آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    العالم الإسلامي   أبحاث
تأملات في مستقبل المشروع الإسلامي في أفق القرن الهجري الجديد



مرات القراءة:2179    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

تأملات في مستقبل المشروع الإسلامي

في أفق القرن الهجري الجديد

 

الأستاذ الدكتور محمد فاروق النبهان

 

يطلّ عالمنا الإنساني على فضاء رحب جديد من التطورات التكنولوجية، والتحولات الاجتماعية، ويرافق ذلك الكم الهائل من الشعارات والأمنيات والآمال، التي جعلت الإنسان المعاصر حائراً متردداً تتنازعه تيارات وتتقاذفه أفكار، لا يدري إلى أين يقوده، إلى أرض ممهدة بخضرة الحياة أم إلى جبال ووديان مسكونة بالخوف والرعب والأحلام المقلقة.

ويمشي الموكب الإنساني في رحلة الحياة الشاقة، ولا يدري السائرون في هذا الموكب شيئاً من هذه المسيرة، ويتساءلون في زحمة المناكب المتصادمة عمن يقود هذا الموكب، فلا يسمع صوتهم، ويقفون حائرين مترددين وسرعان ما يدفعهم الزحام، فإن مشوا من غير إرادة، وإن توقفوا وجدوا أنفسهم في صحراء مقفرة، قد يطويهم النسيان بعد حين.

ذلك هو قدرنا ونحن نواكب مسيرة التكنولوجيا المعاصرة المدعمة بإمكاناتها الفضائية والإعلامية وبشعارات العولمة والحداثة..

وتقف المجتمعات الإسلامية مترددة تترقب، وترتفع أصوات متداخلة، بعضها يدعو إلى اللحاق بالركب والاندماج فيه والبعض الآخر يحذر ويقاوم، وكل فريق يتصدى للفريق الآخر بكل الوسائل، ويرفع الشعارات التي تبرر له سلوكه..

وتخفي الأكثرية الصامتة من مجتمعنا مشاعر الأسى والإحباط التي تشعر بها، وتتلفت يميناً ويساراً باحثة عن صوت عاقل، أمين في أقواله، راسخ في فهمه، بعيد عن الانفعال والتطرف، يقدم لها النصح، ويخاطبها بلغة بسيطة تفهمها، ويعينها على تخطي هذه المرحلة بيسر وطمأنينة.

لعل هذه هي مهمة المجامع العلمية التي تضم حكماء الأمة وعقلائها، ورموز العلم والثقافة، فهذه المجامع مدعوة لمناقشة القضايا المعاصرة التي تهم المجتمعات الإسلامية، في كيانها وثقافتها وحريتها، وعندما يرتفع صوت العقل والحكمة فمن الطبيعي أن تصغي الآذان إليه، ثقةً بما يقول.

وأول خطوة في ذلك أن يكون المخاطب قادراً على الإقناع، وذلك يتحقق بأمرين:

الأول: لماذا نرفض المشروع الحضاري الغربي، وما أوجه التناقض بين رؤيتنا لقضايانا ورؤية المشروع الغربي، فالغرب بالنسبة لنا هو الآخر، والآخر ينطلق في فلسفته من منطلقات فكرية مغايرة لمنطلقاتنا، ويعتمد في فهمه للتاريخ على موروث قديم وراسخ في العقلية الغربية يجعله في موقف المواجهة والمغالبة والحذر، والإسلام بالنسبة للغرب هو الآخر الذي يجب احتواؤه والسيطرة عليه والتحكم في حركاته، لكيلا يفلت من قبضة الوصاية، ولا بد من تقليم أظفاره لكيلا يقاوم الحضارة الغالبة، لا يتصدى لقيمها التي تبشر بها من خلال سياسات العولمة، لكي يكون النموذج الغربي هو النموذج الوحيد للتطور الإنساني والرقي الاجتماعي.

