بسم الله الرحمن الرحيم
استنباط الأحكام الشرعية
بقلم الدكتور الشيخ : أحمد خضير الزوبعي
الهوامش
1- هود : 91.
2- الاسراء :44.
3- الطلاق: 4.
4- البقرة:243.
5- القيامة:18.
6- المائدة : 89
7- ينظر : تفسير القرطبي 6\283,والاتقان 1\1228,واحكام القرآن لابن عربي 1\204.
8- العلق :1,2,3 وانظر الاتقان 1\68.
9- البقرة : 281, وراجع الاتقان 1\77.
10- ينظر :الاتقان 1\164.
11- ينظر : صحيح البخاري 6\225,والاتقان 1\164,وعلوم القرآن للزركشي 1\233.
12- ينظر صحيح البخاري 6\226,والاتقان 1\169_172 , وتفسير القرطبي 1\52-55,والبرهان 1\240.
13- الاسراء :106.
14- ينظر : الفرقان : 32,وعلوم القرآن للزركشي 1\231,ومصادر التشريع الاسلامي للدكتور اديب صالح :58.
15- ينظر الاتقان 1\22-50,والبرهان للزركشي 1\187-205.
16- ينظر : الجامع للاحكام القرآن 4\202,12\254-255:والموافقات3\347,350,351,4\19-20.
17- ينظر : كشف الاسرار 1\73و294,واصول السرخسي 1\294,والتوضيح 1\40.
18- النور :2.
19- البقرة : 228.
20- راجع الرسالة : 565 – 570,والمغني لابن قدامة 7\452,واحكام القرآن للشافعي 1\244.
21- ينظر: تفسير الطبري 11\98,تفسير آية 101,102من سورة المائدة ,ومشكاة المصابيح 1\9,ومصادر التشريع الاسلامي :75-80.
22- ينظر : لسان العرب 17\89.
23- النساء:80.
24- ال عمران :132.
25- ينظر : المشكاة 1\66,وفيض القدير 3\240,وفي رواية (وعترتي) راجع الترمذي ومسند احمد , والنهاية لابن الاثير 1\131.
26- ينظر : الرسالة : 32و73وما بعدها .
27- ينظر : تفسير القرطبي 14\123.
28- ينظر : اصول البزدوي 2\370, وشرح المنار : 619,والاحكام للآمدي 2\20و47والمستصفر 1\132 وشرح ابن الحاجب 2\51و55.
29- ينظر : الاحكام 2\100.
30- ينظر : الموافقات 4\7و24 وما بعدها ,والاحكام للآمدي 3\25,والموافقات 4\16وما بعدها.
31- رواه الترمذي وابو داود والنسائي والدرامي ,ينظر : المشكاة 1\322.
32- ينظر : الاحكام للآمدي 1\181,والكشف على البزدوي 3\227,وشرح المختصر 2\29.
33- ينظر : المصادر السابقة,و الاحكام للآمدي 1\328-336,337-360, الاستوي على المنهاج 2\309,والمعتمد 2\489,والمستصفى 1/189 والفقيه المتفقه :93,وشرح جمع الجوامع 2\181,وروضة الناظر :71-72,74,وشرح المنار :742.
34- النساء :115.
35- البقرة :143.
36- ينظر : الكشف على البزدوي 3\256,والمعتمد 2\459,والفقيه والمتفقه :97.
37- ينظر : الكشف على البزدوي 3\258 ,والمعتمد 2\471-479,والفقه المتفقه :97-101.
38- ينظر :الفقه والمتفقه : 101.
39- النساء :23.
40- ينظر : نيل الاوطار 5\256-260.
41- ينظر : المختصر 2\39,والاستوي على المنهاج 2\311,وكشف الاسرار 3\263.
42- رواه الترمذي 1\249,واو داود 3\303,والدارمي 1\60,وانظر السنن الكبرى 1\114, ومسند احمد 5\230,والفقيه المتفقه :93و183,ونصف الراية 4\63,واعلام الموقين 1\202.
43- انظر هامش 7 ص46 من شفاء الغليل .
44- ينظر : فتح الباري 14\323-327,ومسند احمد 8\257,372, 9\120
45- ينظر : القاموس المحيط مادة الحكم .
46- ينظر : المستصفى 1\55,والاحكام للآمدي 1\135,ومسلم الثبوت 1\54 ,والتوضيح 1\86 والمختصر لابن الحاجب 1\222.
47- طه :14.
48- الزمر :62.
49- طه : 55.
50- المائدة :1.
51- البقرة : 282.
52- الاسراء :32.
53- البقرة : 185.
54- البقرة : 286.
55- رواه الترمذي والنسائي ,ينظر : مشكاة المصابيح 2\169.
56- البقرة :275.
57- النساء :92.
58- المائدة :28.
59- النساء : 7.
60- البقرة : 233.
61- ينظر : اصول السرخسي 1\237-241,والهداية مع فتح القدير 3\334.
62- سورة الاسراء , وانظر :الاحكام للآمدي 3\93.
63- النساء : 10.
64- المائدة : 3.
65- النساء : 10.
66- ينظر : فيض القدير 4\34.
67- الاسراء :23.
68- المائدة : 89.
69- البقرة : 223.
70- النساء : 11.
71- الحجرات : 6.
72- الحجرات : 11.
73- البقرة : 185.
74- النساء : 24.
75- الاحزاب : 56.
76- الحج : 18.
77- المجادلة : 3.
78- الانعام : 145.
79- الاسراء : 33.
80- النساء :43.
81- النحل : 90.
المقدمة
نحمدك اللهم على ما وفقتنا لهذا وهديتنا إليه فماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا, ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء وإمام المجتهدين ومبعث النور في العالمين , المبين عن ربه كتابه , والمبلغ عنه شريعته , وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المرشدين الذين كرسوا حياتهم لنشر دعوة الحق ورفع كلمة اليقين , والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فهذه محاضرة في أصول الفقه ليتعرف الدارس على طرق استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية, ولأصول الفقه دور كبير لتيسير السبيل أمام معرفة الأحكام الشرعية لكل ما يجري من معاملات ,وما يصدر من تصرفات , وقد حفل علماء المسلمين في العصور المختلفة بهذا العلم وأولوه عناية فائقة , فألفوا فيه المؤلفات الكثيرة قديما منها وحديثا , وعلى أهمية علم أصول الفقه كمادة من مواد الدراسات لايقف عند فهم الشريعة على وجهها فقط، بل يتعدى ذلك إلى فهم القوانين حق الفهم , لأنه يبين دلالات الألفاظ وما يؤخذ من النص وما يفهم من غيره , فيعرف ما يؤخذ منطوقه ومفهومه وإذا وجد بيننا اليوم من يرى الاستغناء عن دراسة علم الأصول , ويسوق لما يراه حججا فيما يعتقد , ونحن مع حسن الظن بصاحب الرأي نرى أن ذلك نابع من الجهل بقيمة هذا العلم , وبالبحث الهين ينكشف أن ماذهب إليه أصحاب هذا الرأي لاتؤيده دلائل الواقع ,وقد جعلت هذه المحاضرة على مقدمة وأربع مباحث:
المبحث الأول في مصادر الأحكام الشرعية.
والمبحث الثاني في الحكم وطرق استنباطه من النصوص الشرعية .
والمبحث الثالث في صيغ التكليف .
والمبحث الرابع في التعارض وطرق دفعه .
وسأقوم ببيان هذه المباحث بيانا مختصرا بما يسمح به وقت الدورة المحدودة في أربعة أيام , واسأل الله أن يلهمنا الصواب , ويباعد بيننا وبين الهفوات , ويوجهنا لما يرضاه , وان ينفع بما نقدمه من عمل , ويجعله خالصا لوجهه , فانه الموفق للخير والهادي إلى سواء السبيل 0
تمهيد : أذكر نبذة عن تعريف أصول الفقه وموضوعه وأغراضه ونشأته ومراحل التدوين فيه:
تعريفه:
علم أصول الفقه له اعتباران:
الاعتبار الأول : كونه مركبا إضافيا .
الاعتبار الثاني : كونه لقبا وعلما على علم مخصوص .
فتعريفه من حيث الاعتبار الأول : باعتباره مركبا إضافيا :
الأصول جمع أصل , وهو في اللغة : أسفل الشيء وما ينبني عليه ,
وفي الاصطلاح : يطلق على الدليل , وعلى الراجح , وعلى القاعدة المستمرة , وعلى الصورة المقيس عليها.
والفقه لغةً : الفهم , ومنه قوله تعالى :(( مانفقه كثيرا مما تقول ))(1)
وقوله تعالى : (( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ))(2)
وفي الاصطلاح : هو العلم بالا حكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية 0
شرح التعريف : ( العلم ) : جنس هو مطلق الإدراك , سواء كان تصورا أو تصديقا
( الأحكام) : جمع حكم:هو: ثبوت أمر لأمر أو انتفائه عنه , النسبة التامة الخبرية هي قيد أول احترز به عن العلم بالذوات والصفات والأفعال , فلا يسمى ذلك فقها , والمراد بالعلم بالأحكام العقلية والحسية .
(العملية) : أي المتعلقة بكيفية عمل , وهو إما قلبي كالقصد والنية أو غير قلبي كالتعاقد والجنايات , فهو يعم عمل الجوارح الظاهرة والباطنة , والمراد من كيفية الوجوب والحرمة وغيرها ,هو قيد آخر ,خرج به العلم بالأحكام الاعتقادية0
أما تعريفه باعتباره لقباً وعلماً : ( القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية).
