آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    الخاتمة    محاضرات وكلمات عن السيدالنبهان
 دروس في صحبة السيد النبهان بقلم الدكتور محمد فاروق النبهان



مرات القراءة:2722    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 دروس في صحبة السيد النبهان

بقلم الدكتور محمد فاروق النبهان


 صحبت الشيخ رحمه الله منذ أن وعيت الحياة إلى أن بلغت الرابعة والثلاثين من عمري، أمضيت عشر سنوات متواصلة كنت معه في نهار وليل، لم أنقطع عنه قط، كان ذلك في طفولتي الأولى، ثم سافرت بعد ذلك لمدة خمسة عشر عاماً لم أنقطع فيها عن صحبته، كنت أشعر أنه معي في سفري، كنت أراه خلال عودتي، وامضى معه معظم وقتي...

كنت أحب صحبته.. لا أدري لماذا.. هل لأنني أحبه أم لصلة القرابة، أم لصلة روحية لا أعرف سرها.. ؟
كل ما أعرفه أنني اشتاق لمجالسه حيثما كنت.. وكانت كلماته في أذني اسمعها وكأنني معه، كان له تأثير كبير في حياتي منذ طفولتي الأولى كنت معه على الدوام... أصلِّي معه الصلوات الخمس جماعة.
استيقظ قبل الفجر بساعة، كان يوقظني بنفسه، أصلي أربع ركعات قبل الفجر كما كان يفعل.. ثم ينتظر أذان الفجر، فإذا حان موعد الأذان أذن بنفسه، ثم يصلي ركعتين سنة الفجر، ثم يؤمّ الأسرة كلها في صلاة الفريضة..
كنت أقف إلى جانبه في الصلاة، وتقف نساء الأسرة خلفه، وكنت أرافقه في كل مكان... في سفر أو زيارة أو عيادة مريض، كما كنت استقبل ضيوفه وأقدم لهم الشاي المعتاد... لم أكن أفارقه أو أتخلف عن مجلسه، ويخصني بعنايته وحبه.. وكان يفرحني ذلك..
ترك أثاراً كبيرة في شخصيتي وتكويني وفكري وطبائعي، بل كل الصفات الحميدة التي اعتز بها كانت أثراً من أثاره، وقد تعلمت منه حقاً ما لم أتعلمه في الجامعات من القيم.
كنت أشعر أنني مدين له بالكثير مما اعتز به، لا أقول هذا مبالغة، وإنما أقوله وفاء لحقه علي، عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى شعرت كأن ركناً قد إنهد في كياني لأنني كنت أشعر بوجوده في حياتي ولو كنت بعيداً عنه..
مقومات الصحبة
الصحبة ثمرة المحبة، ولا تتحقق الصحبة إلا بوجود الألفة، والصحبة تحقق ذلك التواصل الإنساني المحمود الذي يربط بين الأفراد، ويؤدي إلى التلاقي، والصحبة قد تكون اختيارية وهي التي تعبر عن التجانس في الأفكار والاستعدادات، وقد تكون غير اختيارية كالصحبة في الأسفار ومقاعد الدراسة وفي الجوار، حيث تكون ولا تكون الألفة.
والصحبة هي مصاحبة الآخر الذي يمكن أن تستفيد منه، والكلمة مستعملة في الفكر الصوفي كمصطلح دال على مصاحبة المريد لشيخه، ولذلك توسعوا في البحث عن أدب الصحبة، فالصحبة بالنسبة للمرشد هي مصاحبة للاستفادة منه، والصحبة بالنسبة للإخوان هي الصداقة والألفة.
ومن أدب الصحبة حفظ الأسرار وحسن العشرة ولين الجانب وعدم التكلف والملازمة الدائمة، وألا تكون الصحبة لغاية دنيوية أو لمصلحة مادية، فإذا كانت الصحبة لغير الله تعالى كانت صحبة صورية سرعان ما ينكشف أمرها.
لم تكن صحبتي للشيخ بمفهوم الصحبة عند الصوفية، كان هناك شعور آخر أسمى وأعلى، كانت صحبتي للشيخ وليدة محبتي وثقتي به وإعجابي بخصاله، فهناك جانب عاطفي هي علاقة القرابة، وهناك جانب عقلي وهو إعجابي بشخصيته وصفاته، وكنت أعتبره المثل الأعلى الذي يقتدى به.
لم تتغير نظرتي إليه، ما زلت بعد رحيله أنظر إليه بنفس المنظار الذي كنت أنظر به في حياته، وربما زاد إعجابي به بعد أن اكتشفت الجديد من طبائع البشر في المواقف المختلفة.


أولاً: القرابة:

القرابة سبب مباشر للصحبة، وهي سبب غير اختياري، فالابن يصاحب أباه في طفولته ويقلده ويأخذ عنه، ولا خيار له في ذلك في مرحلة الطفولة، حيث تنتفي الإرادة والاختيار.
ولا شك أن علاقتي النسبية بالشيخ كانت من أهم أسباب هذه الصحبة وما تولد عنها من آثار، فالجد بالنسبة لأحفاده هو رمز الكمال والقوة، وما يفعله هو الكمال، هذا ما يعتقده الأطفال في طفولتهم، ثم يكتشفون فيما بعد صفات الكمال كما تربوا عليها، والآباء والأجداد هم مصدر المعرفة الأولى في مجال القيم وأنواع السلوك...
عندما يكبر الأطفال يميزون ويختارون، ويعيدون النظر فيما رأوه سابقاً من أنواع السلوكيات والمواقف، إلا أن، الركيزة الأولى التي تربوا عليها تبقى ثابتة وراسخة، سواء كانت حسنة أو سيئة، فإذا كانت القدوة الأولى حسنة كانت الفضائل السلوكية هي الغالبة على السلوك، وإذا كانت القدوة الأولى سيئة كانت المفاهيم والقيم منحدرة، إلى أن يتمكن الإنسان فيما بعد من تصحيح نظرته للأمور.
في طفولتي الأولى كان الشيخ هو الجد الذي تشدني إليه عاطفة المحبة والاحترام، كل ما يصدر عنه فهو حسن وجميل، وكنت أقلده وأحاكيه في أفعاله، ما يمدحه من أنواع السلوك فهو جيد وحسن وما يذمه من الأفعال كنت أراه سيئاً وقبيحاً.
ذلك هو السلوك الفطري الطبيعي في الطفولة، ما زالت بعض أفكاره في ذاكرتي، حتى في السلوكيات الشخصية، كنت أحب من يحب وأكره من يكره، ما زلت أحتفظ بالكثير من الذكريات.
ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي وقفت فيه معترضاً على أستاذ كبير في الجامعة لأنه امتدح الإمام ابن تيمية واعتبره من أعظم مفكري الإسلام، اعترضت على الأستاذ ببراءة وعفوية، لأنني سمعت الشيخ يعترض عليه، لأنه وصف الشيخ محي الدين بن عربي الصوفي الكبير المدفون بدمشق بالإلحاد والمروق عن الدين، سمع الأستاذ هذا الاعتراض وطلب مني أن أعد له بحثاً علمياً عن ابن تيمية، واكتشفت علمه وفكره، ولم يعترض الشيخ على آرائه الفقهية وإنما اعترض على هجومه على ابن عربي، بالرغم من أن الشيخ كان ينصح بعدم قراءة كتب «ابن عربي» وبخاصة الفتوحات المكية إلا لأهل الاختصاص.
فالقرابة هي سبب مباشر لوجود هذه الصحبة في الطفولة، فكنت أصحب الشيخ وأفعل ما يفعل، وكان هو القدوة بالنسبة لي، في السلوك أحب ما يحب وأجده جميلاً وأكره ما يكره.
ما زلت أحتفظ بالكثير من عباراته وآرائه ومواقفه، كان ذلك هو الركيزة الأولى لذلك الرصيد المعرفي الذي أسهم في تكوين ثقافتي الأولى، بعض العبارات ما زلت أرددها، لأنني حفظتها في الطفولة.
هذا هو العامل الأهم في تكوين الشخصية، وهو القدوة الأولى في حياة الإنسان، الأب، الأم، الجد، المعلم، المدرسة، الرفقاء، وإذا صلح هذا العالم صلحت التربية كلها، واستقام السلوك.
ما زالت بعض الألفاظ المستعملة في لغة التخاطب اليومي لا أستطيع سماعها أو النطق بها. لأنني في تلك الفترة من حياتي كنت أراها سيئة، وما زالت في نفسي سيئة.
كان من عادته أن يشرب جالساً ولا يشرب واقفاً إلا لماء زمزم ويشرب الماء بامتصاص هادىء ثلاث مرات، ويغسل الصابون بعد استعماله، ولا ينفعل في غضبه ولا تصدر منه كلمة نابية في لحظة الانفعال، ويحترم كل صغير وكبير في عباراته، كل ذلك أذكره في المواقف المشابهة، وكأنني أسترد ما رأيته في الطفولة من سلوكيات بقيت في نفسي حية.


ثانياً: المجانسة:

الصحبة الدائمة لابد لها من المجانسة، وهو بحث الإنسان عن تمامه الآخر، فالإنسان يبحث بطريقة غريزية عن تمامه فيمن يصادفهم من الناس، فإذا وجد تمامه في أي آخر تعلق قلبه به، وانشدت حواسه إليه، فالعين تتجه إلى حيث يتجه القلب. فإذا اتجه القلب إلى شخص ما فهذا دليل على وجود المجانسة، ولا تكون المجالسة ممتعة إلا بالمجانسة.
والمجانسة هي سبب الألفة التي نراها بين الأصدقاء، ولولاها لما كانت الصداقة ولما استمرت، وعندما يكتشف الإنسان أن ذلك الصديق ليس تمامه سرعان ما تتوقف الصداقة لانعدام الألفة التي لا تدرك العقول أسرارها العميقة.
وهذا ما أكده الشعراء في شعرهم الذي يحثهم خلال بحثهم عن أخلاق المرء أن يبحثوا عن صديقه، لأن الطيور كما يقول المثل تبحث عن أشكالها وما يماثلها، لكي يحدث التجانس الروحي، والأرواح تتعارف وتتناكر بحسب تكوينها واستعدادها.
هذا ما كان يقرره الشيخ ويعلل ذلك بأن التعارف بين الأرواح في الأزل يؤدي إلى التعارف في الدنيا، والتناكر بينهما في الأزل يؤدي إلى التناكر بينهما، وهذا التعليل قد يكون مقنعاً ومريحاً لأنه يخضع العلاقة الإنسانية بين الأفراد إلى وجود علاقات روحية سابقة، وليس لمجرد الصدفة العابرة.
ولا شك أن صحبتي للشيخ في المرحلة اللاحقة للطفولة لابد لها من تعليل منطقي، ففي أيام الطفولة لم يكن هناك اختيار كأي طفل لا يختار ما يريد، ثم وقع الاختيار بعد ذلك، وكنت سعيداً عندما أكون في مجلس الشيخ، لأنني أحبه أولاً ولأنني أستأنس بحديثه ومذاكرته ثانياً، وهذا هو مفهوم المجانسة القائم على علاقة روحية ونفسية.
تعلمت من الشيخ أدب الصحبة، وقد أفادني هذا فيما بعد في علاقاتي الاجتماعية وكنت أذكر ما تعلمته في الطفولة من أدب الصحبة، فأعمل بما أقدر عليه ولو كان قليلاً، وكان هذا القليل كافياً.
ومما تعلمته أن احترم حق الصحبة، ومن أهم حقوقها احترام الصاحب وعدم إحراجه في أي أمر من الأمور مما يغضبه فالنفوس بطبيعتها لا تحب من ينتقدها أو ينصحها، ومن أدب النصيحة أن يختار الناصح الوقت الملائم الذي يتوقع فيه أن يكون الآخر مستعداً للسماع والقبول، لأن الغاية من النصيحة هو وصولها إلى الآخر وقبول الآخر بها، فإذا اختار الناصح الوقت غير المناسب ضاعت النصيحة ولم تؤد الغرض المرجو منها، كما يستحسن في النصيحة أن يراعى فيها حال المخاطب، فالنفوس ليست سواء في قبول النصيحة، وكثيراً ما كان الشيخ يحدث عن أهمية المجانسة في الصحبة. وأول ثمرات المجانسة الشعور بالأنس، فإذا شعر الإنسان بالأنس مع الآخر من غير تكلف فهذا دليل على وجود المجانسة، ويمكن لهذه الصحبة أن تدوم.
ولا تدوم الصحبة إلا بمراعاة أدب الصحبة وأهمها احترام حقوق الآخر ومراعاة خصوصياته وحفظ أسراره وعدم إحراجه في المواقف وإشعاره بالحب والمودة والألفة وحسن المعاشرة في المجالس والوقوف إلى جانبه في الشدائد.
وإذا أراد الإنسان أن يعرف نفسه فعليه أن يبحث عن صديقه الذي يميل إليه، ولابد من وجود المجانسة، فإذا كان ميل الإنسان إلى صديق اشتهر بالاستقامة وحب الكمال وحسن الخلق فهذا دليل على استقامة هذا الشخص، وينبغي أن يفرح بذلك، وإذا شعر أنه يميل إلى شخص سيء الخلق فهذا دليل على وجود تجانس في الطبائع بينهما، ومن واجبه أن يحاسب نفسه عن أسباب ذلك الميل...


