آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    التزكية والأخلاق   أدب الدين والدنيا
آداب وسائل الإعلام



مرات القراءة:2373    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

آداب وسائل الإعلام

 

بقلم الباحث الشيخ عبد الله نجيب سالم

 

من أهم ميزات عصرنا الحاضر وخصائصه وسائل الإعلام الحديثة... فالإعلام بمفهومه المعاصر أصبح ذا دور خطير في الحياة لا يقل عن دور أي جهة فاعلة مؤثرة بعد أن تعددت وسائله كثيراً واختلفت أساليبه أكثر ورصدت له الميزانيات الضخمة وجندت له الأعداد البشرية الكثيفة، وأُعدت فيه وحوله الدراسات النظرية والعلمية، واهتم به الإنسان اهتماماً ما عليه مزيد.

إن الإذعة المسموعة من وسائل الإعلام، والتلفزيون المرئي من وسائل الإعلام، والجريدة اليومية من وسائل الإعلام، والمجلة الأسبوعية أو الشهرية أو الفصلية من وسائل الإعلام، والكتاب من وسائل الإعلام، والشريط بأنواعه من وسائل الإعلام، والشاشات المنتشرة في الأماكن المزدحمة من وسائل الإعلام وغير هذا كثير وكثير... فإذا ما نظرنا من وجه آخر وجدنا في خدمة الإعلام موجات الأثير وهوائيات الإرسال وأقمار الفضاء وأجهزة الكمبيوتر ومعدات الطباعة ومؤثرات الصوت والصورة وخدمات المكياج وفن التشكيل وآلات الموسيقى ومكبرات الصوت واستديوهات التسجيل وكاميرات التصوير وخلاف ذلم الشيء العديد المتنوع حتى غدت معرفة كل تلك الأمور وتفصيلاتها وملحقاتها أمراً مستحيلاً بالنسبة للفرد الواحد مهما أوتي من سعة واطلاع... وحسب الإنسان في هذا المجال أن يكون آذاناً تسمع وعيوناً تبصر وأحاسيس تنفعل وتصدق أو تكذب... إننا كما نعيش في عصر الذرة والفضاء والكمبيوتر فنحن نعيش عصر الإعلام الحديث الذي أصبح بواسطته العالم كله قرية صغيرة تستطيع الوصول إلى مختلف أطرافها بمجرد أزرار تضغط عليها فإذا بها تنقل إليك الأحداث من مواقعها حية طرية أولاً بأول...

 

والإعلام الحديث لم يعد نشرة أخبار تذاع بالصوت أو تعضد بالصورة بل هو تحليل ونقد، ومبادئ وأفكار، وتجارة ومكاسب، وتعليم وتوعية، ونشر للفضائح أو قلب للحقائق أو تزيين للباطل أو تزييف للواقع... لذلك كان من الضروري والهام جداً أن تكون لهذا الإعلام ضوابط وآداب نستخلصها من ديننا الحنيف وشريعة الله التي وسعت الحياة كلها... وذلك على النحو التالي:

 

أولاً: العاملون في حقل الإعلام سواء كان أحدهم مذيعاً أو مخرجاً أو ممثلاً أم فنياً أم كاتباً أم مصوراً أو غير هذا وذاك... العاملون هؤلاء كلهم فريق واحد متضامن متعاون يخدم بعضه بعضاً ويساند بعضه بعضاً... ومن هنا فهم شركاء في الخير والشر في النفع والضر، في الهدم والبناء... وإن كانوا على مستويات مختلفة من حيث الأهمية أو المسئولية... لذلك فالمسلم الواعي يتحرج ويتردد ويخشى ويخاف أن يقع في دائرة سخط اله وغضبه إذا شارك من قريب أو بعيد في شيء مما حرمه الله مما يؤذي المسلمين أو يضر بمصالحهم أو يهز مشاعرهم أو يثير البلبلة في صفوفهم أو ينشر الفساد في الأمة أو يخدم عدو الله ورسوله والمسلمين... وبالطبع فنحن عندما نقول ذلك لا نقصد أن كل عامل يتحول في أي وسيلة من وسائل الإعلام إلى مشرف ومتصرف بكل صغيرة وكبيرة ورأي وفكرة بل نقصد بذلك أن الحرام الواضح البيّن المكشوف المتفق عليه لا يجوز الرضا به ولا المشاركة فيه ولا السكوت عليه بل فيما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) . إن من آداب المسلم أن يتخير موقع العمل الذي لا يعصي الله فيه حتى يكون مطمئن الضمير آمن العواقب.

