصوصيات فضائله ، كما سنمر سريعاً على الخصوصيات التكليفية للمصطفى صلى الله عليه وسلم وتعلق الأحكام الشرعية بها، مع الإشارة إلى أن هذه النصوص والأحكام منقولة عن الموسوعة الفقهية في دولة الكويت
* * *
ونبدأ بتعريف الخصائص فنقول : الاختصاص في اللغة : الانفراد بالشيء دون الغير ، أو إفراد الشخص دون غيره بشيء ما . وهو عند الفقهاء كذلك ، فهم يقولون : هذا مما اختص به الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو مما اختصه الله .
الخصائص من نوع الفضائل
وهي أمور اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمزيد فضله وعظيم رتبته فوق رتبة أمته، أو فوق رتب الأنبياء السابقين وهي كثيرة ومنها :
أ - اختصاص من شاء بما شاء من الأحكام :
لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرعاً لا ينطق عن الهوى ، فإن له أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام ، كجعله شهادة خزيمة بشهادة رجلين ، وإجازته الأضحية بالعناق ( الجَذَع ) لأبي بردة ولعقبة بن عامر ، وتزويجه رجلاً على سورة من القرآن ، وتزويجه أم سليم أبا طلحة على إسلامه .
ب - الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم :
خص رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أحد من أمته بأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؛ لقوله تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) (1). ويترتب على ذلك كثير من الأحكام : من ذلك وجوب محبته أكثر من النفس والمال والولد ومن ذلك وجوب فدائه بالنفس والمال والولد . ومن ذلك وجوب طاعته وإن خالفت هوى النفس، وغير ذلك .
ج - الجمع بين اسم الرسول وكنيته لمولود :
ذهب الشافعي وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهو قول طاوس وابن سيرين إلى أنه لا يحل التكني بكنية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره ، سواء كان اسمه محمداً ، أو لا ، لما رواه جابر قال : « ولد لرجل من الأنصار غلام فسماه محمداً فغضب الأنصار وقالوا : حتى نستأمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال : قد أحسنت الأنصار ، ثم قال : تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ، فإني أبو القاسم أقسم بينكم » - أخرجه البخاري ومسلم .
وذهب البعض - منهم الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه - إلى أنه لا يجوز الجمع بين اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنيته .
وهؤلاء المانعون : منهم من جعل المنع منع تحريم ، ومنهم من جعل المنع منع كراهة .
وذهب الحنفية إلى أن الجمع بين اسم رسول الله وكنيته كان ممنوعاً ثم نسخ المنع وثبت الحل ، لما رواه أبو داود عن عائشة قالت : « جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني قد ولدت غلاماً فسميته محمداً وكنيته أبا القاسم ، فذكر لي أنك تكره ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم : ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي ، أو ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي » (2).
وذهب المالكية والشافعية إلى أن النهي كان مخصوصاً بحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد وفاته فتباح التسمية باسمه والتكني بكنيته .
د – منع التقدم بين يديه ورفع الصوت بحضرته :
خص رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أمته بأنه لا يجوز التقدم بين يديه - أي سبقه بالاقتراح عليه - لأن رسول الله مسدد بالوحي ، ولقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) (3) كما لا يجوز رفع الصوت بحضرته عليه الصلاة والسلام حتى يعلو صوت المتكلم على صوت رسول الله ، لقوله تعالى في سورة الحجرات : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) .
هـ - وجوب قتل من سبه :
مما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من سبه أو قذفه فعقوبته القتل.
و - وجوب إجابة من دعاه :
من خصائصه عليه الصلاة والسلام أنه إذا دعا أحداً فعليه أن يجيبه ولو كان في الصلاة ، فإن أجابه في الصلاة فإنه لا تفسد صلاته ، لما روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري « أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه وهو يصلي ، فصلى ثم أتاه ، فقال : ما منعك أن تجيبني(4) ؟ قال : إني كنت أصلي ، فقال : ألم يقل الله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم ) »(5) .
