آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    طلب العلم والسلوك   في طريق أهل الله
خلــوة واغتراب



مرات القراءة:1692    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

بداية الخلوة والمحاسبة

غلبت عليه رضي الله عنه وحشة من الخلق، لا يتجوّل في المدينة وأسواقها، ولا يخرج إلى أهله إلا ليلاً، وإذا رأى أحد أصحابه تخبأ عنه في أزقة الحي! فقاطعهم إلاّ واحداً، قال رضي الله عنه : (اتخذتُ أخاً في الله تعالى هو الشيخ معروف الدواليبي، كان لي مرآة؛ الذي في قلبي في قلبه، أأتمر بأمره ويأتمر بأمري، يوميّاً نتحاسب ويوميّاً نترقى، نحاسب أنفسنا نحاسب بصرنا وسمعنا وألسنتنا ومشينا وأين نقعد وأين نأكل وما بين المغرب والعشاء وقت للمحاسبة بينهما). وتجاوزت محاسبتهما الأقـوالَ والأفعالَ إلى الأفكار والفهوم والخواطر، قال رضي الله عنه : (يقول البعض مشايخنا لهم دفتران دفتر في الليل وآخر في النهار، وزدنا عليهم أننا نحاسب خواطرنا كذلك، رأيت الخير كل الخير في سيري إلى الله بمحاسبة النفس، أحاسبها الحساب العسير لا اليسير "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ) .

وبلغ تحكّمه حتى بالمخيّلة! قال رضي الله عنه : (جلست مرة ساعتين أفكر بخاطر سوء فما حصل)!
وكان رضي الله عنه في وحدته يتفكر ويتساءل ويناجي الله تعالى، فيُلهَم الإجابة! قال رضي الله عنه : (كنت مرة منذ زمن قاعداً وحدي وأنا ولد أخاطب الله تعالى. قلت: يا رب، أنت تقول إن الله يحب التوّابين ويحب المتطهرّين [البقرة 222] يعمل ذنباً بل ذنوباً وتعطيه المحبة أيضاً؟ قال: نعم عبدي، أنا أبيّن لك! قلت: بيّن يا ربي، قال: هذا غلب أربعة: غلب الشيطان الكبير الأهبل، والشيطان الأبيض، والشيطان النمنوم الّذي خُلق بين شيطان الجنّ والإنس وغلب نفسه: أفلا يسمّى محبوباً؟ قلت: يا ربي والله صحيح!.. أخذتها عن ذوقٍ من ذرّاتي.


ولم يكن في هذه الفترة ليتلقى أمراً أو نهياً من أحد في التزامه طاعة الله ورسوله وشيخه، قال رضي الله عنه : (أنا لا أعتقد أن أحداً أمرني أو نهاني من يوم دخلت العلم، ولا نفسي طالبتني بشيء من المخالفات، لأنني أحاسب نفسي، وهذه من نعم الله تعالى عليّ.. الّذاتي لا يحتاج لأحد أن يأمره أو ينهاه) .

ومن طريف ما بلغنا عنه أنّه كان يسأل الشيخ معروف الدواليبي : ماذا تريد أن تكون؟ فيجيبه: رئيساً للحكومة! ويسأله صاحبه: وأنت ماذا تريد؟ فيجيبه رضي الله عنه :( عبداً لله تعالى وقد شاء الله تعالى أن يوصل كلا إلى غايته.فطرح رضي الله عنه حب الرئاسة وحب النفس ليحيا حياةً يتلذذ فيها بالعبدية لله عزّ وجلّ، قال رضي الله عنه : (آخر ما يخرج من قلوب الصدّيقين حب الرئاسة وحب النفس) , وجعل نصب عينيه سُلَّما من أربع درجات: العلم والعمل والإخلاص والتبرّي من الحول والقوّة إلى حول الله وقوّته.


خلوةٌ واغتراب


سالك طريق القوم أهل الله باحثٌ عن الحقيقة، وحين يجد الناسَ بمنأى عنها يتخذ من العزلة حميةً ومن الخلوة سلّماً، متأسّياً بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، يستأنس بالله تعالى وبذكره ، ويتدبر ما وراء هذا الكون من قدرة وعظمة، مهتما بخويصة نفسه وإعداد شخصيته والوصول إلى غايته.