الثاني: تقديم المشروع الإسلامي بأبعاده الاجتماعية وبفكره الثقافي، وبقيمته الإنسانية، وإبراز مكانة الإنسان في الإسلام، من خلال مواقف محددة في ممارسته السياسية وفي احترامه لحقوق المرأة والطفل، في محاربته للظلم الاجتماعي والفساد السلوكي، وفي إقراره لحرية الاجتهاد ولكرامة الفكر، وفي اعترافه بمكانة العقل الإنساني كأداة لإغناء المعرفة الإنسانية، وفي مقاومته لكل مظاهر الاستبداد والاستعباد والإذلال في المجتمع.

ومن اليسير أن نكتب الكثير حول هذه المعاني الإسلامية، ولكن من الصعب علينا أن نجسد هذه الأفكار والمعاني والمواقف في الحياة العملية، وأن نصوغها في نصوص قانونية ملزمة أو في ممارسات سياسية واضحة، مما يجعل الدعوة إليها والإيمان بها يفتقد الكثير من المصداقية..

وإن الواقع الذي نعيشه في المجتمعات الإسلامية يؤكد لنا أن نظرتنا إلى الإسلام ليست واحدة، وأن فهمنا لقيمه وتعاليمه مازالت بعيدة عن التصور الإسلامي الحقيقي، وذلك بسبب احتكامنا للتاريخ كتفسير حتمي لفهم القيم الإسلامية، ولا يمكن للتاريخ أن يكون حجة على الإسلام، لأن التاريخ محكوم بمؤثرات الزمان والمكان، والنص أوسع في نظرته وأرحب في مقاصده، وروح النصوص غايات مقصودة، ولكل جيل تفسيره للنصوص، لأن النص خطاب، والمخاطب بالنص هو الجيل الذي يتوجه إليه الخطاب، للعمل بمقتضاه، وما يراه العلماء في عصر في تفسير النصوص هو ما يجب عليهم الأخذ به، مُراعين بذلك مسؤوليتهم أمام الله في إخلاصهم لله ودفاعهم عن قيم الإسلام..

وقد استوعب جيل السلف من الصحابة والتابعين إلى عصر المذاهب الفقهية هذه المعاني وراعوا هذه المعايير والتزموا بمقاصد النصوص وغاياتها وروحها، واختلفت آراؤهم وتعددت مدارسهم ومذاهبهم، ولم يعترض أي فريق على آخر إلا في إطار الحوار المشروع والمناظرات العلمية الهادفة للتوصُّل إلى الحق..

ومن المؤسف أننا اليوم لا نلتزم بهذه المنهجية الاجتهادية الواسعة، ونضيق بالآخر المخالف لنا في الرأي والفهم، ونضيق الخناق عليه في دينه وحريته وفكره، حتى أصبح التطرف منهجاً سوياً يتبارى رموزه في التقرب من العامة بإثارة الحماس في النفوس، وتعميق الخلاف بين المذاهب الإسلامية والمدارس الفكرية..

وفي الوقت الذي يجب علينا أن نتحد كمذاهب إسلامية وكمدارس فكرية ملتزمة بالمرجعية الإسلامية المعتمدة في مواجهة التحديات التي يفرضها عليها الآخر وهو الغرب بمواقفه وسياساته وقيمه، فإننا ننشغل بقضايانا الفرعية الصغيرة، ويواجه بعضنا البعض الآخر في معارك كلامية، كأن كل فريق يعتبر نفسه الوصي على الإسلام، ولا حق للآخر فيه، والإسلام للجميع ومن حق الجميع أن يعترف لهم بشرعية حقهم في الاجتهاد والرأي والاستنباط.

ويجب أن نسلّم في البداية أن العقل هو المُخاطَب بالنص، وهو أداة الفهم والتفسير والتأويل، والعقول متفاوتة في قدراتها وفي مكوناتها، ولذلك تعددت مدارس التفسير والاجتهاد، وليس من حقنا أن نفاضل بين هذه المناهج إلا باعتمادنا على ضوابط أصولية ومقاييس عقلية مرجحة يختلف الحكم فيها بحسب مكونات العقل البشري.