ز - نسب أولاد بناته إليه :
مما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم دون الناس جميعاً أن أولاد بناته ينتسبون إليه في الكفاءة وغيرها . لقوله صلى الله عليه وسلم : « إن ابني هذا سيد » ، ولما ذكره السيوطي في الخصائص الصغرى من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله لم يبعث نبياً قط إلا جعل ذريته في صلبه غيري ، فإن الله جعل ذريتي من صلب علي »(6) .
ح - لا يورث بعد وفاته :
مما اختص به صلوات الله وسلامه عليه دون أمته أنه لا يورث ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة »(7) .
ما اختص به صلى الله عليه وسلم من الأحكام التكليفية :
ـ والأحكام المتعلقة بالخصائص لا تتعدى إما أن تكون أحكاماً واجبة على رسول الله مباحة لأمته أو مندوبة وإما أن تكون حراماً على رسول الله جائزة لأمته وإما أن تكون جائزة لرسول الله حرام على أمته، وسنذكرها سريعاً إن شاء الله.
أولا : الاختصاصات الواجبة :
ـ فرض الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما هو مباح أو مندوب على أمته ، إعلاءً لمقامه عنده وإجزالاً لثوابه ؛ لأن ثواب الفرض أكبر من ثواب النفل.
أ - قيام الليل :
ـ اختلف العلماء في قيام الليل ، هل كان فرضاً عليه صلوات الله وسلامه عليه أو لم يكن فرضاً ، مع اتفاقهم على عدم فرضيته على الأمة .
فذهب عبد الله بن عباس إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختص بافتراض قيام الليل عليه ، وتابع ابن عباس على ذلك كثير من أهل العلم ، منهم الشافعي في أحد قوليه ، وكثير من المالكية ، ورجحه الطبري في تفسيره، واستدل على ذلك بقولـه تعالى في سورة الإسراء : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ)(8). أي نفلاً لك ، أي فضلاً : ( زيادة ) عن فرائضك التي فرضتها عليك.
ويعضد هذا ويؤيده ما رواه الطبراني في معجمه الأوسط، والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ثلاث هن عليّ فرائض ولكم سنة، الوتر والسواك وقيام الليل(9) ».
وذهب مجاهد بن جبر إلى أن قيام الليل ليس بفرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو نافلة، وإنما قال الله تعالى : (نَافِلَةً لَّكَ) من أجل أنه صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهو نافلة، وتبع مجاهداً جماعة من العلماء ، منهم الشافعي في قوله الآخر ، فقد نص على أن وجوب قيام الليل قد نسخ في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نسخ في حق غيره .
ب - صلاة الوتر :
ذهب الشافعية إلى أن الوتر كان واجباً على رسول الله، وقال الحليمي والعز بن عبد السلام والغزالي من الشافعية وكذلك المالكية: إن هذا الوجوب خاص بالحضر دون السفر، لما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الوتر على راحلته ولا يصلي عليها المكتوبة(10) ».
وقال النووي : المذهب أن صلاة الوتر واجبة على رسول الله ، ولكن جواز صلاتها على الراحلة خاص به عليه الصلاة والسلام.
ويرى العيني الحنفي في عمدة القاري ـ والحنفية يقولون بوجوب الوتر - إن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الوتر على الراحلة كان قبل أن يفترض عليه الوتر.
ج - صلاة الضحى :
ذهب جماعة، منهم الشافعية وبعض المالكية إلى أن صلاة الضحى مفروضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . واستدلوا على ذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاث هن علي فرائض ، ولكم تطوع : النحر والوتر وركعتا الضحى ».
وأقل الواجب منها عليه ركعتان لحديث : « أمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا بها » (11) .
وذهب الجمهور إلى أن صلاة الضحى ليست مفروضةً على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم : « أمرت بالوتر والأضحى ولم يُعزم عليّ »(12).
د - سنة الفجر :
نص الحنابلة وبعض السلف على فرضيتها عليه صلى الله عليه وسلم واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس : « ثلاث كتبت عليَّ وهن لكم تطوع : الوتر والنحر وركعتا الفجر »(13).
هـ - السواك :
الجمهور على أن السواك لكل صلاة مفترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث عبد الله بن حنظلة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « أُمر بالوضوء لكل صلاة ، طاهراً وغير طاهر ، فلما شق عليه ذلك أمر بالسواك لكل صلاة » . وفي لفظ : وضع عنه الوضوء إلا من حدث (14).