 

ثانياً: إن وسائل الإعلام الحديثة ليست سوى أسلحة فعّالة حديثة واسعة الانتشار عظيمة التأثير فهي إن استعملت في الخير والدعوة إلى الله ونشر الفضيلة وتوحيد الأمة ومحاججة الخصوم وبث العلوم وتنبيه الفكر وتنوير العقل بالصوت والصورة والحرف والرسم كان ذلك فتحاً عظيماً في الدعوة وعند الدعاة... ونحن نقصد هنا بالدعاة كل مهتم بتقديم فائدة ومنفعة ومعلومة مفيدة دينية أو دنيوية اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية بأسلوب جاد مباشر أو أسلوب مبتكر مستتر... فأمام كل هؤلاء فرص جيدة ومساحات للعمل واسعة في وسائل الإعلام بعد معرفة دقائقها والوقوف على نظرياتها ومعارفها. يدفعهم إلى ذلك قول الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وما رواه مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله) . وهذا الدافع القوي إلى الخير والنفع يقابله تحذير شديد من أن يكون الرجل أداة للهدم أو سلّماً للرذيلة في أي ميدان من ميادين وسائل الإعلام فيتحمل وزر كل من ضل من قريب أو بعيد بسببه سواء كان ضلاله في الدين أم في الاقتصاد أم في السياسة أم في الفكر. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً). وروى مالك والترمذي عن بلال بن الحارث رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة). وهذا الحديث ينطبق أكثر ما ينطبق اليوم على العاملين في وسائل الإعلام الذين من مواقعهم يخاطبون بكلماتهم الألوف المؤلفة في شتى أقطار الأرض لا يعوقهم سهل ولا وعر ولا بر ولا بحر ولا ليل ولا نهار ولا جبال ولا سدود ولا أنهار. فالحذر الحذر من كلمة تسخط الله وتستوجب غضبه إلى يوم الدين (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) 

ثالثا: من آداب المسلم أن يتحرى الدقة في المادة الإعلامية التي يقدمها للناس في وسيلته التي يملك زمامها، فلا يكون كحاطب ليل أو يخبط خبط عشواء بل يزن الأمور بميزان الشرع والعقل. فمن ذلك أن لا ينقل كل خبر دون تمحيص. روى أبوداود والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما يسمع) . وفي رواية مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) ومن ذلك أن لا يشيع الإشاعات الباطلة وأخبار الفواحش، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ومن ذلك أن لا ينشر مادة إعلامية تدعو إلى ما حرّم الله سبحانه كالخمور والفجور والعنف وازدراء الآخرين ولو على سبيل السخرية والمرح، كما لا ينشر مادة إعلامية تستخدم محرماً لترويج أي شيء ولو كان حلالاً كالدعايات التي تستخدم النساء المتبرجات، ومن ذلك أن لا يمجد ويبرز ويركز الأضواء على أهل المجون والفسق والانحراف الذي يضلون الناس بعلم أو بغير علم. روى البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مدح الفاسق غضب الرب واهتز لذلك العرش) ومن ذلك أن لا يرفع من شأن وقدر المجتمعات غير المسلمى إلا بمقدار ما يدعو المسلمين إلى سبقهم في إصلاح الدنيا وإعمار الآخرة، ومن ذلك أن لا يعمد إلى الحقائق أو الوقائع والأحداث فيلوي أعناقها ويسيء صياغتها وتفسيرها خدمة لظالم أو جرياً وراء مصلحة خاصة أو تبعاً لهوى شخصي فقد حذرنا ربنا سبحانه وتعالى من الركون والتمالؤ ومناصرة الظلمة بقوله: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ)