دروس الصحبة

البداية:
عرفت الشيخ رحمه الله في طفولتي الأولى... لا أدري متى تم ذلك، كما لا أدري متى عرفت أبي وأمي وإخوتي.. كانوا جزءاً من حياتي الأولى، وهم يبتسمون... وانمحت تلك الذكريات ولم يبق إلا القليل.
أذكر ذلك الشيخ الوقور.. بملامحه المهيبة يدخل بيتنا، يقف الجميع له احتراماً وإجلالاً، كنت أحبه وأهابه، أحبه لأنه يحبني ويلاطفني ويبتسم لي وأهابه لأن الكل يهابه...
أناديه بدلع «جدو» كان يبتسم لي... يجلسني في حضنه أو يمسك بيدي، أو يطعمني قطعة حلوى، انمحت تلك الصور من ذاكرتي، لم يبق منها إلا القليل.
صورة واحدة بقيت... لا أدري لماذا بقيت ولم تمحِ، وهي الصورة الأقسى في حياتي عندما رأيت نظراته الحزينة تحدق بي، أداعبه فلا يستجيب لي، وأضحك له فلا يضحك لي.. رأيت دموع أبي ودموع نساء الأسرة... وهي تتساقط على الخدود بغزارة....
حزنت ولا أعرف لماذا أحزن... ؟ وبكيت ولا أعرف لماذا أبكي ؟ كان الكل ينظر إلي.. أخافتني نظراتهم الحزينة وأدهشتني دموعهم السخية.... كانت أمي غائبة عن ذلك اللقاء العائلي.. وما كان لها أن تغيب، لو رأيتها بعد ذلك اليوم لعاتبتها، سأقول لها: لماذا تركتني وحيداً في ذلك المساء، وما اعتادت أن تفعل ذلك.
وانتظرتها طويلاً ولم تعد... ونمت حزيناً.. ولما استيقظت لم أجدها تعد لي طعام الإفطار كما اعتادت أن تفعل... رأيت الرجل المهيب يأخذ بيدي يمسح دموعي ويلا عبني...
شكوت له أمي التي لم تَعُدْ من زيارة أهلها.. وعدتني أن تعود فلم تفعل.. طلبت منه أن يأخذني إليها لأنني أحبها..
منذ ذلك اليوم بدأت علاقة جديدة مع جدي الرجل المهيب الذي أصبح قريباً مني وصديقاً ورفيقاً، فلم أعد أخافه أو أهابه. كنت ألعب معه، وأذهب معه إلى السوق، وأجلس في حضنه.
كنت في الخامسة من عمري، وكان جدي في الخامسة والأربعين، وبدأت الصداقة بين الجد والحفيد منذ تلك الأمسية الحزينة التي انطفأت فيها شعلة الحياة في أسرتنا الصغيرة، ورحلت أمي ولم تعد... لقد اختطفها الموت في تلك الليلة الحزينة....
لم أحزن على أمي... ولم أكن أدري معنى الموت.. ولما عرفت معنى الموت وما يعنيه غياب الأم حزنت الحزن الذي يزداد ألمه كلما امتدت أيامه.
ذات مساء امتلأ فناء الدار الواسع بأطفال الأسرة يلعبون ويضحكون ويتدافعون، ووقفت بعيداً عنهم أتأمل ملامحهم لا أضحك كما يضحكون، ينادونني أن أشاركهم ألعابهم فلا أجيبهم، رأيت «جدي» خلف زجاج النافذة يتأملني، أشار إلي أن أذهب إليه. كنت شارداً حزيناً، جاء إلي وأمسك بيدي، وقال لي: لم لا تلعب مع الأطفال...
قلت له: أريد أمي أن تمسك بيدي، كما تمسك الأمهات بأيدي أطفالهن... وانهمرت الدموع من عيني كما انهمرت من عينيه.
قال لي: ألا تريد أن أكون كأمك أمسك بيديك عندما تلعب وتكون صديقي وصاحبي، وقادني برفق وحنان إلى غرفته، وأخذ يحدثني كما يحدث الصديق صديقه، وبدأ يصحبني معه في كل زياراته وأسفاره وأحضر معه كل مجالسه...
كبرت بسرعة.. لم ألعب مع الأطفال في الشوارع، ولم أصادق زملائي في المدرسة، لم ألعب كرة القدم في النوادي الرياضية. كان أصدقائي هم أصدقاء الجد، أحضر مجالسهم، وأسمع أحاديثهم، وأرى نفسي كبير السن مثلهم... كان هذا يرضي كبريائي، ويسعدني ويشعرني بالمكانة والمنزلة الرفيعة.
كان يسعدني أن أرى نفسي كبير المنزلة في الأسرة، كنت صديق الجد صاحب الكلمة النافذة، والشخصية المهابة، وكنت أتوسط لأصحاب الحاجات، فيستجيب الجد لوساطتي، فما أريده يكون بفضل محبة الجد ورعايته لأمري...


الجد والحفيد:

لم أُغضب «جدي» في أمر من الأمور، ولم يغضبني قط، ما يريده مني أفعله طائعاً مختاراً، وما لا يريده لا أفعله مختاراً إرضاءً له، فكان بالنسبة لي هو الجد الذي أُحبُه، وكنت بالنسة له الحفيد الذي يحبه.
كان هناك شيء أكبر من العلاقة العاطفية المألوفة بين الجد والحفيد، شيء ما لا أعرف حقيقته، يشدني إليه ويشده إلي، أشعر أنه قريب مني، كنت سعيداً بهذه العلاقة والصداقة... في السابعة من عمري أدخلني الكتاب القرآني لكي أتعلم القرآن ومبادىء القراءة والكتابة عند حافظ كتاب الله الشيخ بشير الحداد، في حي باب الحديد، كان الشيخ يعتني بي عناية فائقة، وهو من إخوان الجد، كان يعلمني قراءة القرآن والكتابة والخط، ولم يدخلني جدي الروضة أو المدرسة الحكومية، ولم اعترض على اختياره، كنت على يقين أن اختياره هو أفضل من اختياري، وهو سيختار لي الأفضل، إذ لم يكن يحب المدرسة الحكومية بل يريد أن أدرس في الكتاب القرآني لحفظ القرآن، ثم نقلني إلى كتاب قرآني آخر للشيخ الصالح العلامة أديب حسون، وهناك ختمت القرآن وتعلمت مبادىء القراءة والكتابة.. بالإضافة إلى الاهتمام بالأخلاق والتربية الحسنة...
ولما أنهيت حفظ القرآن في الكتاب القرآني انتقلت إلى مدرسة الخالدية في حي العدسات قرب سوق السويقة، وهذه المدرسة خاصة، ومديرها رجل متدين، ويختار لها الأساتذة ممن اشتهروا بالتدين والأخلاق، والتحقت فيها بالصف الثاني الابتدائي، وبسبب تكويني في الكتاب القرآني كنت متفوقاً في القراءة والكتابة، وأمضيت السنة الثانية والثالثة...وانتقلت مباشرة إلى معهد العلوم الشرعية المعروفة بمدرسة الشعبانية، كانت هذه المدرسة تضم كبار علماء مدينة حلب، كان الشيخ سعيداً بالتحاقي بها، كان معظم أساتذتها من أصدقائه، وتعلمت فيها علوم الدين واللغة، ودرست التفسير والحديث والفقه والأصول وعلم النحو والصرف وعلوم اللغة والآداب والعروض والتاريخ والجغرافيا.
وفي الوقت الذي كنت أتابع دراستي في هذا المعهد الشرعي كان الشيخ قد أعد لي مدرسة خاصة في الكلتاوية لمدة ثلاثة أشهر في الصيف، وكان هناك برنامج يومي متواصل أتابع فيه دراستي الخاصة على يد أساتذة مختصين، في مختلف العلوم، كانوا يعكفون على تدريسي مواد النحو والفقه والحساب والأصول والخط واللغة..
كان الشيخ يتابع كل ذلك، ويشجعني عليه، ويستفسر الأساتذة عن دراستي ومتابعتي، كنت سعيداً بهذه الدراسة أكثر من سعادتي بدراسة المعهد، فهذه الدراسة خاصة بي، وتتيح لي الفرصة أن أتحكم في برامج الدراسة، فما أريده يكون، وما لا أريده لا يكون، وهذه الدراسة تشعرني بذاتي..
وفي الوقت ذاته كان الشيخ يشجعني على حفظ القرآن الكريم وحفظ بعض الأحاديث النبوية، كما يشجعني على حفظ المتون وألفية ابن مالك والحكم العطائية، ويخصص لي حوافز تشجيعية، وعند المساء اسمعه ما حفظته في ذلك اليوم. ويسلمني المكافأة المالية المخصصة.
كنت أحفظ الكثير بسرعة، ولكنني كنت أنسى بسرعة أيضاً، كنت أقلب كتب الشيخ في مكتبته الخاصة، التي كانت تضم أمهات كتب التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة، وكان يفرح عندما كان يراني أقلب في الكتب واستخرج ما أريد قراءته، فيساعدني على الاختيار، ويشرح لي خصائص كل كتاب...


المرشد والمربي:

منذ طفولتي علمني قدسية العلم ومكانة العلماء، وحبّب إليّ الكتب والقراءة، وعندما كنت أسأله سؤالاً في العلم كان يجلسني إلى جانبه ويشرح لي الجواب بطريقة ميسرة ومحببة.
وبفضل تشجيعه المستمر لي حبب إلي العلم وكرهني في الجهل، وحذرني من علماء السوء الذين يتاجرون بعلمهم للتقرب من أصحاب السلطة والنفوذ، أو الذين يتملقون العامة بالتقرب إليهم بما يرضيهم، وكان يحدثني عن ثمرات العلم وأهم ثمراته العمل به، فمن لم يعمل بما علم فلا فائدة من علمه، وعلمه حجّة عليه، ويقول لي تعلم كل شيء، فالعلم بالشيء خير من الجهل به، ولكن لا تستخدم العلم فيما هو ضار أو غير مفيد.
كان من عادة الشيخ أن يسألني: ماذا درست هذا اليوم، فأجيبه بما درست، فيناقشني، ويسألني، فإذا قلت له: درست «الفقه، قال لي: ما حقيقة الفقه... ومن هم الفقهاء، وكيف يمكن للإنسان أن يكون فقيهاً..؟
ومما كان يحذرني منه الجدل، والجدل هو محاولة التغلب على الآخر «بقصد الانتصار للذات»، وهو صفة مذمومة، ودليل على غفلة القلوب، فالقلب الطاهر يميل للحق ويكره الجدل، فمن مالت نفسه إلى التغلب ولو بالباطل فهذا من صفات النفس التي تحب الظهور والمكانة في نظر الناس، والجدل يميت القلب لأنه ينمي قوى النفس الغريزية...
كان يقول لي: لابد للعلم من خُلُق، فمن تعلم ولم يتخلق فلا فائدة من علمه، وعلمه حجة عليه، فقد يعذر الجاهل بسبب جهله ولا يعذر العالم، لأنه علم الحق وخالف الحق، فهو مسؤول عن هذه المخالفة، والعلم له نور يضيء، فإذا لم ينشر العلم ضوءه فلا فائدة منه، ويبقى الظلام مخيماً على القلوب، والظلام يحجب النور، وبخاصة إذا كانت القلوب ملوثة.
والاستكبار عن الحق من صفات المنافقين، فالمنافق يعلم الحق إلا أنه لا ينصاع له ولا يستجيب لدعوته، ومن خصائص العلم أنه يعلم صاحبه الالتزام بالحق والخضوع له، وهذا هو العالم الذي يشرق العلم في قلبه نوراً، ولابد للعلم من ثمرة وأهم ثمرات العلم أن يتخلق العالم بالأخلاق المحمودة وأن يترك الأخلاق المذمومة، لأنها قبيحة، والعلم يمكنه من رؤية القبح فيها لكي يتحاشاه.
وكان يحذر من علماء السوء، وهم الذين يتعلمون العلم للتكسب به، وليس للعمل به فمن تعلم العلم لكي يكون أداة لمعيشته أذل علمه والعلم ليس أداة للتعيش به، فلا يقبل من العالم أن يكون ذليلاً ولا متملقاً ولا منافقاً، فالعالم رمز للنزاهة والاستقامة والترفع عن الصغائر.
كنت أسمع كل ذلك في كل خطوة، وقلّما كان يمرّ علي يوم لا أسمع فيه كلمة ناصحة مفيدة، ربما لم أكن أستوعب كل ذلك وأحياناً لا أفهم ما تعنيه تلك الكلمات من دلالات، إلا أن من المؤكد أنها كانت تختزن في الذاكرة، كحبات زرع ترمى في الأرض، أو كقطرات مطر تتجمع في أعماق الأرض، أصبحت هذه الكلمات التي أسمعها كل يوم جزءاً من تفكيري وجزءاً من ثقافتي حيث تمثل الرصيد الذي أحتفظ به في ذاكرتي.
وهناك مئات الكلمات هي مصطلحات لمعان معينة، خرجتْ من معناها الأصلي وأصبحتْ لها دلالات معينة، وهذه المصطلحات هي الأرسخ في ذاكرتي، لأنني سمعتها في طفولتي حيث كانت الذاكرة قادرة على الحفظ، واصبحتُ فيما بعد أستخدم هذا الرصيد من الكلمات بمعناها الأول الذي ترسخ في ذهني، فكانت هذه المصطلحات تأتيني عفواً وبطريقة تلقائية، وكنتُ أجد صعوبة فيما بعد لربط هذه الكلمات بمعناها اللغوي الأصلي، ولكل علم مصطلحاته الدالة على المعاني المرادة في ذلك العلم، وعندما تترسخ هذه المصطلحات في الذاكرة تتحكم في اللغة المتداولة....
وبفضل تلك الفترة من حياتي أصبحت المصطلحات المستعملة في الفكر الصوفي جزءاً من ثقافتي العامة، وكنت أفهمها جيداً وبطريقة عفوية، وأستخدمها في مظانها، وربما أثرت في أسلوب كتابتي ولو في مجالات الفكر الإسلامي الحديث....
في تلك الفترة لم تكن القدرة على التأمل كافية للتمييز وذلك لعاملين:


أولاً:لعامل السن حيث يكون الطفل في مرحلة القابلية للأخذ والاقتباس فما تتلقاه النفوس تأنس به ويترسخ فيها من غير جهد.
وثانياً:بسبب الثقة المطلقة بمصدر التوجيه، فقد كان الشيخ بالنسبة لي ليس مجرد الجدّ العزيز الذي تربطني به صلة القرابة، وإنما كان بالنسبة لي هو المربي والمرشد والناصح والموجه، فما أسمعه منه فهو حق لا يحتمل التردد.
وهناك سبب آخر هو لهجة الصدق في المرشد والناصح، وهي لهجة مؤثِّرة، فالكلمة تنتقل بسرعة من المعلم إلى المتعلم وتحدث الأثر المطلوب، لوجود الصدق فيها، والصدق هو العامل الأهم في التأثير، والصدق والإخلاص ركنان مهمان في التربية والتوجيه والإرشاد وسر الإخلاص هو روح الكلمة الناصحة، ولا روح للكلمة التي فقدت معنى الصدق والإخلاص فيها.
والمتعلم في مرحلة التعليم يمر بمرحلة الاستفادة وهي حالة القابلية لاكتساب الجديد من الأفكار والقيم، ومرحلة الاستفادة تتمثل في تحزين المعلومات وتجميعها لكي تكون في الذهن ثم يجري بعد ذلك التأمل في تلك المعلومات، واختيار ما يلائم الإنسان منها. وأهم مرحلة من مراحل الاستفادة هي الطفولة حيث تكون قابليات الأخذ كبيرة، وبخاصة إذا أحب المتعلم معلمه ووثق به، وعندئذ تكون نفس المتعلم مهيأة لقبول كل التوجيهات، والمحبة ضرورية بين المعلم والمتعلم، وإذا أحب المتعلم معلمه وتعلق به كانت النفس مهيأة لقبول كل شيء، وفي ظل الحب يكون كل شيء جميلاً وحسناً ومستحسناً.