أغراضه :
1ـ معرفة مصادر الأحكام الشرعية والإحاطة بأسرار التشريع وقدرته على الوفاء بإعطاء الحلول لكل مستجد مستحدث من الوقائع التي لا نص فيها
2ـ بيان مسالك الأئمة المجتهدين في استخراج الأحكام من ثـنايا النصوص على قواعد منهجية ثابتة المعالم .
3ـ الوقوف على أسس الاختلاف بين الأئمة فيما اختلفوا فيه من فهم النصوص والعلم بسند كل رأي , ليكون الباحث على حظ من البصيرة .
نشأته ومراحل تدوينه :
يمكن أن نلقي نظرة سريعة في تاريخ تشريع ديننا الإسلامي ونلخصه على المراحل التالية :
المرحلة الأولى :
في العصر النبوي كان التشريع يرتكز على الوحي من السماء على الرسول صلى الله عليه وسلم لاغير , فكان المسلمون إذا عرض لهم أمر يقتضي بيان الحكم رجعوا إلى النبي صلى الله وسلم فيجيبهم تارة بالقرآن ينزل به الوحي من عند الله تعالى .
وتارة بالسنة منه صلى الله عليه وسلم قولاً أو عملاً أو تقريراً ,وإذا كانوا بعيدين عن النبي صلى الله صلى عليه وسلم يعملون بما يوصلهم اليه اجتهادهم , وبعد لقائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضون الأمر عليه , فإن أقره كان تشريعاً , وإن رده كان كأن لم يكن , وعلى كل حال في هذا العصر مصدر التشريع هو الوحي المتلو , وغير المتلو.
فالمتلو القرآن وغير المتلو هو السنة , وهذا العصر كان خالياً من أصول الفقه.
المرحلة الثانية :
عصر الصحابة في هذا العصر كان منهجهم أن يبحثوا عن الحكم من كتاب الله ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجدوا فيها الحكم تشاوروا فإن اجتمع الرأي عملوا به , وإلا رجحوا ما يكون أقرب إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد , ومنهجهم فيه لاستنباط الحكم عن طريق الاجتهاد كما عبر عنه ابن خلدون بملكتهم اللسانية وفهمهم السليم بمقاصد اللغة العربية , وأن الأسانيد لم يكونوا بحاجة إلى النظر فيها لقرب عصرهم من عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
الأمثلة :
1ـ تقرير ابن مسعود أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وضع الحمل ,الثابت ، بقوله تعالى ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن )(3) وهي إشارة من ابن مسعود أنها مخصصة للحكم الذي ثبت في الآية :
( والذين يتوفون منكم ويذورن أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً)(4).
2ـ يرى علي بن أبي طالب رضي الله عنه عقوبة شرب الخمر ثمانين جلدة , حيث يقول : إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحده حد المفترى , وهذه إشارة من سيدنا علي إلى بعض القواعد الأصولية في القياس أو سد الذرائع فهذا منهجهم في استنباط الحكم بسليقتهم وحدة فهمهم.
المرحلة الثالثة :
عصر التابعين , ففي هذا العصر اتسعت الفتوحات الإسلامية وحدثت صور لم يكن بها عهد من قبل , ودعت الضرورة إلى معرفة حكم الله تعالى، فدعت الحاجة إلى الاعتـناء بضبط مأخذ الأحكام ووضع قواعد الإستنباط لئلا يتسرب الهوى في الاجتهاد في الأحكام , إلا أنها لن تتضح معالمها , ولم تكن على شكل قواعد مدونه .
المرحلة الرابعة :
عصر ما بعد التابعين , في هذا العصر بدأت حركة تدوين العلوم فدعت الحاجة إلى تدوين علم الأصول وتفصيل قواعده في إطار النهضة العلمية الشاملة التي شهدها العالم الإسلامي في القرن الثاني الهجري .
أول من كتب في علم الأصول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى المولود سنة 150هـ والمتوفى سنة 204هـ , وقيل إن أبا يوسف أول من كتب , ولكن لم يصل إلينا كتابه.
والذي ألفه الشافعي رحمه الله تعالى كتاب الرسالة التي هي أول تدوين وصل إلينا في علم أصول الفقه .
يقول الإمام الرازي : كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في أصول الفقه , ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه حتى كتب الشافعي رسالته في علم الأصول , ووضع للخلق قانوناً في معرفة مراتب أدلة الشرع , ثم بعد ذلك تتابع العلماء في التأليف والتدوين منهم المختصر ومنهم المتوسع.
المبحث الأول : مصادر الأحكام الشرعية , المتفق عليها, ,وهي
( الكتاب – السنة – الاجماع – القياس)
وسأجعله أربعة مطالب لكل مصدر مطلباً
المطلب الأول : الكتاب , وفيه ثمانية فروع:
لا خلاف في أن الكتاب هو أساس الشريعة وأصلها الأول. وقد أطلق عليه لفظ الكتاب كما أطلق عليه لفظ القرآن . فهما لفظان مترادفان . ولكن إطلاق لفظ القرآن على كلام الله تعالى المكتوب في المصاحف أظهر وأشهر من حيث إنه عرف عام.
أما إطلاق لفظ الكتاب على كلام الله المكتوب في المصاحف فهو عرف خاص للشرعيين فقط.
الفرع الأول: معنى الكتاب والقرآن :
الكتاب في اللغة :اسم للمكتوب مطلقاً . ثم غلب على كتاب سيبويه عند النحاة . كما غلب على كتاب المبسوط في فقه الحنفية لمحمد بن الحسن الشيباني عند المتقدمين من الفقهاء ,وعند المتأخرين على كتاب القدوري.
وغلب في عرف أهل الشريعة على كلام الله تعالى المكتوب في المصاحف , وهو المراد هنا .
والقرآن مصدر لمعنى القراءة عند أهل اللغة ومنه قوله تعالى : ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه )(5) أي قراءته , وإن علماء الكلام يطلقونه على كلام الله النفسي الأزلي الذي هو صفة من صفاته تعالى , وإن لفظ القرآن يطلق في العرف العام، على المجموع المعين من كلام الله تعالى المكتوب في المصاحف المقروء على ألسنة العباد . وهو المراد هنا : لإن الأحكام التي يستنبطها الفقيه إنما تؤخذ من المقروء لا من الكلام النفسي وعلى هذا يكون الكتاب والقرآن لفظين مترادفين كما تقدم.
والكتاب أو القرآن في الاصطلاح: أنه كلام الله تعالى المنزل على محمد عليه السلام وحياً باللفظ العربي المعجز المنقول بالتواتر , المتعبد بتلاوته , المكتوب في المصاحف , المبدوء بسورة الفاتحة , المختوم بسورة الناس .
ومن هذا التعريف يتضح ما يلي :
1- أن القرآن مجموع اللفظ والمعنى.
2-أن ترجمة القرآن إلى غير العربية لا تعتبر قرآناً , لإن هذه الترجمة بلغة أجنبية, والقرآن أنزل بلسان عربي مبين, وإن الترجمة الحرفية مستحيلة .
3-أن نصوص القرآن قطعية الثبوت بلاخلاف , لإنه منقول بالتواتر , فما لم ينقل بالتواتر لا يسمى قرآناً , كلفظ : (متتابعات ) التي وردت في مصحف ابن مسعود في قوله تعالى في كفارة اليمين (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام )(6) (( متتابعات )),ولفظ : ( ذي الرحم المحرم ) في آية نفقة الوالدات المرضعات ( وعلى الوارث ( ذي الرحم المحرم ) مثل ذلك )(7).
الفرع الثاني : نزول القرآن وجمعه وتدوينه :
ظل القرآن الكريم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الروح الأمين جبريل عليه السلام , نحو ثلاثة وعشرين عاماً . وكان ينزل منجماً حسب الوقائع والمناسبات .
وكان أول ما نزل من القرآن قوله تعالى :( اقرأ باسم ربك الذي خلق , خلق الانسان من علق , اقرأ وربـك الأكـرم الـذي علـم بالقلم علم الانسان مالم يعلم )(8).
وآخر ما نزل قوله تعالى : ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله , ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)(9).
وقد نزلت هذه الآية بعد حجة الوداع وتوفي الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تسع ليال من نزولها ،وإن الباحث في موضوع جمع القرآن وتدوينه يجد أن هذا مرّ بثلاث مراحل .
المرحلة الأولى :- في زمن النبي صلى الله عليه وسلم , فكان صلى الله عليه وسلم يستمع لما يوحى اليه , بعد ان علمه الوحي كيف يتلقى القرآن . وبعد ذلك يبلغه لمن حضر من الاصحاب ويستحفظهم اياه فيحفظونه من فورهم , ويعاودون قراءته ليتثبتوا في حفظه , ولم يكتفي النبي صلى الله عليه وسلم بذلك , فكان يدعوا بعض كتاب الوحي من الصحابة منهم : ابوبكر وعمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وعبدالله بن مسعود وابي بن كعب , وكانوا يكتبون ما يمليه عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم على العسب وعظام الاكتاف والرقاق وغيرها من الرقاع , ويوضع المكتوب في بيت النبي صلى الله عليه وسلم (10) .
