آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    التزكية والأخلاق   أدب الدين والدنيا
آداب المنتزهات وأماكن الترويح عن النفس



مرات القراءة:9435    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

آداب المنتزهات وأماكن الترويح عن النفس

 

بقلم الباحث الشيخ عبد الله نجيب سالم

 

 

 

مع بحث الإنسان المعاصر عن كل المتع واللذائذ، وحرصه على الاستمتاع بأنواع عديدة من المباهج الدنيوية، ومع الأخذ بعين الاعتبار ضغط الحياة المادية وإرهاقها المتواصل للفرد والحرمان الواقع على الإنسان من الطبيعة البكر بعد اكتظاظ المدن انتشار الآلة في كل جوانب الحياة نتيجة ذلك كله تزايد اهتمام الإنسان بأماكن الترويح عن النفس واشتدت عنايته بالأماكن العامة التي يتنزه فيها المرء ويسترخي، واتجه إلى الإكثار منها والتأكيد على دورها في الحياة... وهذه الأماكن قد تكون شاطئاً هادئاً أو بحراً زاخراً أو حديقة غنّاء أو قمة جبل منعزلة أو صحراء رحبة واسعة أو بساتين مثمرة أو ضفة نهر رقراق أو حافة بحيرة صافية... وقد يرتادها الإنسان في الصيف اللاهب بحثاً عن نسمة باردة أو في الشتاء القارس طلباً للمتعة الدافئة أو في الربيع الجميل حباً في الأزهار المتفتحة أو في الخريف المتقلب برودة ودفئاً... وعادة ما تتوفر في هذه المنتزهات وأماكن الترويح خدمات الطعام والشراب، والحفلات والألعاب، والذهاب والإياب، والمبيت مع الأهل والأحباب.

وإذا كان الاتجاه صوبها في المواسم يقصد به في الأصل التروح واستجمام النفس فإن تكرار ذلك تحول إلى عادة مستحكمة وطريقة دائمة وأمراً عند بعض الناس لا غنى عنه مما ينبغي معه التعرف على الآداب الشرعية العامة المستحبة لمثل تلك الأماكن العامة:

 

أولاً: يختار المسلم الأماكن التي يقصدها للترويح عن النفس مما يتوفر فيها شرط أساسي مهم وهو أن لا تكون محطات للمعصية أو أوكاراً للخطايا أو موبقات للإثم

 

فإن كان شيء من ذلك موجوداً فيها فالبعد عنها غنيمة وهجرها فريضة والبراءة منها براءة عما يغضب الله ويسخطه... والمعاصي المتوقعة في أماكن الترويح والمنتزهات العامة إما أن تكون في المأكل والمشرب كالمطاعم التي تقدم الخمور والمسكرات بأنوعها وأصنافها ومختلف مسمياتها أو تقدم اللحوم المحرمة كلحم الخنزير أو ما ذبح من المأكولات بغير الطريقة الشرعية أو لحوم الحيوانات غير المباحة شرعاً كبعض أنواع الطيور أو الحيوانات البرمائية أو نحو ذلك... وإما أن تكون المعاصي في حفلات ماجنة تقام في الفنادق أو الصالات كحفلات رأس السنة أو الحفلات التنكرية أو بعض الحفلات الغنائية مما يختلط فيها الحابل بالنابل والحلال بالحرام والغث بالسمين... وإما أن تكون المعاصي فيما يقع في بعض أماكن الترفيه من عري أو تهتك أو استهتار بالشرع أو تسهيل للرذيلة وترويج لها كنوادي العراة والفنادق المشبوهة والشقق المفروشة وأماكن العلاج الطبيعي خاصة في البلاد غير المسلمة التي لا يفصل في حماماتها ومياهها بين الرجال والنساء كما لا يعرف فيها ستر العورة وغض البصر... فكل تلك الأماكن وأشباهها يليق بالمسلم الحذر منها وأغلبها في البلاد الغربية أو الشرقية التي لم تتطهر من رجس المعاصي بنور الإسلام فبقيت في حمأة كثير من الرذائل والشرور... والواقع أن هذا الأدب الاحترازي ضروري ومهم لكل سائح ومصطاف وطالب للراحة والمتعة المشروعة حيث أن من يبتعد عن المعاصي قد لا يراها ولا تتعرض له أسبابها أما من لم يحذر منها أو لم يكترث بذلك فإنها غالباً ما تكون قريبة منه وفي متناوله ولا يسلم بالتالي منها.