أثـر الحـب فـي التربيـة:

وإن أثر الحب واضح في التربية ولابد من الحب في التربية، فالطفل يأخذ كل شيء عمن يحبه، ولا يجد صعوبة في قبول كل شيء، ويشعر بسعادة كبيرة وهو في حال التلقي والاستفادة، لأنه يرى الكمال وتشتاق النفس لذلك الكمال، ولذلك تأخذ بما تراه كاملاً...
وكنت أحب الشيخ حباً حقيقياً، وأجد الكمال فيه بعقلي وعاطفتي، وأحب كل ما يصدر عنه من أفعال من غير تأمل فيها، ومن خصائص الحب أنه يولد قابليات غير محدودة للاستفادة فتقبل النفس على الأخذ بغير حدود.
والحب عاطفة إنسانية رائعة، ولا تستقيم الحياة بغير الحب، ولا تتوهج شعلة السعادة في كيان الإنسان إلا بالحب، فالحب يجعل الحياة جميلة، لأن المحب يعطي، وسعادة الإنسان في العطاء... والعطاء المتبادل هو سر السعادة...
لماذا أحببت الشيخ ؟ هذا سؤال لم أوجهه لنفسي في مرحلة الطفولة، كان من العبث أن أسأل نفسي هذا التساؤل، كنت أحبه وهذا كل ما أعرفه...
هل أحببته لأنه الجدّ الذي يحبه كل أبنائه وأحفاده... أم هل أحببته لأنه يمثل الكمال بالنسبة لي، أم أنني أحببته لأنني أحببت نفسي، وأحببت كل من يحب هذه النفس..
لا أستطيع أن أجيب عن هذا التساؤل، ولا أعرف الجواب ! ربما كل هذه الأسباب صحيحة، أحببته لعاطفة القرابة وأحببته لما وجدت فيه من خصال الكمال والفضيلة، وأحببته لأنني أحب نفسي، وهذه من طبائع النفس البشرية، إنها تحب كل من يحبها، والأطفال تتجلى فيهم هذه الطبيعة، فقد كان حب الشيخ لي حباً متميزاً واضحاً، وكنت سعيداً به..
هذا الحب لم يضعف عندما كبرت وأصحبت أكثر إدراكاً ومعرفة، بل زاد هذا الحب في نفسي، واكتشفت فيما بعد أنني أحببت فيه كماله الذاتي، والعقول عندما تدرك معنى الكمال تزداد تعلقاً به...
هذا الحب المبكر الذي شدني إلى الشيخ كان له تأثير مباشر وكبير في حياتي في تلك الفترة الزمنية التي تعدّ الأهم في حياة الأطفال، لأنها تمثل المنعطف الخطير في حياة الإنسان، بسبب جموح النفس في مرحلة المراهقة، ولابد في الحب من المجانسة وهي شرط في كمال الحب واستمراره، فالإنسان سواء كان صغيراً أو كبيراً يحب من يجانسه في الطبائع والاهتمامات، لأنه يرى فيه صورة ذاته المحبوبة لديه، وهذا مما ينمي علاقة الصداقة والمودة والألفة بين الأفراد، والمجانسة قد تكون مدركة من خلال التقارب في الاهتمامات الظاهرية والأفكار والميول، وقد تكون غير مدركة وغير ظاهرة، فيقع الميل إلى شيء ما أو إلى شخص ما وترتاح النفس لما لا تعلم سره من أنواع العلاقات الإنسانية.
فيقع الإنجذاب القلبي لا لسبب ظاهر مدرك، وإنما لسر خفي يتمثل في تقارب الأرواح وتعارفها وتلاقيها، وهذا هو السر الحقيقي في مشاعر الألفة والصداقة، حيث ينجذب القلب إلى شخص ما بغير سبب ظاهر، ويرتسم في المخيلة صورة ذلك المتخيل المحبوب الذي تتراءى ملامحه بالشكل الذي يتصوره المحب.
والإنسان في الأغلب لا يرى صورة الآخر كما هي في حقيقتها وإنما يراها كما يريد هو أن يراها، فإذا وقع التوافق الروحي رأى الإنسان في الآخر الصورة التي يحبها والتي يرى فيها الكمال والجمال، وإذا وقع التنافر الروحي رأى في الآخر الصورة التي تعبر عن ذلك التنافر وتؤكده، فلا يرى الجمال فيه ولا الكمال.
والإنسان بطبيعته الفطرية وغريزته يحب الكمال ويتعلق به، فلا يحب إلا ما يراه كاملاً ولا ينفر إلا مما يراه ناقصاً، إلا أن مفهوم الكمال ليس واحداً في نظر الناس، بعضهم يرى الكمال في الجمال الحسي الذي يستلذّه الطبع وتميل إليه النفس، وبعضهم الآخر يرى الكمال في حسن الخلق والاستقامة، فإذا رأى حسن الخلق أحبه ولو كان صاحبه قبيح الشكل وإذا رأى صورة السوء كرهه ولو كان صاحبه جميل الشكل..
والأم ترى الكمال في ولدها وترى فيه الجمال، فهي تنظر فيما تراه جميلاً فيه، ولا تنظر فيما تراه قبيحاً، والكمال ليس له صورة واحدة، والحب هو تعلق بالكمال الذي يحبه الإنسان.
والمعلم يحب أن يكون محبوباً، ولا يتأكد الحب إلا بما يراه المتعلم في معلمه من كمال في السلوك والمعرفة والتمسك بكل ما يجسد ذلك الكمال..
رأيت الكمال في الشيخ، ولذلك أحببته، ولم يكن بالإمكان ألا أحبه، أحببته بعاطفتي، الأطفال يحبون بعاطفتهم لأنهم لا يملكون القدرة على التأمل العقلي، والحب بالعاطفة هو الأقوى، لأنه لا تردد فيه، وهو حب أكثر صدقاً، بخلاف الحب العقلي فهو حب متردد، يزداد وينقص، كالإيمان العقلي، أما الإيمان الذوقي فهو أكثر توهجاً، وليس فيه ذلك التردد الذي يعتري أصحاب العقول.
كان الشيخ بالنسبة لي هو المعلم والمربي والمرشد، لم أجد صعوبة في الأخذ عنه والاقتداء به ومحاكاته في أفكاره وسلوكه بسبب تعلقي به، ما ضقت يوماً بما كان يلقيه على سمعي من نصائح وأفكار وتوجيهات، وما تطلعت لصداقة غيره ممن كانوا في مثل سني من الأطفال، وشعرت بقدر من التميز عنهم، كنت أحب أحاديث الكبار واهتماماتهم، ولا تثير اهتمامي القضايا التي كانت تسعد الأطفال عادة...
أستطيع القول بأنني لم أعش طفولتي كما يعيشها الأطفال، لم ألعب كما يلعبون، ولم أقفز في لحظات الانفعال كما يقفزون، ولم اسلك سلوك الأطفال في لحظات الغضب والتمرد.
لا أدري هل كان ذلك شيئاً إيجابياً في حياتي، كل ما أذكره أنني اجتزت تلك المرحلة ولم أندم على طفولتي، ولا أظن أن النظريات التربوية التي عالجت قضايا الطفولة قد أصابت الأهداف المرجوة من التربية، فالتربية أمر نسبي وليست هناك قوانين ثابتة، وليس هناك طريق واحد يمكن اعتباره الطريق الصحيح.
والواقع التربوي شيء يختلف عن النظريات، ولو كانت موثقة بالاختبارات الميدانية والمقاييس المنهجية، وليس هناك ثوابت في السلوكيات الإنسانية، لتداخل العوامل الذاتية والزمان والمكان والمحيط الاجتماعي في توجيه المسارات التربوية، والثابت منها هو الذي يدعمه الواقع ويؤكده.
القابلية للاستفادة:
أهم ما تميزت به تلك الفترة من حياتي هو أنني كنت في موطن القابلية المطلقة وغير المحدودة للأخذ عن الشيخ والاستفادة منه وبخاصة في مجال القيم والأفكار والسلوكيات أحببت ما يحب وكرهت ما يكره، وما زال أثر ذلك في نفسي حتى اليوم، فما كنت أكرهه في تلك الفترة ما زلت حتى الآن لا أستسيغه بسهولة، وأشعر بأثر تلك التربية والتلقين في نفسي...
في الفترة الزمنية اللاحقة للفترة الأولى والتي سافرت فيها إلى دمشق والقاهرة للالتحاق بجامعاتهما، وجدت أثر ذلك التكوين الفكري والتربوي عندما كنت أصطدم بواقع مختلف وأعبر عن ذاتي الأولى من خلال مواقفي الفكرية ورأيت أن أشياء كثيرة قد اختلفت، ولعلي قد اصطدمت بالواقع ورأيته على حقيقته.
على مستوى القيم كان الأمر صعباً، فما تلقيته من الشيخ كان يمثل قمة السمو في المفاهيم، وذلك أفق تربوي من الصعب تلمس آفاقه في عالم الواقع فما كان الشيخ يدعو إليه يختلف كلياً عن تلك المفاهيم.
لم تكن قدراتي الفكرية الأولى تمكنني من إيجاد ذلك التوازن بين عالم الشيخ بآفاقه الروحية وعالم الواقع كما هو في حقيقة الأمر، عالم الشيخ كان متفرداً ومتميزاً بوجود تلك اللحمة بين الفكرة والواقع، بين الدعوة والتطبيق، فالزهد في عالم الشيخ هو زهد حقيقي يتمثل في الإعراض بالقلب عن الانشغال بالدنيا، والعبادة تواصل متجدد بين الله والعبد، والمال أداة لخدمة الإنسان وتوفير أسباب استمراره ووجوده والصداقة مشاركة ومسؤولية ولا تكلف فيها.
والإنسان في عالم الشيخ مكرم ومحترم بسبب إنسانيته والأفضل هو الأتقى والأصفى، في هذا العالم لم أجد النفاق والتملق للأقوى ولصاحب السلطة، فالسلطة أمر مزهود فيه ولا وجود لذلك الشعور المتكلف بالتقرب من رموز السلطة.
هذا ما رأيته في عالم الشيخ، أو ما يدعو إليه الشيخ، مجتمع متحرر من القيود الظاهرة، متحرر من التعلقات المذلة، متحرر من السلوكيات المتكلفة، على الأقل خلال مجالس الشيخ، ولو ساعة من الزمان في يوم أو أسبوع، وساعة تكفي لتزويد النفس بهواء نظيف، حتى إذا ما طلع شمس يوم جديد عاد الكل إلى عمله وكأن شيئاً لم يكن، إلا بقايا ذلك المجلس، ذكريات ونسمات، تعطي إشراقه حلوة لملامح الوجوه.
لم يكن الشيخ يريد أكثر من ذلك الأثر في ترويح النفوس بلحظات مضيئة، لابد إلا أن تنعكس على السلوكيات، ولو بقدر يسير من يقظة القلوب وصلاح خواطرها، من مذموم إلى محمود...
في تلك الطفولة لم أكن أميز بين الأفكار والقيم، كنت بعيداً عن عالم الواقع كما هو، وأعيش في عالم خاص أجد جماله، أحس فيه بدفء مجالسه، والدفء شيء محبب للنفس وعندما تركت مجالس الشيخ وارتحلت طلباً للعلم شعرت بالصقيع والفراغ، كان ذلك أول أثر لذلك الانتقال.
ليست القضايا الروحية مجرد عبث ولهو، ولو كانت كذلك لما بقيت في مواجهة تحديات النزعة المادية الجارفة، إنها شعور قوي دافىء تحس النفس بالحاجة إلى ذلك الشعور وقد تحس بالظمأ إذا ابتعدت عنه، والنفس تشتاق لتلك الرحلة من المادة إلى الروح، ومن المحسوس إلى عالم الصفاء الذي تشرق أنواره في القلوب المظلمة....
عالم الروح فيه غموض، وغموضه يزيده جمالاً وإشراقاً، والنفس تشتاق إليه، وتجد فيه الدفء والسعادة والسكون، ومن أهم خصائصه أنه ينمي في الإنسان القدرة على تحمل الآلام، وكأنه محمول على الأكتاف، فلا يشعر بشيء مما يجري حوله، سواء كانت آلاماً نفسية أو آلاماً بدنية، ويكون أكثر انبساطاً وتفاؤلاً وأملاً، لا يخيفه الموت ولا يخشى الفقر ولا تسيطر عليه المخاوف الوهمية ويتحرر من قبضة التعلق بالدنيا.
وأهم ما يسيطر عليه هو الشعور بالرضا والأنس والاستغراق بما يشغله من مجاهداته وعباداته واهتماماته والزهد فيما يعكر صفو أيامه، ولا شيء يكدر كالطمع والخوف والحقد، فالطمع وصف مذموم لأنه يجعل صاحبه في حركة دائمة بحثاً عن المطامع، فإذا لم يحصل عليها فسد مزاجه وساءت حالته، وإذا حصل عليها انتابه الخوف أن يفقدها وعاش أيامه وهو يقابل الخوف المسيطر عليه، وإذا فقد ما يطمع فيه وما تعلق قلبه به فسرعان ما يسيطر عليه الحقد، ويدفعه للحزن والغضب، ويكدر عليه حياته، فلا يشعر بالسكينة في لحظات أنسه، ولا يستغرق في نومه لأن الكوابيس تلاحقه بملامحها المخيفة، فيستيقظ مرعوباً وجلاً....
عالم الروح فجر يطل من خلف الأفق يبشر بإشراق نور الشمس في يوم جديد، يرى ذلك العالم بالبصيرة ولا يرى بالبصر، من رآه أحبه وتعلق به وذاق حلاوته، ومن أغلقت الأبواب في وجهه فلا يرى منه شيئاً، ومن يراه يحسبه كالسراب، يتراءى ولا وجود له، ليس المهم أن يكون أو لا يكون، وإنما المهم أن من أشرقت أنواره في قلبه تعلق بتلك الأنوار وذاق حلاوتها، ووجد أنسه بها فاطمأنت نفسه وسكنت جوارحه، وهذا المقدار من الشعور كاف للتعلق به..
ليس المهم أن نرى المصباح وإنما المهم أن نرى ضياء ذلك المصباح، فالضياء هو المطلوب والآثار هي المرغوبة، وما تشعر به النفس من سعادة هو الغاية، ولا يعنينا بعد ذلك أن نبحث عن حقيقة الأشياء، فذلك أمر لا تملكه العقول، ولا تقدر عليه، لأنها تدرك ما هو مشاهد بالحواس ولا تدرك ما خلف ذلك من أسرار الكون.
والجمال ليس له معيار محدد، فما يراه الإنسان جميلاً فهو جميل وما يراه قبيحاً فهو قبيح، وما يراه الإنسان نافعاً ومفيداً فهو مطلوب لتحقيق النفع المرجو منه ولو كان وهماً...
والعقل المحمود هو العقل الذي يميز الإنسان به بين الأشياء، لكي يكون الإنسان سعيداً بهذا التمييز، والعقل الذي يشقي صاحبه هو عقل مذموم، لأنه قاد صاحبه إلى الشقاء.
