آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   الهجرة النبوية
لا تحزن إن الله معنا



مرات القراءة:4027    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

لا تحزن إن الله معنا

بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

 

يوم الهجرة المباركة من أيام الله ، من أيام فضله العظيم : أنجى الله عز وجل فيه نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ودينه ودعوته من عدوان الكافرين وفتكهم وإجرامهم فهو من أجدر الأيام بالتذكر الذي أمر به رسوله موسى صلى الله عليه وسلم في قوله : { وذكرهم بأيام الله } وإنما أيام الله المذكورة هي أيام صنائعه لديهم من الإحسان وكف الأذى ، وإنما المراد بذكرها أن يشكروا الله عليها ، وقد قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لليهود حين قالوا له عن يوم عاشوراء هذا يوم نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل وأهلك فرعون وقومه فنحن نصومه شكراً لله : قال صلى الله عليه وسلم (فنحن أحق بموسى منهم فصامه وأمر بصيامه ) فهو يوم كما قال سبحانه فيه : { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات } .

ولا يدرك الإنسان فضل الله تعالى في هذا اليوم إذا لم يتأمل الآيات التي أنزلت فيه تأملاً عميقاً يتفهم فيه معانيها فقوله تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } يظهر فيه شدة اهتمام الكفار واجتهادهم للإيقاع برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبدعوته لأنها المقصود من هذا الإيقاع ويتجلى اهتمامهم واجتهادهم وحرصهم في اجتماعهم لأجل ذلك فلا يكفي عندهم أن يجتمع منهم لفعل الشر أو رده على فاعله ، وإنما يكون ذلك فيما يهم الإنسان تدبيره ويحرص على إنفاذه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، وقد أبطل لهم مكرهم ورده عليهم فباؤوا بالفشل الذريع كما قال سبحانه وتعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } وهي أفعال يراد بها جميعاً الإيقاع به صلى الله عليه وسلم من أجل صد دينه ودعوته ، ولكنهم خابوا : { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } .

ويتجلى فضل الله في نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرة دينه ودعوته في قوله تعالى حين عاتب فيما بعد من تقاعسوا عن الجهاد - : { إلا تنصروه فقد نصره الله ، إذ أخرجه اللذين كفروا ثاني اثنين إذا هما بالغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم }

ومطلع هذه الآية الكريمة - بل الآية كلها - صريح في استغناء رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نصرة الخلق وإن كانوا مؤمنين ، إذ المعنى إلا تنصروه فإنه غني عن نصركم بنصر الله تعالى ، فقد نصره من قبل حين أخرجه الذين كفروا ، وإنما خرج صلى الله عليه وسلم بأمر الله ولكن أسند الله تعالى الإخراج إليهم لأنهم كانوا سبب الخروج ويكون الخروج نصراً من الله وكبتاً لأعدائه حيث لم يكن له نصير غيره سبحانه فهو أنسب للسياق وأنسب لما جاء بعده وهو قوله سبحانه وتعالى : { ثاني اثنين } أي في أقل عدد ، وقوله تعالى : { إذ هما في الغار } وإنما يختبئ الإنسان حين يخشى العدوان وهو للتخفي عن نظر العدو المهاجم المتعزز بعدده وعدته ، وليس كالقلاع ذات الجدر الحصينة والمواقع المكينة .

ويتبدى الأثر النفسي في هذه الحال على أبي بكر رضي الله عنه من قوله تعالى : { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } وأبو بكر من أعظم الناس ثباتاً في المواقف الشديدة العصيبة كما كان معروفاً عنه وكما ظهر منه يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن شدة أهوال ذلك اليوم كان محتاجاً لمواساة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا من أعظم ما يكشف عن قوة قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثباته ، فهو المطلوب دمه أولاً ، وهو مع ذلك يهدئ من روع أبي بكر رضي الله عنه - وهو المطلوب ثانياً لا أولاً - فيقول له :{ لا تحزن } ويبين له ما السبب الذي ينبغي أن يذهب الحزن به : { إن الله معنا } لما في هذا القول من شمول هذه المعاني كلها وأضعافها الكثيرة .