 

ثانياً: إذا ذهب المسلم إلى أي مكان للترفيه والترويح عن النفس فعليه أن لا ينسى العبادات الشرعية المطلوبة منه في كل حال: سفراً كان أو حضراً كالصلاة التي لا يجوز تركها أبداً البتة وإنما تؤدى في كل مكان ووقت، وليس من الأعذار الشرعية المسقطة لها أو المبيحة لتأخيرها عن مواعيدها كون الإنسان في مصيف أو بلد بعيد أو مكان غير مسلم أو فندق ضخم أو بين أقوام كافرين ولو تعود المسلمون الاهتمام بأوقات الصلاة والتعرف إلى اتجاه القبلة والبحث عن أسباب الطهارة والفرح بالمساجد لحرص أرباب أماكن الترفيه على ذلك انطلاقاً من حرصهم على الزبائن، ورغبتهم في كسب ودّهم لأن الكثير من أولئك الناس يعيشون على ما ينفقه هؤلاء السياح والمصطافون والمسافرون...ومثل الصلاة أيضاً: الصيام وذكر الله في كل مكان فإن الأماكن التي يذكر الله فيها تذكر ذلك لصاحبها وتشهد له به بل وتأنس به وتفرح على العكس من المعاصي التي تسوؤها وتتبرم بها وإن كانت جمادات لا تملك أن تعبر... ويلحق بهذا الأدب أن يحرص المسلم حيثما ذهب وحل وارتحل على التعامل مع المسلمين مع أبناء تلك المناطق السياحية فإنهم إخوة لنا وأنصار في الدين... ولا عبرة بما يشيعه البعض من كون غيرهم أكثر أمانة أو أحسن خلقاً فذلك أمر احتمالي وهو راجع في كثير من جوانبه إلى سوء تصرف السائح أو المصطاف.

 

ثالثاً: ومن الآداب الإسلامية في أماكن الترويح عن النفس النظر إليها بعين المؤمن الذي يراها نعمة من نعم الله على عباده وآية من آيات قدرته ومظهراً من مظاهر رحمته وحكمته... فهذه الجبال الشامخة المكسوة بالثلوج البيضاء أو الغابات الواسعة الخضراء أو الشطآن الوادعة الفضية أو الينابيع الحارة المتدفقة أو البحار الزرقاء الرحبة أو الحدائق الغنّاء المزدانة بألوان الزهور المعطرة بأريج الورد ألا تثير في النفس سؤالاً عن خالقها ومبدعها وموجدها كيف لوّن ألوانها ورفع عاليها وبسط سهولها وأنبت زهرها وسكب فيها عطرها ونسّق تناغمها، بل كيف جعل في كل أرض خصائصها ومنحها ما يميّزها عما سواها كما قال تعالى: (والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعاً لكم ولأنعامكم) وقال تعالى: (ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك) وقال سبحانه: (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان) .. كما أن من العبرة والعظة أن ننظر إلى الآثار والأطلال التي هي من الأماكن اليت تقصد للسياحة والترويح كيف تركها أهلها وطوتهم بطون الأرض قال تعالى: (فكأي من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد) من أجل هذا وذاك دعانا ربنا إلى السير في الأرض والضرب في جنباتها للاعتبار قال سبحانه: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

 

رابعاً: ومن آداب تلك الأماكن إذا زارها المسلم أن يغض بصره عن الحرام فالنظر بريد القلب ومن لا يحفظ بصره لا يحفظ قلبه ومن لا يحفظ قلبه لا يحفظ جوارحه فإن الجوارح مأمورات للقلب مسخرات له، ولقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: (والعين تزني وزناها النظر) وقد أرشدنا ربنا سبحانه ابتداء إلى غض البصر عمن لا يحل النظر إليهن من النساء فقال سبحانه: (قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم ويحفظا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها). وقديماً قال الشاعر الحكيم:

        كل المهالك مبداها من النظر           ومعظم النار من مستصغر الشرر

 

فالحذر الحذر من النظرات المشبوهة التي يتمنى القلب فيها الأماني المحرمة فإن النظرة سهم من سهام إبليس كما جاء في الحديث الشريف خاصة وأن تلك الأماكن ابتداء من الحدائق العامة إلى الشواطئ المفتوحة فالمصايف العروفة وغيرها تعج بالنساء وتمتلئ بالسافرات وتزدحم بالمتبرجات الفاتنات.

