آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    العالم الإسلامي   التاريخ الإسلامي والمناقب
معركة الزلاقة



مرات القراءة:2523    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

معركة الزلاقة (الرمضانية)

 

489 هـ - 1085 م

 

بقلم الشيخ علاوي علوش*

               

      

بعد أن فتح طارق بن زياد وموسى بن نصير شبه الجزيرة الإيبرية أو جزر الفاندال التي أطلق عليها المسلمون ( الأندلس ) عام 92 هـ - 711 م وبعد أن دانت هذه البلاد للإسلام وانتشر فيها العدل والأمان . وبعد أن انتهى عهد الولاة إلى عام 138 هـ - 755 م ودخول صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بدأت هناك دولة أموية قوية 138 هـ - 756 م نشط فيها الجهاد والعلم والحضارة وقرعت فيها القوات الإسلامية أبواب فرنسا بقوة عبر جبال البرانس , وبعد أن دامت هذه الدولة ثلاث قرون آذنت شمسها بالغروب وانطوى علم الجهاد وتشعب الحكم في شبه الجزيرة الأندلسية إلى ملوك الطوائف 403 هـ - 1012 م.

فكل مدينة من مدن الأندلس كانت مملكة

أشبيلية: وفيها بنو عباد

قرطبة:وفيها بنو جهور

غرناطة: وفيها الزيريون

سرقسطة: وفيها بنو هود

بلنسية: وفيها العامريون

بطليوس: وفيها بنوالأفطس

طليطلة: وفيها بنو ذي النون.

وقد قامت بين ملوك الطوائف هؤلاء حروب متصلة وكان القوي يغلب الضعيف ولم يتوان بعضهم عن أن يستنجد بملوك الفرنجة فيغتنم أولئك الفرصة لمهاجمة الأندلس ويستولون على قواعدها وقلاعها ويخضعون ملوكها لهم ويدفعون لهم الجزية وهو صاغرون.

كما فعل فرديناند الأول بالمظفر ملك بطليوس وبالمأمون ملك طليلطة وكانوا ينعتون أنفسهم بنعوت الخلفاء والألقاب الفخمة كما قال فيهم الشاعر:

 

مـما يـزهدني في أرض أندلس      أسـماء مـعتضد فـيها ومعتمد

ألـقاب  مملكة في غير موضعها      كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

واشتدّ ملوك النصارى على ملوك الطوائف وضايقوهم وهاجموا هذه الدويلات الواحدة تلو الأخرى وكان أقوى ملوك الطوائف هو صاحب إشبيلية المعتمد بن عباد العربي اللخمي أصولاً, قرّر بعد أن زاد الضغط عليهم من الفرنجة أن يستنجد بالعدوة الأخرى التي فيها إخوانهم في الدين والتي تربطهم بهم روابط القرآن الكريم , المرابطون بزعامة يوسف بن تاشفين اللمتوني المرابطي الصنهاجي فاستشار المعتمد علماء قرطبة وأشبيلية وبعد أن اجتمع مع القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم وتداولا الرأي فاستقرّ رأيهم على أن يكتبوا ليوسف بن تاشفين أمير المرابطين في المغرب ويطلبوا منه العبور إليهم لمساعدتهم في قتال ألفونسو السادس ( الأذفونش ) كما يسميه العرب

وقد حذّر بعض أمراء الطوائف المعتمد من استنجاده بابن تاشفين بحجة أنه إذا قدم إلى الأندلس لا يخرج منها فقال المعتمد بن عباد مقولته الشهيرة : ( لئن أرعى الجمال ليوسف خير من أرعى الخنازير للأذفونش ) ثم أرسل القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم إلى يوسف ، وما إن وصل القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم إلى يوسف وأبلغه طلب أهالي قرطبة وعلماء الأندلس حتى لبى داعي الجهاد وأعدّ جيشه ليعبر به البحر إلى الأندلس.

