المحبة والإتباع
قال السيد النبهان رضي الله عنه:
اعلم أن الحب لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين هو الغاية القصوى والذرّوة العليا من المقامات والدرجات، فما بعد إدراك المحبة مقام إلاّ وهو ثمرة من ثمارها وتابع من توابعها، ولا قبل المحبة مقام إلاّ هو مقدّمة من مقدماتها، وقد ورد في الكتاب والسنّة وإجماع الأمة أن الحب لله ولرسوله فرض وكيف يفرض ما لا وجود له؟
ويدلّ على إثبات الحب لله تعالى قوله تعالى : { يحبهم ويحبّونه } [المائدة 57 ]، وقوله تعالى : { والذين آمنوا أشد حباً لله } [ البقرة 165 ] .
وقوله تعالى : { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } [التوبة 24 ] .
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحب شرطاً في الإيمان حين سأله الصحابي فقال : يا رسول الله ما الإيمان؟
قال عليه الصلاة والسلام : أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما (1)، وقال أيضاً :
لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما (2)، وقال أيضاً : لا يؤمن العبد حتى أكون أحبَّ إليه من أهله ونفسه وماله والناس أجمعين (3) .
وقال أيضاً : أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم، وأحبّوني لحب الله إياي (4) .
وجاء في دعائه صلى الله عليه وسلم : اللهمّ ارزقني حبك، واجعل حبك أحبَّ إليّ من الماء البارد (5) .
وقال أيضاً : المرء مع من أحب (6) .
جاء قساوسة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا له: أأنت تحبّ الله فقط؟ كلنا نحبه! فأنـزل الله سبحانه وتعالى الآية { قُلْ إِن كُنتُمْ تحبّون اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [آل عمران 31] فانهزموا وهربوا!
والّذي يدّعي المحبة الآن عليه أن يتّبع الرسول صلى الله عليه وسلم وأول علامة للاتباع :
أن يقدّم حبه للرسول صلى الله عليه وسلم على حب أمه وأبيه وزوجته وماله والناس أجمعين، هذا هو التابع الحقيقي، ويغلب عليه الحياء والأدب دائماً، ثمّ العلامة العظمى :
أن تأتيه نتيجة الاتباع العلوم والفهوم ولو كان أميّاً، وليس من شروطها أن يكون عالماً أو يقرأ ويكتب، سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم كان أميّاً، دعنا من العلم الظاهري وإنما العلم الثاني : علم التقوى { وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ } [البقرة 282] وهذا المحب دائماً بالتقوى أي دائماً بالمحاسبة، التقوى هي المحاسبة، يأتمر بما أمره الله وينتهي عمّا نهاه الله، دائماً بالرقي الدائم لكنه مبتلى، الابتلاءات هي التي تطهرّ الإنسان، وزيادة الإيمان لا تأتي بالأعمال فقط لا تكون إلاّ بالابتلاءات، الابتلاء للترقية وللتعريف بالنفس يشهدكم أنّكم عبيد عاجزون فقراء ضعفاء، حتى يرقيكم إذا صبرتم أو رضيتم، لا يوجد حاكم في الوجود غير الله { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا } [الإنسان 24 ] والدنيا دار ابتلاء من أولها إلى آخرها، إذا أحب الله عبداً طهره بالابتلاءات، وهذه سيّدتنا عائشة ابتلاها بالإفك.
* * * * * * * * * * * * * *
(1) : صحيح البخاري برقم (16) 1/ 14.
(2) :مسند أحمد برقم (13174) 3/207.
(3) : صحيح مسلم برقم (44) 1/ 67.
(4) : المستدرك على الصحيحين: 3/ 162. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(5) : أخرجه الترمذي برقم (3490) 5/522.بلفظ مقارب قال أبو عيسى هذا حديث حسن.
(6) صحيح مسلم برقم (2640) 4/ 2034.
هذه من الأشرطة المفرغة التي كتبت في كتاب السيد النبهان تأليف الشيخ هشام الألوسي