المرحلة الثانية :-
في خلافة سيدنا ابي بكر رضي الله عنه وفي وقعة اليمامة سنة 12هجريه , التي نشبت بين المسلمين واهل الردة فقتل عدد كبير من حفظة القرآن, فتشاور اصحاب النبي في هذا الامر , واستقر رأيهم على ضرورة جمع القرآن مرتبا ترتيب التوقيف في مصحف واحد ,ثم جمع ابو بكر الحفظة المشهود لهم بالاتقان , فيهم علي بن ابي طالب وابي بن كعب وعثمان بن عفان , واخذوا يوالون الاجتماع واحضروا كل ما كتب باملاء النبي صلى الله عليه وسلم , ثم اخذوا يقرؤون ويقابلون بين قراءاتهم وبين ما يجدونه مكتوبا الى ان كتبوا القرآن على الترتيب والضبط اللذين تلقوهما عن النبي عليه الصلاة والسلام , وبعد ان انتهى هذا العمل الجليل وضعت الصحف عند خليفة المسلمين (11) .ابي بكر لرضي الله عنه.
المرحلة الثالثة :-
في خلافة سيدنا عثمان بن عثمان حصل خلاف بين المسلمين في توالي السور وترتيبها واختلاط القرآن ببعض التفسيرات والتأويلات التي سمعها الصحابة رضي الله عنهم من الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام , فبهذا وقع الخلاف في القراءة ,مما افزع الأصحاب فحملهم على كتابة المصحف وتدوينه تدوينا كاملا وفقا لآخر قراءة عرضها النبي عليه الصلاة والسلام على الصحابة , ثم نسخت عدة مصاحف وأرسل إلى كل مصر مصحف , فأرسل إلى مكة مصحف , وكذلك إلى الكوفة والبصرة ودمشق والبحرين واليمن , وحبس في المدينة مصحف واحد (12).
الفرع الثالث : نزول القرآن منجما:
قلنا إن القرآن الكريم نزل منجما على حسب الوقائع والمناسبات على مدى ثلاثة وعشرين عاما , وفي هذا يقول الله تعالى :( وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) (13).
ونزول القرآن منجما له حكم وأسرار من أهمها :
1- تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتقوية قلبه به.
كقوله تعالى :( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك)
2- جوابا عن سؤال ، حلا لمشكلة وقعت ا،و قصة فيها اعتبار.
3-التدرج بالأمة من ناحية التربية والإعداد , وتلقي المبادئ والأحكام , مرحلة بعد مرحلة .
4-التأكيد على إعجاز هذا القرآن , فقد تحدى الله العرب، وهم إذ ذاك من ابلغ الخلق وأكثرهم فصاحة وأجملهم بيانا .(14)
الفرع الرابع :المكي والمدني :
قسم الباحثون في علوم القرآن كتاب الله إلى مكي ومدني , فمانزل قبل الهجرة يسمى مكيا , وما نزل بعدها يسمى مدنيا .
وطابع المكي الدعوة إلى عقيدة التوحيد ونبذ الشرك والوثنية , أما طابع المدني فهو طابع التشريع وتنظيم المجتمع على صعيد الفرد والجماعة والدولة , وضبط العلاقة بين الخالق والمخلوق , وبين الفرد والجماعة , وعلاقة الدولة بالآخرين في الداخل والخارج , وفي حالات السلم والحرب (15) .
وقد تيسر لعلمائنا ضبط المكي والمدني ومعرفة كل آية من أي نوع هي , عن طريق الرواية الصحيحة الصادقة , ولمعرفة المكي من المدني له أهمية منها:. معرفة الناسخ من المنسوخ.
الفرع الخامس : حجية الكتاب ومقاصد تنزيله:
لا خلاف بين المسلمين جميعا في إن الكتاب حجة يجب العمل بما ورد فيه , ولا يعدل عنه إلى ما عداه من المصادر, إلا إذا خلا عن حكم الواقعة التي يراد معرفة حكمها , وهذا الاعتماد نابع من الإيمان بان الكتاب كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلا من حكيم حميد .
ومن أراد إن يستقصي المقاصد والإغراض التي جاء من اجلها هذا الكتاب فانه يحيط بان إنزاله كان لأغراض كثيرة اقتضتها حكمة الخالق , وفـي مقدمتها غرضان عظيمان :
الأول: إن يكون معجزة ناطقة تدل على صدق من انزل عليه .
الثاني : أن يكون خير رصيد للهداية والحق , وأفضل منابع الإرشاد والنور , عقيدة وشريعة وسلوكا وأخلاقاً , فكان دستور عمل وكتاب أحكام بحق .
ومن الوسائل التي لابد منها لفهم القرآن والاستمداد من مضمونات ألفاظه , ويمكن إيجاز ذلك فيما يلي :
1- المران على معرفة مدلولات اللغة العربية وأساليب العرب في الخطاب .
2- الاستعانة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم .
3- الإحاطة بأسباب النزول .
4- معرفة ملامح البيئة العربية في عصر تنزل القرآن, وعادات العرب ومعهوداتهم وما تتسم به أفعالهم ومظاهر حياتهم (16) .
الفرع السادس دلالة الكتاب على الاحكام:
القرآن باعتباره منقولاً بطريق التواتر قطعي الثبوت بلا ريب في ذلك , إلا أن دلالته على الاحكام قد تكون قطعية وقد تكون ظنية , وذلك تبعا للاحتمال الذي يكون في مدلولات الالفاظ وعدمه(17).
فالنص يكون قطعي الدلالة : اذا دل على معنى واحد لا يحتمل غيره , ولا سبيل الى فهم آخر بوجه من الوجوه , وذلك كما في قوله تعالى :( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) (18) .
فالمائة لفظ يدل على معناه دلالة قطعية لعدم وجود احتمال في الدلالة , فلا يكون محلا للاجتهاد , ولا موضعا لاختلاف المجتهدين في الفهم والاستنباط .
ويكون النص ظني الدلالة اذا احتمل اكثر من معنى , وفيه مجال لترجيح بعض المعاني على بعض , كلفظ قرؤ في قوله تعالى :( والمطلقـات يتربصـن بـانفسهن ثلاثة قرؤ )(19) , فانه يحتمل ان يكون المراد به الحيض والطهر , ولهذا اختلف الفقهاء في عدة المطلقة اهي ثلاثة اطهار ام ثلاث حيضات , كل منهم رجح رأيه بوجوه من أوجه الترجيح،كما هو مبسوط في كتب الفقه(20) .
الفرع السابع : الاحكام التي جاء بها القرآن:
إذا تتبعنا أحكام القرآن نجد انها متعددة متنوعة , ويمكن القول : ان الكتاب جاء بثلاثة انواع من الاحكام :
1- الاحكام الاعتقادية : وهـي التي تتعلق بما يجب على المكلف اعتقاده والايمان به .
2- الاحكام الخلقية : وهي التي تتصل بالفضائل ومكارم الاخلاق
3- الاحكام العملية : وهي التي تتصل بما يصدر عن المكلف من قول او فعل , في العبادات والكفارات والمعاملات واحكام الاسرة والعقوبات وغيرها .
الفرع الثامن : خصائص التشريع القرآني(21) :
يمكن إيجاز هذه الخصائص فيما يلي :
1- الاجمال والعموم .
2- قلة التكاليف .
عدم الحرج.
المطلب الثاني :السنة , وفيه أربعة فروع:
الفرع الاول: تعريفها:-
السنة في اللغة : الطريقة المعتادة سواء كانت محمودة او مذمومة(22).
وفي اصطلاح الاصوليين ــ وهو المقصود بالبيان هنا :- ما اثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول او فعل او تقرير.
الفرع الثاني : حجيتها:
اتفق اهل العلم على انّ السنة مصدر من مصادر التشريع وانها اصل من اصول الدين : تقوم بها الحجة وتستقل بالتحليل والتحريم.
والادلة على ذلك كثيرة ,منها:-
اولا : القرآن الكريم : قوله تعالى ( من يطع الرسول فقد اطاع الله )(23) , وقوله تعالى ( واطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون)(24).
ثانيا : السنة نفسها :
فقد ثبت ان النبي عليه الصلاة والسلام قال في حجة الوداع :( اني تركت فيكم ما ان اعتصتم به فلن تضلوا ابدا : كتاب الله وسنتي )(25).
ثالثا : الاجماع:
فقد اجمع المسلمون من الصدر الاول الى اليوم على وجوب العمل باقوال النبي صلى الله عليه وسلم وافعاله وتقريراته في ساحة التشريع , ولم يفرقوا في الاتباع بين القرآن والسنة (26).
رابعا : المعقول:
القرآن قد وردت فيه احكام مجملة غير مبينة , فلولم تكن السنة قد بينت هذا الاجمال,لبقت هذه النصوص معطلة ،فالعقل السليم , ومنطق البحث المستقيم ،يحكمان بحجيّة السنة.
الفرع الثالث : تقسيمات السنة:
أ-من حيث كونها تشريع وغير تشريع :
ب-من حيث طريق وصولها الينا :
ج-من حيث الأحكام التي جادت بها :
أــ السنة من حيث كونها تشريعا وغير تشريع :
11-مالا يكون مصدرا للتشريع :
وهو ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره بشرا وانسانا , كالاكل والشرب والنوم او القيام والقعود.
2- ما يكون مصدرا للتشريع : العام او الخاص
فالتشريع العام : مايصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ،على وجه التبليغ
بصفة انه رسول , كأن يبين مجملا في الكتاب او يخصص عاما او يقيد مطلقا او يبين شأنا في العبادات او الحلال والحرام او العقائد والاخلاق وما الى ذلك.