لابد من إعادة قراءة الأشياء، وفي كل قراءة يفهم الإنسان أشياء جديدة عن الحياة، وتتراءى له الأشياء بصورة مغايرة لصورتها الظاهرة، ويتساءل الإنسان عن سر الإنسان والحياة والكون، هل ما اكتشف حتى الآن يكفي للمعرفة، وهل اتضحت الحقيقة أمام الإنسان.
في الطفولة الأولى يرى الإنسان الأشياء وفق معايير محددة ثم تتسع المعرفة، ويكتسب الإنسان معارف جديدة عن تجربته الذاتية، ليست هي المعرفة الأولى على وجه اليقين، وليست نقيضها على وجه التأكيد، وإنما هي معرفة ذات طبيعة نسبية، فما كان بالأمس في دائرة الخطأ لا يعني أنه خطأ، فالألوان ليست هي الأبيض والأسود، فقط، وليست الأحكام هي إما الخطأ أو الصواب، وإما الحق أو الباطل، ولابد من مراعاة النسبية بالنسبة للأشياء ذاتها وبالنسبة للأشخاص بحسب المتغيرات الزمانية والمكانية.
ليست هناك أحكام ثابتة، الحقيقة كامنة في أعماق الذات الإنسانية، ولابد من البحث عنها، ولكل فرد حقيقة خاصة به، حقيقة نسبية، هي بالنسبة له حقيقة وقد لا تكون كذلك بالنسبة للآخرين.
ولذلك لابد من التزام الأدب في كل شيء، الأدب في تعامل الإنسان مع ذاته والأدب مع الجمادات والأدب مع النباتات، كل شيء يمثل الكمال ولا شيء من ذلك خلق عبثاً، والإنسان هو جزء من الكون وليس هو الكون كله، هو مستخلف لأجل عمارة الأرض، كل مخلوق مسخر لما خلق له ومستخلف على المهمة التي سخر لها.
أثناء صحبتي للشيخ كنت أملأ خزانتي العقلية بكل ما أسمع، كنت أجد الشيخ كالبحر المحيط في سعة رؤيته، مفاهيمه للأشياء كانت مختلفة كلياً عن المألوف من أمثاله، رأيت سعة في الفهم لم أجدها في معاصريه، رأيت أفقاً يتسع لكل فكر ولكل ثقافة.
هناك سلوكيات واختيارات التزم بها كمنهج يعبر عن الكمال الذي أحبه وارتضاه لنفسه وفي الوقت ذاته كان يحترم خصوصيات الآخرين في اختيارهم لمنهج كمالهم.
كان يعنيه الباطن ولا يعنيه الظاهر، وكان يقول: [كونوا كيف شئتم في ظاهركم، والمهم هو ما انطوت عليه القلوب، وهذه الكلمة بحد ذاتها تلخص منهجه الشمولي في بحثه عن حقيقة الأشياء..].
أشياء كثيرة، أقوال وسلوكيات ومواقف كنت أفهمها في سن الطفولة بطريقة ضيقة، وربما فهمها الكثيرون بهذه الدلالة، وبنوا عليها نتائج خاطئة، وعندما اتسعت زاوية الرؤية قرأتها بطريقة مغايرة وفهمتها في إطار النظرة الشمولية الواسعة.
لم يكن يهتم بالسلوكيات الظاهرة التي يمكن لأي فرد أن يحسن أداءها، وقد يؤديها رغبـة في مراعاة الناس وطمعاً في حسن السمعة، وإنما كان يهتم بما وراء ذلك من مراعاة الأدب في الأداء والإخلاص في العمل والصدق في النية.
والنص ليس في ذاته وإنما فيما يقرأ، فقد يقرأ بطريقة حرفية ضيقة وقد يقرأ بطريقة شمولية واسعة، والمشكلة ليست في النص وإنما في كيفية قراءته، والقارىء متعدد ومتجدد ومتنوع، ويفهم القاررر من النص ما يريد فهمه مما يوافق استعداده الذاتي، ولذلك لابد من الانتقال من النص إلى قارىء النص، والمشكلة تكمن فيه، فهو أداة الفهم وهو النص الناطق والجمود لا يكون في النص، وإنما يكون في قراءة النص، وهو الإنسان، والضيق لا يكون في النص وإنما يكون في التفسير، وإذا نظرنا في نص فعلينا أن نفتح الأبواب والنوافذ لكي يدخل الهواء النقي إلى الغرفة، فالمكان المظلم المكتئب لا تقرأ النصوص فيه بوضوح، لأن الظلام يلقى على النص شحوبه فلا تبين حروفه.
كل شيء يمكن أن يكون واسعاً وضيقاً وكل فكر يمكن أن يكون منفتحاً ومنغلقاً وكل ثقافة يمكن أن تكون أنانية وإنسانية، والعبرة في الإنسان فهو ثمرة المكان والزمان، وهو أداة الفهم والاستنتاج، ولابد من العناية بالإنسان وتعهده بالفهم العميق وتزويده بأدوات الرؤية، لكي ينظر إلى بعيد، من خلال نافذة إنسانية يرى فيها الكون بشموليته واتساعه، فالأرض بكل ما فيها لا تتجاوز حجم القرية الصغيرة بأحيائها المتناثرة على أرضها.
بداية التأمل:
لاحظ الشيخ أن الطفل الصغير لم يعد كما كان، بعد سن السادسة عشرة بدأت ملامح شخصية جديدة، ليست هي الأولى، وليست غيرها، هي امتداد للمرحلة الأولى بخصوصيات ذاتية، بدأ الاختيار والتمييز، حوار داخلي مع الذات، حوار يتجدد في كل صباح، تساؤلات ملحة وبحث عن الذات، أين موقعها في هذه المسيرة.... ؟!
الحوار مع الذات بدأ يتفاعل، ويؤتي ثمراته في سلوكيات متميزة، إنها رغبة في معرفة كل شيء، محاولة للاستكشاف ومعرفة الآخر، الآخر هو جزء من الواقع، وهو حقيقة لا مجال لإنكارها...
واتجه اهتمامي إلى القراءة، لأجل المعرفة، قراءة كل شيء وكل الآراء وكل الفلسفات وكل النظريات، ذلك هو الآخر الفكري وأصبحت من رواد دار الكتب الوطنية بحلب من الصباح إلى المساء، وقراءة كل شيء بنهم عجيب، في مجال الفكر والثقافة والأدب والرواية وأصبحت صديقاً لمفكرين كبار ولأدباء لامعين، عرفتهم من خلال كتبهم وآثارهم، وأحببتهم وأعجبت بما يكتبون.
اكتشفت عالماً جديداً من المعرفة، متعة عقلية ومعرفة بفنون المعرفة وآفاقها، رأيت الفضاء الفسيح بامتداده اللانهائي، عبر الكون رأيت ضوءاً خافتاً خلف الجدران، ولابد من اكتشافه والاستنارة بنوره..
كان الشيخ يتابع كل ذلك باهتمام، ويوصيني أن أحسن اختيار ما أقرأ في المرحلة الأولى، حيث تكون القابليات قوية للاستفادة وادخار المعلومات، فالنفس في بداية انطلاقها قد لا تحسن الاختيار إلا إذا كان تكوينها قوياً وراسخاً.
في هذه المرحلة التي امتدت لفترة سنتين كان البحث عن الذات واضحاً من خلال تلك الجولة الثقافية في عالم الكتب والمعرفة والثقافة، وأصبحت أكثر قدرة على فهم آراء الشيخ ومتابعة أحاديثه ومذاكراته، اكتشفت البعد الإنساني في هذه الأفكار..
أسلوب التلقي لم يعد كما كان، أصبح التلقي أداة للفهم، واكتشفت أن عالم المعرفة واحد لا يتجزأ، وأن المعرفة لا تقود إلى ضلال أبداً فالضلال هو نتاج الجهل بالمعرفة، ضلال المعرفة لا يخرج عن إطار التدافع للبحث عن الحق والصواب، أما ضلال الجهل فهو ضلال مظلم، وهو كالكهف المهجور الذي لا يدخله النور أبداً...
تذكرت كلام الشيخ وهو يقول لي: العلم كله محمود والمعرفة كلها نور، فما يذم العلم لذاته ولا تذم المعرفة لذاتها، وإنما يذم الاستخدام السيء للعلم بما لا يفيد الإنسان أو بما يضره، فالذم يرتبط بالإنسان والإنسان الكامل يرتقي بمستوى فهمه لدور العلم في تكريس قيم الخير في المجتمع، والمعرفة هي التي تعطي للفضائل السلوكية أبعادها الإنسانية لكي تكون في مستوى وعي الإنسان.
ولأول مرة بدأت أتأمل سلوكيات البشر كما هي، فأرى فيها الجميل والقبيح، وأميز فيها بين الحسن وغير الحسن، واكتشفت أن الظاهر ليس هو الباطن، وما يتراءى للناس من أنواع السلوك ليس هو الحقيقة، وأن الدين له ظاهر مرئي وله باطن يدرك بالبصيرة، وغاية الدين هو إصلاح الحياة والارتقاء بمستوى وعي الإنسان وسلوكه.
واكتشفت أن الشيخ على حق في توجيه اهتمامه إلى الأمراض الاجتماعية المتفشية في المجتمعات الإسلامية الملتزمة بأداء الفرائض الدينية، وأهم هذه الأمراض الاكتفاء بالظاهر وإغفال الثمرة المرجوة، والتي تحض على المحبة والألفة والإيثار والصدق والإخلاص. والابتعاد عن الأحقاد والأطماع والحسد والعجب والاستكبار، فالعبادات في الإسلام هي فرائض عينية وهي في الوقت ذاته وسائل تربوية لتهذيب النفوس وتزكيتها والارتقاء بمستوى سلوكها، لكي يكون الخير هو ثمرة الدين في المجتمع والعمل الصالح هو أداة التمييز والتفاضل بين الإنسان والإنسان، وبين الشعوب والحضارات والثقافات....
ما سمعته من الشيخ كان يمثل الركيزة الأساسية بالنسبة لي، كل فكرة جديدة كنت أنظر إليها عبر التراث التربوي الذي ترسخ في كياني، وكلما تفتحت لي فكرة جديدة أو لاحت لي من بعيد بارقة غير معهودة نظرت إليها من خلال القيم التي ترسخت في ذهني، كنت مشدوداً إلى ذلك الموروث الروحي وكأنه يمسك بي بقبضته ويعيدني إليه، كنت أسافر في رحلات بعيدة عبر تلك الفضاءات الثقافية وسرعان ما يشدني الحنين إلى وطني الأول حيث ولدت وعشت طفولتي الدافئة.
لا أدري هل كان ذلك شيئاً حتمياً بالنسبة لي أم إنني اخترت ذلك المسلك بمحض إرادتي، لأنني أحببته ووجدت فيه ذاتي، رحلاتي لم تنسني ذلك الحي الدافىء الذي أمضيت فيه طفولتي، ذلك الصخب والضجيج الذي رافق حياتي الجديدة كان ممتعاً إلا أنني كنت أشتاق في أحيان كثيرة إلى ذلك السكون الروحي، هو شوق إلى شيء ما لا أدري حقيقته.
عندما غادرت مدينة حلب في رحلتي الدراسية إلى دمشق والقاهرة كان الأمل يدفعني إلى اقتحام ذلك المجهول، وبدأ التدافع والتغالب بين إرادتين إرادة البقاء وإرادة الرحيل، وفي الحقيقة كانت الإرادة واحدة هي الرحيل في مواجهة الدفء الروحي والسكن النفسي، إرادة الرحيل كانت هي الأقوى، لأن الطموح لم يكن لأجل العلم ولا لأجل الشهادة ولا لأجل الشهرة والجاه وإنما هو طموح إلى الكمال ولا حدود للكمال. فالتعلق بالكمال يدفع صاحبه إلى المجهول حيث كان، لأنه يرى في ذلك المجهول بحثاً عن الذات وهي رحلة شاقة إلا أن النفس تستعذبها وتميل إليها وتنساق وراءها.
في دمشق عالم جديد، وفضاء فسيح، كنت أحاول أن أجد ذاتي في تلك الفضاءات العلمية الواسعة، أحببت العلم وتعلقت به، وطرقت أبوابه واقتحمت حصونه، أسعدني ذلك لأنني وجدت ذاتي من خلال الانصراف إلى العلم، كنت أنهل من ذلك البحر الواسع وكأنني في حالة نهم مرضي..
لم يتوقف حنيني إلى أمسي القريب في مجالس الشيخ الروحية، وبحثت عن ذاتي الأولى من خلال بحثي عن مظان هذه المجالس في البلدان التي أقمت فيها، ورأيت الجديد في أشكال مختلفة، رأيت طقوساً منقولة ومكررة، واكتشفت أن عالم الروحيات هم العالم الأكثر غموضاً والأقل استقامة، والصادقون فيه قلائل، والمخلصون فيه نوادر، كلهم يدعون وصلاً بليلى، طمعاً في دنيا يصيبونها أو جاهٍ يلتمسونه عند عوام الناس، والجهل فيه فاش بين الأتباع والطمع فيه ظاهر بين أدعياء الولاية، والاستقامة فيه قليلة...
رأيت مخلصين صادقين هم مظان الصلاح والولاية، إلا أن ظاهرهم لا ينبىء عن حقيقتهم، تراهم وتعجب باستقامتهم ودينهم، إيمانهم عميق وعبادتهم صادقة، ليسوا بأهل دعوة وطريقة، قلوبهم معلقة بالله، إذا رأيتهم رأيت إشراقة النور في وجوههم، هؤلاء ممن يرجى دعاؤهم يعملون الخير لأنهم لا يحسنون غيره.
ومن المؤسف أن تختلف الأمور وأن يدعي الجهلة انتماءهم للتصوف، ومعرفتهم بأسراره وأحواله، ويتكلمون بما لا يفهم من الأفكار والأحوال، فيغتر العامة بما يسمعون، طمعاً في رزق يبشرون به، وجاه يبحثون عنه ويرجون أن يسمعوا من أخبار الغيب ما ترتاح إليه نفوسهم، وهذا دليل على الجهل بالإسلام، وليست هناك آفة تقود المجتمع إلى التخلف مثل الجهل بأمور الدين.
كنت في مثل هذه المواقف استحضر شخصية الشيخ، وأقارن ما أسمعه بما كنت أراه قبلاً من حياة الشيخ وصدقه في كلامه فتعود لي الثقة بأصالة هذا النهج، ولولا ما كنت أعلمه وأراه واشاهده لأنكرت حقيقة هذا الأمر وحذرت من خطره، بسبب ما أصاب هذا المنهج الصوفي من تشويه وتضليل على يد من ادعوا المشيخة الصوفية وهم عنها مبعدون بسبب تعلقهم بمطامعها الدنيوية، واستغلالهم جهل العامة للتحكم في عقولهم...
ابتعدت كلياً عن هذا الطريق الذي اكتشفت الجديد من أمره، لم أنكره لأنني نشأت في رحابه النظيفة وآفاقه الأخلاقية وقيمه الأصيلة، ولم أقبل صورته القاتمة كما بدت لي من خلال ما رأيته، وأقبلت على العلم لعلي أجد فيه الصورة المثلى النقية الصادقة، ولا يمكن للعلم إلا أن يكون مضيئاً للعقول....