و - الأضحية :
الأضحية فرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أمته لحديث ابن عباس المتقدم : « ثلاث هن عليَّ فرائض ولكم تطوع : النحر والوتر وركعتا الضحى » .
ز - المشاورة :
قال بعض الفقهاء بفرضيتها عليه، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (15). وقال هؤلاء : إنما وجب ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم تطييباً للقلوب ، وتعليماً للناس ليستنوا به عليه الصلاة والسلام .
وقال بعضهم : إن المشاورة لم تكن فرضاً عليه صلوات الله وسلامه عليه . وحملوا الأمر في الآية السابقة على الندب أو الإرشاد .
ثم اختلفوا فيما يشاور فيه : بعد اتفاقهم على أنه لا يشاور فيما نزل عليه فيه وحي . فقال فريق من العلماء : يشاور في أمور الدنيا ، كالحروب ومكايدة العدو، وقال فريق آخر : يشاور في أمور الدين والدنيا . أما في أمور الدنيا فظاهر ، وأما في أمور الدين فإن استشارته لهم تكون تنبيهاً لهم على علل الأحكام وطريق الاجتهاد .
ح - مصابرة العدو الزائد على الضعف :
مما فرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أمته مصابرة العدو وإن كثر وزاد على الضعف.
ط - تغيير المنكر :
مما فرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيير المنكر ، ولا يسقط عنه هذا للخوف، لئلا يُتوهم إباحته. وإذا كان إنكار المنكر فرض كفاية على أمته فإنه فرض عين عليه صلى الله عليه وسلم .
الاختصاصات المحرمة
قد حرم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما أحله لأمته ، تنزيهاً له عليه الصلاة والسلام عن سفاسف الأمور ، وإعلاء لمقامه ومنزلته ومن ذلك :
أ – لا يأخذ الصدقات :
اتفق العلماء على أن الله تعالى قد حرم على رسوله صلى الله عليه وسلم أخذ شيء من صدقات الناس ، سواء أكانت مفروضةً أو تطوعاً ، كالزكاة والكفارة والنذر والتطوع ، صيانةً لمنصبه الشريف ، ولأنها تنبئ عن ذل الآخذ وعز المأخوذ منه ، وقد أبدل الله تعالى رسوله بها الفيء الذي يؤخذ على سبيل الغلبة والقهر ، المنبئ عن عز الآخذ وذل المأخوذ منه .
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس ، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد »(16) . هذا ، وإن تحريم الصدقات على آل البيت إنما هو لقرابتهم منه صلى الله عليه وسلم .
ج – لا يأكل ما له رائحة كريهة :
قال جماعة منهم المالكية : إن ذلك كان محرماً عليه . واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري ومسلم . « أن رسول الله أتي بقدر فيه خضرات من بقول ، فوجد لها ريحاً ، فسأل فأخبر بما فيها من البقول ، فقال : قربوها (أي إلى بعض أصحابه) فلما رآه كره أكلها قال : كل فإني أناجي من لا تناجي ».
وقال جماعة منهم الشافعية : لم يكن ذلك محرماً عليه ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره أكله لتعرضه لنزول الوحي عليه في كل ساعة ، وإن الملائكة لتتأذى بالريح الخبيثة . وقد استدل هؤلاء ما رواه مسلم « أن أبا أيوب الأنصاري صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً فيه ثوم ، وفي رواية : أرسل إليه بطعام من خضرة فيه بصل وكراث ، فرده عليه الصلاة والسلام ولم يأكل منه شيئاً فقال : أحرام هو ؟ قال : لا ، ولكني أكرهه »(19) .
هـ - لا ينَزْع لأمَته إذا لبسها للقتال حتى يقاتل :
مما حرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أمته أنه إذا لبس لأمة الحرب (لباس الحرب وعدته) يحرم عليه أن ينزعها حتى يلقى العدو ؛ لقوله صلوات الله وسلامه عليه : « لا ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب وأذّن في الناس بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل »(20) . وواضح أنه يشترك معه في هذه الخصوصية الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه .
وـ يتنزه عن خائنة الأعين :
المراد بها الإيماء بما يظهر خلافه ، وهو مما حرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أمته إلا في محظور ، والأصل في هذا التحريم عليه هو تنزه مقام النبوة عنه ، فقد أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص « أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أمّن الناس إلا أربعة نفر منهم عبد الله بن أبي سرح ، فاختبأ عند عثمان ، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة ، جاء به فقال : يا رسول الله بايع عبد الله ، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً ، كل ذلك يأبى ، فبايعه بعد ثلاث ، ثم أقبل على أصحابه فقال : أما فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته ليقتله ؟ قالوا : ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ، هلا أومأت بعينك . قال : إنه لا ينبغي أن تكون لنبي خائنة الأعين »(21) . وهذا يدل على أنه مما اختص به هو والأنبياء دون الأمم .
ز - عدم نكاح الكافرة، والممتنعة عن الهجرة :
مما حرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاح الكتابية ، لخبر : « سألت ربي ألا أزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني »(22) ، - أخرجه الحاكم وصحح إسناده - ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة ؛ ولأن الكافرة تكره صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ويحرم عليه نكاح من وجبت عليها الهجرة ولم تهاجر ، لقوله تعالى في سورة الأحزاب : « يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ »(23) ، وفي قراءة عبد الله بن مسعود : (وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ واللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) ، ولما رواه الترمذي وحسنه وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس قال : « نُهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات » .
وقال الإمام أبو يوسف : لا دلالة في الآية على أن اللاتي لم يهاجرن كن محرمات عليه ، لأن تخصيص الشيء بالذكر لا ينفي ما عداه .
ح – لا يمسك في عصمته من كرهته :
مما حرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إمساك كارهته من الأزواج ولم يحرم ذلك على أمته، حفظاً لمقام النبوة، فقد روى البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها « أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال عليه الصلاة والسلام: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك »(24).
الاختصاصات المباحة
أ - الصلاة بعد العصر :
ذهب من كره الصلاة بعد العصر إلى أنه أبيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي بعد العصر ، وكره ذلك لأمته ، فقد روى البيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنها »(25) .
ب – الصلاة على الميت الغائب :
من منع الصلاة على الميت الغائب كالحنفية قال : أبيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على الميت الغائب دون أمته لأمر خصه الله تعالى به .
ج - صيام الوصال :
جمهور الفقهاء على اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم بإباحة صيام الوصال له دون أمته ، لما رواه البخاري ومسلم « أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ، فقيل له : إنك تواصل ، فقال : إني لست كهيئتكم ، إني أطعم وأسقى » .
د - القتال في الحرم :
اتفق الفقهاء على إباحة القتال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة دون أمته ، لما رواه الشيخان من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ، ولا يعضد بها شجرةً ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم »(26) .
و - القضاء بعلمه :
من منع القاضي أن يقضي بعلمه جعل ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلمه لهند بنت عتبة وقوله لها : « خذي من ماله ما يكفيك » من خصوصياته عليه الصلاة والسلام(27) .
ح - أخذ الهدية :
من خصائصه عليه الصلاة والسلام أن الهدية حلال له ، بخلاف غيره من الحكام وولاة الأمور من رعاياهم، لأنه يؤمن منه الجور والحيف.
ط - في الغنيمة والفيء :
أبيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمسُ الغنيمة وإن لم يحضر الوقعة ، لقوله تعالى : (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ).(28)
وأبيح له الصفي من المغنم ، وهو ما يختاره قبل القسمة من الغنيمة ، كسيف ودرع ونحوهما ، ومنه (صفية) أم المؤمنين التي اصطفاها من المغنم لنفسه .
ي - في النكاح :
مما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبيح له دون أمته أن يتزوج أكثر من أربع نساء ، وأن يتزوج بغير مهر ، وأن يتزوج المرأة بغير إذن وليها . ويباح له ألا يقسم بين أزواجه عند البعض ، مع أنه عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على القسم ، حتى في السفر حيث كان يقرع بينهن ، ولما اشتد عليه المرض استأذن أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها.