والتشريع الخاص نوعان : خاص بالذات وخاص بالوصف.
فالخاص بالذات : افعاله عليه السلام او تصرفاته التي دل الدليل على انها من خصوصياته ,كزواجه باكثر من اربع , وكون زوجاته امهات المؤمنين لايحل لأحد ان يتزوجهن بعده , وغير ذلك (27).
والخاص بالوصف : مايصدر عنه عليه الصلاة والسلام بوصف الامامة والرياسة العامة.
ب- السنة :. من حيث طريق وصولها الينا:-
للعلماء في هذا الاعتبار طريقتان : طريقة الحنفية وطريقة الجمهور:
اولا : طريقة الحنفية :
قسم الحنفية السنة من حيث السند الى : متواترة ومشهورة , وآحاد
1-المتواترة : وهي ما رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع من الاصحاب
يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب , ثم رواها عن هذا الجمع جمع كذلك من التابعين ,ثم نقلها عنهم جمع من تابعي التابعين , وهكذا الى المنتهى
والتواتر نوعان : لفظي ومعنوي :
فالمتواتر اللفظي : هو ما اتفق جميع الرواة على روايته ومعناه ,
اما المتواتر المعنوي : هو ما اتفق عليه الرواة على معناه ولكنهم اختلفوا في لفظه.
2- السنة المشهورة :-
وهي ما رواها عدد من الاصحاب لم يبلغ حد التواتر ,ثم تواترت في عهد التابعين وتابعي التابعين.
3- السنة الآحادية :-
هي ما رواها عدد لم يبلغ حد التواترو الشهرة , ومعظم السنة من هذا النوع .
ثانيا : طريقة الجمهور :
تتنوع السنة عند الجمهور الى : متواتر , واحاد , والآحاد انواع ثلاثة :
مستفيض : وهو ما يرويه ثلاثة او اكثر ـ دون حد التواتر ــ في الطبقات الثلاث.
وعزيز : وهو ما يرويه اثنان فقط في كل طبقة من الطبقات الثلاث او في طبقة منها.
وغريب : وهو ما يرويه واحد في الطبقات الثلاث، او في طبقة منها (28) .
الفرع الرابع : العمل بخبر الآحاد:ذهب جمهور العلماء الى ان خبر الآحاد حجة يجب العمل به وان افاد الظن, متى توفرت فيه شروط الرواية من التكليف والعدالة والضبط والثقة(29).
ج- السنة من حيث الاحكام التي جاءت بها :-
إذا تتبع الباحث بهذا الاعتبار يجد ان ماجاءت به السنة من احكام وقارنها بما جاء بكتاب الله تعالى , يجد أنها ترد على اربع حالات :
الحالة الاولى : ان تكون موافقة لما جاء في الكتاب ومطابقة لما دل عليه من الأحكام كالأحكام المعلقة بالعبادات والجهاد،وغير ذلك .
الحالة الثانية : ان تكون شارحة للكتاب ومبينة لما جاء فيه،كتفسير وتوضيح السنة لما جاء مجملا في الكتاب كهيئة الصلاة واداء الحج ،فوضحت الستة أوقات الصلاة وأركانها وشروطها،وكذا بينت مناسك الحج ،أو التقييد ما جاء في الكتاب مطلقا ،كالقطع لليد في عقوبة السرقة ،فجاءت السنة فقيدنها باليمين،أو لتخصيص عام ورد في القرآن كتخصيص الإرث للوارث الذي ورد في الكتاب ،فهو عام للقاتل وغيره فخصصت السنة هذا العموم فجعلته لغير القاتل .
الحالة الثالثة : ان تكون السنة مستقلة باثبات حكم جديد،كتحريم زواج المرأة على عمتها أو خالتها،وكتحريم الرضاع قياسا على النسب، ولم يرد في القرآن الا تحريم الام والأخت من الرضاع،وكثبوت رجم المحصن ، وثبوت الحكم بالشاهد الواحد ويمين المدعي،وإعطاء الجدة السدس.
الحالة الرابعة : ان تكون ناسخة لحكم ثبت بالكتاب(30)كنسخ الوصية للوارث التي ثبتت في القرآن،كقوله عليه الصلاة والسلام((لاوصية لوارث))رواه أبو داود .
المطلب الثالث : الإجماع , وفيه خمسة فروع:
الفرع الأول : تعريفه :
الإجماع لغة : العزم والتصميم , وهو يتأتى من الواحد , وقد يتأتى من اكثر من واحد , فاذا وجد من الواحد يكون لمجرد العزم والتصميم على الامر ,ومن ذلك قوله عليه السلام :( لاصيام لمن لم يجمع الصيام من الليل)(31) , اي لمن يعزم عليه.
والاجماع في اصطلاح الأصوليين : فقد تفاوتت عبارات الاصوليين في معناه , واختلفوا في ذلك اختلافا تابعا للاختلاف في انواعه وشروطه.
والذي عليه الاكترون انه : اتفاق مجتهدي الامة , بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم , في عصر من العصور على حكم شرعي اجتهادي في واقعة من الوقائع(32) .
شرح التعريف:
(فالاتفاق )هو الاشتراك في الرأي بالقول او الفعل او بقول البعض او فعلهم مع سكوت البعض الآخر , ويخرج اتفاق العوام وحدهم , او اتفاق بعض المجتهدين وموافقة العوام لهم مع مخالفة بعض المجتهدين، لا يسمى إجماعا، لان الحق يحتمل في جانب دون جانب.
العدد المعتبر:
العدد المعتبر للإجماع ثلاثة فما فوق،اما رأي الواحد والاثنين فلا يسمى اجماعا،(بعد وفاة الرسول) يخرج به الاتفاق في حياته عليه الصلاة والسلام ,لان الرسول صلى الله عليه وسلم ان وافقهم ثبت الحكم بالسنة وان خالفهم سقط رأيهم ولا اعتبار بقولهم.
(في عصر من العصور ) أي في ايّ عصر من العصور على حكم، إذا اجمع المجتهدون في عصر مّا، صار إجماعهم حجة على من بعدهم ولا ينحصر على اجماع الصحابة على ما ذهب اليه الجمهور.
(على حكم شرعي ) يخرج به الاتفاق على حكم عقلي او حكم لغوي فلا يكون اجماعا شرعيا.
ويشترط ان يكون الحكم الشرعي اجتهاديا ليخرج به مالا مجال للاجتهاد فيه , كالاحكام الشرعية الثابتة بنص قطعي الثبوت والدلالة(33) .
الفرع الثاني : حجيته:
اتفقت كلمة الجمهور على ان المجتهدين اذا اتفقوا على حكم الواقعة المعروضة بابداء كل واحد مايدل على رأيه قولا او فعلا , صار الحكم الذي اجمعوا عليه ثابتا قطعا لا تجوز مخالفته .
والادلة على ذلك :
1- من الكتاب :
أ- قوله تعالى :( ومن يشاقق الله والرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا )(34) .
وجه الدلالة :
توعدت الآية بالعذاب لمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين , وسبيل المؤمنين هو ما اتفقوا عليه من الاحكام , فان اختلفوا في مسألة فسبيلهم احد اقوالهم , فما عدا ما اتفقوا عليه من الاحكام , وماعدا اقوالهم التي اختلفوا فيها فهو غير سبيلهم , واتباع غير سبيلهم منهي عنه , فيكون سبيلهم هو الحق الذي يجب اتباعه ,
مما يدل على ان الاجماع حجة.
ب-قوله تعالى :( وكذلك جعلناكم امة وسطا )(35).
وجه الدلالة :
الوسط العدل , واذا اخبر الله تعالى ان الامة عدل لم تجز عليها الضلالة , لانه لا عدالة مع الضلالة (36).
2- من السنة :
أ- قوله صلى الله عليه وسلم :( لا تجتمع امتي على ضلالة ) وفي رواية على خطأ .
ب- وحديث :( لم يكن الله ليجمع أمتي على ضلالة ).
ج- وحديث :( سألت الله ان لا تجتمع امتي على ضلالة فاعطانيه).
د- وحديث : ( يد الله مع الجماعة ).
ه- وحديث :( من فارق الجماعة فقد مات ميتة جاهلية )(37).
وجه الدلالة من هذه الاحاديث التي مر ذكرها :
تظافرت الروايات بالفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الامة من الخطأ .ويقول الخطيب البغدادي : ( انها احاديث تواترت من طريق المعنى )(38).
فاذا كانت الامة معصومة عن الخطأ فاتفاقها على الحكم يكون اجماعا تقوم به الحجة
الفرع الثالث : سند الحكم المجمع عليه.
لابد من نص من كتاب او سنه لسند الحكم المجمع عليه , واذا كان بدون سند لا اعتبار لذلك الاجماع , لانه قول في الرأي في دين الله , وهو امر غيرجائز .
ومن الامثلة التطبيقية على ذلك :
1- ثبوت تحريم الجدة بالاجماع المستند على قولـه تعالى : ( حرمت عليكم امهاتكم )(39).
الذي يعطيه مدلول النص ان المراد بالام الاصل , والجدة اصل كالام , وقد حصل الاجماع على التحريم .
2ـ ثبوت توريث الجدة بالاجماع المستند على ما رواه المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من اعطائها السدس .