ويقوم المشروع الثقافي الإسلامي على الأسس التالية:

أولاً: توحيد الإنسانية على أساس فكرة الإيمان بالله وبما جاء من عند الله، والإيمان بالرسل والالتزام بالشرائع الإلهية التي جاءت الرسالة المحمدية مشتملة عليها ومكملة لها وخاتمة.. وبمقتضى هذه العقيدة تتكافل الإنسانية في توحيد رؤيتها للحياة والكون من حيث دور الإنسان في إعمار هذه الأرض، وبناءً على هذه الرؤية تصبح الإنسانية متكافلة في حمل مسؤولية الحياة واستمراريتها.. ومقاومة العقائد والأساطير التي تناقض فكرة الإيمان بالله أو تتنكّر لها..

ثانياً: الإنسان عبد الله وخليفته في الأرض، والمؤتمن على أداء الأمانة التي أوكلها الله إليه، ولكي يقوم بمهمته فقد خصّه الله بالرعاية والتكريم، وزوّده بالعقل البشري لكي يكون أداته في التمييز والاختيار، وبه استحقّ التكريم، والعقل هو أداة المعرفة والفهم، وهو مسؤول عن اختياراته وسلوكه، وما تراه العقول فهو ثمرة طيبة يجب أن تكون في موطن التقدير، وانطلاقاً من هذا المبدأ يأخذ العقل موقعه في الاعتبار، ويؤدي دوره في الاجتهاد، ويُغني المعرفة الإنسانية برؤيته المتجددة، ويحتكم إليه في فهم النصوص النقلية وتفسيرها، ويقاوم الجمود الفكري والتعصب المذهبي بكل أشكاله، ويعطي للعلماء والمفكرين دور التوجيه والتصحيح والتفسير والتأويل، ويفتح النوافذ للحوار البناء الذي يغني المعرفة ويعترف بحق الآخر في التفكير والرأي والاجتهاد في كل القضايا الفكرية التي تعمق الوعي الإنساني.

ثالثاً: يعطي لرأي الجماعة دورًا متميزًا في تقدير المصالح الاجتماعية والدفاع عنها، وما تراه الأمة ممثلة في مفكريها وعلمائها وأصحاب الكفاءة والاختصاص فيها يعتبر حجة ويعتد به ويعترف بشرعيته، لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، في أمر دينها أو أمر مصالحها الدنيوية من سياسية واجتماعية واقتصادية، والجماعة سواء كانت مختارة أو منتخبة مؤتمنة أمام الله عن أداء الأمانة، والدفاع عن العقيدة ومواجهة المظالم ومقاومة الفساد في الإدارة وفي المعاملات، ومن هذا المنطلق تضع الجماعة لمجتمعها الأنظمة الكفيلة بتحقيق العدالة في توزيع الثروات، وكفاية الأجور لحاجات العاملين، وتحقيق الشورى في الحكم والمراقبة الحازمة لممارسة السلطة وفق الأسس التي ارتضتها الأمة طريقًا لحماية مصالحها، وتكون هذه الجماعة هي الممثل الحقيقي لإرادة الأمة، وتمارس سلطتها التفويضية بنزاهة وشجاعة وتجرد، وتستمد هذه الجماعة سلطتها من تفويض الأمة لها سلطة الرقابة والمتابعة..

رابعًا: تعتبر أحكام الشرع نافذة على الجميع، ويلتزم الحكام والمحكومون بهذه الأحكام، ويخضعون لها، ويستمدون شرعية سلطتهم من اختيار الأمة لهم لكي يقوموا بهذه المهمة، وفقًا لما تختاره الأمة لقضاياها، فمن تجاوز سلطة التفويض بتفريط واضح أو بإقرار ظلم متعمد فقد فَقَدَ شرعيّة وجوده، والأمة ممثلة في مؤسساتها التفويضية هي المؤهلة للنظر فيما يقع الاختلاف فيه..

خامسًا: تتمثل مهمة السلطة في وضع القوانين التي تحقق العدالة في المجتمع، وتوفر الكفاية المادية والكرامة الإنسانية، كما تقوم السلطة بحماية المستضعفين والمستذلين عن طريق وضع القوانين الاجتماعية العادلة، التي توفر لهؤلاء الأجور الملائمة لحجم مساهمتهم في الأعمال، في ميادين الصناعة والزراعة، كما تحميهم من أخطار البطالة والأمراض والعجز، وتوفر لهم أسباب الحياة الكريمة في التعليم والتشغيل والعلاج والسكن اللائق الذي يوفر الكرامة، ومن واجب السلطة أن تتدخل في جميع العقود والاتفاقات التي تتم بين الأقوياء والضعفاء، وبين أرباب العمل والعمال، لكي ينتفي طابع الإذعان فيها، ويكون الطرف الضعيف في موطن الأهلية القانونية للدفاع عن مصالحه وحقوقه، وقد حرم الفقه الإسلامي جميع العقود والمعاملات التي يكون أحد أطرافها تحت تأثير الحاجة أو الجهل أو الابتزاز أو الإكراه.

