آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    التزكية والأخلاق   أدب الدين والدنيا
آداب المرض وعيادة المرضى



مرات القراءة:3089    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

آداب المرض وعيادة المرضى

 

بقلم الباحث الشيخ عبد الله نجيب سالم

 

 

المرض نقيض الصحة وهو كما عرفه بعضهم: خروج الجسم عن حد الاعتدال أو هو ضعفه عن القيام بوظائفه. ولا شك أنه من البلاء وجملة المصائب التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه المعافاة والسلامة منها كما جاء في الحديث: "اللهم عافني في بدني"  وقد أصيب به الأنبياء والصالحون قديماً وحديثاً شأنهم شأن سائر البشر، ولذلك فهؤلاء يشين الإنسان ولا ينقص قدره إلا أنه بالتأكيد يضعفه عن كثير من الأمور وبعضها تعبدي فمن هنا كانت له بعض الأحكام الشرعية الخاصة وبعض الرخص المحددة، كما أن المرض لا يخلو من فائدة للإنسان حيث يوقظه على حقيقة ضعفه وعجزه وعبوديته فيجعله بالتالي أقرب إلى الله، وأسهل في تقبل الموعظة، وأدنى إلى الفرح بالنصيحة، هذا عدا ما فيه من الأجر الكبير والثواب العظيم فقد روى أبو داود في سننه حديث أم العلاء رضي الله عنها قالت: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضة فقال: "أبشري يا أم العلاء فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة" .

ولما كان كل إنسان في مختلف مراحل عمره معرضاً للمرض ـ على كراهة الإنسان وفراره منه ـ فإن الدين الحنيف قد اعتبر للمرض وما يتعلق به آداباً على النحو التالي:

أولاً: من آداب المسلم أن يعتقد جازماً غير متشكك أن المرض بكل أنواعه وألوانه إنما هو من الله سبحانه، شأنه في ذلك شأن الصحة والرزق والولد والحياة والموت، وأن الله سبحانه هو الذي يكتب على عباده ويقدر لهم ما تكون عليه أحوالهم وتقلباتهم وما يصيبهم في حياتهم من خير أو شر بما في ذلك الأوجاع والأمراض، وكذلك أنه سبحانه هو الذي يشافي ويعافي ويذهب الداء العضال والمرض المزمن ويخلق الدواء والعلاج كما جاء في الحديث الشريف قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يخلق داء إلا وخلق له دواء إلا السام"  أي الموت... وبناء على هذا الاعتقاد فإن المسلم يلجأ إلى الله في المرض طالباً منه الشفاء كما يلجأ إليه في حال الصحة طالباً منه دوام العافية، وقد ورد هذا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم... وما عقيدتنا في الدواء إلا كعقيدتنا في الطعام مثلاً فالله سبحانه هو الشافي وهو المطعم والدواء والطعام أسباب خلقها الله وأمر بالأخذ بها دون الغفلة عن خالقها ومسببها ومصرفها... ومن هذا فقد يشفي الدواء وقد يهلك المرء والدواء بين يديه لا يقدم ولا يؤخر.

ثانياً: تناول الدواء مشروع من حيث الجملة لما روى أبو الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداوو بالحرام" . وهو ـ أي التداوي ـ من سنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية فقد روى الإمام أحمد أن عروة بن الزبير كان يقول لعائشة ـ خالته ـ يا أمتاه لا أعجب من فقهك، أقول زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة أبي بكر. ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس. ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو ومن أين هو. قال: فضربت على منكبيه وقالت: أي عرية إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فكانت تنعت له الأنعات وكنت أعالجها له فمن ثمَّ علمت. ومن الذين قالوا باستحباب التداوي الشافعية والقاضي وابن عقيل وابن الجوزي من الحنابلة. قال ابن القيم: في  الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعاً... ويدخل في استحباب تناول الدواء ما يقتضيه الدواء للحصول على نفع من تجارب علمية ومختبرات متنوعة وأجهزة متخصصة وكليات علمية فكل ذلك معين على التداوي موصل إلى نتائجه الشافية بإذن الله وتقديره.