3 ـ ثبوت تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها المستند على حديث ابي هريرة :( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها .......).
4ـ إجماع على منع بيع المطعوم قبل قبضه من البائع , المستند على قوله صلى الله عليه وسلم : ( من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه )(40).
الفرع الرابع : فائدة الاجماع(41) :
اذا قيل سند الاجماع كتاب او سنة فما فائدة الاجماع ؟ ولماذا لا ينسب الحكم الى النص لا الى الاجماع ؟.
الجواب :
1ـ دلالة النص على الحكم ظنيه , فاذا قام الاجماع على هذا النص صارت دلالته على هذا الحكم دلالة قطعية .
2ـ اذا حصل الاجماع على حكم يدل على نفي الدليل المخالف .
3ـ لايعد الحكم المجمع عليه محلا للاجتهاد .
4ـ سقوط البحث عن الدليل على الحكم الذي اجمع عليه .
5ـ حرمت مخالفة الحكم المجمع عليه.
6ـ صيانة النص المستند عليه الحكم المجمع عليه من الاجتهاد المؤدي الى الهوى في التشريع .
الفرع الخامس : هل ان الاجماع ممكن او غير ممكن ؟:
الإجماع في الصدر الاول وقع فهو ممكن , لان المجتهدين كانوا معروفين باسمائهم , وكان يرجع إليهم في الفتوى.
واما بعد العصر الاول فاذا كان الحكم يتصل بأسس الشريعة فهو ممكن , لان الامر في ذلك يهم كل فقيه , وولي الامر قادر على ذلك .
واما في المسائل الفرعية الجزئية مع كثرة المجتهدين , وانتشار العلماء في الاقطار فهو غير ممكن .
المطلب الرابع : القياس , وفيه فرعان:
الفرع الأول :- تعريفه واركانه
الفرع الثاني: أمثلة تطبيقية
الوقائع التي جاء بها نص من كتاب او سنه او تناولها اجماع فهذا جلي لا كلام فيه , فانه يحكم على الواقعة بذلك .
اما الوقائع التي تطرأ , ولا نص فيها , ولم يتناولها اجماع , فقد وضع الشرع سبيلا لمعرفة الحكم وهو اعمال الرأي والدليل على ذلك :
روى شعبة بسنده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ارسل معاذ بن جبل الى اليمن , قال له : ( كيف تصنع اذا عرض لك قضاء؟ , قال اقضي بما في كتاب الله , قال : فان لم يكن في كتاب الله ؟ قال : فبسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم ـ قال : فان لم يكن في سنة رسول الله ؟ ـ قال : اجتهد رأيي ولا آلو. قال معاذ : فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله الى ما يرضي رسول الله ـ )(42).
وجه الدلالة من هذا الحديث :
صحة الاجتهاد بالرأي , وجعلوه اصلا من اصول التشريع.
فإذا كان كذلك فعلينا بيان القياس الذي يعتبر مصدرا من مصادر التشريع في الرعين التاليين :( تعريفه و أركانه ـ أمثلة تطبيقية ).
الفرع الاول : تعريفه واركانه :
تعريفه : لغة : التقدير.
واصطلاحا :
رد الفرع الى الاصل , بعلة تجمعهما في الحكم .
اركانه:
1ـ الأصل: هو الواقعة المنصوص عليها.
2ـ الفرع : هو الواقعة التي لم ينص على حكمها ويراد إلحاقها بالأصل
3ـ الحكم : المراد به حكم الأصل ،من إباحة أو وجوب أو ندب أو تحريم أو كراهة.
4ـ العلة : هو الوصف الجامع بين الأصل والفرع.
الفرع الثاني : الامثلة التطبيقية :
1- قياس الارز على البر في الربا ـ لعلة الطعم .
2- قياس الضرب على التأفيف ـ لعلة الاذى .
3- ضمان العبد- اذا قتل فانه متردد بين القصاص لانه آدمي , وبين المالية , كالمتاع
فانه يؤخذحكم قياس الشبه, فيلحق بالاكثر شبها،فلا يجب القصاص لانه مال .
4-حرمان القاتل لمورثه ـ من الوصية ـ قياسا على الارث والعلة الجامعة بينهما : قصد القاتل ـ استعجال حصول المال قبل اوانه , وهو الموت ـ فرد عليه قصده , ويعامل بنقيضه فالاصل هو حرمان القاتل من الارث الثابت حكمه في الحديث : ( لايرث القاتل )(34). والفرع : هو حرمان الموصى له بالوصية .
حكم الاصل :
هو النص الذي اثبت الحكم في الواقعة المنصوص عليها .
العلة :
هي الوصف الجالب لحكم الاصل , في الواقعة التي لا نص فيها , لاشتراك الفرع مع الاصل في علة الحكم
5- حرمة تخاطب اثنين بلغة ومعهما ثالث لا يفهما قياساعلى التناجي بين الاثنين بحضرة ثالث : الثابت حكمه بنص الحديث (( لا يتناجى اثنان دون واحد )(44)) والعلة فيه: استهانه لمشاعر الاخرين ـ
فالاصل : حرمة التناجي بين الاثنين دون الثالث .
والفرع :هو حرمةالتحدث بلغةلايفهمها جليسهما.**********************************************
والحكم: هو النص الذي اثبت الحكم في الواقعة النصوص عليها.
والعلة : هي الوصف الجالب لحكم الاصل في الواقعة التي لانص فيها.
6- حرمة استئجار شيء سبقه اخوه لاستئجاره ،قياسا على حرمة بيعه وعلى حرمة خطبته على خطبة اخيه . الثابت بنص الحديث (لا يخطب الرجل على خطبة اخيه الا بأذنه)
والعلة فيه ،جلب العداوة والبغضاء.
فالاصل:حرمة بيع الاخ على اخيه وعلى خطبته ،التي ورد النص فيهما.
والفرع: حرمة استئجار الرجل على استئجاراخيه.ولم يرد فيها نص.
الحكم : النص الذي اثبت الحكم في الواقعة المنصوص عليها .
العلة : هي الوصف الجالب لحكم الاصل في الواقعة التي لم يرد فيها نص لاشتراكهما في العلة.
المبحث الثاني : الحكم وطرق استنباطه من النصوص الشرعية:
المطلب الاول : الحكم, وفيه ستة فروع:
وهذا المبحث يتطلب الكلام فيه على معرفة الحكم , واقسامه , وفعل الكلف , والمحكوم عليه , والحاكم الذي يشرع الاحكام .
وباختصار يكون الكلام على هذه المعاني في خمسة مطالب بحيث يعطي بعض التصور لفكرة الحكم الشرعي.
الفرع الاول:تعريفه :
في اللغة : المنع , يقال : حكمت السفيه اذا اخذت على يديه , ومنه سمي الحاكم حاكما لمنعه الظالم لظلمه (45).
وفي الاصطلاح : خطاب الشارع المتعلق بافعال المكلفين على وجه الاقتضاء او التخيير او الوضع(46) .
والمراد بافعال المكلفين ما يصدر عن الانسان ويدخل تحت تصرفه وقدرته
واما الخطاب الذي لا يتعلق بافعال المكلفين , كالمتعلق بذات الله وصفاته
مثل :(انني انا الله )(47).
ومثل: ( الله خالق كل شيء )(48).
وكذا الخطاب المتعلق بذوات المكلفين .
مثل (منها خلقناكم وفيها نعيدكم )(49).
فهذا وامثاله لايكون حكما شرعيا .
والمكلف : البالغ , العاقل الذي بلغته الدعوة.
والاقتضاء: معناه الطلب .
ويشمل الوجوب , والندب , والايجاب , والكراهة , والاباحة.
الفرع الثاني: الامثلة التطبيقية :
اولا : الوجوب : قوله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود)(50) حكم شرعي لانه طلب الشارع من المكلفين، الوفاء بالعقود على سبيل الحتم والالزام, وقد ثبت بهذا الخطاب وجوب الوفاء بالعقود .
ثانيا : الندب : مثل قوله تعالى ( يا ايها الذين امنوا اذا تدانيتم بدين الى اجل مسمى فاكتبوه )(51)، حكم شرعي لانه طلب الشارع من المكلفين كتابة الدين على سبيل الندب عند جمهور الفقهاء لقرينة , صرفته عن الوجوب .
ثالثا : التحريم : مثل قوله تعالى ( ولاتقربوا الزنا )(52) حكم شرعي , ثبتت به حرمة الزنا وطلب الترك على سبيل الالزام .
رابعا : الكراهة :
مثل قوله تعالى ( يا ايها الذين امنوا لاتسئلو عن اشياء تسئكم ) حكم شرعي ثبت به كراهة السؤال عند توقع الاساءة من السائل او الاخرين , وطلب الترك على سبيل الترجيح .
خامسا : الاباحة : وهي التسوية بين جانبي الفعل والترك من غير ترجيح
مثل قوله تعالى ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) والاباحة هي ليست من خطاب التكليف وانما وضعت في هذه القسمة تغليبا .
والوضع يشمل السبب , والشرط , والمانع .
1- السبب : هو جعل الشارع وجوده على وجود الحكم وعدمه على عدمه.
الامثلة التطبيقية:
أ - قطع اليد سببه السرقة .
ب- وجوب الصلاة على المكلف سببه دخول الوقت .
ج- القصاص سببه القتل العمد .
د- قصر الصلاة والفطر في رمضان سببهما السفر.