طريق العلم... وتساؤلات الآخر:


أحببت العلم بكل عواطفي، وشغلت نفسي به، رأيت فيه الصباح الذي يبشر بالحياة، فالعلم خير كله، لأنه أداة المعرفة، ولم أفرق بين علم وعلم، ولم أميز بين علوم شرعية أو قانونية أو أدبية، فالمعرفة واحدة، وكلها تفتح آفاق الرؤية أمام العقول، وتعلقت بالعلوم التأملية والاستدلالية التي تعتمد البراهين والأدلة والمرتبطة بالأحكام الواقعية، وليس في مجال العلوم الكلامية، ذلك منهج جدلي لا يفيد في مجال العقيدة، ولا يؤدي إلى مزيد إيمان، لأن أصحابه لا يريدون به ترسيخ العقائد وإنما يريدون به تأكيد براعتهم في الجدل لكسب المكانة في عيون الخلق والتفوق على الآخرين.
في كل خطوة من خطواتي العلمية التي استمرت لمدة طويلة كنت أشعر بذلك الاخر الذي يسير معي ويرافقني، ويراقبني ويحاورني في كل خطوة، كان ذلك الآخر هو ذلك الموروث القديم الكامن في كياني، إنه الصديق الذي كان يلازمني ولا ينفك عني، كان معي في كل خطوة، أهرب منه فينتصب أمامي فجأة، أخاصمه حيناً فلا يخاصمني، أراه في كل زاوية أمشي فيها، في دروبي وطرقاتي، في صحوي ونومي، في لحظات الصفاء وفي لحظات الكدر، أحياناً أضيق به فلا يفارقني، في لحظات ضعفي ألجأ إليه راضياً وبإرادتي واختياري فيريحني بكلماته الحانية ويمسح دموعي في لحظات حزني وألمي، وفي لحظات قوتي يقف في دروبي يراقبني ويهمس في أذني، لا أدري لماذا أحببته بالرغم من كل قسوته علي، ولا أدري لماذا أحبني، من المؤكد أنه أحبني أكثر مما أحببته، كان وفياً لي، لم يتخل عني قط عندما أحتاج إليه، وربما كنت في أعماقي أحبه كما يحبني، عندما يكون بجانبي كنت أشعر بالسكون والطمأنينة ويمنحني القوة الذاتية في مواجهة الواقع، كان يحاورني بهدوء ويريحني.
وذلك الآخر لا أعرف من هو، هل هو شيء مني أم هو خارج عني، هل هو أنا أم غيره، هل ما أراه هو صورتي كما أراها في المرآة، هل هو ذلك الموروث من القيم والمفاهيم، هل هو ضميري الذي رافقني منذ طفولتي ولم يغادرني.
في كل خطوة كان ذلك الآخر في حياتي وفي كياني، لم يتوقف الحوار بيني وبينه قط، كان حواراً دائماً ومتصلاً، وكان دائماً هو الأقوى في حججه وأدلته، كان يغيب أحياناً فاحسب أنه ذهب ولن يعود، فاشتاق إليه وآنس به، وفجأة ينتصب أمامي بملامحه المعهودة لم يكن متجهماً أو عابساً، كان دائم التفاؤل والابتسام، لم يضيّق عليّ الخناق في حياتي وإنما كان يوقظني إذا غفوت، ويشد من عزيمتي إذا ضعفت، وأروع ما فيه أن له فلسفة خاصة به، ولغة متفردة ذات دلالات غير معهودة، كنت أفهمها جيداً عنه، كان يفسر لي الأمور بطريقة غير مألوفة ولا مفهومة، ومع ذلك كنت أفهم لغته وكانت تريحني وتمدني بالقدرة على مواجهة الأزمات العارضة ولو كانت قاسية، وكنت في أشد المواقف صعوبة أجده إلى جانبي مسانداً ومعاضداً بابتسامته المعهودة فيمنحني القدرة على التفاؤل... لغته متفردة في تفسير الأحداث والوقائع، وكأن كل شيء معدّ بدقة وإحكام، فكل ما يصادفني من خير أو شر فهو وليد حكمة، والعقبات والأزمات هي ابتلاءات مكتوبة غايتها الترقي من حال إلى حال، والذنوب أفعال مستقبحة لكي تعيد أصحابها إلى ربهم بالذل والانكسار، والأبواب إذا أقفلت فما أقفلت إلا لحكمة مرجوة، ولكي تفتح على رحاب أوسع مكاناً وأكثر جمالاً، والشعور بالغربة والوحشة بعد النكسات هو عناية لكي تشعر بالأنس بالله، والفرحة بالعطاء غفلة واستدراج إلا إذا رأيت النعمة من المنعم رعاية لك، والتعلق بالأشياء طريق للشقاء وهو دليل الغفلة، والدنيا لمن أعرض عنها بقلبه، ولا يمكن الزهد في شيء إلا إذا وقع التعلق بما هو أدوم وأبقى، والدنيا مذلة لمحبّيها ما لم يعرضوا عنها بقلوبهم لا بأبدانهم.
كانت هذه اللغة غير مفهومة لدى الآخرين، وكنت أرتاح لهذه المعاني، وأجد فيها ذاتي، وكان صاحبي الذي يلازمني يمدني بهذه التلميحات، في لحظات معينة كنت أرفضها وسرعان ما أركن إليها، لأجل نفسي لا لأجل الآخر، وكنت كلما اكتسبت جديداً في مجال العلم والمعرفة ترسخت هذه المعاني في كياني وتأكدت في أعماقي...
شكوت إلى الشيخ يوماً من أمر ذلك الطيف الذي يلازمني في كل أسفاري ورحلاتي واهتماماتي فابتسم طويلاً وكأنه يعرف أمره، لم يسألني عنه، ولم يستفسر عن أحواله، أجابني بكلمة قصيرة، ذلك هو حبك لي، تلك هي الرابطة بيني وبينك حيثما كنت.
أسعدني هذا الجواب... شعرت كأن المسافة بيني وبين الشيخ قصيرة، بل ليست هناك مسافة، لا زمان ولا مكان، «فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف».
الزمان والمكان وهم وحجاب، فإذا انتفت الحجب فلا زمان ولا مكان، فما استودع في الطفولة في القلوب والعقول قلما يزول، كحبات الزروع والزهور التي ترمى في الأرض، لا تموت، عندما يحين موعد نمائها تتحرك داخل التربة، تدافع التراب، وتخترق كل الحجب التي تغطيها، وتبحث عن الحياة.
لم يكن ذلك الآخر بالنسبة لي وهماً أو خيالاً أو حلماً، كان حقيقة، كان الحوار دائماً بيني وبين ذلك الآخر في أعماقي، كل فعل من أفعالي.. كل خطوة من خطواتي يسبقها حوار داخلي، فما يظهر في العلن هو ثمرة لذلك المكنون في الباطن، محاكمة مستمرة لا تتوقف، كل أنواع السلوكيات والمواقف يسبقها حوار داخلي مع الذات، والذات الخفية بمقوماتها وبالمخبوء فيها وبالمستودع في خزائنها هي الآخر بالنسبة للذات الظاهرة التي لا تملك حرية الاختيار فيما تختاره من سلوكها، هي مدفوعة إلى ذلك بقوة داخلية فإن كان الآخر حسناً وجميلاً ونظيفاً كان الظاهر مرآة له، وإن كان مملوءاً بالعفونات الفاسدة والمتخيلات السيئة كان الظاهر كذلك..
عندما أخذت مكاني في مقاعد التدريس في الجامعة وأخذت أنصت لأعلام الفكر وهم يتحدثون عن القضايا العلمية في علوم الشريعة وعلوم القانون والعلوم الإنسانية، كنت أحاور نفسي في لحظات التأمل عن معنى العلم، وعن دور العلم في مقاومة الجهل. كنت أكره الجهل وأجده المرض الذي لا ينفع معه أي علاج، فلا شيء كالجهل ينحدر بمستوى الإنسان ولابد من التصدي للجهل بكل الأسلحة الممكنة.
ولكن ما هو المراد بالجهل؟ وما هو العلم الذي يقاوم الجهل؟
العلم هو معرفة الشيء على ما هو عليه في حقيقته، وهم أعم وأشمل من مفهوم العلم المقرر في المناهج الدراسية، ولابد في العلم من ظهور ثمرته وهي المعرفة بالأشياء، فإذا أظهر العلم ثمرته فهذا هو هدفه المرجو منه، وإذا لم يؤد هذه الثمرة فلا رجاء في هذا العلم.
تذكرت كلمة الشيخ وهو يقول لي: أول ثمرات العلم أن يثمر في ذات الإنسان، وأن يزهر في كيانه معاني الخير والفضيلة، فإذا لم يثمر في ذات الإنسان فلا خير في هذا العلم، وغاية العلم العمل فإذا لم يثمر العلم العمل فهو جهد ضائع...
ودفعني الفضول إلى التأمل والتتبع أبحث عن الثمرة المرجوة في ذات العالم والمتعلم فلم أجد الثمرة، كانت الأشجار جرداء صفراء، أغصانها عالية وأوراقها شاحبة، وجدت مؤسسات للعلم ولم أجد قدسيات العلم، وجدت الاهتمام بفروع الأحكام ولم أجد اهتماماً بحقائق الأحكام وما تهدف إليه من الارتقاء بمستوى سلوكية الإنسان، رأيت الجامعات والمعاهد كأنها مؤسسات لتكوين الكفاءات المهنية في مختلف العلوم الشرعية واللغوية والعلوم الإنسانية والمهن العلمية، ولم أجد الجامعات التي تعني بتكوين إنسانية الإنسان وتلقينه بالمعرفة التي تعمق في كيانه حب الكمال والتعلق بالفضائل الإنسانية.
كان الآخر في كياني يرقب ذلك ويوجه اهتمامي إلى ذلك البعد المهجور والمنسي والمتجاوز، كان الكل في سباق متواصل، وكل فرد يبحث عن ليلاه في ذلك الفضاء الواسع، ولم يكن أمامي أي خيار، لابد من مواكبة المسيرة في سيرها، أو الانسحاب منها، لم يكن الانسحاب ممكناً، ولابد من الاندماج في هذا المجتمع، فهذا هو الممكن، ولابد من التماس العذر للناس فيما هم فيه.
وخضت ذلك البحر المحيط أتأمل ملامحه العجيبة، وارى أمواجه المتصارعة، واجد أسماكه القوية تلاحق الأسماك الصغيرة الضعيفة وتبتلعها بشراهة، الأقوياء يحكمون، والضعفاء يقاومون فيلقون حتفهم في أحشاء الكبار، وسرعان ما يتعلمون كيف يستسلمون، لا لكي يدفعوا الموت عنهم ولكن لكي لا يساقوا إلى الموت قهراً وذلاً.
ليس عجباً أن تتجه الجامعات إلى تكوين الكفاءات العلمية في مجالات الحياة المختلفة وإنما العجيب أن ينصب الاهتمام على تكوين المهارات والكفاءات وليس على تكوين الإنسان، فالإنسان هو أداة التقدم والتخلف، فالطبيب الإنسان هو المؤهل لحماية الأرواح والدفاع عن الحياة، والمهندس الإنسان هو الذي يتقن عمله ويعمل بصدق وإخلاص، وعالم الشريعة المتخلق بأدب الإسلام هو الذي يعطي القدوة لطلابه ولمجتمعه، فتكون كلمته صادقة ومؤثرة، ولا شيء يسيء للإسلام كما يسيء إليه علماء الدين عندما يتنافسون على الدنيا ويتزاحمون على أبواب الحكام طلباً للجاه والمنصب والرياسة فيدفعون ثمن ذلك من كرامة العلم ويفرطون فيما أؤتمنوا عليه من كلمة الحق.
والعلم ليس نقيض الجهل بمفهومه المرتبط بالأمية، وإنما هو نقيض كل ما يفعله الجاهلون مما لا يليق بكرامة الإنسان من الطمع والحقد والحسد والكبر والنهم فالجاهل يفرط بكرامته في سبيل ما يطمع فيه، ولا يفعل العالم ذلك ولا يليق به أن يفعل ذلك، لأن ذلك من أفعال الجاهلين.