 

خامساً: ومن آداب المسلم في أماكن التنزه والترويح عن النفس المحافظة على نظافة المكان بعد استخدامه وجمع الفضلات وبقايا الطعام والشراب والأوراق والحبوب في الأماكن المخصصة لذلك حتى يجدها من يأتيها بعده نظيفة ويتركها لمن خلفه كذلك... لأن النظافة عنصر أساسي في مثل تلك الأماكن نظراً لكثرة روادها من جهة وكثرة ما يخلفونه رواءهم من فضلات لا يليق بالمسلم أن يتركها دون إزالة فقد علمنا ديننا أن ننظف أجسامنا وثيابنا ومساجدنا وطرقنا ومدننا حتى نكون شامة بين الناس وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (إن الله نظيف يحب النظافة جميل يحب الجمال فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود)(1). كما أمرنا بإماطة الأذى والأوساخ والمؤذيات عن الطريق فقال صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان). فإذا كانت إزالة أوساخ الآخرين سنة فكيف بإزالة ما نخلفه نحن وراءنا على الشواطئ أو في الاستراحات أو الحدائق أو نحوها.

 

سادساً: ومن آداب المسلم أيضاً المحافظة على المرافق العامة التي وضعت لاستخدام الجميع وانتفاعهم بها كالحمامات والمقاعد والمظلات والساحات والأنوار وغرف الاستراحة وعدم إتلافها أو العبث بها، والحرص كل الحرص على أن نحسن حيثما حللنا ولا نسيء، وأن نعمر ولا ندمر، وأن نبني ولا نخرب، وأن نصلح ولا نفسد حتى لانكون ممن قال الله فيهم: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) والمسلم بطبعه أمين على الأشياء ينتفع بها من دون أذى لأن الله سبحانه نهانا عن إتلاف المال كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله كره لكم ثلاثا وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) ومن السفاهة والمعصية أن نعمد إلى كسر زجاج أو شق مقعد أو تحطيم حاجز أو قلع إشارة أو إعطاب حنفية ماء أو قفل باب أو نحو ذلك مع أن ديننا يعلمنا صراحة أن (لا ضرر ولا ضرار) وأن خير الناس أنفعهم للناس وأن نعامل الناس وأموالهم كما نحب أن يعاملونا به. وفي هذا المجال ينبغي التنبيه على ضرورة حفظ الأبناء من ذلك العبث المؤذي وتوجيههم السليم نحوه وتأنيبهم وزجرهم عنه ومعاقبتهم عليه وإصلاح ذلك الخلل الصبياني في نفوسهم فإن أكثر من يقع منهم الإفساد في المرافق العامة في أماكن المنتزهات والراحة هم الصبية الذين لا يجدون من يعلمهم أو يؤدبهم، وفي الحقيقة فإن أفعالهم صورة عاكسة لأهليهم فعلينا أن نرى الآخرين سواء في  الداخل والخارج أحسن الصور وأجملها...

                وينشأ ناشئ الفتيان فينا         على ما كان عوّده أبوه

 

سابعاً: ومن الآداب الشرعية المطلوبة وبتأكيد بالنسبة لتلك الأماكن الحذر والخوف كل الخوف من انتقال عادات الشعوب الأخرى الغريبة على أمتنا وديننا فبعض الشعوب لا تستنكر الزنا خاصة بالنسبة للشباب، وبعض الشعوب تستمرئ أكل لحوم الخنازير، وبعض الشعوب يعبد آلهة باطلة أصناماً أو أشخاصاً، وبعض الشعوب يستبيح نكاح المحارم، وبعضها يرى في الاختلاط والتبرج وعرض النساء مفاتنهن أمام الرجال نوعاً من المتعة المباحة وضرباً من الذوق المستساغ... فإذا ما ذهبنا إلى بلدانهم طلباً للراحة والاستجمام وخالطناهم وساكناهم وأعجبنا بهم أصابتنا عدواهم إن لم نكن حذرين من ذلك وانتقل إلينا من طباعهم وأفكارهم وسلوكياتهم ما يتنافى مع ديننا إن لم نأخذ جانب الحيطة... ويكفينا ضرراً من مخالطتهم سماع نواقيسهم تدق صباح مساء أو رؤية صلبانهم وكنائسهم أمام أعيننا كل حين أو ممارستهم حياتهم بالطريقة التي لم نألفها ولم نحبها... إن المجالسة تدعو إلى المجانسة وصدق الله سبحانه في قوله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) حيث فسّرها بعض العلماء بالنظر إليهم دون إنكار.وإكرام صديقهما).