وعلى هذا النهج كانت عزلته فاعتكف في مسجد الكلتاوية في حجرة صغيرة فهي له البيت والخلوة والمدرسة، حدثنا إمام المسجد آنذاك، الشيخ بشير حداد رحمه الله تعالى، قال: بينما كنت في الكلتاوية إذ أقبل رجل في الثلاثين من عمره يبحث عن إقامة له فيها، وليس معه إلا حزمة كتب وحصير قديم، وكانت هناك غرفة طين صغيرة فسكنها لكنها أدخلت في بناء الجامع بعد تجديده وموقعها الآن عن يمين الداخل من الحرم إلى حضرة الزيارة ديدنه العلم والذكر، لا يختلط بالناس، ولا يسمح لأحد بالدخول عليه إلا نادرا، طعامه قليل ولباسه بسيط لكنه نظيف، فمذ نظرته أخذ قلبي ووقع فيه أنّه من الأكابر... كان رضي الله عنه ينظر إلى ساحة المسجد ويقول: (إني لأرى هناك مدرسة دينية وطلبة علم بعمائم بيضاء )...


قال سيّدنا رضي الله عنه : (فررت أول أمري من الليرات وجئت إلى هنا جاهلاً، ولولا أن الحق عزّ وجلّ يفهمني ما فهمت، وكل الّذي عندي من الله لا من عند زيد ولا عمرو) . ولم يكن عنده في الخلوة أمتعة غير كتبه وحاجات مسافر منها، حصيرة مكسّرة وفراش بسيط، فلا مروحة ولا مدفأة! وثوبه واحدٌ في الحرّ والقرّ إذا انشق يرقعه بيده، لكنه يتميز بالنظافة، حتى صار حاله حديث الناس!


قال رضي الله عنه : (كنت هنا وحدي في الخلوة معتزلاً، فجاءني يوماً شخص معه كتاب ينتقد فيه أبا يزيد البسطامي! : لماذا يقول بالعزلة؟ قلت له : وماذا في العزلة؟ العزلة حق، وكلام أبي يزيد البسطامي حق، العزلة مثل الحمية، وحين تذهب لمعاينة الطبيب أيمنعك عن أكلاتٍ طول حياتك أم ما دمتَ في المرض؟ قال: ما دمتُ في المرض، قلت: وكذلك العزلة ما دمتَ في المرض..).


لقد تغيّر ذلك الفتى المدلّل الذي يرتدي أجمل الثياب وأحسنها إلى زاهد متبتل، شأنه شأن سيّدنا مصعب بن عمير رضي الله عنه قبل الإسلام وبعده، إلاّ أن سيّدنا مصعباً رضي الله عنه أخرجته أمّه من بيتها بعد إسلامه، أما سيّدنا النّبهان فقد كان قريبا من نبض قلبها، إذا رأته فكأن حالها ينطق: ربّي وربّك الله أيها الهلال!.


ووالده يحبه ويجله، ولا يجلس أحياناً مدّة بقاء ولده في البيت! فيقول له: اجلس يا أبي . فيجيبه: والله يا ابني أودّ أن أبقى واقفاً حتى تذهب!.


وبداهةً فلا بدّ لكلّ غاية من وجهةٍ تناسبها وهمّة تنهض بتبعاتها، لذلك أجهز على العلائق والعوائق لا همّ له إلا الله تعالى، مستهدفاً تنفيذ أوامره والتعرّف على حضرته، متحقّقاً بالعبدية، لا لنيل وظيفة أو مشيخة أو جاه أو رتبة أو كشف أو كرامات، فغايته دونها جميع الغايات، ومراده من الله هو الله سبحانه قال رضي الله عنه : (صاحب الهمّة لا يرضى بالكرامات ولا بالجنان ومراتبها ، لا يرضى إلا بالله تعالى لا يبتغي به بديلاً .) .


فهو رضي الله عنه مريد لله تعالى يتعشّق وجهه، ويتطلع إلى فناء بمحبته وإرادته، وكثيراً ما يردد قوله تعالى: (قال الله تعالى ( مِنْكُمْ مَنْ يُريدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُريدُ الآخِرَةَ [ آل عمران 152 ] ويتساءل : فأين من يريد المولى تعالى؟) (2) ويردد شعراً :


كـل مـن تلقـاه يشكـو دهـره ليـت شعـري هـذه الدنيـا لمـن


ويجيب في كل مرة: لمن أعرض عنها . .


ثمّ صار يقول فيما بعد: لا لمن أعرض عنها، وإنما لمن أخذها بحق وأعطاها بحق .) . وهذا يدلّ على دوام ترقيه في العلم والفهم والذوق.

 

انتهى من كتاب السيد النبهان للشيخ هشام الألوسي ط2