آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    طلب العلم والسلوك   في طريق أهل الله
رياضة السلوك



مرات القراءة:1740    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

رياضة السُّلوك


وسار رضي الله عنه في طريق مفاده: خلِّ نفسك وتعال، وليس خلّ عقلك وتعال، إنما المطلوب مخالفة النفس في أهوائها وحظوظها حتى تتزكى، ولازم حالة يترقى فيها بمراتب الإحسان، مخلِّفا وراء ظهره كل ما فيه جاهلية أو عصبية، ولم يعطِ لعادة من العادات طريقاً لأن تتحكم فيه، ونفسه تتشهى لأن تشبع من خبز شعير حار فيأبى عليها، ويرسل له أهله طبيخا أو لحما فيتصدق به أو يردّه، ويتحرى الحلال ولا يحضر دعوة أو وليمة ويقلل الطعام لقمة فلقمة، ويكتفي فترة خلوته بوجبة واحدة في اليوم والليلة وربما طوى اليومين والثلاثة على لقيمات يقمن صلبه، حتى ضعف جسمه ونحل، قال رضي الله عنه : (بقيت مدّة طويلة لا أعرف الشبع كيف يكون، وأشتهي أن أشبع ولو من خبز شعير يابس أسود إلا أنني في بسط وسرور، وضعف جسمي ونحل حتى صرت هيكلاً عظمياً، إذا أقعد تقعد العظام على الأرض..).

حدثنا الشيخ عبد الرحمن حـوت قال: زرنا سيّدنا النّبهان وكنا خمسة صائمين فقلنا له : يا شيخ محمّد نريد أن نفطر عندك، فلم يكن عنده وقتئذٍ غير بندورة واحدة، فرمها وأضاف لها ماءً وملحا وخبزا ثمّ طبخ فأفطرنا عنده والطعام كما هو لم ينقص منه شيء .
وافتقر كثيرا قال رضي الله عنه : (كل من يحب الرسول صلى الله عليه وسلم لابدّ أن يفتقر ذقناها لدرجة حق الإدام ما عندنا, أي ثمن الطعام )، وهذه من موافقات الوراثة، قال رضي الله عنه: ( كل ما ذاقه الرسول صلى الله عليه وسلم يذوقه السالك إلاّ النبوّة ورسالة التشريع)! يُفهَم من قوله: أن المحب الصادق لابدّ أن يفتقر في جزء من حياته اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم ومصداقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه

واحتاج مرة إلى ثمن الخبز، فلم يكن عنده! فقال: (يا رب : ابعث لي برغوتاً صغيراً (البرغوت : عملة روسية، قريب من الفرنك، الكبار يعرفونه ) فوردته رسالة من صاحب له بمصر، ما أن فتحها حتى وجده فيها فابتاع به خبزاً وفلفلاً وأطفأ سغبه , قال رضي الله عنه: (قال لي بعض أصحابي: لماذا لم تطلب أكثر؟ قلت: أنا لا أعامل ربي بالتجارة ).
قال رضي الله عنه : (كنت مرة في الطريق فاشتهت نفسي العنب، وليس عندي ثمنه! فلحق بي شيخ اسمه محمّد مؤيد قال: يا شيخي، فالتفت وقلت: ما بك؟ فإذا بيده عنقود عنب! قلت: لا! فأقسم بالله: إنّه لك!!)..

قال رضي الله عنه : (أنا كنت ابن غنى، والمال بيدي فتركت المال وتوجهت إلى الله، صرت آكل الشيء البسيط، وما بقي معي قرش سوري! ما عندي أكل، لا لحم ولا شحم ولا برغل ولا رز ولا عنب ولا جبَس ولا شاي..!! هذا كلّه ما كنت أعرفه أبداً، وانشقت ( ساكويتي )( جاكيت طويل إلى الركبة) فما عندي ثمن (الساكوية) فرقعتها ولبستها! لكنني مسرور أكثر من الملوك! والحق عزّ وجلّ وهبني هذا السرّور من صغري .) ..
وعرض عليه صديق ذو مالٍ قرضاً، فأبى وقال: أنا أستدين من نفسي, أي بالصبر والتوكل والاكتفاء بالضرورة، فما كان ليقترض أو يقبل مالا من أحد أبداً، وهكذا خالف نفسه وفطمها عن الطيبات إلا بقدر ما يجري به الدم والنفس، فزاد ذلك في جلاء بصيرته.. وكتب على جدران خلوته حديثين : الأول : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه والثاني: كفى بالمرء إثما أن يحدِّث بكل ما سمع ، وكلمات لسيّدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنه : العمر قصير، والناقد بصير، وإلى الله المصير..