واشرأبت أعناق الأندلسيين لقدوم المرابطين إخوتهم في الدين والعقيدة لنصرتهم وقهر عدوهم وأشرقت شمس الإسلام في الأندلس من جديد متمثلةً بجهاد وتضحيات المرابطين وجاء جواب ابن تاشفين إلى المعتمد بن عباد: ( أما بعد فقد وصلنا كتابك المكرم وما ذكرت من كربتك وما كان من قلة حماية جيرانك فنحن يمين لشمالك مبادرون لنصرتك وحمايتك وهذا واجب من الشرع وكتاب الله تعالى ).

وما إن رجع رسل المعتمد حتى أعطيت الأوامر إلى الجيش المرابطي بالتجهز للعبور إثر الرسل وانطلقت كتائب المجاهدين تجوز البحر وهي تكبر الله وتهلل وجاء أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ومعه أنجاد المرابطين وقاداتهم وصلحاؤهم فلما ركب السفينة واستقرّ على ظهرها كان البحر هائجاً فرفع أمير المسلمين يديه ودعا الله قائلاً : ( اللهم إن كنت تعلم أنّ في جوازي هذا خيراً وصلاحاً للمسلمين فسهل علي جواز هذا البحر وإن كان غير ذلك فصعبه علي حتى لا أجوزه ) فهدأ البحر وسهل الله له الجواز في أسرع ما يمكن.

ودخلت القوات المرابطية إلى الأندلس وانضمت إلى معسكر أهل الأندلس بقيادة المعتمد بن عباد وكانت تعبئة القوات الإسلامية على الشكل التالي:

المقدمة: يقودها المعتمد بن عباد الملك الشاعر الفارس يؤازره داود بن عائشة في عشرة آلاف فارس من المرابطين.

الميمنة: يقودها المتوكل على الله عمر الأفطس أمير بطليوس

الميسرة: فيها أهل شرق الأندلس

الساقة: فيها سائر أهل الأندلس

القوة الاحتياطية: يقودها أمير المسلمين ابن تاشفين وهي مؤلفة من نخبة فرسان وأنجاد المرابطين

وزحف الجميع إلى معسكر الأذفونش وانتهوا إلى سهل يقع شمال بطليوس على مقربة من حدود البرتغال حالياً ويسمى بسهل الزلاقة ويسميه الإسبان SAGAJAS

كان تعداد الجيش الإسلامي ( ثمانية وأربعون ألفاً ) مابين فارس ودارع وحاسر ، أربعة وعشرون منهم من الأندلسيين وقيل كانوا عشرين ألفاً فقط .

أما جيش النصارى فكان تعداده كما قال صاحب المعجب أن الأذفونش  قد استنفر الصغير والكبير ولم يدع في أقاصي مملكته من يقدر على النهوض إلا استنهضه وجاء يجر الشوك والشجر فقد بلغ تعداد جيشه مائة وخمسين ألف مقاتل منهم ثمانون ألف فارس وقيل أكثر من ذلك جمعهم من جميع الممالك الأوربية من فرنسا وإيطاليا ممن استنفرتهم الكنيسة والبابا من ورائهم يذكي نيران الحرب على المسلمين ولما تقابل الجيشان في سهل الزلاقة أرسل يوسف إلى ألفونسو السادس يعرض عليه الدخول في الإسلام أو الجزية أو الحرب عملاً بأحكام الشريعة الإسلامية

فقال له ( بلغنا يا أذفونش أنّك دعوت إلى الاجتماع بنا وتمنيتَ أن تكون لك سفناً تعبر بها البحر إلينا فعبرنا إليك نحن ووفرنا عليك الكلفة وقد جمع الله تعالى بيننا وبينك في هذه الساحة وسترى عاقبة دعائك وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) فلم يجب ألفونسو واختار الحرب وبدأت الاستعدادات من الجانبين في جوٍ محموم وكان ألفونسو يتصرف بغرور لما يرى من كثرة جنوده وكثرة سلاحهم وتفوقهم المادي في العدد والعدة .