2- الشرط : ما يلزم من عدمه العدم , ولا يلزم من وجوده لا وجود ولاعدم لذاته.
الامثلة التطبيقية :
أ- وجود الولي والشاهدين شرط لصحة النكاح .
ب- الوضوء شرط لصحة الصلاة وسائر شروط صحة الصلاة .
ج- شروط صحة الزكاة .
د- شروط صحة الصيام .
هـ- شروط صحة المعاملات وهكذا .
3ـ المانع : وهو الذي يترتب على وجوده عدم الحكم.
الامثلة التطبيقية :
أ- الابوه مانعة من القصاص . فاذا قتل الوالد ولده عمدا, فتوفر شروط القتل العمد يثبت حكم القصاص, ولكن الابوة تحول بين ايقاع الحكم وهو القصاص بالقاتل وهو الاب , لانه سبب لوجود الابن , فلا يكون الابن سببا في عدمه.
ب- الدين المستغرق المال , مانع من وجوب الزكاة في مال المدين.
ج- الحيض والنفاس مانع من وجوب الصلاة .
د - المرض والانوثة ما نتعتان من لزوم صلاة الجمعة والجهاد.
هـ- الرخص التي جائت بها الشريعة والتي تبيح ترك العزيمة مثل الفطر في السفر وقصر الصلاة , ومسح الخفين , واكل المظطر للميتة .
الفرع الثالث : اقسام الحكم:
ينقسم الحكم الشرعي الى قسمين :
الاول : الحكم التكليفي .
الثاني : الحكم الوضعي .كما مر البيان في المطلب الاول
الفرع الرابع : المحكوم فيه :
والمراد بالمحكوم فيه : هو فعل المكلف المقدور عليه وغير المقدور عليه لا يتوجه اليه الخطاب الشرعي .
يقول تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر )(53) ,والمؤاخذة بما ليس في الوسع من العسر كالحب , والبغض.
التي لاطاقة للانسان فيها, لا يتعلق فيها الحكم ,فلا مؤاخذة مع العجز .
يقول تعالى ( لايكلف الله نفسا الا وسعها )(54).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم ان هذا قسمي في ما املك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا املك )(55).
وما ورد من نصوص تدل على المؤاخذة على افعال غير مقدور عليها .
مثل قوله تعالى ( ولا تموتن الا وانتم مسلمون).
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم ( تحابوا ولا تباغضوا).
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم ( لاتغضب ).
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم ( لاتمت وانت ظالم ).
فالمتأمل في هذه النصوص يرى انها تدخل في جانب من جوانب الفعل المقدور عليه .
فالامر بالمحبة , والنهي عن البغض , لايتوجهان الى الحب والبغض من حيث هي افعال وجدانية, وانما تتوجه الى الامور التي تجلب المحبة , وكذا النهي عن الدخول في الامور التي تسبب الغضب .
وهكذا كل نص انما يراد به الجانب المقدور عليه للانسان ,فالآية:( لاتموتن )نهي عن الموت المتصف بغير حسن الخاتمة لا يراد به ذلك ,انما هو متوجه على حياة الانسان الاختيارية ,اي لا يتعاطى الكفر واسبابه, والمعاصي التي تكون باسبابها سوء الخاتمة.
الفرع الخامس : المحكوم عليه :
الحكم الشرعي يتعلق بفعل الانسان فالانسان مناط التكليف , وهو الذي يتوجه اليه الخطاب لنعرف من هو الانسان الذي يتوجه اليه الخطاب ؟ الانسان العاقل .
فالعقل مناط التكليف , والعقل متصف به الانسان منذ الولادة, ويتدرج في نموه وهذا النمو والتكامل في الادراك غير منظبط , فجعل تمام العقل في الشخص الذي يوصف بكونه مكلفا هو البلوغ .
ويعرف البلوغ بشيئين:
الاول : ظهور اماراته الطبيعية الاحتلام او ظهور الحيض .
الثاني : اذا لم تظهر تلك الامارات فيعرف بالسن .
فبعظهم قدره بـ ( 18 سنة ).
وبعظهم قدره بـ (15 سنة) .
وهناك عوارض تمنع حكم الشرع عن المكلف :
1- النوم : فلا يعتد بأي تصرف , او التزام عن النائم ,لانه لا قصد له ولا ارادة .
2- الاغماء : هو مرض يصيب القوى المحركة للانسان , فهو كالنوم .
3- الجنون : انه يصيب القوى المميزة بين الحسن والقبيح .
الفرع السادس: الحاكم:
من خصائص الشريعة الاسلامية ان تشريعها سماوي يصدر الحكم فيها عن الله سبحانه تعالى .
وفقهاء الاصول عندما يطلقون مصادر للتشريع , انما يعنون بها المسالك التي تكشف حكم الله تعالى، وقد اجمع علماء المسلمين واتفقوا على ان الحـاكم هو الله سبحانه تعالى.
المطلب الثاني : طرق الاستنباط , وفيه فرعان :
هذا المطلب هو الاهم في باب اصول الفقه , ويعني الطريق الذي ينكشف للفقيه , استنباط الحكم من النص الشرعي .
وهذا المطلب ينظر فيه الى الفاظ النص ـ باعتبارات مختلفة :
الاول : تفسير النصوص - وذا ينقسم الى قسمين :واضح ومبهم .
الفرع الاول : انواع الواضح :
1- الظاهر: دلالة النص على معناه وظهر للسامع بنفس سماع النص , من غير تأمل , ولكن لم يقصد من النص ذلك المعنى, بل مقصود به معنى آخر , ويقبل التخصيص .
ومنه قوله تعالى ( الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بانهم قالوا انما البيع مثل الربا واحل الله البيع وحرم الربا )(56) .
مقصود هذا النص اصالة : هو التفرقة بين الربا والبيع وظاهر النص يفيد حل البيع وحرمة الربا، وحكمه وجوب العمل بمقتضاه.
2- النص : هو المفهوم من سياقه , ومراد به ذلك المعنى , ويقبل التخصيص .
مثل قوله تعالى ( والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء )، فهو نص على عدة المطلقة بالثلاث قرؤ، وحكمه وجوب العمل بمقتضاه .
فالآية عامة تشمل المدخول بها وغير المدخول بها , فجاء دليل آخر اخرج غير المدخول بها من هذا الحكم .
3- المفسر: هو المعنى المفهوم من النص بدون تأمل , والنص مساق له , ولا يقبل التخصيص , ولكن يحتمل النسخ في زمن التنزيل .
مثل قوله تعالى ( ودية مسلمة الى اهله )(57).
فجآءت السنة النبوية ببيان مقدار دية الخطأ وما يتعلق بها .
وكل الصيغ التي جآءت مجملة , ثم جاءالتفسير من الشارع من كتاب او سنة ـ مثل الصلاة ـ والزكاة ـ والحج .
4- المحكم : وهو ما يدل على معناه دلالة واضحة , ولا يقبل تخصيصا وغير قابل للنسخ، وحكمه وجوب العمل به , وهو اقوى دلالة من الظاهر والنص والمفسر .
الفرع الثاني : انواع المبهم:
1- الخفي : هو ما خفي المراد من االنص لعارض يعرض ؛ لا من النص ؛ مثل ذلك السارق في قوله تعالى :( والسارق والسرقة فقطوا ايديهما )(58).
والسارق : ما اخذ المال المنقول المملوك للغيرخفية .
فهل ينطبق على النشال الذي ياخذ المال بخفة اليد , لان السارق يسرق الاعين النائمة والنشال يسرق الاعين اليقضة , فلذا ينطبق عليه حكم السارق فتقطع يده .
ومثل ذلك ايضا ,القتل يمنع من الارث , وهل يشمل الخطا – فيه بعض الخفاء – راى الشافعية يندرج في منع كل انواع القتل.
وحكمه ؛: وجوب الدراسة والتامل لازالة الخفاء .
2- المشكل : هو ما خفى المراد منه – وسبب الخفاء بذات اللفظ ولا يزول الاشكال الا بقرينة مثل : القرؤ – هل المراد به الحيض او الطهر - فرجع الفقهاء الى تفسير القرؤ بالقرائن المصاحبة لهذا اللفظ .
وحكمه وجوب البحث عن القرائن لتفسير النص.
3- المجمل : هو الذي لا يفهم معنـاه الا بالرجوع الى نفسيره من الشارع لازالة خفاءه .
مثل : الصلاة والصيام .
حكمه : التوقف حتى ياتي المعنى والبيان من الشارع .
4- المتشابه : الذي لا يفهم المعنى المراد من النص , ولا جاء تفسير من الشارع لذالك .
مثل : ايات الصفات , والحروف المتقطعة في اؤائل السور .
وهذا القسم لادخل له في علم اصول الفقه .
الامرالثاني :ينظرفي دلالة الفاظ النص الى رتبة المعنى ومنزلته المفهوم من اللفظ , والتي تؤدي الى ترجيح بعض النصوص على بعض ,ويشتمل على الامور التالية:
أ- عبارة النص :
هو اللفظ الذي يدل على المعنى المسوق له اصالة او تبعا , بلا تامل،مثل
:( وان خفتم ان لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع , وان خفتم ان لا تعدلوا فواحدة )(59).
ان هذه الاية تدل على ثلاثة احكام :
أ- اباحة النكاح .
ب- اباحة التعدد في حدود الوارد في النص .
ج- وجوب الاقتصار على الواحده لخوف الجور والظلم .