رابعاً: ومن آداب المسلم أن ينتبه إلى أخطار وسائل الإعلام على أسرته فلا يكون مشاركاً فيها أو لاهياً عنها... والأخطار الضارة في وسائل الإعلام ليست فقط في تعرض الأسرة لما يسيء إلى أخلاقها وأفكارها ومشاعرها ويفسد دينها بل أيضاً في الاستسلام ساعات طويلة من الليل والنهار إلى وسائل الإعلام التي تفننت في جر الشباب والنساء إليها بمختلف الأساليب حتى أصبح الطفل أو المرأة أو حتى الرجل ينفق أثمن الأوقات أمام التلفزيون أو الراديو أو الجريدة أو المجلة وهو لاهٍ عن دراسته أو واجباته المنزلية أو مسئولياته الحياتية... ومن هذا القبيل ما يفعله بعض الموظفين من الالتفات إلى قراءة الجريدة وحل الألغز وغير ذلك في الوقت الذي يترك فيه عمله ويعوق مراجعيه ويضيع وقتاً يأخذ عليه أجراً... إن تخصيص وقت لوسائل الإعلام ضروري جداً على مستوى الفرد أو الأسرة حتى لا نكون ضحايا مسلوبي الإرادة فالمسلسلات لا تنتهي والأخبار لا تتوقف والمباريات تملأ الليل والنهار وألوف من الإرساليات الإعلامية تقرع بابك وتلح عليك وتتربص بك... وما لك من سبيل سوى الإرادة القوية لتخلص نفسك وأهلك من براثنها ولتنتقي ما ينفعك وينفع أبناءك منها وإلا تحوّلت إلى شاهد زور على عملية إفساد أعز الناس عليك دون حراك منك ولا ردة فعل.

 

خامساً: ومن آداب وسائل الإعلام مساهمتها الفعّالة في نشر الوعي الديني بتوضيح الأحكام الشرعية وعرضها على الناس عرضاً جيداً مشوقاً وكذلك مساهمتها الفعالة في نصرة قضايا المسلمين في مختلف بقاع الأرض... تلك القضايا التي كما تحتاج إلى قوة ومال ورجال فإنها تحتاج إلى دعم إعلامي يظهر أحقيتها وصحة وجهة نظرها، كما يظهر ظلم وطغيان أعدائها ومجاوزتهم كل حد في العدوان على المسلمين، كما يدعو المسلمين إلى تحقيق معنى وحدة المسلمين وتناصرهم وتآخيهم فيما بينهم، كما يبيّن كيفية تآلب أعداء الله ورسوله وتعاونهم على الباطل وتآزرهم في نصرته، وكذلك مساهمتها في الدعوة إلى الله حيث أن وسائل الإعلام اليوم مهمة وضرورية لإيصال صوت الإسلام بمختلف اللغات في مختلف الأوقات إلى جميع القارات.

 

سادساً: ومن آداب وسائل الإعلام أن لا تصبح وسيلة لإثارة الفتن بين الناس، وإذا كانت النميمة بين اثنين بنقل ما يسوؤهما إليهما من بعضهما وإفساد الود بينهما من أكبر الكبائر فما بالك بالإفساد بين الشعوب المسلمة والنميمة بينها وتهييجها وإثارتها ضد بعضها البعض مما يؤدي إلى حروب تستباح فيها الأعراض والأموال أو أحقاد وضغائن تتقطع بسببها الأواصر والقرابات وذلك لعمري من الإفساد في الأرض الداخل في قوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) وهو أشبه ما يكون بفعل اليهود الذين ساءهم اجتماع صف الأنصار واتحاد كلمتهم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاموا يحرضون هؤلاء على هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء حتىأثاروا كوامن الفتن وأيقظوا نائمات الأحقاد... فمن آداب وسائل الإعلام بجميع صورها أن تتحاشى ذلك قليلاً أو كثيراً على مستوى فردي أو جماعي وأن تستبدله بالكلمة الحلوة والجملة الرقيقة والتعبير الراقي فاستخدام أساليب التهييج وكلمات السب وتعابير الإثارة ضرب من اللغو نهينا عنه وأُمرنا بالإعراض عن أهله وطرقه.