آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    التزكية والأخلاق   أدب الدين والدنيا
آداب الجوار



مرات القراءة:12379    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

آداب الجوار

 

بقلم الباحث الشيخ عبد الله نجيب سالم

مقدمة:

يقصد بالجوار عند الحديث عن حقوق الجوار وآدابه: الملاصقة في السكن أو نحوه كالبستان والحانوت.

ومن الواضح البين أن للإسلام موقفاً مميزاً ونظرة خاصة ومفاهيم معينة تحكم علاقة الجيران بعضهم ببعض... وهي نابعة أصلاً من حرص الإسلام على الترابط الاجتماعي والإيثار الأخلاقي، وتعميق مفهوم الإيمان الحق، وتأصيل الروح الجماعية في الأمة الواحدة...

 

الحث على احترام الجار والإحساس إليه:

ومن أجل هذا نفهم العدد الكبير من النصوص الشرعية ـ آيات وأحاديث وآثار ـ التي وردت في هذا الباب...

قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ  مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً)

ومعنى الجار ذي القربي أي: من بينك وبينه قرابة، ومعنى الجار الجنب هو: الذي لا قرابة بينك وبينه...

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره" .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره" .

ومن هذا القبيل ما روته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"  ويعضد هذا المعنى ويؤيده ما رواه أبو شريح رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جار لا يأمن جاره بوائقه". قالوا: وما بوائقة؟ قال: شره

قال ابن بطال: في هذا الحديث تأكيد حق الجار، لقسمه صلى الله عليه وسلم على ذلك وتكريره اليمين ثلاث مرات، وفيه نفي الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو بالفعل، أو مراده الإيمان الكامل.

ولا شك أن العاصي غير كامل الإيمان.

 

- من هو الجار؟!

 

هذا وقبل أن نبدأ باستعراض الآداب الفاضلة التي حض عليها الإسلام في تعامل الجيران فيما بينهم، ننوه إلى أن حَدّ الجوار مختلف فيه بين العلماء على وجوه عديدة.

فقد تقيّد بعضهم بمفهوم الملاصقة، فقال أبوحنيفة: إن الجار هو الملاصق فقط.

وتوسع بعضهم فقال المالكية: الجار هو الملاصق والمقابل له بينهما شارع ضيق.

وزاد بعضهم فقال: الجار من سمع النداء، أي من يصله صوت المؤذن الذي يؤذن دون استخدام مكبر الصوت، وقيل: من صلى الصبح معك في المسجد جار.

وذهب الشافعية الحنابلة إلى أن حد الجوار، أربعون داراً من كل جانب، مستدلين بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حد الجوار أربعون داراً هكذا وهكذا وهكذا).

 

الآداب الشرعية في الجوار:

 

وبعد فإليكم بيان أهم الآداب الشرعية في الجوار:

 

أولاً: صاحب حق مفروض:

للجار حقوق ليست لغيره من المسلمين، وعليه واجبات ليست على غيره.

قال ابن تيمية رحمه الله: إن المجاورة توجب لكل من الحق ما لا يجب للأجنبي، وتحرم عليه ما لا يحرم على الأجنبي، فيبيح الجوار الانتفاع بملك الجار الخالي من ضرر الجار ويحرم إذا استضر بذلك.

وهذا الكلام النفيس مرجعه أدلة كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره).

وقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. قال: ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام. قال: لأن يسرق الرجل من عشر أبيات أيسر عليه من يسرق من جاره).

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في إثبات حق الجار بالشفعة في ملك جاره: (الجار أحق بسقبه ما كان) وفي حديث آخر (جار الدار أحق بالدار)....

ولذلك فالمسلم ينظر إلى جاره ابتداء نظرة خاصة مختلفة كلياً عن نظرته إلى سائر المسلمين.

 

ثانياً: الجار اسم شامل وهو مراتب:

 

إن حقوق الجوار في الإسلام تشمل كل جار أياً كان حاله أو وصفه.

قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعبد والفاسق، والصديق والعدو، والبلدي والغريب، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب داراً والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض فأعلاها: من اجتمعت فيه الصفات الأولى كلها، ثم أكثرها، ثم أقلها وهكذا. وقد عد العلماء من الصفات الأولى: الإسلام والعبادة والصداقة وكونه من بلدك والنافع لك والقريب فالأقرب.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: الجيران ثلاثة: جار له حق وهو الذمي الأجنبي له حق الجوار، وجار له حقان وهو المسلم الأجنبي، وجار له ثلاثة حقوق وهو المسلم القريب له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة، وفي نص هذا نقل الغزالي رحمه الله حديثاً صرح العراقي بضعفه إلا أنه تقسيم صحيح...

ومما لا شك فيه أن أولى الجوار بالرعاية والاهتمام إذا اتحدت الصفات فيهم من كان بابه أقرب إلى بابك، وإلى هذا أشار البخاري رحمه الله حين قال: باب: حق الجوار في قرب الأبواب، وأدرج تحته حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك باباً).

 

ثالثاً: كف الأذى عن الجار:

 

وأولى درجات حقوق الجار وأبسط آداب التعامل معه في الإسلام أن تكف عنه أذاك أو أذى زوجتك أو أولادك. ولكف الأذى صور كثيرة:

منها: أن لا تزعج جيرانك بالصوت العالي كصوت المذياع أو مكبرات الصوت أو بوق السيارة، أو حتى بالأصوات العالية الصادرة عنك وعن ضيوفك، خاصة في الليل وفي فترات الاستراحة.

فقد أُمرنا عموماً بغض الصوت (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)

وكما لا يجوز الإزعاج بالأصوات العالية لا يجوز الإزعاج بالدق أو القفز أو تحريك الأثاث بشكل يتضايق منه الجيران في أوقات هدوئهم ونومهم...

وكذلك لا يجوز إزعاج الجيران في المرافق المشتركة كمواقف السيارات وممارها، والمصعد المشترك، والدرج الواحد، والسطح وغير ذلك من مرافق الجوار الواحدة.

ومن كف الأذى عن الجيران: أن لا تستطيل على بناء جارك، وبوجه خاص إذا كان سكنه مكشوف الساحة والفناء وهو ما يُعرف بالبيوت العربية.

فلا يجوز الكشف على الجار من نوافذ بنائك أو سطح بيتك.

فقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب في رجل أحدث غرفة على جاره ففتح كوّة: أن يوضع وراء تلك الكوة سرير ويقوم عليه رجل فإن كان ينظر إلى ما في دار الرجلُ مُنع من ذلك، وإن كان لا ينظر لم يمنع من ذلك.

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن من كان سطحه وسطح جاره سواء وفي صعوده السطح يقع بصره في دار جاره فللجار أن يمنعه من الصعود ما لم يتخذ سترة...

وإن من البلاء المستشري الذي لا يكاد ينكر اليوم ما تعارف الناس عليه من بناء إفرنجي يجعلك في مقام تشرف على أربعين جاراً في بيته، لا جاراً واحداً والعياذ بالله.

وقد جاء في الحديث الشريف من حقوق الجار (لا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه).

 ومن كف الأذى عن الجيران: أن تحافظ على مجاري مياهك، سواء كنت فوق الجيران أو تحتهم أو إلى جانبهم، فإن من أشد أنواع الأذى ما يقع من تهاون في هذا مما يؤدي إلى مشاكل لا نهاية لها بين الجيران...

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤذي جارك بأقل من ذلك وهو قتار القدر أي رائحته ودخانه.

فقال: (ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها).

ومن كف الأذى عن الجيران: عدم إفشاء أسرارهم، وستر عوراتهم، فإن الجار يطلع على أحوال جاره ويعرف منها أكثر مما يعرف الأخ من أحوال أخيه، والقريب من أسرار قريبه، فلا يجوز أن تكون إذاعة متنقلة عن أحوال جيرانك ومشاكلهم وأخبارهم، بل استر عوراتهم ولا تشتغل بغيبتهم أو النميمة بينهم.

وقد ورد من الدعاء الطيب: (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء إن رأى حسنة سترها وإن رأى سيئة نشرها).

رابعاً: تحمل أذى الجار:

وأعلى درجة من كف الأذى عن الجار تحمل الأذى الصادر عنه بصدر رحب وسماحة نفسية.