فالمعنى الاول مسوق تبعا للحكم الثاني والثالث .
والمعنى الثاني , والثالث ,مسوق اصالة كما علم ذلك من سبب النزول .
وسبب النزول كان الناس يجدون حرجا في اموال اليتامى خوفا من الجور فيها , ولا يتحرجون في العدل بين النساء , قيل كما خفتم في الظلم في اليتامى فخافوا في ظلم النساء , وانكحوا منهن الى الاربع ؟, وان خفتهم الا تعدلوا في الزيادة فلا تنكحوا الا واحدة , فحكم الاباحة مقصود تبعا لبيان حكم العدد للنساء وحكم الاقتصار على الواحدة عند الجور .
ب ـ اشارة النص :-
دلالة اللفظ على معنى غير مقصود من النص لا اصالة ولا تبعا , ولكن لازم له .
مثل : قوله تعالى ( والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف )(60).
هذا النص سيق لايجاب نفقة الوالدات على الاب الذي ولد له , وفيه اشارة الى ان نسب الولد لابيه وفهم هذا من حرف اللام له فهي للاختصاص ,اي يرجع النسب الى ابيه , وهذا الحكم غير مقصود من سوق الاية ولكنه فهم بالاشارة(61) .
ج- دلالة النص :- وهي القياس.
هي دلالة النص على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه لاشراكهما في العلة،مثل : قوله تعالى ( ولا تقل لهما اف )(62) . فالدلالة على تحريم التافف والضجر , ويدل النص بدلالته على حرمة الضرب لاشتراكهما في العلة .
ومثل : قوله تعالى ( ان الذين ياكلون اموال اليتامى ظلما انما ياكولن في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا )(63).
عبارة النص تدل على تحريم اكل مال اليتيم , ودلالته النصية تدل على تحريم اتلاف مال اليتيم .
د- دلالة الاقتضاء.:
هي صيغة النص تحتاج الى مقدر تتوقف عليه استقامة معنى النص .
مثل : ( حرمت عليكم الميتة )(64) اي حرم اكلها او الانتفاع بها .
ومثل ( حرمت عليكم امهاتكم )(65) اي حرم نكاحها .
ومثل ( رفع الفعل عن امتي الخطا والنسيان وما استكرهوا عليه )(66). عبارة النص تدل على رفع الفعل , وهذا غير صحيح ,لان الحدث لا يرتفع , وصحة النص تقتضي تقدير كلمة
[ حكم او اثم ] .
الامرالثالث : النظر في ما تشتمل عليه النصوص من افراد , وهذا يندرج فيه :
أ- الخاص : هو ما وضع لشيء واحد لا يحتمل غيره , سواء كان شخصا او جنسا , واسماء الاعداد .
التطبيق :
1ـ قوله تعالى : ( وقضى ربك الاتعبدوا الا اياه )(67) , نص خاص لا يدل على غير دلالته , هي عبادة الله تعالى وحده .
2ـ قوله تعالى في كفارة اليمين :( فصيام ثلاثة ايام )(68) .
نص خاص على هذه الايام دون زيادة اونقصان في كفارة اليمين .
حكم الخاص :
يتناول مدلوله , ويدل عليه دلاله قطعية .
ب- العام : اللفظ الذي وضع لكثيرين غير محصورين على سبيل الاستغراق .
صيغ العموم:ـ الجمع المستغرق بـ ال : مثل قوله تعالى :( والوالدات يرضعـن اولادهن)(69)
فأل التي دخلت على الوالدات تفيد الاستغراق , وتكون شاملة لكل الامها ت .
2ـ الجمع المعرف بالاضافة , مثل قوله تعالى (يوصيكم الله في اولادكم )(70).
فاولادكم جمع مضاف يفيد العموم لجميع الاولاد.
3ـ النكرة في سياق الشرط , مثل قوله تعالى :( ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)(71).
4ـ النكرة في سياق النفي , مثل قوله تعالى :( لايسخر قوم من قوم )(72).
5ـ اسماء الشرط , مثل :( فمن شهد منكم الشهر فليصمه )(73).
6ـ الاسماء الموصولة , مثل :( واحل الله لكم ما وراء ذلكم )(74).
7ـ كل وجميع .
حكم العام : دلالة العام على افراده حجة مالم يقم دليل مخصص له.
ج- المشترك : هولفظ موضوع لكل واحد من معنيين او اكثر .
مثل : ( القرؤ ) يطلق على الحيض والطهر , وقد وضع لكل منهما وضعا مستقلا .
ومثل : ( المولى ) يطلق على السيد والعبد , وقد وضع لكل منهما وضع مستقل .
حكم المشترك : اذا دل اللفظ على المعنى المراد من خلال الرجوع الى ما يميز المشترك بعضه من بعض فهوحجة على ذلك، واذا خفي المعنى وانعدمت القرينة الدالة على المعنى المراد , ولم يكن هناك عرف خاص يعين واحدا من المعنيين , يتوقف المجتهد ويبحث في القرينة , فان لم تظهر له , فقد ذهب بعض العلماء الى ان المشترك يعمل في كل معانيه , وذهب البعض الاخر لا يعمل بكلها .
التطبيق:
1- ( ان الله وملائكته يصلون على النبي)(75) .
فالصلاة لفظ مشترك بين المغفرة والاستغفار , وقد استعملت دفعة واحدة .
ومعلوم ان الصلاة من الله مغفرة , والصلاة من الملائكة استغفار .
3- ( الم تر ان الله يسجد له من في السماوات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وكثير من الناس )(76).
السجود له معنيان :
1- وضع الجبهة على الارض .
2- الخضوع , لان السجود من الناس غير السجود الذي نسب الى غيرهم مع ان الآية
نسبت للجميع سجودا .
الامرالرابع : النظر في صفة اللفظ من حيث الاطلاق والتقييد .
أ- المطلق : لفظ يدل على فرد شائع في جنسه ،بدون قيد يقلل من هذا الشيوع .
التطبيق :
1. في كفارة الظهار :
( فتحرير رقبة من قبل ان يتماسا )(77).
رقبة لفظ مطلق غير مقيد بصفة .
حكم المطلق -: اذا ورد اللفظ مطلقا عمل به على اطلاقه مالم يقم دليل على تقييده .
مثل: حكم المريض والمسافر في رمضان . كقوله تعالى : ( من كان منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر ).
فلفظ (ايام ) مطلقه عن القيد كالتتابع وغيره , فيعمل بهذا المطلق على اطلاقه ,
واذا قامت قرينة على تقييده يعمل بتلك القرينة .
مثل : الوصية في قوله تعالى :( من بعد وصية يوصي بها او دين ).
مطلقة عن قيد البيان فجاءت السنة مقيدة للوصية بالثلث , كما في حديث سيدنا سعد بن ابي وقاص .
ب- المقيد :
هو اللفظ الخاص الدال على ماهية مقيدة يقلل من شيوع المراد في جنسه
التطبيق :
1-كفـارة قتل الخطأ : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) , فلفظ الرقبة قيدت بالايمان .
2-مثل : ( قل لا اجد فيما اوحي الي محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة او دما مسفوحا)(78)
فالدم , هنا جاء مقيدا لكونه مسفوحا .
حكم المقيد :
يعمل بالنص مقيدا , ولا يصح ان يهمل القيد .
حمل المطلق على المقيد:
اذا جاء اللفظ مطلقا في نص ومقيد في نص آخر , هل يعمل بكل منهما على حاله او يحمل المطلق على المقيد ؟
ويتبين على التفصيل التالي :
1- ان اتحد الحكم والسبب , يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق .
التطبيق :
مثل : ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير الله).( لا اجد فيما اوحيي الي محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة او دم مسفوحا ).
فالحكم واحد وهو الحرمة .
والسبب واحد وهو الاذى من تناول الدم , في النصيين .
جاء لفظ الدم مطلقا في احد النصيين ومقيد في الاخر , فيحمل المطلق على المقيد, فيكون المحرم الدم المسفوح , لا الدم مطلقا .
2- ان يكون الحكم في النصين مختلفا , والسبب الذي بني عليه الحكم مختلفا او متحدا , لا يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق .
التطبيق :
مثل : حد السرقة , في قوله تعالى : ( فاقطعوا ايديهما ) .
وفي آية الوضوء , في قوله تعالى :( فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى
المرافق ).
فالحكم مختلف وهو القطع في السرقة , والغسل في الوضوء ,
فلا تقطع اليد في السرقة من المرفق بل من الكف فقط , لانه هو اليد في اللغة .
ومثل : آية الوضوء والتيمم حددت آية الوضوء الغسل الى المرفقين فهي مقيدة، وآية
التيمم , لفظ الكف مطلقا لم تحدد في التيمم , ولذا يمسح في التيمم الكف فقط ,
ومن رأى ان المسح الى المرفقين جاء من دليل آخر، ولم يثبت هذا الدليل عند من اقتصر المسح على الكف.
3- ان يتحد المطلق والمقيد في الحكم ويختلفا في السبب .
في هذه الحالة دار خلاف بين الاصوليين ذهب جمهورهم الى حمل المطلق
على المقيد, وذهب الحنفية الى عدمه .
التطبيق :
الرقبة في كفارة الظهار والرقبة في كفارة القتل .
فالحكم هنا : متحد وهوا العتق في الكفارتيين
والسبب : مختلف وهو سبب العتق في الظهار الظهار نفسه , وفي القتل الخطا القتل الخطا.