وقد روي أنه شاهد رؤيا في نومه كأنّه راكبٌ فيلاً يضرب نقيرة طبل فهالته الرؤيا وسأل قساوسته عن تفسيرها فلم يجبه أحد فدُلَّ على مسلم ففسرها له استناداً إلى كتاب الله تعالى وأنها تدلّ على بلاء عظيم ومصيبة فادحة كما أصاب أصحاب الفيل الذين غزوا مكة ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل )

أما الضرب بالنقيرة فتأويلها قوله تعالى ( فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير ) ولكنه لم يصدق وقال ( بهذا الجيش ألقى إله محمد صاحب كتابكم ) .

تم الاتفاق بين يوسف وألفونسو على أن يكون اللقاء يوم الإثنين بناء على طلب ألفونسو نفسه ولكنه غدر كعادته وهاجم المسلمين يوم الجمعة فما أن ظهر خيط فجر الجمعة حتى زحف النصارى كما قال لهم المعتمد على المسلمين الذين كانوا في يقظةٍ وحذٍر من غدر النصارى وفي سهل الزلاقة استبسل الجيشان في صراع عنيف وفي معركة رهيبة هجمت فيها مقدمة النصارى على مقدمة المسلمين التي يقودها المعتمد بن عباد .

ونظراً لكثافة الهجوم وكثرة المشاركين فيه وتفوقهم النوعي في العدة والسلاح انكشفت مقدمة المسلمين بقيادة المعتمد بن عباد ولكن المعتمد ثبت ثبات الأبطال الصناديد حتى أُثخنوا بالجراح وجرح المعتمد بن عباد وتراجع بعض الأندلسيين وكادت تدور عليهم الدائرة ولما أُخبر ابن تاشفين بصعوبة الموقف أمدهم بأقوى قادته ، الأمير سير بن أبي بكر فخفف الضغط على الأندلسيين الذين أخذوا يستعيدون ثباتهم وقوتهم .

وفي هذا الجو المكفهر وفي هذا الوطيس الملتهب الذي كان وقوده الناس والحديد كان أمير المسلمين يدبر الضربة النهائية التي تقلب الموقف لصالح المسلمين وتنهي قوة الصليبين ففاجأ العدو مفاجأة لا يتوقعها فتقدم بقواته إلى معسكر النّصارى فأضرم فيه النّار وأحرقه وقتل حماته من الفرسان والرجال وفرّ الباقون إلى ألفونسو وأمير المسلمين في أثرهم وطبوله تضرب حوله يشق دويها عنان السماء والرايات مرفوعة وخيرة جند المرابطين تحصد بسيوفها رقاب المعتدين ففوجئ ألفونسو بجنوده وعليهم آثار الرعب والفزع وكرّ راجعاً لينقذ معسكره من الهلاك فاصطدم بالمرابطين ووقعت معركة هائلة أكفهر نهارها واصطبغت شمسها بلون الدم مُزِّقَت فيها قوات ألفونسو شرَّ ممزق وكانت الجمال عند المسلمين تحمل العتاد والمؤن وتجمح منها خيل النصارى وقاتل المسلمون قتال من يطلب الشهادة ويرغب في الموت في صفوف متراصة ممتثلين قوله تعالى ( إنّ الله يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنّهم بنيان مرصوص ) واشتد القتل في جموع النصارى .

وزجّ أمير المسلمين حرسه الخاص إلى معمعان المعركة واستطاع أحدهم أن يصل إلى الاذفونش وأن يطعنه طعنة نافذة يعرج منها طوال حياته وأشرفت الشمس على المغيب وأدرك ألفونسو وقادته أنهم يواجهون الموت فاعتصم هو وخمسمائة من أصحابه بتل قريب ومن ثم انسل تحت جنح الظلام منهزماً هارباً يلعق جراحه ويجلله الخزي والعار .

وهذا بفضل الله وبصبر وصدق المجاهدين تحطمت الحملات الصليبية الأولى في الأندلس وطال عمر الوجود الإسلامي ما ينيف على ثلاثة قرون أخرى في الأندلس وقد كانت هذه المعركة التي أعزّ الله فيها الإسلام والمسلمين في غرة رمضان سنة 479هـ الموافق لسنة 1085م

 

* تخرج في الكلتاوية عام 1983م