فقد قال الغزالي: (اعلم أنه ليس حق الجوار كف الأذى فقط، بل احتمال الأذى).

ومن هذا القبيل جاء حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال له: "اصبر" فأتاه مرتين أو ثلاثاً. فقال: "اذهب فاطرح متاعك في الطريق" ففعل، فجعل الناس يمرون ويسألونه فيخبرهم خبر جاره فجعلوا يلعنونه (فعل الله به وفعل) وبعضهم يدعو عليه، فجاء إليه جاره فقال: (ارجع فإنك لن ترى مني شيئاً تكرهه).

 

خامساً: إكرام الجار:

 

أرقى مما سبق وأعلى منزلة أن يكرم الرجل جاره ويحسن إليه بشتى أنواع الإكرام والإحسان المادي والمعنوي حتى يكون كامل الإيمان كما جاء في الحديث الشريف: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)(2).

فمن إكرام الجار أن تبدأ بالسلام عليه إذا لقيته، وأن تختار أحلى الكلام في سلامك، ليكون سلامك عليه مميزاً عن سلامك على غيره لمزيد حقه.

ومع السلام يستسحن أن تشعره باهتمامك بأموره وصحته وراحته، سائلاً إن كان هناك ما يزعجه منك دون علمك، أو يرغب فيه منك مع قدرتك، دون خوض منك في تفصيلات تعلم ضيقه بالسؤال عنها أو الخوض فيها.

ومن إكرام الجار مشاركته في المناسبات المختلفة السارة، وغير السارة، فمن السنة أن تعوده إذا مرض، وأن تشيّع جنازته إذا مات، وأن تبدأه بالتهنئة في العيد، وأن تحضر أفراحه ودعواته إن دعيت.

قال الغزالي: وجملة حق الجار أن يبدأه بالسلام، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ويهئنه في الفرح، ويظهر الشركة في السرور معه، ويصفح عن زلاته، ولا يتطلع من السطح إلى عوراته، ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ولا في صب الماء في ميزابه، ولا يضيق طرقه إلى الدار، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف له من عوراته، وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، ولا يسمع عليه كلاماً، ويتلطف بولده في كلمته، ويرشده إلى ما يجهله من أمر دنياه ودينه.

ومن إكرام الجار تفقد أحواله المعيشية، فلا يسلم دين المرء إذا علم فقر جاره وجوعه وخلته بينما يتقلب هو وأسرته في فرش النعيم ولذائذ الطعام.

وقد نص على ذلك صراحة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كم من جار متعلق بجاره يقول: يا رب سل هذا لم أغلق عني بابه ومنعني فضله).

ومن إكرام الجار إعانته إذا استعان بك بمالك أو نفسك أو جاهك، وإغاثته إن سمعت صيحته أو أنته أو استغاثته.

وقد روي أن ابن المقفع بلغه عن جار له يريد بيع داره في دين عليه، وكان ابن المقفع يجلس في ظل دار ذلك الجار فقال: ما قمت إذاً بحرمة ظل داره إن باعها معدماً، فدفع إليه الثمن وقال: لا تبعها.

ومن إكرام الجار إيثاره بالهدية، وتقديمه في الدعوة، وإظهار الفرح بدخوله دارك وإعزاز مقامه أمام الآخرين ونحو ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) .

ومن إكرام الجار التكفل بأهله وأولاده في غيبته، أو بعد وفاته.

ويجمع ذلك كله قوله صلى الله عليه وسلم: (خير الجيران عند الله خيرهم لجاره)(.

وقوله: (من سعادة المرء المسلم في الدنيا: الجار الصالح والمركب الواسع والمسكن الهنيء).

سادساً: لا للإساءة إلى الجيران:

أما الإساءة إلى الجار وتعمد أذاه والتطاول عليه باللسان والتكبر عليه وازدراؤه فذلك والعياذ بالله حال ناقصي الإيمان وفاسدي العقيدة وأصحاب النار لا شك في ذلك.

لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال رجل: يا رسول الله إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: هي في النار. قال: يا رسول اللـه: فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط  (القطع منه) ولا تؤذي جيرانها. قال: هي في الجنة).