 

ثالثاً: ومن آداب المرض أن يرقى المسلم نفسه بما ورد من رُقي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي توفي فيه بالمعوذات.

قالت عائشة: فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها . وعند البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس أذهب البأس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً"  وفي مسلم عن عثمان بن أبي العاصي رضي الله عنه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثاً وقل سبع مرات! أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"  وفي سنن أبي داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله سبحانه وتعالى من ذلك المرض" . وعن ابن السني عن عثمان رضي الله عنه قال: مرضت فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوّذني فعوذني يوماً فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالأحد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفواً أحد من شر ما تجد". فما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً قال: "يا عثمان تعوذ بها فما تعوذتم بمثلها" .

والأدعية الواردة للاستشفاء بالنسبة للمريض كثيرة وعديدة وهي تعلمنا الطريق الصحيح في اللجوء إلى الله سبحانه لا إلى سواه، والمريض خير من يعقل الحقيقة... هذا ويضاف إلى الأدعية تلك ما ورد من أدوية أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من العسل والحبة  السوداء وماء الكمأة والسواك وغيرها فاستعمالها مفيد مجرب وفيه بركة معهودة.

 

رابعاً: ومن آداب المرض أن يستعد المسلم لما قد يحدث بعده من وفاة وموت فذلك أمر غير مستبعد. قال الإمام النووي رحمه الله: ويستحب لمن أيس من حياته أن يكثر من القرآن والأذكار ويكره له الجزع وسوء الخلق والشتم والمخاصمة والمنازعة في غير الأمور الدينية، ويستحب له أن يكون شاكراً لله تعالى بقلبه ولسانه ويستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته من الدنيا فيجتهد على ختمها بخير ويبادر إلى أداء الحقوق إلى أهلها من در المظالم والودائع والعواري واستحلال أهله من زوجته ووالديه وأولاده وخدمه وجيرانه وأصدقائه وكل من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة أو تعلق في شيء، ويوصي بما لا يتمكن من فعله في الحال من قضاء بعض الديون وبعض ذلك، وأن يكون حسن الظن بالله سبحانه وتعالى أنه يرحمه وأن الله تعالى غني عن عذابه، ويستحب أن يوصي أهله وأصحابه بالصبر عليه في مرضه ويوصيهم أيضاً بالصبر على مصيبتهم به كما يوصيهم بالإحسان إلى أصدقائه وأقربائه وذويه ومما لا شك فيه أنه يجب عليه المبادرة بأداء وقضاء حقوق الله سبحانه وتعالى.

 

خامساً: الصبر على شدة المرض وآلام البلاء سنة مستحبة، فمن آداب المسلم أن لا يكثر من الشكوى فالبلاء على قدر المقام، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته فقلت: إنك لتوعك وعكاً شديداً قال: (أجل كما يوعك رجلان منكم) . ومن الصبر أن لا يتمنى الموت مهما اشتد به المرض أو طال ففي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لا بد فاعل فليقل: اللهم أحييني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي). كما أن مما يعينه على الصبر أن يتذكر مصاب الآخرين وأمراضهم وبلاءهم. وقد قيل أن عروة بن الزبير بعد أن فقد ولده

 

وقطعت رجله في رحلة الشام وكان قد قتل أخوه عبدالله قبل ذلك فلما دخل على الخليفة إذا بوفد من بني عبس فيهم رجل أعمى فسأله عن حاله فقال: بتنا ليلة وما في عبس أكثر مني مالاً ولا ولداً ففاجأتنا ريح عاتية ومطر شديد ذهب بالمال وحمل الولد إلا طفلاً صغيراً كان بين يدي وبعيراً مربوطاً إلى جانب البيت. فتفلت البعير وانطلق فذهبت لأدركه ووضعت الطفل فوق صخرة فما مضيت بعيداً حتى سمعت صراخ الطفل فإذا رأسه في فم الذئب فلحقت بالبعير فإذا به يضربني برجله فأفقد بصري فأصبحت يا أمير المؤمنين لا مال ولا أهل ولا ولد ولا بصر. فقال الخليفة: امضوا به إلى عروة ليعلم أن في الأرض من هو أشد بلاءً منه.