خاتمة:
ومما خصه الله سبحانه وتعالى أن أعطاه وأعطى أمته تبعاً له ما لم يعط أمة ولا رسولاً من قبل، وقد جاء عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة).
وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي جعلنا من الأمة التي خصت وخص نبيها بما زاده صلى الله عليه وسلم وزادها من بعده شرفاً ورفعة. فله الحمد أولاً وآخرا.
إعداد: الشيخ خالد عبدالكريم أطرش
المراجعة العلمية: الشيخ عبدالله نجيب سالم
الثلاثاء 12 ربيع الأول 1425هـ 11/5/2004م الكويت
الفهرس :
(1) سورة الأحزاب/33.
(2) حديث: "ما الذي أحل..." رواه أبو داود من حديث عائشة من طريق محمد بن عمران الحجبي (2/589) ط الحلبي.
(3) سورة الحجرات/ 1، 2.
(4) حديث "ما منعك..." أخرجه أبو داود واصله في البخاري (سنن ابي داود مع عون المعبود 1/544 ط الكتاب العربي، وفتح الباري 8/307 ط السلفية).
(5) الآية من سورة الأنفال/24.
(6) حديث: "ابن ابني هذا ..." أخرجه البخاري (فتح الباري 5/ وحديث: "إن الله لم يبعث ... " أخرجه ابن الجوزي بألفاظ مقاربة وقال عنه لا يصح (العلل المتناهية 1/210).
(7) حديث: "نحن معاشر..." أخرجه البخاري دون قوله نحن معاشر الأنبياء (فتح الباري 12/7 ط السلفية).
(8) سورة الإسراء/76.
(9) حديث عائشة رضي الله عنها: "ثلاث هن عليّ قرائض.." قال عنه ابن حجر في تلخيص الجبير 3/120: ضعيف جداً، لأنه من رواية موسى بن عبدالرحمن الصنعاني عن هشام عن أبيه.
(10) حديث ابن عمر أخرجه البخاري ومسلم في صلاة الوتر.
(11) حديث: " أمرت بركعتي الضحى ..." أخرجه الإمام أحمد، والحديث ضعيف بجميع طرقه، كما قال ابن حجر (تلخيص الحبير 3/118)
(12) حديث: "أمرت بالوتر..." أخرجه الدارقطني، وقال فيه عبدالله بن محرر متروك.
(13) حديث ابن عباس: "ثلاث كتبت عليّ..." أخرجه الدارقطني وغيره، وقال عنه ابن حجر: في تلخيص الحبير 3/118، الحديث ضعيف من جميع طرقه.
(14) حديث عبدالله بن حنظلة إسناده حسن (تلخيص الحير 3/120).
(15) سورة آل عمران /159.
(16) الحديث أخرجه مسلم بشرح النووي 7/177 ـ 181 ط العصرية).
(19) أسنى المطالب 3/100، وروضة الطالبين 7/5، وتلخيص الحبير 3/124.
(20) حديث "لا ينبغي ..." أخرجه أصحاب المغازي وله طرق أخرى بإسناد حسن عند البيهقي والحاكم من حديث ابن عباس (تلخيص الحبير 3/129).
(21) قال ابن حجر في التلخيص: إسناد هذا الحديث صالح 3/130
(22) حديث "سألت ربي ..." أخرجه الحاكم في "المستدرك" (2/137) نشر دار الكتاب العربي وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي.
(23) سورة الأحزاب/50.
(24) أخرجه البخاري (فتح الباري 9/356 برقم 5254) نشر السلفية.
(25) حديث "عائشة أن رسول الله ..." أخرجه أحمد والبيهقي والطحاوي.
(26) حديث "إن مكة..." وتمامه "إنما أذن له فيه ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. وليبلغ الشاهد الغائب". أخرجه البخاري من حديث أبي شريح العدوي، فتح الباري (8/20) برقم 4295 ط السلفية البخاري (4/41) برقم 1832.
(27) حديث هند بنت عتبة: "خذي..." متفق عليه من حديث عائشة، وله عندهما ألفاظ، تلخيص الحبير (4/7، 8).
(28) سورة الأنفال/41