العلم والأدب:

وعلم الشريعة هو العلم الوحيد الذي لا ينفصل فيه العلم عن الأدب، ولا تتناقض فيه الحقوق مع العدل والفضيلة، وعلماء الشريعة هم رموز للاستقامة والنزاهة، يتميزون عن غيرهم بنقاء الباطن وصفائه، يعملون لله ويخلصون في أداء رسالتهم، إذا ضل المجتمع طريقه كانوا الأمل في هدايته، وإذا فسدت النفوس كانوا رموز الصلاح والإصلاح.
وفوجئت وأنا أتابع دراساتي الجامعية أن دراسة الفقه لا تختلف عن دراسة القانون من حيث الموضوع، وأن الأحكام متقاربة ومتشابهة، والفقيه وهو يعرض مادته العلمية لا تجد فيها روحية الأحكام وتميزها عن غيرها، وهي علم ولا علاقة لها بالعمل، ويدرس الدارس ظاهرها بما تدل عليه الأدلة والبراهين العقلية وينسى ما تتضمنه من أداب وما تريد تحقيقه من غايات، وهذه المنهجية تزود الباحث بالعلم ولا تعلمه أخلاقيات العلم، فالعمل ليس ثمرة للعلم وحده، وإنما هو ثمرة للتربية والتكوين السليم، وهذا هو الخلاف الجوهري بين منهجية السابقين من علماء السلف ومنهجية اللاحقين، منهجية السابقين كانت تثمر العمل الصالح ولذلك ارتبط العلم بالعمل، وكان العالم رمزاً للوطنية والاستقامة والنزاهة، وإذا تحرك تحركت الأمة بحركته، وإذا غضب دفاعاً عن الحق والفضيلة اهتزت الأرض وجلاً من غضبه.
لم يعد الأمر كذلك في مؤسساتنا الدينية، ضعفت رموزها واهتزت مكانتها، وفقدت رصيدها في المجتمع، وأصبح العلماء يبحثون عن دنياهم كما يفعل غيرهم، ويفرحون فيما أوتمنوا عليه من مساندة المستضعفين والدفاع عن الحقوق.
ما تعلمته من الشيخ كان شيئاً مختلفاً، كان يريد تكوين العالم العامل بعلمه، الذي يدافع عن الحق، ذلك هو العالم الذي يستحق لقب العالم، تلك هي الحوارات الداخلية التي كنت أخاطب فيها ذاتي، مجرد حوار، كان هاماً وهادئاً، وسرعان ما هدأت العاصفة في كياني، وصمت ذلك الصوت الداخلي، وتوقف الحوار.
ما زالت تلك البذرة في كياني، لم تمت، ولا يمكن أن تموت، فبذرة الخير إذا زرعت في الأرض الخصبة لا تموت أبداً، أصبحت هذه البذرة هي الآخر بالنسبة لي، الذي يحدثني وينتقدني ويحاسبني فيما بعد، سرت فيما سار فيه غيري ممن كنت أنتقده، لم أتميز عن أسلافي بشيء، اخترت الطريق الذي اختاروه، شغلت نفسي بالعلم وكتبت مؤلفات عدة في الفكر الإسلامي.
كان الآخر يقول لي فيما بعد، ليس هذا هو الطريق، وعندما كنت أقلب صفحات كتبي الأولى أجد ما كتبته لا يختلف عما كتبه غيري، العلم ولا شيء آخر مما لم أجد فيها روحية العلم، بل أجد فيما كتبته تكريساً لواقع قديم وليس تصحيحاً له، فنحن نكتب عن فكر العلماء المسلمين كما صوروه وسجلوه ولا نكتب عن فكر الإسلام كما يجب أن يكون، فكر المسلمين هو مرآة لواقعهم وقد سجلوه كما هو، وفكر الإسلام لم يسجل في حقيقته، وإنما سجلت الأجيال ما أخذته من الإسلام بعد أن صاغوه بلغة حاجاتهم ومتطلباتهم، فكر الإسلام متجدد في كل عصر، كشجرة تعطي ثمرتها في كل عام، والثمرة الجديدة ليست هي الثمرة القديمة، هي شيء جديد في طعمه ومذاقه وشكله.


أخلاقية العلم:

في خريف العمر رأيت ذلك الآخر في كياني يصحو بنشاط ويسيطر على تفكيري ويزاحمني، ويقتحم معاقلي العلمية، ويكاد أن يقتلع حصوني التي بنيتها على امتداد سنوات طويلة، أصبحت أنا الهدف من حركته، أخذ يحاسبني عما قدمت من أعمالي العلمية، ويسألني بإلحاح عما إذا التزمت بما كنت أطالب به غيري.
قلت مرة أمام طلابي في الدراسات العليا في المغرب: «لقد فشلنا في مهمتنا، لقد أعطيناكم العلم ولكننا لم نعطكم أخلاقية العلم». كنت صادقاً في كلمتي، وشعرت أن من واجبنا أن نعيد النظر في مناهجنا العلمية وأساليبنا التربوية، لكي نسهم في تكوين شخصية العالم قبل أن نزوده بسلاح العلم، فالجندي قبل أن ـمل السلاح لابد من استكشاف قوة عضلاته وصلابة أعصابه.
فالعالم الذي يحمل العلم وليس مؤهلاً له يسيء للعلم، لأنه ينحدر بمستواه لكي يكون وسيلة للمعاش، وليس العلم هو الغاية.
وتذكرت كلمة الشيخ وهو يتحدث عن اليقين ويتساءل: كيف يصنع أصحاب العقول إذا اكتشفوا في خريف عمرهم أنهم كانوا على خطأ فيما اختاروه، ولابد من اليقين لكي لا يضيع العمر في البحث عن الحقيقة التي تتوهمها العقول.
ولابد من ذلك الآخر في كياننا، لأنه يوقظنا من الغفلة والنوم العميق، ذلك الآخر قد يقلقنا بإلحاحه ومراقبته إلا أنه المنقذ الذي يمسك بيدنا عندما نخوض الأنهار العميقة ونشعل ضوءه في دروبنا الضيقة والمظلمة.
ليس المهم من يكون ذلك الآخر، قد يكون الضمير الحي الذي أودع في كياننا في أيام الطفولة، ووجد الرحم الدافىء الذي احتضنه ووفر له شروط الحياة والنماء، وقد نطلق عليه اسم الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهي كامنة وفي أعماق ذاتنا لا تموت أبداً، ولكن يمكن أن تكون شاحبة عليلة بتأثير البيئة الفاسدة والتربية السيئة، ويمكن لهذه الفطرة أن تستقيظ فجأة في لحظة ما في حياة الإنسان.
في لحظة صفاء روحي، تسمع كلمة ناصحة صادقة مخلصة فسرعان ما تدخل إلى الأعماق، فتحرك ما هو كامن من إرادة الخير.
في الطفولة الأولى تكون الفطرة نقية طاهرة نظيفة، ثم تتلون باللون الذي يحيط بها، فقد تصبح قاتمة وكئيبة بتأثير الذنوب التي تألفها، وقد تظل كما هي في لونها الأبيض الصافي، فإذا لم يلامس التشويه جوهرها فسرعان ما تعود إلى صفائها الأول، عندما تسمع صوت المنادي يذكرها بما جبلت عليه من حب الخير.
ويصبح التصحيح هدفاً مرجواً، وتكون النفس مستعدة له مهيأة لرحلة العودة إلى ربها، كما هو الشأن في كل المخلوقات، تنجذب إلى الأصل، كما تنجذب الكواكب إلى الشمس، والتوبة هي الخطوة الأولى في التصحيح، والمراد بها الرجوع إلى الطريق الذي أراده الله، بعد الضلال عنه بتأثير الغرائز والميول الشيطانية، ولا يتحقق هذا الرجوع إلا عندما ينير الله البصيرة فيدرك بها الغافل مواطن الطريق، فيشرح الله صدره لهذا الطريق، فيلتزم به، ويجد لذته فيه، والتوبة ليست كلمة تقال وإنما هي شعور وجداني داخلي يحرك القلب ويدفع الجوارح ويوجد الاستعدادات لما يريده الله من عباده من الأعمال الصالحة..
قبل أن نعلم الآخرين الإسلام علينا أن نتمثله في حياتنا كفكر وسلوك، وقبل أن نلقنه لأطفالنا علينا أن نشعرهم بأنه في قلوبنا وقبل أن نكتب عنه في الكتب والمجلات علينا أن نتخلق به في سلوكنا، ذلك هو طريق البداية، وليس هناك أحد خارج نطاق المسؤولية عما يفعل، فالكل محاسب، وعليه أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون.
هذا ما كان الشيخ يردده في كل مجالسه، وهذا ما أودعه في قلوبنا، ليس المهم أن نتجمل في ظاهرنا، وإنما المهم أن يكون الباطن نظيفاً، والذين يعملون لأجل الخلق طلباً في جاه ومنزلة في قلوب الناس سرعان ما تمحى كلماتهم من القلوب، فلا تنشرح لها وقد تضيق بها.
في كل موقف كنت أقارن بين ما تربيت عليه وما لُقّنتْه في الطفولة وما أواجهه في كل يوم من وقائع وأحداث، وما أتعلمه في الحياة من دروس، ولاحظت أن الواقع شيء آخر يختلف كلياً عن المثالية المطلقة، ليس فيما هو جديد، وإنما فيما هو قديم، فما نقرأه في كتب التاريخ يؤكد لنا أن الإسلام في حقيقته ليس هو الإسلام في واقعه، فالواقع يخضع لطبائع البشر وسنن الكون وقوانين الحياة، والحياة الإنسانية ليست خارجة عن سلوكيات البشر المعتادة في المعاملات والحروب والتدافع بين الشعوب والتغالب بين الأقوياء والضعفاء.
وعندما كنت أقرأ الفكر الإسلامي كنت أجد أثر الإنسان في توجيه هذا الفكر والتحكم في مساره، لكي يكون واقعياً وممكناً، إلا أن سلطة الإنسان في التوجيه قد تشوه صفاء هذا الفكر، وهي لا تريد التشويه وإنما تريد أن تقربه من الواقع، وأن تقنع المجتمع بواقعيته من خلال التحكم في مساره، وهذا منهج قد يفيد على المدى القصير ويغنيه بالأسرار والاجتهادات، إلا أن ذلك قد يبعده عن ينابيعه الأصلية وقد يجعل ملامحه مختلفة عن ملامحه الإنسانية المتميزة، ولابد من العقل البشري لإغناء الفكر وتفسير نصوصه، إلا أن ذلك يجعل المقود بيد العقل، وتخضع النصوص لما يريده الإنسان مما يلبي له حاجاته التي يراها ضرورية لواقعه.
والتساؤل الذي يطرح نفسه باستمرار، ماذا يريد الإسلام أن يحققه في المجتمع، وكيف يمكن معرفة ذلك المراد..
ومن اليسير أن نقول ما يريده الإسلام هو ما يريده الله، ومراد الله هو ما يجب أن يتجه إليه الإنسان وأن يحب ذلك المراد، فمن أحب الله أحب كل ما يريده الله.
ولكن كيف يمكن للإنسان أن يعرف مراد الله ؟ وإرادة هذه المعرفة هي الإنسان نفسه بقدراته العقلية، وهل يعرف ذلك المراد بعقله أم بقلبه ؟ ولا يمكن للعقل البشري أن يتحرر من طبيعته الغريزية التي تزيّن له الأشياء التي يميل إليها الطبع، والعقول تختلف بحسب مكوناتها الغريزية.
ومراد الله هو ما تطمئن إليه القلوب الصافية الطاهرة التي تتعلق بحب الله، وتؤثر الله على كل شيء، فلا تتعلق بأي شيء يشغلها عن الله، تقبل على الله وتعرض عن كل شيء آخر، ويتمثل مراد الله في تصحيح العقيدة بالإيمان بالله وعدم الشرك به وعدم اتخاذ أرباب من دون الله، وهذا هو معنى التوحيد واستشعار معنى الربوبية في القلب، لكي يتحرر من الخوف والعبودية لغير الله، ثم يكون الركن الثاني، وهو عمل الصالحات التي تنفع الآخرين من خلق الله، فلا يكون في ذلك ظلم ولا تجاوز وهذا يحتاج إلى إصلاح الباطن الذي يهيء الإنسان لعمل الخير أو الشر.
ومهمة العالم أن يعلم الإنسان معايير الخير والشر وضوابط الحق والباطل، لكي يتمكن الإنسان من معرفة ما يجب عليه سلوكه لكي يفعل ما يريده الله...
هذا هو العلم النافع والمفيد، وما عداه لا يفيد الإنسان ويمكن الاستغناء عنه.