 

سادساً: ومن آداب المرض أن ينتهز المسلم فرصة وقوعه فيه ليعظ نفسه ويذكرها بضعفها وعجزها... ففي المرض تزول كثير من الأقنعة المزيفة التي تغطي وجوهنا وتحول بيننا وبين رؤية حقيقة الإنسان وضعفه وعجزه وحاجته إلى رحمة الله... إن الإنسان إذا كان معافى غرّه ماله أو جاهه أو منصبه أو ولده وظن أن هؤلاء هم سنده ومدده وحوله وعضده فإذا أصابه المرض ووقف هؤلاء كلهم عاجزون عن رفع الألم أو دغع الضر أو توفير العافية انزاحت الغشاوة وتعرت الحقيقة وعرف المرء حاجته إلى ربه وأنه سبحانه هو أقرب إليه من حبل الوريد وأن أمره فيه قاب قوسين أو أدنى وأنه لا يملك حولاً ولا قوة في الاستجابة لدعوة الحق إذا جاء وقتها فالتوبة التوبة... والاستغفار الاستغفار وترك المعاصي والموبقات، ومن هنا فالمريض إذا دعا دعا ربه بإخلاص شأن الغريق المضطر في ساعة انقطاع الرجاء والأمل. وكان دعاؤه مستجاباً ولذا استحب أن تسأل المريض أن يدعو لك.

 

سابعاً: ومن آداب المرض أن يعلم المسلم ما خفف الله عنه في مرضه من تكاليف شرعية فيها شيء من المشقة عليه فكانت المشقة مجلبة للتيسير كما يقول الأصوليون. فمن رخص المرض: ترك صيام رمضان إن كان يشق عليه. ومن رخص المرض: ترك القيام في الصلاة وأداؤها من تعود واستلقاء. ومن رخص المرض: ترك استعمال الماء إن كان يضر به والتيمم بالتراب عوضاً عنه. ومن رخص المرض: جواز كشف العورة لعلاجها ولو على امرأة طبيبة إن لم يكن ثمة رجل يعالج. ومن رخص المرض: سقوط الحج بنفسه إن كان المرض قد أضعفه عن إمكانية السفر وكان مزمناً لا يرجى برؤه فيجوز له حينئذ أن يرسل من يحج عنه. بل مما منّ الله به على المريض في مرضه أن كتب له ما اعتاد فعله في صحة وعافية من صلاة وصوم وقيام ليل وعمل صالح ونحو ذلك كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

ثامناً: ولعيادة المريض بالنسبة للأصحاء آداب عديدة منها: أن لا يطيل الزائر الجلوس عنده إلا إن كان يأنس به أو كان يعتني به، وأن يدنو من المريض ويضع يده على جسمه ويسأل عن حاله وينفس له في الأجل بأن يقول ما يسرّ به ويوصيه بالصبر على مرضه ويذكر له فضله إن صبر عليه ويسأل منه الدعاء، وأن يستصحب معه ما يستروح به كفاكهة وريحان، وأن يتصدق عليه إن كان محتاجاً، وأن يرغبه بالتوبة والوصية، وأن يعتبر بحال المريض وكلماته وأن يدعو له بالشفاء.

وقد عقد الإمام النووي في كتابه القيم الأذكار باباً بعنوان: باب وعظ المريض بعد عافيته وتذكيره الوفاء بما عاهد الله تعالى عليه من التوبة وغيرها. وروى عن كتاب ابن السني عن خوّات بن جبير رضي الله عنه قال: مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

(صح الجسم يا خوّات. قلت: وجسمك يا رسول الله. قال: فَفِ الله بما وعدته. قلت: ما وعدت الله عز وجل شيئاً! قال: بلي إنه ما من عبد يمرض إلا أحدث الله عز وجل خيراً فف الله بما وعدته) .