آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    طلب العلم والسلوك   في طريق أهل الله
البحث عن المربي والشيخ أبو النصر



مرات القراءة:4055    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

اتجهت أبصار الشيخ النبهان خارج نطاق مدرسته الخسروية وبعيداً عن أساتذته ، إنهم في المدرسة يدرسونه علوم الدنيا ، وهو يريد أن يعرف علوم الآخرة ، العلوم التي توصله إلى ربه ، لكي يتحقق بعبديته لله تعالى ، وبدأت رحلة البحث عن الشيخ المربي الذي يأخذ بيده ، ويرتقي به في معارج السلوك إلى مرتبة المعرفة .

البحث عن الشيخ المربي :

اشتهرت مدينة حمص بجمال طبيعتها ونقاء هو ائها ، وصفاء فطرة أهلها ، وما زالت حتى اليوم محتفظة بخصوصياتها الإنسانية ، ويخترقها نهر العاصي الذي يضفي على أهلها تلك الجمالية المحببة إلى النفس في التربية والتوجيه والمزاج الهادىء، والطبيعة المعتدلة .  ويتوسطها جامع خالد بن الوليد الصحابي الجليل الذي قاد جيوش الفتح بعبقرية فريدة وحقق بهم أعظم الانتصارات ، وبفضل بركته على هذه المدينة التي تقع في وسط سوريا كثر الصالحون فيها وامتد عطاؤهم إلى المناطق الشمالية في مجال التربية الروحية .

واشتهر الشيخ سليم خلف الحمصي بالولاية والصلاح والورع وترأس الطريقة النقشبندية عن جدارة ، ولما توفي خلفه في مشيخة الطريقة ابنه الشيخ أبو النصر بن سليم خلف ، وكانت له زاوية مشهورة في حمص واشتهر أمره في مدينة حلب وفي المناطق الريفية التابعة لها ، وكان صاحب سر مشهود به .

التقى الشيخ محمد وهو المتعطش إلى سلوك طريق القوم بالشيخ الوافد من حمص ، فانجذب إليه وتعلق به وأحبه ووجد فيه المربي الذي يبحث عنه ، وقربه الشيخ منه وبادله الحب بعد أن وجد في سلوكه الصدق في الطلب .  ازداد تعلق الشيخ محمد بشيخه أبي النصر ، ولازم مجالسه ، وتمسك بصحبته ، وأعطى هذه الصحبة حقها من الأدب مع الشيخ والتخلق بأخلاق الصوفية الحقة ، والالتزام بآداب السلوك ، وأول خطوة في ذلك أن يعرف السالك حقيقة المقامات والأحوال وطبيعة المو اجيد والواردات ، والالتزام بالشريعة والابتعاد عن الشطحات المعبرة عن ضعف السالك وعدم التحكم في مواجيده .

والتصوف تربية خاصة وتقوم على أساس الأحوال ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال ، ولا يتم تصحيح العمل إلا بالتوبة وهي أول مقامات السالكين ، والتوبة هي الرجوع عما هو مذموم من الأعمال إلى ما هو محمود منها  ولكي تتحقق التوبة فلابد من علم سابق يورث حالاً ، والأعمال مواريث الأحوال ، فمن لا حال له فلا يثمر علمه استقامة في السلوك ،

‏والأحوال مواهب تأتي سريعة كالبروق ثم تغيب مخلفة وراءها ذلك الأثر الذي يعقبه العمل  وهو الثمرة المرجوة .  فإذا أحسن السالك التوبة بعد محاسبة نفسه ومراقبتها فلابد له من مقام العبد وهو مقام هام من مقامات السالكين وقد تحدث القرآن الكريم عن مقام الصبر  ومدح الصابرين بأنهم يوفون أجورهم بغير حساب ، ولابد من مقام الصبر من حال يهيئ السالك للصبر على ترك الشهوات والملذات ، وذلك بتقوية وتغذية القوة العاقلة على القوة الغريزية في حالتي الشهوة والغضب ، ولابد من تنمية الباعث الديني في مواجهة الباعث الغريزي ، فإذا قويت بواعث الدين تراجعت بواعث الشهوات ، وتحقق الالتزام بأحكام الشرع وما يدعو إليه من القيام بالطاعات وترك ما يدعو إليه الهوى من المنكرات .

لم يتوقف الشيخ محمد عن حدود الذكر المعتاد في الطريقة كما تقضى بذلك تقاليد الطرق وانما بدأت مجالسه ومذاكراته مع إخوانه تحظى بقدر واسع من الاهتمام وأصبحت دروسه في المعرفة والتربية والمجاهدة والسلوك والمقامات والأحوال تعطي لمجالس الطريقة وأذكارها حياة معرفية جديدة .

ولما بلغ رضي الله عنه خمس عشـرة سنة وفد إلى حمص سنة 1915م الشريف حسين وولده فيصل الأول

ويتحدث رضي الله عنه عن حالته مع شيخه أبي النصر ويقول:  (كنت أدخل الدرس وأخرج لا أتكلّم مع أحد أبداً، فيقول لي أصحابي: بالله يا شيخ محمّد البيت الّذي كنا فيه مع الشيخ كيف سقفه؟! لا أنظر إلى سقف ولا يميناً ولا شمالاً.. وأطبــّق أكثر مما يقول الشيخ! التطبيــق الأتمّ والأكمل، وكنت أعرف مراد الشيخ، فالذي يبغضه أبغضه، والذي يحبه أحبه، أعرفه فطريـاً وبدون تكلف) .

وأدرك الشيخ مكانة تلميذه وانجذب إليه وتوجه له توجُّه سيّدنا يعقوب إلى سيّدنا يوسف عليهما السلام، وأحبّه محبّة أثارت غيرة شديدة وحسداً لدى جماعة من رفاقه في الطريق، فأطلقوا عليــه اسم " ابن الجديدة " (الابن المدلل للزوجة الأخيرة) قال رضي الله عنه : (حتى صاروا يقولون: جاء ابن الجديدة!  سمّوني: ابن الجديدة!  قلت لأحدهم: لماذا تسمّوني ابن الجديدة؟ قال: لأنّك عندما تأتي الشيخ لا يعرف غيرك!! قلت له: أكان الشيخ مخطئاً أم مصيباً؟ قال: والله مصيب)!!. .

وأضاف رضي الله عنه :( كنا أربعة أو خمسة في حمص عند شيخنا الّذي يربينا رحمه الله تعالى، والشيخ يحبني كثيراً، وأثناء رواحنا من ختم إلى ختم بين الفجر والشمس إذا بكلب يأتي إليّ ويعضُّني إلاّ أنّه لم يصب لحمي! فقال واحد حسود: انظر للكلب ما عرف غيرك! فأجابه شيخنا رحمه الله وأنا أسمع : إنّ هذا الكلب ليس من حيّنا، بل أجنبي غريب، جاء خاصةً ليتبارك به!  ولم يجد أهلاً للتبرك به غيره)!!! .

 

انتهى من كتاب السيد النبهان للشيخ هشام الألوسي وكتاب الشيخ محمد النبهان للدكتور محمد فاروق النبهان ( بتصرف)