التصرف... والاختيار:


كنت أسأل نفسي عن حقيقة التصوف، هل هو شيء محمود أم مذموم، ولا أدري إذا كنت أحبه أو لا أحبه، أنتمي إليه أو لا أنتمي إليه.. أدافع عنه أو انتقده.
لم أكن أنتمي إلى السلفية المتطرفة، كما لم أكن أنتمي للصوفية المتزمتة، كنت أشعر في كياني بحب للقضايا الروحية، وكنت أحياناً استعمل لغة أهل التصوف ومصطلحاتهم، إلا أنني كنت أقف عند خطوط حمراء لا أتجاوزها، لأنني أجدها، منطقة غامضة غير مقنعة، وبخاصة ما تعلق منها بالطقوس الصوفية التي تشوه صفاء القلوب..
كنت أحب صفاء القلوب، ولكن لا أحب تلك المبالغات والشطحات والسلوكيات المنحرفة، أحببت نقاء الصوفية وما أحببت طقوسها التي تحرص على التمسك بها الطرق الصوفية للحفاظ على وجودها...
لم أجد في معظم الطرق ذلك الصفاء الروحي، وإنما وجدت سحباً كثيقة من الحجب التي تشغل القلوب عن التعلق بالله، رأيت الدنيا في هذه الطرق ولم أجد الآخرة، رأيت الظاهر ولم أر الباطن، رأيت القشور ولم أر الحقيقة، ورأيت الغرور والرياء ولم أجد الصدق والإخلاص..
ومن خلال رحلاتي في هذه الدروب رأيت رجالاً صادقين مخلصين لا يعرفهم أحد، ولا يريدون أن يعرفهم أحد، أهل استقامة ونزاهة وورع، يحاسبون أنفسهم في كل صباح ومساء، ويفعلون الخير لأنهم يحبون الخير، قلوبهم معلقة بالله وأبصارهم شاخصة نحو السماء، ليسوا أهل طريقة، ولا يعرفون ذلك العالم الكثيف الذي ينطوي على انحرافات خطيرة في المعتقدات والسلوكيات... وتذكرت كلمة الشيخ وهو يقول: بأن الصادقين يقودك صدقهم إليهم وينشرح صدرك للقائهم، ولا تجد فيهم غروراً ولا إدعاء، تحجبك بشريتهم عن خصوصيتهم، لا ينسبون لأنفسهم شيئاً مما يفعلون بل ولا يجدون أنفسهم فيما يفعلون، قلوبهم شاخصة لله تعالى...
وأدركت أن الصوفية ليست مجرد انتماء والتزام بالطقوس، وإنما هي خُلُق، فمن تميز عليك بخُلُق فقد تميز عليك بالمكانة، وهذا هو الأساس في الصوفية الحقة، صوفية التربية والخلق الحميد، وهذا التزاحم في الطرق على الجاه والسمعة والمكانة هو مناقض لحقيقة التصوف، وكيف تستقيم دعوة التصوف إلى الإعراض عن الدنيا بالإقبال عليها والبحث عن أسبابها..
والصوفية في حقيقتها سمو في الهمة وبحث عن الكمال، وارتقاء بمستوى التعلقات إلى أفق رحب من قيم الخير، وتتميز الشخصية الصوفية بشفافية روحية رائعة لا نجد مثيلاً لها في الشخصيات العلمية المحجوبة بتأملاتها العقلية عن إشراقات القلوب في لحظات أحوالها، وقدم لنا التاريخ لمحات من تاريخ هذه الشخصيات التي أنارت مجتمعها بآثارها الإيجابية، فكانت المثل الأعلى في سلوكها وفي قيمها وفي دفاعها عن القيم الإنسانية.
وتأثرت الصوفية بالواقع الاجتماعي المحيط بها، وبخاصة في فترة التخلف العلمي والثقافي والحضاري، فكانت هي نتاج ذلك الواقع الذي شوه نقاء الصوفية الأولى بسلوكيات خاطئة ومنحرفة، ولابد من تصحيح هذه الصورة بالبحث عن حقيقة التصوف..
إن صوفية السلوك والوجدان والتزكية أعطت خلال التاريخ عطاءها المتميز وأثمرت فكراً أخلاقياً راقياً، أما صوفية الطقوس والمبالغات والشطحات فقد شوهت الصوفية الحقة وأساءت إليها وانحرفت بعض الطرق عن أهدافها الأخلاقية إلى تكوين عصبيات متصارعة ومتنافسة تبحث عن الدنيا وتستغل عوام الناس وعواطفهم باسم الدين..

آثار الصحبة


لكل صحبة أثر في حياة الإنسان، قد لا يدرك المرء ذلك الأثر في أثناء الصحبة، ولكن لابد له من إدراك ذلك فيما بعد، وصحبة الطفولة هي الأكثر أثراً، لأنها تمثل المرحلة الزمنية التي يكون فيها الطفل في مرحلة القابلية للاستفادة، مرحلة الادخار والاكتناز، كل شيء يراه يطبع في ذاكرته، ويبقى طويلاً في تلك الذاكرة، إلى أن يأتي الوقت الملائم لاستخراج ما في الذاكرة مما اختزن فيها في زمن الطفولة من مشاهدات وأقوال وأفعال...
كلمات كثيرة سمعتها وظننت أنها ماتت في كياني، لأنها لم تترك في نفسي أثراً في حينها، وقد أكون قد قبلتها على مضض، وقد أكون قد نسيتها، ثم فجأة اكتشف بعد عشرات السنين أنها موجودة، أستعيدها، أخرجها من مخبئها، أراها ما تزال حية قوية، أقوى مما كانت، تلك مرحلة الادخار وقد مضت، ثم تكون مرحلة الإنفاق، حيث تخرج ما ادخرته من مستودعه، لكي يلهمك موقفاً أو يعلمك حكمة.
ذلك هو الإنسان، ما كان في عالم الطفولة لا ينسى أبداً، بكل مكوناته وبكل تفاصيله، وكأنه ادخر ليوم ما في مستقبل الإنسان، يستعيد ذلك الموقف أو تلك الكلمة، يكررها في ذاته، يرددها، يتلذذ بدلالاتها التي لم تكن مفهومة في حينها، وكأنها قيلت للغد وللمستقبل، لكي تنفع صاحبها في ذلك الليل المظلم الذي يحتاج فيه الإنسان إلى شمعة تضيء ليله، قد يكون وحيداً وقد يكون حزيناً وقد يكون بحاجة إلى كلمة تواسيه وتفرحه، هذا هو الإنسان يدخر ثم يستهلك وينفق مما ادخره لنفسه، من ماله لا من مال الاخرين، هو الوحيد الذي يمكنه أن يعرف ما يحتاج إليه، هو يعرف جيداً داءه وآلامه، ويعرف الدواء الذي يريحه، كلمة مواساة قد تريحه، كلمة أخرى قد تميته، هو الذي يعرف ولا أحد غيره يعرف، هو صاحب التجربة، هو الذي يختار من مستودع ذاكرته مدخرات الطفولة، مواقف، ذكريات، جراح، كل ذلك هو رصيده الباقي، هو ثروته التي يمكن أن يحافظ عليها، وهي ثروة لا تنضب أبداً، قد تفتح له باب الأمل وباب الغد وباب المستقبل.
الإنسان لا يتعلم من غيره أبداً، وإنما يتعلم من ذاته، من تجربته الخاصة، من آلامه، كل شيء يمكن أن يكون ثروة، ليست الثروة هي المقتنيات فقط، هذه قد تزول وقد تسرق وقد تشوه، أما ما في النفس فلا يزول، يستعيدها الإنسان لكي تمده بأمل جديد، وتفسر له غامضاً من المواقف، تعلمه كيف يحيا، وكيف يوقد الشمعة في ليلة مظلمة، وكيف يقف على رجليه بعد سقوط كبير، تعلمه أنه محمول على الأكتاف بفضل العناية الإلهية التي تطوقه في الأوقات العصيبة، تعلمه أن الحياة لا تتوقف أبداً، ليل يعقبه نهار يعقبه ليل ولولا الليل لما عرف الإنسان فضل النهار عليه وانتظر قدومه لكي يشرق في قلبه... ليس المهم الليل والنهار، وإنما المهم أن يشرق النور في القلب المظلم، وأن يضيء ظلمة اليأس وأن يحيي الأرض بعد مواتها، ذلك هو أثر ذلك الرصيد المدخر في مستودعات الذاكرة، ذلك هو الموروث الذي ينتقل من الآباء إلى الأبناء ومن المعلم إلى المتعلم، ومن المرشد إلى المسترشد.
تذكرت كل ذلك.. الطفولة بكل ذكرياتها استيقظت، وكأنها أمس قريب، تخاطبني، تعلمني، تنصحني، تسدد خطاي، نسيت الأمس القريب وأصبح بعيداً، وتذكرت الأمس البعيد وقد أصبح قريباً مني، أصبحت اشتاقه واستلذه.. بعدما كنت زاهداً فيه، مفرطاً بكل ما ارتبط بذلك الماضي... تذكرت الشيخ وأنا أحدثه عن المستقبل وكيف يجب على الإنسان أن يفكر فيه ويخطط له، كنت أظن نفسي سأسعده بما أقول، أردته أن يكتشف في شخصيتي وعياً مبكراً وطموحاً محموداً إلى الأفضل، غضب الشيخ وأعرض، وحسبته أنه يريد لي المستقبل الأكبر.
قال لي: لا ولدي. المستقبل بيد الله وليس بيدك، بجهدك الشخصي وبنباهتك وذكائك لن تحصل على شيء، فكثيرون من أمثالك خططوا لمستقبلهم بطريقة أفضل، وكانوا يملكون كل مقومات النجاح من الذكاء والعلم والطموح، ولكنهم لم يحصلوا على ما يريدون، دع الأمر لله تعالى، هو الذي سيختار لك المستقبل وسيشرح صدرك لما هو مقدر لك، فإن كنت صالحاً فالله سيتولاك، وسيعطيك أفضل مما تطمح فيه، وسيسدد خطاك وسيفتح القلوب لك وسيجعل لكلامك حلاوة، تدخل بها القلوب، فيألفك من لم يعرفك، ويحبك من كان يكرهك، ويظهر الله حسنات أفعالك ويستر ما ساء من خصالك..
ولاحظت فيما بعد أن كل ما أخططه لنفسي لا يعطي ثمرته المرجوة، وكل ما أسلم أمري فيه لله تعالى كان يجري على أحسن ما يكون من السداد والتوفيق، وكأن يداً خفية تخطط لي وتقودني إلى الأفضل..
فإذا جاءتني محنة كانت جسراً ضرورياً لمنعطف جديد هو الأفضل، فأصبحت أتفاءل بالمحنة والابتلاء، شعوراً مني بأن ذلك هو الطريق إلى الأفضل.
وتذكرت كلمة الشيخ وهو يقول لي: ما أراده الله لك يحمله عنك ويسدد خطاك به، وما تريده لنفسك يسند أمره إليك وتمتحن فيه، فالله هو المدبر لشؤون الكون وأمر العباد... وهو الأعلم بما يصلحهم والأرحم بهم، فعطاؤه عطاء، ومنعه هو عطاء، ويجب أن نشهد العطاء في المنع كما نشهده في العطاء.
أثرها في تكوين النزعة الروحية:
كان أثر الشيخ عميقاً في تكوين النزعة الروحية في كياني، بالرغم من وضوح ميلي إلى الاستنتاج العقلي والاعتماد على البراهين المادية... وكنت أحب العقل وأعجب به، وما زال يغلب علي ذلك، فالعقل هو سراج ينير الطريق، ولا يجوز أبداً إغفاله وتجاوزه، وهو دليل على وعي في التكوين وقدرة على التمييز، والأمم تنهض بعقولها والثقافة هي جهد عقلي، والحضارة المادية هي ثمرة لعطاء العقول.. والعقل هو أداة التمييز وأداة التكليف، ولا يجوز لثقافة أن تقلل من دور العقل في اكتساب المعرفة، والذين اغفلوا دور العقل في المعرفة الإنسانية ضلوا الطريق والتبست عليهم الدروب، لأنهم لم يميزوا بين الحق والباطل.
والمناهج العقلية هي الأكثر عطاء، ولا تستقيم المعرفة إلا بالاحتكام إلى العقل، والاستنارة به، وثقافة الإسلام لا تنهض إلا بجهد العقول وباجتهادات عقلية رشيدة، والمعرفة الإنسانية هي ثمرة جهود العقول البشرية المؤتمنة على القيم الإنسانية والمعارف التي تنير طريق الإنسان في بحثه عن الأفضل والأكمل.
والفكر الإسلامي لا ينهض إلا بالعقل وبالاعتماد عليه والثقة برؤيته، والعقول لا تضل في مجال المعرفة الإنسانية، إلا أن العقول لا تدرك إلا ما كان داخلاً في إطار المدركات الحسية، والعقل يهدي إلى الحق ولكنه لا يمد القلوب بالمعرفة التي تؤدي إلى الطمأنينة والسكون، فذلك أمر آخر، يخص عالم القلوب.
ألا أن العقول تحتاج إلى غذاء روحي يقلم أظافرها لئلا تقتحم بموازينها حصون المدركات الكونية المتعلقة بالقضايا الغيبية، فتلك أمور لابد فيها من صفاء روحي وإشراقات خفية، ولابد من ذلك التوازن بين القوة العقلية التي زود بها الإنسان لاستقامة شؤون الخلق بنور التمييز بين الأشياء المدركة وبين القوة الروحية التي تهدىء من حدة المعايير العقلية الجافة لكي تكون أكثر إنسانية وارق طبعاً وأقل قسوة، فالحياة لا تنقاد بقوة المدركات العقلية وإلا وقع التصادم بين الثقافات والمعتقدات والأفراد، وإنما تنقاد بسيطرة القيم الإنسانية التي تحض على الخير والتسامح والاعتراف بالآخر، وهذه تحتاج إلى التربية الروحية التي ترتقي بمستوى المدركات العقلية إلى مستوى الوعي بحقيقة الإنسان وضرورة احترام إنسانيته لأنه من خلق الله، فليس هناك في الكون تفاوت بين الإنسان وأخيه الإنسان، وإنما هناك أخوة إنسانية رائعة في تميزها عن المخلوقات الأخرى...
التربية الروحية ضرورية لمواجهة أزمة التصادم بين الإنسان والآخر، وبين الأمم والشعوب والحضارات، وعلى مستوى المجتمع الواحد بين الرجل والمرأة والغني والفقير والحاكم والمحكوم، وغاية التربية الروحية هي إيجاد ذلك التواصل الإنساني لمواجهة الشر في المجتمع والقضاء على الحروب والجرائم والتفاوت المذلّ بين الشعوب والتمييز العنصري. وليست التربية الروحية هي ذلك الإنزلاق إلى المجهول الذي ترفضه العقول، وليست تلك السلوكيات المنحرفة في الطقوس الدينية، وليست تلك المواجيد المفتعلة التي تدل على جهل أصحابها، وإنما هي منهج إنساني رفيع المستوى للارتقاء بمستوى الإنسان إلى حيث الفهم العجيب لمعنى الحياة والسمو بالسلوك والتعلق بالكمال، ومواجهة قوى الشرّ في المجتمع والقضاء على الصراعات الدينية والقومية والطائفية والطبقية، لتحقيق مجتمع المحبة والألفة والتعايش والتساكن، ومجتمعنا يحتاج إلى هذه التربية الروحية لكي يتميز عن غيره من المجتمعات بصفاء النفوس وتزكيتها وطهارة القلوب ونقائها، ولا نريد التربية الروحية لكي نحلق في الأوهام الضارة، ولا نريدها لأجل الانشغال بها عن عمارة الكون بأسباب الحياة، نريد التربية الروحية لكي نحترم إنسانية الإنسان ولكي نوفر له أسباب الكرامة المادية والمعنوية، نريد الروحية التي نقاوم بها طغيان الأقوياء الذين يذلون المستضعفين بقوتهم، ونريدها حتىتنمو ضمائر البشر فينطلق من أعماق الذات الإنسانية صوت الحق يدعو إلى الخير والفضيلة في المعاملات الإنسانية.
هذه هي التربية الروحية التي نريدها، ولا نريد غيرها، نريدها أداة للتقدم لا للتخلف، نريدها للبناء لا للهدم، نريدها أن تكون صوت الحق في قلوبنا، تخاطبنا من أعماق ذاتنا لكي نحاسب أنفسنا عن كل سلوك مذموم ينمي مشاعر الأنانية في شخصيتنا.. أما التربية الروحية التي تشغلنا بالأوهام عن الواقع، وتنمي في كياننا مشاعر الغرور، والتميز، وتدفعنا إلى الكسل والتواكل والسلبية، فهذه ليست تربية روحية، وإنما هي سلوكيات تكرس التخلف في مجتمعنا، وتضعف تكويننا الذاتي، وتغتال العقل البشري الذي خلقه الله في الإنسان لكي يكون سراجه المنير الذي يهديه إلى دروب الحق والفضيلة.
التربية الروحية هي أداة لتحرير الإنسان من عبودية المادة ومن سيطرة الغرائز الفطرية الجامحة، لكي يكون الإنسان الأفضل والأكمل في سلوكياته وخواطره وأفكاره...
ومن المؤسف أن مجتمعات التخلف والجهل جعلت من النزعة الروحية أداة لتكريس الواقع، واختبأت وراء شعارات التربية الروحية لإحياء قيم مخالفة لحقيقة الدين، منافية للهدي القرآني الذي يدعو إلى مقاومة الجهالة التي ترفضها العقول السليمة وتشمئز منها الفطرة الصافية التي خلقها الله لكي تكون هادية للنفس البشرية إلى الكمال.


أثرها في السلوك العام:


لا شك أنني قد تأثرت بالشيخ في تكوين ملامح شخصيتي، نظراً لأنه كان النموذج الذي كنت اقتدي به في طفولتي وهي المرحلة التي يتأثر فيها الإنسان بمن حوله، من أسرته وأساتذته وزملائه، وعندما يكون الشيخ بشخصيته المتميزة وبمكانته في النفس فإن من الطبيعي أن يكون التأثير بطريقة حتمية وتلقائية ومن غير تكلف.. لا أدري ما هي الأشياء والأوصاف والطباع التي كان التأثر فيها واضحاً، ربما يدرك من حولي ذلك أكثر مني، لأنهم ربما يلاحظون ذلك، فما يراه الآخرون يكون واضحاً في السلوك العام.
ولكل شخصية إنسانية مصادر تتأثر فيها، وتصبح تلك المصادر هي مكونات الشخصية، بكل خصائصها الذاتية.. وأستطيع القول بأن الشيخ كان المصدر الأهم لتكوين ملامح شخصيتي الأولى، لأنني كنت في مرحلة القابلية للتلقي والاستفادة والاقتداء، وكنت اعتبره النموذج الأخلاقي الأسمى الذي كنت أحاول تقليده ومحاكاته... ومن الطبيعي أن ذلك التأثير يمكنه أن يصطدم بمؤثرات أخرى أسهمت في تكوين ملامح الشخصية، وهذا المؤثرات المختلفة توجد صيغة توافقية يختارها الإنسان لنفسه، وتمثل ملامحه الذاتية التي تجسد فيما بعد شخصيته المستقلة...
والشخصية هي نتاج ذلك التفاعل بين الذات والمحيط الخارجي، فليست هناك شخصية لا تتأثر بمحيطها، سواء في الطبائع أو القيم، والقيم هي الفضاء الأوسع للتأثير، لأنها تعتمد على ذلك الموروث الذي يتراكم في الكيان الذاتي.
ما زلت حتى الآن أشعر بتأثير ذلك الموروث في ذاتي، قد يضعف قليلاً وقد يطرأ عليه تعديل، إلا أنه يبقى ذلك الشيء المقدس الذي يرتاح إليه الإنسان.
أذكر الكلمات التي كنت أسمعها في الطفولة من الشيخ في مجال التربية والتوجيه، وما زالت حية في نفسي، إنها تدل على قيم معينة مستمدة من المحيط الاجتماعي، وليس ما يراه المجتمع حسناً فهو حسن على وجه التأكيد في جيمع الظروف، إلا إذا كان المجتمع يحسن التمييز بين الحسن والقبيح، ولهذا تشدد علماء الأصول في الأمر لكي يكون الإجماع دالاً على اختيار الأمة كلها من غير مخالفة أو شذوذ، لكيلا يصبح القبيح حسناً باختيار الأكثرية التي تتحكم فيها الأهواء والشهوات.
والمجتمع النظيف يرى الحسن في الأفعال الحسنة، ويرى المصلحة في الأفعال الصالحة والمحمودة، المجتمع الملوث بالقيم الفاسدة تنحدر قيمه، لأنها وليدة واقعه، ولهذا لابد من البصيرة لكي تكون السراج الذي ينير طريق الحق.
ومحاسبة النفس عن الأخطاء ليس ترفاً في التربية، وإنما هي منهج تربوي للتصحيح الدائم واليقظة المستمرة، لكي يعتاد الإنسان حياة الطهارة والنقاء والصفاء، فمن اعتاد النظافة فلا يحتمل نقيضها أبداً، لأن النقيض يؤلمه ويعذبه ويخاطبه بإلحاح لكي يعود إلى النظافة، والمحاسبة أداة لمنع الاعتياد، فالاعتياد مرض خطير في مجال التربية، والنفس بطبيعتها تحب الطهارة والنظافة في الظاهر والباطن، فإذا تساهلت في بداية الأمر وتراكمت الأوساخ فيها فيحدث الاعتياد، وعندئذ تتوقف المحاسبة ولا تكون هناك رقابة لأجل التصحيح.
ولابد في السلوكيات من الاحتكام إلى العقل والشرع، والعقل لا يناقض الشرع أبداً، وإذا ظهر التناقض فهذا دليل على وجود خلل في معايير العقل وموازينه أو جهل بحقيقة الشرع، وكل من الأمرين دليل على وجود قصور في الفهم.. والاعتدال في الطبائع هو دليل على التحكم في الغرائز، فالغريزة عمياء لا يصدر عنها سوى ما يعبر عن طموحها في لحظات البهجة والغضب، ففي لحظة السرور تندفع الغرائز نحو الشهوات المستلذة من الطعام والشراب واللذات الجنسية وتريد أن تنهل منها بنهم وشره، متجاوزة في ذلك كل العوائق والموانع الشرعية والأخلاقية والاجتماعية، وإذا وقف أحد في وجه اندفاعها فسرعان ما تستيقظ غريزة الغضب المعتمدة على القوة، فتسلط قدراتها على الطرف المستضعف، فتعتدي عليه بالقول والفعل، متجاوزة في ذلك كل الحدود.
ولابد من التحكم في الغرائز لا للقضاء عليها، ولكن لإخماد قوتها والتخفيف من اندفاعها لكي تكون في حدود السلوكيات المعتدلة التي تدافع عن وجود الإنسان بتوفير أسباب استمراره، ولا يتحقق الوجود الإنساني إلا بكمال الغرائز الشهوانية ولا يدافع الإنسان عن حقه في الحياة إلا بقوته الغضبية التي هي أداة الدفاع عن كرامته وحريته.. والتربية الرشيدة هي أداة تكوين خصائص الاعتدال، للسيطرة على اندفاعات الغريزة بقوة الإرادة الإنسانية، فالمجاهدة للنفوس ليست وسيلة لإذلالها ولا لمعاقبتها، وإنما هي وسيلة لتقوية الإرادة بهدف التحكم في سلوكيات الإنسان في مواجهة الغرائز الجامحة.
والاعتدال هو الفضيلة في نظر الشيخ وليس التطرف، ولا يمكن للتطرف أن يكون فضيلة أبداً، والتطرف دليل على ضعف الإرادة وعدم القدرة على التحكم فيها، فتصبح النفس في حالة اندفاع وجموح، والقوة تكمن في الاعتدال وليس في التطرف، فالاعتدال يحتاج إلى إرادة ومقاومة لجموح الغريزة، أما التطرف فهو دليل على سيطرة الغرائز على الحواس، والغرائز المنفلتة تلغي دور العقول في التمييز والتحكم والتسيير.
وهناك أشياء كثيرة كان يدعوني إليها الشيخ ويشجعني عليها، وهناك أقوال وتوجيهات لم أكن أفهمها في حينها، وبقيت في ذاكرتي كوقائع، ثم أخذت أفهمها فيما بعد، واستوعب غاياتها التربوية، وهذه هي مهمة المربي أن يقوم بواجب التربية في تصحيح السلوكيات ويوجه الاهتمام إلى خطورة الأخطاء لكي تدرس النفس ما يجب عليها أن تأخذ به وما يجب عليها أن تتجنبه من أنواع السلوك.
ولا يمكن للتربية الدينية أن تنفصل عن أهدافها المرجوة في تكوين الإنسان الصالح الذي يحب الخير لنفسه ولغيره، ويحترم إنسانية الإنسان حيث كان هذا الإنسان، سواء كان صديقاً أو عدواً، في حرب أو سلام، فالحرب ليست عملاً ضد الإنسانية ولا يجوز أن تكون كذلك، وإنما هي جهد مشروع لمقاومة العدوان الذي يباشره الأقوياء ضد الضعفاء.
تذكرت كلمة الشيخ وهو يقول في معرض حديثه عن أهمية القيم الإنسانية واحترام حق الحياة للآخرين: أقاتل عدوي في النهار دفاعاً عن حقوقي المشروعة، وأداويه في الليل إذا كان مجروحاً وأقدم له الطعام إذا كان جائعاً، احتراماً لإنسانيته.
سمعت هذه الكلمة، وما زلت أذكرها، وازداد فهماً لمضامينها الأخلاقية والإنسانية، وأرى فيها قمة الفهم لمعنى القيم الإنسانية، وهذا معنى لم يتوصل إليه فكرنا القانوني المعاصر، بالرغم من منظمات حقوق الإنسان التي تحض على مراعاة القيم الإنسانية، تلك أقوال سمعتها ولم أفهمها في حينها، وأدركت بعد ذلك دلالة هذه الأقوال على منهجية في الفهم العميق لسمو التربية الإسلامية، وهذا ما لفت نظري إلى أهمية الإنسان كفكر وثقافة وحضارة وقيم سامية.