فاغتنم الوقت، ووضع الحصاة تحت لسانه زمناً قال رضي الله عنه : (بقيت مدّة وأنا في السير أضع الحصاة في فمي (سنة سيدنا أبي بكر الصديق) واستفدت منها كثيراً، لا أتكلّم إلاّ بما يجب عليّ، وإذا كانت الكلمة الواحدة كافية لا أتكلّم اثنتين، فطالما الواحدة تكفي لا نـزيد عليها ثانية! وإذا سألني أحد أقول له : كيف قلبك مع الله؟ فيسكت! جاءنا هذا من النور، الّذي يعطينا تمييزاً لما نقول ) فهو لا يخالط الناس ولا يكلِّمهم إلاّ ضرورةً حتى عبّروا عنـه بـ (الأبله) و(الأخرس) يتدبر الكلمة قبل أن ينطقها، ويعدل من النافع إلى الأنفع ومن الحسن إلى الأحسن، فأورثته حالة الفرار إلى الله والاغتراب عن الخلق أنساً واستغراقا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فذاق حلاوة الاطمئنان وارتشف كأس المحبة والعرفان، وعلى حالته هذه لا يشتغل بنصح الناس وتذكيرهم حتى لا يشتغل عن نصح نفسه، وبقي سنتين في مرتبة قوله تعالى ( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبيدِ) [ فصلت 46] .

قال رضي الله عنه : (أنا كنت في السلوك لا آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر! وإذا سألني أحد لا أردّ! حتى تمكنت من نفسي ..

و يطرق بابَ خلوته أولياء وعلماء فلا يفتح لهم، قال رضي الله عنه : (من الناس علماء أولياء أكابر يطرقون عليَّ الباب ويلتمسون أن أجيب أسئلتهم فأكلّمهم من شبّاك صغير ..
وطلب منّي الشيخ عيسى البيانوني رحمه الله تعالى المطالعة معه في كتاب إحياء علوم الدين محبة في مجالستي، فقلت : بشرط أن نعمل بما في الكتاب فقال: ومن يقدر على هذا يا شيخ محمّد؟! ثمّ انصرف.).

وهكذا هجر الخلق وهم مقبلون عليه، وترك الدنيا وهي خضرة نضرة لديه، فمنذ أن لحق رضي الله عنه بركب العلم والسلوك لم يأخذ من مال أبيه إلاّ ما يدفع به الضرورة أو يسدّ الرّمق وربما لا يأخذ، ولم يفاتح والده بشراء دار مع حاجته الشّديدة إليه، وعزّ على الوالد أن يرى فلذّة كبده على هذه الحالة من الزهد والفقر وهو من أغنى الناس في حلب، فأشفق عليه وعلى عياله وقال له : أنت زاهد فهل زوجتك وأبناؤك مثلك؟ تعال يا ولدي أهبك ما تريد من مال، وأسجّل لك ما تحبّ من أرض أو دار.. فلم يجد من ولده إلاّ الزهد! فأمضى سنين عجافاً ملجئاً نفسه إلى الفاقة، واضعاً القدم على القدم في الاتّباع.
قال رضي الله عنه : (أنا كنت في الدنيا ابن الدنيا، وابن غنى، لا من آحاد الناس، وكان المال كلّه بيدي وأنا أكبر أخوتي وكنت أعمل الوليمة الواحدة لثلاثمائة أو أربعمائة شخص، وأعطي للشاباش ليرات ذهب، كل هذه الأشياء عندي، وكنت أظنها وهماً في وهم، ومن النعمة أن رأيتها وهماً؛ لكي أعرض عنها، أما الآن فما عندي شيء اسمه وهم، بل كلّها حقائق .) ..

انتهى من كتاب السيد النبهان للشيخ هشام الألوسي