ثم أردفت الآية هذا كله بتفصيل معاني النصرة والتأييد : { فأنزل الله سكينته عليه } قال ابن عباس : على أبي بكر ، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عليه سكينة الله تعالى من قبل ومن بعد ، ويتعضد هذا بعود الضمير ( عليه ) إلى أقرب مذكور ولو تقيد الإنسان بقول المفسرين الآخرين : إن الضمير عائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن مدار الحديث حوله لكان لأبي بكر في هذه السكينة حظ وافر فاض على قلبه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تحزن إن الله معنا } .

ومع هذا التأييد المثبت للقلوب النافي للأحزان كانت ملائكة الله تعالى تصرف عقول الكفار المحيطين بالغار كما تصرف أبصارهم فقد كان الكفار قريبين غاية القرب من الغار حتى قال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لو نظر أحدهم عند قدميه لرآنا ، ولكن كيف يضره ذلك وقد أنزل الله سكينته عليه { وأيده بجنود لم تروها } .

وهذا لا ينفي أن يكون أيد الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بنسج العنكبوت على مدخل الغار - وهو حديث حسنه الحافظ ابن كثير - ولا حجة لهذا النفي بأن العنكبوت جنود مرئية ؛ لأن قوله سبحانه وتعالى : { وأيده بجنود لم تروها } فعل مثبت لا يدل على نفي غيره ، كقولنا ( زيد يسبح الله ) وهو لا ينفي أنه يدعو الله ، إنما يدل على النفي لو كان معه أداة حصر كما لو قيل : ( إنما أيده بجنود لم تروها ) وقد قال العلماء إن الفعل في سياق الإثبات لا يفيد العموم فلو قلنا : { زيد لا يعصي الله تعالى أفاد شمول كل المعاصي ما صغر وما كبر .

ثم ذكرت الآية نتيجة هذه المعركة فقال الله تعالى : { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } وكلمة السفلى مؤنث الأسفل كأنه قيل : وجعل كلمة الذين كفروا أسفل شيء ، وعرفها بالألف واللام وذلك يعني أن كلمتهم جامعة لكل معنى من معاني السَّفال ، وقد قال سبحانه : { كلمة الذين كفروا } ولم يقل غاية الذين كفروا أو مقصد الذين كفروا ، لأن كلمتهم أشمل من ذلك وأوسع وأهم ما فيها من الزيادة أنها تفيد شمول شعارهم الذي يعبر عنهم ففي سفاله سفالهم وإهانتهم ، وكان يمكن أن يقال كلمتهم لأنه تقدم ذكرهم والأصل أن يذكر الضمير في مثل هذه الحالة لأنه أخصر ، ولكن وضع المضاف إليه اسماً ظاهراً لأنه أقوى وأبين في وقوع السفال عليهم واختير من الأسماء الظاهرة ما تضمن الصفة التي استحقوا بسببها هذه النتيجة وهي الكفر فقال سبحانه وتعالى : { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } والمراد هؤلاء الكافرون الذين أخرجوه صلى الله عليه وسلم إذا كانت في نظر الناس عالية فحولها الله تعالى فكانت السفلى .

أما كلته سبحانه وتعالى فلم يطرأ عليها تحويل لأنها عليا بنفسها دائماً وأبداً ، ولذلك أضافها سبحانه وتعالى إلى نفسه بذكر اسمه صراحة { وكلمة الله } مع أنه يمكن أن يقول : { وكلمته } لأنه تقدم ذكره ، والتعبير بصيغة التفضيل : { العليا } أي هي أعلى شيء على الإطلاق ، وعرفت بالألف واللام بمعنى أنها جامعة لكل معاني العلو ، وزيد على ذلك بذكر ضمير الفصل { هي } لكي يفيد  معنى الحصر أي هي وحدها العليا دون كل ما ينافيها ، وإن بدا للنظرة غير المتدبرة ما ينافي ذلك ، فإنما هو وهم لا حقيقة له .

ثم ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله : { والله عزيز حكيم } تأييداً لكلامه السبق إذ العزيز هو الذي يفعل ما يشاء لا يغالبه أحد ، والحكيم الذي يفعل كل فعل بحكمة مع أنه عزيز يفعل ما يشاء كيف شاء ، ومظهر العزة في يوم الهجرة أنه سبحانه وتعالى نصر رسوله صلى الله عليه وسلم دون ناصر غيره مع أن الحال تعارض ذلك ولا تعين عليه ، ومظهر الحكمة أنه أعز الحق وأبطل الباطل ، ونصر رسوله وصاحبه ليبلغ دعوة الله إلى العالمين .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .