آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    طلب العلم والسلوك   في طريق أهل الله
الترقي في مراتب السلوك



مرات القراءة:2953    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

الترقي في مراتب السلوك :

أول ما يجب على المريد أن يلتزم به في سلوكه أن يرعى حق الله تعالى في قلبه ، وأول خطوة في هذه الرعاية أن يتحكم في جوارحه فلا يسمح لها بأن تتمرد على ما يجب أن تلتزم به من حقوق الله وتتمثل حقوق الله في أمور ثلاثة :

‏الإيمان بالله وهذا يتطلب تصحيح العقيدة من كل السلوكيات والمعتقدات الفاسدة المتمثلة في الخضوع لغير الله ، فالله تعالى هو الخالق الذي يستحق العبادة ، ولا عبادة لغير الله وأول ما يجب على المريد السالك أن يعرفه كما يقول الإمام المحاسبي أن يعلم العبد أنه عبد مربوب ولا نجاة له إلا بتقوى سيده ‏جل وعز ومولاه ، وأن يفكر في خلقه ، لماذا خلق ولماذا وضع في هذه الدنيا وأن هذه الدنيا لم تخلق عبثاً ولم يترك سدى ، وإنما خلق في هذه الدنيا للبلوى والاختبار ، فإما أن يكون طائعاً أو عاصياً ، وأن العبد المربوب يجب أن يحرض على مرضاة ربه وأول خطوة في هذه الطاعة أن يتعلم ما في كتاب الله وسنة نبيه لئلا يضل طريقه ، فالعلم هو دليل السلامة ، والعلم يحتاج إلى ورع وتقوى ، ولا تتحقق التقوى إلا بمحاسبة النفس وأداء الفرائض والسنن طلبًا للفلاح ، ولا فلاح إلا بالتقوى لقوله تعالى : --- واتقوا الله لعلكم تفلحون آل عمران : 130 ‏) والناس ليسوا سواء في رعاية حقوق الله ، فمن نشأ على ‏الفطرة الصافية والتزم بما أمر الله به ، فهو أقدر على رعاية حقوق الله ، فإن وقع في الزلة فسرعان ما يعود إلى الطاعة بالتوبة والندم ، ومن غلبه الهوى وفسد ‏مزاجه واضطربت فطرته ، وضعف خوفه من الله فسرعان ما يسقط فريسة الغفلة ‏ويقسو قلبه ،

ويصر على تمرده على حقوق الله ، وتجاهله لما أمره الله به من الطاعات .

ثانيهما :

‏التمسك بالسنة في مواجهة البدع الضالة من المعتقدات والعبادات ، والبدعة في العقيدة مفسدة للعقيدة والبدعة في العبادات تقود إلى الضلالة والانحراف ، وعلى المربي أن يدفع السالك إلى طريق الاستقامة ، وأن يحضه على التمسك بمنهج السلف الصالح وأن لا يسمح له بتجاوز ذلك في سلوكه ، ولا خشية على السالك في كل الأحوال التي يمر بها ما دام مراعياً حقوق الله الواجبة عليه ، ولابد من أن تعترض طريق سلوكه أحوال مفاجئة نتيجة الواردات التي تأتيه فجأة ، من فرح وحزن وخوف ورجاء، وقبض وبسط ، وسكون وحركة ، وهي أمور طبيعية ، وسرعان ما تزول ، إلا أنها يجب أن تخلف أثرًا ‏طيباً في السلوك يتمثل في مزيد من رعاية حقوق الله ، وبأداء ما أمر به والابتعاد عما نهى عنه ، والبدع ضارة للسالك ، وبخاصة في مجال المعتقدات ، وبعض ‏السالكين انحرفوا بسبب تلك البدع الفاسدة التي اعتقدوا بها .

‏ثالثها :

الابتعاد عن الرياء في أداء حقوق الله ، والرياء يتنافى مع الإخلاص ومن وقع فريسة الرياء في أداء عبادته افتقد أثر هذه العبادة في قلبه فلا تترك بعدها ذلك النور الذي يضيء القلب  والرياء هو : أن يفعل العبد الطاعة مراعياً في ذلك نظرة العباد إليه ، طلباً من مرضاتهم عن أفعاله لكي يحمدوه في مجالسهم ، ويرفعون مكانته في قلوبهم ، ومعظم السالكين يقعون في حفرة الرياء ، وهي زلة كبيرة ، ولا يقدرون على الخروج منها فيضيع أجرهم عند الله ، ولا يشترط الرياء في الأقوال والأفعال ، فبعض السالكين تتجه قلوبهم لطلب المحمدة من الناس وارتفاع المكانة  وأخطر أنواع الرياء أن يظهر خلاف ما يخفى في مجال العقائد ، فيظهر الإيمان ويخفى الكفر ، وفي مجال الواجبات فيؤديها أمام الناس ويتركها فيما بينه وبين نفسه ، وفي مجال السنن والنوافل يؤديها كاملة عندما يجتمع بالناس ويؤديها ناقصة عندما يكون مع ‏نفسه  ، والرياء مرض في القلب يـــؤدي إليه الرغبة في الرئاسة والمكانة والجاه العريض ، والرياء  ينمــو في النفس تحت تأثير الهوى المتمكن من النفس ، ولا يمكن التحكم فيه إلا بالسيطرة على أنواع الهوى في النفس بالمجاهدة الصادقة التي تعتمد على صدق النية والرغبة في الطاعة ومعرفة عيوب النفس الأمارة بالسوء والمتطلعة إلى الدنيا . 

‏كان الشيخ يرى في الصوفية سلوكاً نقياً من كل الشوائب ، ويرى فيها تجسيداً لقيم إنسانية عالية ، وكان يريد أن يجد هذه المعاني التي أدركها بفطرته الصافية في حياته الخاصة .

‏كــان يريد الصوفية كما يفهمها هو ، وكما استمدها من القرآن والسنة ، كان القرآن هو مرجعه الأول الذي يغرف منه فهمه الواسع والغني لمعنى الصوفية ، وكانت السنة المتمثلة بالسيرة النبوية الشريفة هي الهادي الذي ينير له طريقه ،

‏وفي كل أحاديثه كان يركن على أهمية ( الاتباع ) والاتباع  هو الأخذ بما ثبت في السنة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم  نظراً لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو مصدر الفضائل والكما لات في الوجود ، وحياته هي قمة ما تعنيه لفظة الفضيلة والكمال .

وكان يرفض من الطرق الصوفية كل المظاهر السلبية المنافية للكمال ، وقد دفعه هذا إلى التحرر من الطرق وتقاليدها وأعرافها المألوفة ، كان يريد الصوفية بسموها الروحي وبكمال رجالها وبمفاهيمها المعرفية وبقيمها السامية ، وكانت المعرفة في نظره هي المعرفة التي تؤدي إلى تعظيم الله في القلب ، وليس كمثله شيء ، وهو السميع العليم .

من كتاب الشيخ محمد النبهان للدكتور محمد فاروق النبهان