سادسًا: لا يمكن الاستشهاد بالإسلام لإقرار ظلم واضح، أو للتنكر لمطالب مشروعة، فالإسلام جاء لمحاربة الظلم والتعسف في استعمال الحقوق، والتنكر لحقوق الإنسان وكرامته وحريته، والنصوص واضحة في ذلك، والحقوق المشروعة منوطة بالمصالح الاجتماعية، ولا يمكن أن يكون الإسلام مظلة لمن يريدون مقاومة الإصلاح لحماية تجاوزاتهم أو مصالحهم، والمال الذي لا يلتزم فيه صاحبه بمنهجية الإسلام في جمعه أو استثماره أو أداء حق المجتمع فيه لا يقره الإسلام ولا يحميه ولا يعترف بحرمته وشرعيته..

سابعاً: يجب أن نعترف بأن المرأة في معظم المجتمعات الإسلامية تعاني من ظلم واضح في حقوقها وكرامتها، ويجب أن تحظى بالمكانة اللائقة التي اعترف الإسلام لها بها، وهناك واقع خاطئ ناتج عن بعض التقاليد والأعراف، في الزواج والطلاق وفي المعاملة وفي الإرث، ولا يمكن أن ينهض مجتمعنا إلاّ بتوفير الكرامة للمرأة على مستوى التعامل الإنساني في الأسرة والمجتمع، وعلى مستوى الأحكام القانونية والعمل القضائي، والمرأة المسلمة المعتزة بدينها جديرة بأن تسمع صوت الإسلام يدافع عنها، ويندد بالمواقف والممارسات التي تتنكّر لحقوقها وكرامتها، ولا بد من تشجيع الاجتهاد في إطار المرجعية الإسلامية في القضايا التي تشعر المرأة بالتجاهل والتهميش والإذلال، والمرأة جديرة بأن تحظى بالرعاية والاحترام، لا تفضلاً من كرام الرجال، ولكن من منطلق تحقيق العدالة ورفع الظلم الواقع على المرأة، وتراثنا الفقهي غني في آرائه المعبّرة عن احترام الإسلام لتطلُّع المرأة لممارسة حقوقها وللشعور بكرامتها الإنسانية.

هذه تصورات مبدئية عن الإسلام كما نتصوره كمشروع متكامل للحياة، وقد لا يكون هناك جديد فيما ذكرته، إلاّ أنني حرصت على أن ألخّص الخطوط الرئيسية لهذا المشروع، في فقرات متتابعة، لأؤكد بذلك أن الإسلام الذي نريده ونعقد عليه أكبر الآمال، هو الإسلام الحقيقي الأصيل، المستمد من مصادره وينابيعه الصافية، وقد يختلف عن المفهوم السائد والشائع في مجتمعنا، ولا بد لنا من أن نحرر المفاهيم الإسلامية من المؤثرات الخارجية التي شوهت صفاءها، سواء كانت بتأثير القيم التي سادت في فترات تاريخية أو بسبب الضغوط التي كانت تحكم قبضتها على هذه المفاهيم، لتسير في مسارات مغايرة لمقاصدها وأهدافها، وهذه ظاهرة يجب أن نعترف بها، لكي نتمكن من إزالة التراكمات التي أسهمت في تشويه الإسلام.

وهذا المجتمع بما يضمه من أعلام الفكر جدير بأن يسهم في التعريف بالإسلام الأصيل إسلام النهوض الحضاري.. الذي هو الرهان الرابح الذي سوف يُعيد لمجتمعنا المعاصر الأمل في انبعاث جديد، لبناء مستقبل أفضل.