فالجمهور قالوا : بكفارة الظهار رقبة مؤمنة , حملا للمطلق على المقيد،والحنفية قالوا : يعمل بكل نص على حاله .
الامرالخامس: النظر فيما تستعمل فيه الالفاظ في المعاني , وهو الحقيقة والمجاز..
أ- الحقيقة :-
هي وضع اللفظ فيما وضع له , في اصطلاح التخاطب .
التطبيق:
قوله تعالى : ( ولاتقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق )(79).
يفيد النص حقيقة في حرمة قتل النفس بغير الحق , من دون ارادة معنا آخر.
حكم الحقيقة :
ثبوت الحكم في المعنى الذي وضع له اللفظ ,امرا كان او نهيا , خاصا كان او عاما .
ب- المجاز :
هو وضع اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له , لعلاقة مخصوصة .
التطبيق :
قوله تعالى : ( او جاء احد منكم من الغائط )(80) .
فيراد من الغائط الحدث الاصغر دون المعنى الحقيقي , وهو المكان المنخفض .
حكم المجاز :
ثبوت الحكم في المعنى فيما استعمل فيه اللفظ .
المبحث الثالث: صيغ التكليف , وفيه مطلبان :
الالفاظ التي استعملتها النصوص الشرعية , والتي تدل على التكليف , هي : الامر , والنهي .
المطلب الاول : الامر : هو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجود – الا اذا دلت قرينة تصرفه عن الوجوب .
صيغ الامر :
- افعل : وهي الاساس في هذا الباب , وجاء كثير من النصوص بهذا اللفظ .
- الفعل المضارع المقترن بلام الامر، مثل ( وليطوفوا بالبيت العتيق ).
- وكذا بدون اللام – مثل ( ان الله يامـركم ان تـؤدو الا مـانـات الى اهلها ).
- جملة خبرية , مثل ( والمطلقات يتربصن بافنسهن ثلاثة قروء ) .
فليس المراد الاخبار بالتربص , بل المقصود الامر بالتربص .
- لفظ كتب – قوله تعالى : ( كتب عليكم الصيام ) .
مسائل تتعلق بالامر :
1- لا يقتضى التكرار , الا اذا دل دليل على ارادة التكرار , كالامر بالصلاة .
2- الامر لايقتضى الفور , لان الغرض ايجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان الا اذا دل الدليل على ارادته .
3- الامر بالفعل يقتضى مستلزماته مع الفعل , كالامر بالصلاة امر بالوضوء , وبكل ما تصح به الصلاة.
4- الذي يدخل في خطاب الامر كل المؤمنين , الرجال والنساء , ويستثنى الساهي والصبي والمجنون , ويؤمر الساهي بما فاته من تكليف ترتب عليه بعد ذهاب السهو.
5- الامر بالشيء نهي عن ضده , كما ان النهي عن الشيء امر بضده
المطلب الثاني : النهي:
فهو طلب الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الحتم والالزام , اذا كانت قرينة تصريفه عن ذالك .
ودلالة النهي المطلق على فساد المنهي عنه في العبادات , كصوم الحائض , وصوم يوم النحر ., والصلاة في الاوقات المكروهة .
وكذا الفساد كبيع الحصاه , وبيع الملاقيح .
صيغ النهي:
- لا تفعل : لا الناهية الداخلة على الفعل المضارع .
- ما دة النهي : ( وينهى عن الفحشاء والمنكر)(81).
- مادة التحريم: ( حرمت عليكم امهاتكم ).
- نفي الحل : ( ولا يحل لكم ان تاخذوا مما اتيتموهن شيئا ).
المبحث الرابع: التعارض وطرق دفعه:
يقصد بالتعارض عند الاصوليين التمانع بين الادلة الشرعية بحيث يقتضي احدهما عدم مايقتضيه الآخر , فاذا ظهر لفقيه تعارض بين دليلين قطعيين ثبوتا ودلالة , ولا يندفع هذا التعارض فعليه ان يجمع بين الدليلين المتعارضين .
التطبيقات:
أ- قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تـنتفع من الميتة بإيهاب ولا عصب)، وقوله صلى الله عليه وسلم( ايما ايهاب قد دبغ فقد طهر) والحديثان قد اخرجهما الخمسة، وقد جمع الجمهور بين الحديثين بأن الاول محمول على غير المدبوغ .
ب- حديث ( خير الشهود الذي يشهد قبل ان يستشهد ) .
وحديث ( شر الشهود الذي يشهد قبل ان يستشهد ) .
فحمل الاول : على من كان عالما بالشهادة
وحمل الثاني : على من لم يكن له علم بها .
واذا لم يمكن الجمع , فان علم التاريخ , عمل بالمتاخر , وان المتقدم منسوخ .
ج - ( والذين يتوفون منكم ويذرون ازوجا وصية لازواجهم متا عا الى الحول )
( يتربصن بانفسهن اربعة اشهر وعشرا ) ..
الاولى- متقدمة
والثانية – متاخرة –فالثانية نسخت حكم الاولى .
د- ( وان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ماتيين ).
( فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ما ئتيين ).
فالحكم الثابت بالاية الاولى نسخ – بالحكم الثابت بالاية الثانية , لانها متاخرة عن الاولى وهكذا .
وان كان احد الدليلين عاما , والاخر خاصا، عمل المجتهد على تخصيص العام .
هـ- حديث ( فيما سقت السماء العشر ).
حديث ( ليس فيما دون خمسة اوست صدقة ).
فالحديث الاول عام في القليل والكثير .
والثاني - خاص في الخمسة اوسق فاكثر زكاة.
فالاول . يخص بالثاني – فتكون الزكاة واجبة في الزروع اذا بلغ النصاب خمسة اوسق، واذا لم يعلم التاريخ , ولم يكن بينهما عموم وخصوص يتوقف العمل بهما , حتى يظهر المرجح .
واذا تعارض الدليلان وكان لاحدهما ما يرجحه عمل به .
والمرجحات تقسم الى اقسام .
القسم الاول – فيما يتعلق في مجال الرواي .
ويتبين مما ياتي :
1. الخبر الذي كثرت رواته على الخبر الذي قلت رواته، فاحتمال الغلط في الاقل ابعد ولهذا يؤخذ برواية الاكثر .
2. يرجح الخبر الذي يرويه الفقيه على الذي يرويه العامي , لمعرفة الفقيه للمعنى وللمدلول .
3. يرجح الثقة على غيره .
4. يرجح من كثر معدلوه .
5. يرجح من زكاه ومن كثر بحثهم عن احوال الرجال على من زكاه من قل بحثهم في ذلك .
6. يرجح خبر من دام عقله سليما على من اختلط في اخر عمره .
7. يرجح خبر من اشتهر بين الناس على من قلت شهرته .
8. يرجح خبر من لم يلتبس اسمه باسم غيره من الضعفاء على من التبس اسمه .
9. يرجح معلوم النسب على خبر مجهوله .
القسم الثاني : الترجيح بوقت الرواية .
ترجح رواية من يروي زمن البلوغ على من يروي في زمن الصبا والبلوغ . لان روايته للحديث المعارض محتمل هو من روايته في حالة الصبا , وهذا مختلف فيها بين المدثين، ورواية البالغ متفق عليها اذا استجمعت الشروط .
القسم الثالث : الترجيح بكيفية الرواية , ويعلم مما ياتي
1. يرجح الخبر المتفق على رفعه , على الخبر المختلف في رفعه ووقفه
2. يرجح الخبر الذي لم ينكره من روى عنه على الخبر الذي انكره من روى عنه مثل ذلك:- روى ثقة عن شخص ثقة فلما عرض عليه قال لا اعرفه لنسيانه.
القسم الثالث : الترجيح بواسطة الحكم ويتضح ذلك بامور :-
1. الخبر المبقي للبراءة الاصلية على الخبر الرافع لها .
التطبيق:
1. حديث ( من مس ذكره فليتوضا )
2. حديث ( ان هو الا بضعة منك )
فالاول – يقتضي نقض الوضوء وهو رافع للبراءة الاصلية .
والثاني – مقتضاه عدم النقض .
فقدم الثاني عند الحنفية ومن وافقهم على هذا الترجيح .
و الشافعية يقدم الترجيح الرافع لها .
3. يقدم الخبر النافي للحد على الخبرالمثبت له .
التطبيق:
1.حديث(لاضرولاضرار في الاسلام )
2.حديث ( ادرؤو الحدود بالشبهات )
التطبيق:
حد الزنا ثابت بنص القران , اذا حصل , وتوفرت شروطه, فالنص يوجب ايقاع الحد .فاذا حصلت شبهة , كان ظنها زوجته.
فالحديثان ينفيان الحد.
لان الحديث الاول : يدل على ان الحد ضرر , والضرر منفي والحديث الثاني ينفي الحد لوجود الشبهة ولذا يقدم النافي على المثبت.
4. يترجح الخبر الذي عمل به اكثر السلف من التابعيين او تابع التابعين على الخبر المخالف .
وبعضهم لا يرى هذا الترجيح بهذا الامر الا اذا كان احدهما موافقا لعمل بعض الصحابة , فيقدم هذا الخبر المخالف وهناك مرجحات اخرى كثيرة عدلت عنها تجنبا للاسهباب.
ربنا لاتزغ قلوبنابعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب،واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم