آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    الخاتمة    محاضرات وكلمات عن السيدالنبهان
الطريق إلى الكلتاوية بقلم الدكتور محمد فاروق النبهان



مرات القراءة:3106    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

دروس في صحبة السيد النبهان

الطريق إلى الكلتاوية

بقلم الدكتور محمد فاروق النبهان

ذهبت إلى الكلتاوية لصلاة الجمعة كما اعتدت أن افعل خلال إقامتي في حلب على امتداد عشرات السنين، والكلتاوية هي رمز ذلك التراث الروحي، وبالرغم من مكانها النائي البعيد فقد كان المكان الأقرب والأحب إلي، منذ طفولتي الأولى كنت هناك، طفلا وشابا، وكانت مدرستي الأولى، وكنت أرى أصدقائي الأوائل وأبناءهم وأحفادهم، كلهم يصلي هناك، إذا ذكرت الكلتاوية في حلب فهي مقر الشيخ النبهان رحمه الله…

وهي بالنسبة لي كانت الانتماء، ولا خيار لي إلا أن أكون معها، وكانت تربطني صلة محبة بكل من انتسب إليها من أبنائه…

عندما كنت أغيب عنها يذكرني العشرات ممن ينتمون إليها، أتحدث إلى أبنائها من طلاب العلم، كنت أجد في هذه الصفوة النقاء والصفاء واجد فيهم ملامح الغد…

وجهت اهتمامي إلى هؤلاء الطلاب الذين يدرسون في مدرسة الكلتاوية لمدة ست سنوات، وهي مدرسة داخلية ذات نظام صارم وجاد، ويربون التربية التي تنسجم مع الخط السلوكي الصوفي الذي أرساه الجد رحمه الله، تخرج المئات من هذه المدرسة العلمية والتربوية، وهم اليوم علماء يقتدى بهم، وقد أعدوا لمهمة الوعظ والإرشاد، ويتميزون عن غيرهم بخصوصيات واضحة في فكرهم وتكوينهم واستقامتهم، وبالرغم مما كنت ألاحظه عليهم أنهم أكثر تشددا في آرائهم وأقل قدرة على قبول الآخر المخالف لهم في الرأي إلا أنهم أكثر جدية واستقامة ونزاهة، وهذه صفة واضحة فيهم، وهم في مجملهم يتميزون بأدب واضح وأخلاقية في السلوك، ولهم تأثير واضح في مجتمعهم ويحضون بالاحترام بسبب ما يتحلون به من نزاهة واستقامة..

في لقائي الأسبوعي معهم بعد صلاة الجمعة كنت اطرح أمامهم فكرا أكثر انفتاحا مما اعتادوا سماعه، كنت أركز على قضايا أكثر أهمية بالنسبة لعصرهم، وأهمها ما يتعلق بدور العلماء في المجتمع، وهو دور تنويري وتجديدي، ويهدف إلى توفير شروط النهوض بالمجتمع عن طريق مواجهة مظاهر التخلف والعوائد السائدة والقيم الهابطة، وتوجيه الاهتمام للتركيز على أهمية الإنسان والاهتمام بحرياته وحقوقه الإنسانية، وهذه هي ثقافة الرقي والنهوض بالمجتمع، ولابد من ثقافة النهوض التي تعترف بدور العقل في اغناء الفكر والاحتكام إليه كأداة للمعرفة الإنسانية ومعرفة المصالح والتمييز بين الحق والباطل والحسن والقبيح…

في كل لقاء كنت اطرح قضية للتأمل، وكنت أريد تحريك تلك البحيرة الراكدة لكي تفكر في الجديد مما لم تعتد على التفكير فيه، ومجرد التفكير هو بداية فجر سرعان ما يبشر بالنور والصباح، ليس المهم أن يكون الكل متفقا معك، ولكن المهم أن تبدأ رحلة التأمل، وهذا هو المطلوب أولا، ولابد في التأمل العقلي من ثمرة مرجوة وهو عدم الخوف من ارتياد ذلك الفضاء الخالي من الحياة، وعندما تقتحمه ولو بتردد مبدئي فسرعان ما تكتشف فيه عالما جديدا يستحق أن يكون مكانا للتأمل…

ليس هناك شيء اشد خطرا على الفكر من أن تتسع دائرة الثوابت على حساب المتغيرات، وتضيق الخناق علي العقل فلا يحد متسعا لحركته، وسرعان ما يصطدم بجدران حديدية تمنع حركته وتصده بقوة وتدفعه إلى الوراء صاغرا، والأصل في الثوابت أن تكون أداة لمنع استطالات العقول والغرائز على القيم الإنسانية الراسخة كالحرية والعدالة والشورى والمساواة، وهذه ثوابت أريد بها أن تكون قاعدة لتحقيق شروط النهضة الاجتماعية.

والإيمان بالله يرسخ مكانة الثوابت ويعمقها ويجعلها في موطن الدراسة والاحترام ويحيطها بأسوار قوية وراسخة من النصوص التي تحميها، والثوابت تمثل الجذور الأساسية التي تحمي المجتمع من الانحراف، ويأتي العقل البشري لكي ينظر في المتغيرات ويختار لها التفسير الذي يحقق مصالح المجتمع، ولا حدود لحق العقول في الدفاع عن المصالح الاجتماعية عن طريق اختيار الطرق التي تقود إلى الغايات المرجوة.

والاجتهاد هو أداة تحقيق المصالح، وهو فرض على كل القادرين عليه، ولا يقبل التقليد من أهل العلم أبدا، ولا عذر لهم إذا اختاروا أن يكونوا في معسكر الأميين الذين لا يحسنون الفهم، ولا يقدرون على النظر العقلي في قضاياهم، وكل فرد يملك الاجتهاد فيما يحسنه ويقدر عليه، فالفلاح يجتهد في أمور زراعته، والطبيب في مجال اختصاصه، والتاجر في مجال تجارته، ولا مجال للعاجزين عن كل شيء في معسكر القادرين.

والذين يخافون من الاجتهاد بسبب ورع مزعوم مع قدرتهم عليه هم جهلة بحقيقة الدين، ومثلهم في ذلك كمثل ذلك الطبيب الذي لا يعالج المرضى بسبب خوفه من الخطأ، ولا عذر له في ذلك…

كنت أخاطب هؤلاء الطلاب بذلك الخطاب الذي كان يفتح عيونهم على منهج غير مألوف لهم، وهو منهج غير مألوف في معظم المؤسسات العلمية التي اعتادت على ترسيخ منهجية تقليدية في النظر بقداسة إلى ذلك الموروث القديم، الذي ورثه الجيل اللاحق عن سابقه، ولا يحتج باللاحق ما لم يجد سنده في كتاب منقول عن السابقين، ولو كان مما وقع الاختلاف فيه بينهم، وهذه الظاهرة منتشرة فيما يكتب ويفتى ويقرر ويقال، ولا يقبل أي رأي إلا إذا استظل قائله بقول منسوب لأحد السابقين، ولو كان ذلك السابق ممن لا يحتج برأيه ولا يستشهد باجتهاده…

ولم استوعب ذلك المنهج المعتاد والمألوف، وكنت أتساءل في حوار داخلي مع نفسي: لماذا تقع الثقة في أقوال وفتاوى السابقين ولو كانت خالية من دليل ولا تقع الثقة بفتاوى واجتهادات المعاصرين ولو استدل عليها صاحبها بأوثق الأدلة ما لم يستظل بمظلة رأي منسوب لأحد فقهاء السلف ولو كانوا ينتمون لجيل متأخر…

ومما كان يسعدني أنني كنت أرى ملامح السعادة على وجوه هؤلاء الطلاب، وهم يسمعون كلاما لم يعتادوا سماعه من قبل، ولو سمعوا مثله من غيري لما قبلوه، ولكنهم كانوا يقبلون ذلك مني ويفرحون به، وأنا واثق أن اثر هذه الأفكار التي كانت تحدث لديهم ذلك التفاعل الايجابي ستؤدي حتما إلى تكوين منهجية لديهم أكثر قدرة على التفكير والتأمل…

لم أكن أريد أن يأخذوا بأفكاري وان يحاكوها وان يقلدوها وإنما كنت أريد أن ادفعهم للتفكير والتأمل، لكي يختاروا الطريق الذي يعبرون به عن ذاتهم، شواء كان موافقا أو مخالف…

وهذا هو الإغناء والإثراء لفكر السابقين، وبذلك نحيي ذلك التراث بالإضافة المتجددة إليه، لكي تكون النوافذ مفتوحة وتطل على الحدائق الأمامية والخلفية، لكي تكون الرؤية شاملة وصادقة.

رأيت لدى هؤلاء الطلاب في الكلتاوية استعدادا لم أجده لدى طلابي في الجامعات، قد يكونون اقل فهما لما أقول، ولكنهم كانوا أكثر استعدادا للقبول، وكانوا يحفظون هذه الأفكار ويتحاورون فيما بينهم حوله..

صوفية ملتزمة

واهم ما كنت أركز عليه وكان يثير دهشتهم واهتمامهم هو دعوتي لتجديد الفكر الصوفي، لكي يكون معبرا عن صوفية ملتزمة هادفة ناهضة، ذات منهج تربوي يرتقي بمستوى السلوكية الإنسانية أخلاقيا ونفسيا، وكنت أندد بصوفية الطقوس والمظاهر التي اشتهرت به الصوفية المعاصرة والتي تكرس التخلف وتشجع المفاهيم التربوية الخاطئة وتدفع صاحبها لسلوكيات خاطئة..

ليست الصوفية مجرد شطحات متكلفة في الأقوال والأفعال لا تعبر عن شيء ولا تفيد صاحبها بشيء، ولا نجد لها سندا في سلوكيات الأولين من السلف الصالح، وليست مجرد استخدام مصطلحات محفوظة لدى رموزها يدعيها بعض المنتسبين للصوفية وهم لا يفهمون حقيقة معناها، ويرددونها أمام العامة لاستمالة عواطفهم بادعاء ما هو متوهم من الأحوال والمقامات العالية، وليست الصوفية مجرد مشيخة متوارثة من جيل إلى جيل، ويمسك بمقودها من لا يحسن فهم آدابها ممن يدفعهم الطمع لاستغلال عواطف العامة بادعاء سر خفي تكشف به الأسرار وتزاد به الأرزاق وتدفع به الأمراض وتتوقف به الأسباب، ويصدق العامة ما يسمعون فيستسلمون، وينتظرون أن تكشف عنهم الكروب، ويدفعون ثمن ما يوعدون به وهم بذلك سعداء ومطمئنون.

كنت افهم الصوفية بطريقة مغايرة لما هو شائع عنها، وكنت ارفض ما رأيته من مظاهرها السلبية، واقبل منها ما كان يجد سنده في سلوكيات السلف الصالح من مجاهدة للنفس لتزكيتها، ومقاومة انزلاقات الغرائز، وتحرير الإنسان من قبضة الشهوات المذلة، وتمكينه من السيطرة على خواطره بحيث تكون معبرة عن تطلع للكمال، وهذه هي صوفية محمودة ولا مجال لذمها والانتقاص من أهميتها، في التربية النفسية…

والصوفية كلمة دالة على منهج، فان دلت على سلوك مذموم فهي مذمومة، وان أدت إلى شيء محمود فهي محمودة، وإنما نذم ما ارتبط بها من سلوكيات المنتمين إليها والمنتفعين منها، ونمدح ما هو جيد من آثرها الايجابية…

إننا نحكم على أي فكر من خلال ما يقدم نفسه إلينا، فان كان نافعا لمجتمعنا فيما هو فيه ناهضا، بإرادته إلى الأعلى، داعيا له إلى الأفضل والأكمل، مسهما في تقدمه، ناشرا فيه قيما إنسانية عالية، فهو فكر مطلوب لأنه محمود الأثر ومفيد لنا في حياتنا، وإننا نحتاج إليه، ونتطلع لدوره في نهضة مجتمعنا واغناء ثقافتنا، وان كان الفكر مما لا يفيدنا في شيء، ولا يحقق لنا ما نريده منه، و لا يضيف إلينا ما ينهض بأمرنا فما المبرر لكي نشغل أنفسنا به، أليس هذا المنطق هو منطق العقلاء…

والفكر الصوفي النقي النظيف الذي يسهم في ترقية مناهجنا التربوية، ويغني فكرنا وثقافتنا بإضافاته وتلميحاته وتحقيقاته الرفيعة والرائعة، ويعمق في ذاتنا القيم الروحية ويهذب سلوكنا ويرتقي بمستوى احترامنا للآخر المخالف لنا، ويدعونا لمزيد من التمسك بالصفات المحمودة، ويسهم في طهارة نفوسنا، ويدفعنا لمحاسبة ذاتنا عند كل تقصير، ويشجعنا على التزام الأدب والتمسك به في علاقتنا بذاتنا وبمن حولنا وبمن نتعامل معه، فهذا فكر نحترمه ونبحث عنه، ونشجعه، وندعو إلى التمسك به…

هذه هي صوفيتنا التي ندعو إليها، ونشجع عليها، ونلتزم بها، أما صوفية التواكل والتخاذل والكسل، فما حاجتنا إليها، ويكفي فكرنا ما يعاني منه من أسباب التخلف، ورصيدنا من التقاليد الخاطئة والقيم الهابطة كبير، ولا حاجة لنا بمزيد من هذه المخلفات السلبية الضارة.

نريد صوفية أصيلة المعالم شرعية الأسس أخلاقية الملامح، تقدس العقل وتحترم اختياراته، وترفع من شأن العلم وتقاوم الانحراف وتحض على التضحية للدفاع عن الحريات والحقوق الإنسانية، وتتحالف مع المستضعفين في الأرض لكي يتمكنوا من الدفاع عن حقوقهم المشروعة في الحرية والكرامة..

هذا ما كنت أدعو إليه أبنائي من طلاب العلم في الكلتاوية، كنت أشجعهم على أن يتعلموا العلم لكي يرفعوا من مكانته في نظر العامة، بعلو همتهم والتزامهم بالاستقامة والنزاهة… 

ولا شيء أروع من نزاهة العلماء وعفتهم وعلو همتهم، وان يكونوا هم أصحاب اليد العليا في كل المواقف، فان فقدوا المال فعليهم أن يكونوا من أهل النزاهة، والنزاهة هي التي ترفع الرؤوس بالعزة والكرامة، والطمع يذل صاحبه ولو كان صاحب مال أو سلطة أو جاه، ولا جاه لمن أذل نفسه، ولا مكانة لمن طمع في مال غيره…

ومما كنت ألاحظه على الصوفية المعاصرة كما تقدم نفسها للمجتمع أنها كانت تميل للعزلة عن قضايا المجتمع وبخاصة ما يتعلق بدورها في الدفاع عن القضايا الوطنية، ولم تكن الصوفية كذلك من قبل، ويحدثنا التاريخ عن نماذج حية لشخصيات صوفية كانت تقود الأمة إلى معارك الجهاد والتحرر، وكانت تعبئ المجتمع لمقاومة المحتلين، وتقود النضال الوطني ضد الأخطار الخارجية كما كانت تدعو للإصلاح الاجتماعي…

وليست هناك قاعدة، والأمر يختلف بحسب طبيعة البيئة الاجتماعية وطبيعة التحديات التي تواجه الأمة، ولا خلاف في أن الفكر الصوفي هو فكر تربوي يهدف إلى الارتقاء السلوكي، إلا أن الصوفية كانت تمثل قيادة روحية ذات اثر اجتماعي ويمكن توجيه هذه القوة في المواقف العصيبة لتحقيق أهداف وطنية ومناصرة الدعوات الإصلاحية… 

وليس هناك أسوأ من تحالف بعض الزوايا الصوفية ذات النفوذ الاجتماعي مع بعض الأنظمة الاستبدادية الظالمة أو الأنظمة المعادية للمطامح الشعبية في الحرية والكرامة، وهذه هي ظاهرة مرضية يدان أصحابها ورموزها وتسقط مكانتها في نظر مجتمعه..

وكنت أؤكد دائما على هذه الحقيقة وأنا أخاطب ذلك الجيل الناشئ من طلاب العلم في كلتاوية حلب، وكنت أريد منهم أن يكونوا رموزا للصوفية الحقة في دفاعها عن الفضيلة والقيم الإنسانية، وفي مواقفها الوطنية ضد رموز الاستبداد والطغيان ودعاة التبعية لأعداء هذه الأمة…

المشيخة… والاختيار الصعب

وكان كل من حولي يطالبني بإلحاح أن أتصدى لمهمة المشيخة الصوفية في الكلتاوية، وينتظر مني أن أقدم على هذه الخطوة بطريقة جادة، وان أتفرغ لهذه المهمة بكل ما يتطلب ذلك من استعداد نفسي… عندما أكون في حلب كان هناك صوت واحد اسمعه في كل صباح ومساء يتردد في كل مجلس، داعيا إلى ذلك مشجعا عليه، وكنت اسمع ولا أجيب، واسمع الرجاء والإلحاح ولا يتحرك ما في داخلي…

واطرح على نفسي ذلك التساؤل الذي يطرح علي دائما، ولا أجد جوابا مقنعا ومريح…

كنت أتذكر كلمة الشيخ الجد رحمه الله وهو يقول لي دائما، وذكرت ذلك في كتابي عنه : إذا أرادك الله لأمر هيأك لقبوله وشرح صدرك له واوجد لديك الاستعداد، وحمل عنك العبء، وتندفع لذلك الأمر وأنت منقاد له، ولا خيار لك في ذلك… 

منذ ثلاثين سنة عرض علي الأمر بعد وفاة الجد رحمه الله، وكانت الأمور مهيأة لذلك، فقد كنت في نظر أتباع الشيخ الخليفة المعد لذلك والذي أعده الشيخ لهذه المهمة، واجتمع إخوان الشيخ وقرروا ذلك، ولكنني لم أجد في داخلي الاستعداد لذلك، كنت أريد العلم ولا أريد غيره، ولم يكن من اليسير علي أن ابتعد عن طموحي العلمي وفقا للطريق الذي رسمته لنفسي، لم أندم على هذا الاختيار، ولا أظنني سأندم عليه..

لو اخترت هذا الطريق لما كان المغرب في حياتي، ولم يكن بإمكاني أن أتفرغ للعلم، كنت سأختار طريقا آخر، ولا يمكن الجمع بين الاختيارين..

ما كنت رفضته بالأمس قبل ثلاثين عاما هل يمكنني أن اقبله اليوم، بالأمس كان يمكن أن أكون أكثر استعدادا لذلك لأنني كنت في بداية حياتي، وكنت أكثر مرونة في اختياراتي، واليوم اشعر بقدر كبير من المسؤولية عن اختياراتي، وما يجب أن يكون عليه الأمر هو ما يمكن أن يكون مقبولا لي ومنسجما مع فكري ومعبرا عن ذاتي...

والمشيخة كما هي في واقعها الاجتماعي ليست مما يطمع فيه الإنسان، قد تكون طموحا للبعض ممن يجدون أنفسهم في مرآتها وقد لا تكون مطلبا لآخرين لأنهم ينظرون إليها من نافذة أخرى، ولا بد فيها من استعداد ذاتي وتكوين ثقافي ومهارات في بعض المواقف ومواهب مؤهلة...

بعض رموزها يحظى بالاحترام ويحسن التصرف والتدبير، والبعض الآخر ينحدر بمستواها ويسيء الى سمعتها ويجعلها أداة لتحقيق طموحات مشروعة وغير مشروعة، محمودة ومذمومة، ولابد في المشيخة من مجتمع يستجيب لها ويشجع عليها، وبيئة تساعد على نموها وازدهار أمرها، وهي صورة للمجتمع ومرآة له وتعبر عن مستوى وعيه وثقافته وحضارته..

وكل مجتمع ينتج قيمه كما يراها هو، وكما يتصورها بنفسه، فان كان المجتمع يتمتع بوعي ثقافي ونضج في مفاهيمه أنتج قيما راقية تعبر عن رؤيته، وإن كان المجتمع متخلفا بسبب جهله وسيطرة العادات الجاهلية على حياته، أنتج قيما هابطة وارتضاها لنفسه، وأعطاها مكانة القداسة في حياته وتمسك بها من غير نظر في مدى انسجامها مع القيم الإنسانية الراقية..

والمشيخة هي مرآة عن واقع المجتمع، وهي منتج تفرزه العادات والقيم السائدة، وهي نوع من أنواع القيادة المحلية التي يقع فيها الاحتكام إلى من تقع الثقة به، وفي مجتمع يميل إلى التدين يجد الناس في رموز التدين من العلماء الشخصيات التي يمكن الثقة بها والاطمئنان إلى رأيها، وهذه الظاهرة نجدها في معظم المجتمعات الإنسانية..

وكلما ارتقى وعي المجتمع ارتفعت معاييره في الاختيار وحسنت موازينه، ويسهم الجانب الثقافي في وعي المجتمع، ولهذا فإننا نلاحظ أن الاختيار يختلف بحسب طبيعة الأحياء، كما نجد أن لكل فكر من يستجيب له ممن يؤمن بذلك الفكر..

عندما نرقب ما يجري في المجتمع نلاحظ أن هناك فكرا رائجا يمكن أن يستثمر من خلال توجيه الاهتمام إليه، ولكل مجتمع قضاياه وهمومه واهتماماته، فهناك مجتمع يهتم بالثقافة والعلم ولا يخاطب هذا المجتمع إلا بما يهتم به من شؤون الثقافة والعلم، وهناك مجتمع يهتم بالطقوس الدينية والأذكار والأوراد، ولا يخاطب هذا المجتمع إلا بما يثير اهتمامه، وتختلف مجتمعات الريف عن مجتمعات المدينة فيما يثير اهتمامها من القضايا الدينية والاجتماعية، ومن الطبيعي ألا يهتم سكان الريف الذين تغلب عليهم الأمية بما يهتم به المثقفون في المدينة من مشكلات الحوار الحضاري والعولمة ودعوات التجديد وحقوق الإنسان والديمقراطية والشورى، ومثل هذه القضايا لا تثار إلا في مجتمع يستوعب أهمية هذه الموضوعات.

الإسلام ليس واحدا في نظر المؤمنين به، كل فرد ينظر إلى الأمور التي تشغله، فهناك من يجد الإسلام في مفاهيمه الصوفية وفي الأوراد والأذكار والكرامات والأولياء والشطحات والأحوال والمقامات، ويحفظ الكثير مما يروى عن أئمة التصوف من أقوال وسلوكيات، وهناك من يرفض هذا المسلك ولا يعنيه،  ويرى الإسلام في أداء العبادة  والالتزام بها والأخذ بمنهج السلف في تجريد العبادات من كل البدع التي لم يرد فيها نص باعتمادها، وهناك من يرى الإسلام في الجهاد والتصدي لأعداء الإسلام ومواجهة الخصوم بالقوة، وهناك من يدعو إلى الثورة على الطغاة والمستبدين..

لا أحد من هؤلاء يستطيع أن يقول بأنه يمتلك الحقيقة  منفردا، هو على حق وغيره على باطل، وكلهم يتسع لهم قلب الإسلام، أليس كل واحد من هؤلاء يبحث عن الحق، ويلتزم بما اقتنع به ، ولا احد من هؤلاء على باطل على وجه اليقين، هم يبحثون عن الإسلام الصحيح، وهم مأجورون في كل جهدهم، ويجب أن  يحترم اختيارهم، ولو اتسع صدرنا لكل هؤلاء واعترفنا لهم بما يستحقون لضاقت الفجوة بين الفرقاء وتقاربت الضفتان وتعانق الإخوان، ولا بد من هذا لكيلا تحدث الفرقة وينشغل البعض بمحاربة البعض الآخر..

لم أزهد في العمل الإسلامي الهادف إلى خدمة الإسلام ولكنني زهدت فيما هو واقع من ذلك التنافس غير الحميد على الزعامة والرياسة والغلبة باسم الدين، واستغلال الدين كأداة لتحقيق الطموحات الشخصية في المال أو الجاه أو المنزلة الاجتماعية أو الشهرة، والدين يبرأ من هؤلاء الذين يسخرون الدين لمقاومة خصومهم وإلصاق التهم بهم، وهم غير مخلصين للدين وغير ملتزمين بمواقفه وثوابته..

كنت أضيق بما أراه من مغالبات ومنافسات تستخدم سلاح الدين كأداة لتجريح الخصوم وتشويه مواقفهم، ولو كان هؤلاء صادقين لالتزموا بمنهجية الدين في الدعوة إلى الحوار والمناظرة للبحث عن الحق والالتزام به..

ومما كان يؤلمني أن أرى آثار هذه المغالبات على وجوه العامة الذين يفترضون في رموز الدين أن يكونوا النماذج المثالية الراقية التي يقتدى بها في المواقف، وأن تكون ملتزمة بأدب الاختلاف وأن يحترم كل فريق حق الآخر ويلتمس له العذر في مواقفه واختياراته..

ولا يمكن للمشيخة أن تكون زعامة محلية وإنما هي رسالة تربية وتوجيه وتهذيب وتعليم، وغايتها التعريف بالإسلام والدعوة إليه وتقوية الاستعداد للخير وتغذية النفس بما يمكنها من التغلب على الشهوات والأهواء والميول الفاسدة، والشيخ في حقيقته وكما يجب أن يكون هو رمز الكمال في شخصيته وخصاله ورمز الاستقامة في سلوكه ورمز النزاهة في زهده وترفعه ورمز المعرفة في سعة علمه وثقافته، ويتعلق الناس به نظرا لأنه متميز عنهم فكرا ووعيا وحكمة واستقامة، فيلجئون إليه لأنه يملك من سعة الأفق ما لا يملكون ومن الحكمة ما يفقدون، ومثل هذا يستشار ويؤتمن، وتقع الطمأنينة بما يراه وينصح به..

هذه المرجعية محمودة ومطلوبة، ولا يمكن الاستغناء عنها أو التقليل من أهميتها، نظرا لحاجة كل فرد إلى استشارة من يحسن الرأي، أما الشعوب الأقل ثقافة وإدراكا فتبحث عن مرجعيات تعكس رؤيتها وتعبر عن واقعها كما هو في حقيقته..

والمشيخة في حقيقة أمرها مرجعية دينية وثقافية، وأحيانا يمكن أن تؤدي دورا وطنيا، وهي ظاهرة تعبر عن حاجة المجتمع إلى مرجعيات موثوقة، هي أداة الانتماء لجماعة تجمعها أهداف مشتركة، والسلطة السياسية تشجع وجود هذه المرجعيات بشرط أن تضمن ولاءها أولا وأن تطمئن إلى عدم طموحها إلى السلطة ثانيا، فإذا تأكدت السلطة أن هذه المرجعيات غير منضبطة وطامحة إلى فرض وجودها واختيارها فسرعان ما تمزق وحدتها وتضعف وجودها عن طريق اختراق صفوفها وتوريطها في صراعات خاسرة..

والتاريخ يحدثنا أن أقوى التكتلات هي التي تنطلق من منطلق الدين والعقيدة، وتبتدئ أولا بالولاء لمرجعية دينية تملك قدرات روحية جامحة ومؤثرة، والمشيخة الصوفية ذات الأثر التربوي هي الأقوى تماسكا والأقدر على التضحية، وتدفعها عقيدة إيمانية، ويغذيها شيخ يملك إمكانيات شخصية وعلمية وروحية، وسرعان ما ينتقل دور هذه الجماعة من ذلك الدور التربوي المحدود إلى ذلك الدور الاجتماعي، وقد ترفع شعار الإصلاح الاجتماعي أو المقاومة الوطنية ضد خطر خارجي متوقع أو قد ترفع شعارات سياسية لمقاومة سلطة قائمة، ونظرا إلى أن هذه الجماعات تملك قدرات على الحركة الاجتماعية فإنها تملك إمكانات الدفاع عن النفس أو الدخول في معارك المغالبة مع الآخرين الذين يقفون في وجه حركة هذه الجماعة..

ولابد من وجود رمز يحظى بالاحترام لدى الجميع، وقد يكون قادرا على الفصل في المواقف واختيار السياسات الحكيمة التي تعبر عن آمال المجتمع..

والركن الأهم في نجاح هذه المرجعيات الدينية أن تحسن اختيار مواقفها في الشؤون العامة، فلا تراهن على القضايا الخاسرة، وأن تحسن قراءة الظروف المحيطة بها، فلا تندفع تحث تأثير العاطفة للاصطدام بقوة لا تستطيع التغلب عليها، ومعظم هذه المرجعيات الدينية لا تملك الرؤية العاقلة فتندفع تحث تأثير الاندفاع العاطفي نحو الحفرة المرسومة لها، فتسقط فيها وتجهض حركته...

ولا بد من تحديد الهدف المرسوم لأي مرجعية أو حركة ثقافية أو اجتماعية، فرؤية الهدف أمر ضروري لنجاح الحركة الاجتماعية، وتحديد خطة العمل شرط لا بد منه في كل نشاط عام...

والعمل العام ليس فيه سذاجة وارتجال، وليس مجرد انفعال عاطفي، قد يحتاج إلى موقف انفعالي وإثارة العواطف في لحظة معينة، إلا انه لا بد من توفير ظروف النجاح من خلال وضوح الهدف ووضع خطة عاقلة متمكنة للحركة الاجتماعية..

كنت أؤمن بأهمية المرجعية الإسلامية الموحدة، المرجعية القادرة على جمع الكلمة ولم الشمل والتقريب بين المذاهب والطوائف، لم أكن ارتاح إلى ذلك الواقع المؤلم وذلك التشرذم المذموم  سواء على نطاق البلد الواحد أو على نطاق العالم الإسلامي، جماعات إسلامية متعددة تتصارع على أرض واحدة، ليس لها أهداف مشتركة، ولا يجمعها جهد مشترك، تتصارع وتتنافس، كل منها تدافع عن ذاتها ووجودها أو مصالحها، قضاياها صغيرة، وهي غافلة عن قضاياها الكبيرة، هي قضايا المجتمع كله في دفاعه عن وجوده وكيانه..

 وليس هناك أسوأ من أن يستغل الدين لتحقيق أهداف بعيدة عن مقاصده ومناقضة لقيمه الإنسانية، لا يمكن أن يستغل الدين لحماية أنظمة سياسية ولا لإقرار ظلم اجتماعي، ولا لترويج ثقافة مضرة بالمجتمع، ولا لحماية فكر يكرس التخلف..

حركة ثقافية

ومن ابرز ما كنت اطمح فيه أن تكون هناك حركة ثقافية فاعلة ومؤثرة وقائدة وموثوق بفكرها واختياراتها، ليست أداة لتبرير ما هو قائم على مستوى السلطة من تجاوزات، وليست أداة لتبرير ما هو سائد في المجتمع من قيم هابطة وسلوكيات خاطئة، كنت أريد ثقافة نهوض وتحرير وتقدم، ثقافة تنطلق من ثقافة الإسلام وتسهم في تحرير المجتمع من مخلفات عوائد التخلف، ما كنت اطمح فيه ذلك الأفق الأعلى الذي يتطلع إليه كل مواطن، لم أكن أريد ثقافة التبرير لما هو قائم ولا ثقافة القداسة لكل ما هو قديم، ولا ثقافة الاستسلام لكل ما هو جديد، وإنما كنت أريد ثقافة عقلانية متحررة من قيود التخلف ينتجها جيل مؤمن بدينه ملتزم بقيمه متطلع إلى المستقبل يحسن فهم واقعه، ويؤمن بالحوار لا المواجهة، ويثق بنفسه ويخرج من عزلته، ويبني حاضره بجهد أبنائه...

هذا ما نريد وهذا ما يجب أن يكون، لأجلنا ولأجل أبنائنا، إذ لا يمكن أن يظل مجتمعنا كما هو في حالة ركود وجمود وتخلف، إننا نعيش على ذكريات الماضي، ولا زلنا نتغذى منه لأجل البقاء، ولكن لا يمكن للمستقبل أن يبنى من الذكريات، فالماضي لا يبني الحاضر ولا المستقبل، ولا بد من توفر شروط النهضة، النفسية والمادية، فالمجتمع الذي لا يشعر بحاجته للنهوض لا ينهض أبدا، والمجتمع الذي لا يعد نفسه للتضحية لا يحقق النصر الذي يريده، ومازالت أسباب التخلف قائمة وراسخة ومتحكمة، فكرنا مازال كما كان راكد لا تحركه طاقات العقول، وهو كماء في مستنقع انقطعت عنه كل القنوات التي تمده بالماء الجديد، وثقافتنا مطوقة بأسوار عالية وليست لها نوافذ تمده بالنسمات التي تبعث فيها نضارة الحياة...

كنت أبحث عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي يمكن أن تنمو فيها هذه الآمال، والتي يمكن لها أن تستوعب الجديد من الأفكار، وهذا الأمر يحتاج إلى إعداد كبير لتكوين ذلك الاستعداد النفسي، فالمجتمعات العربية مجتمعات تخاف من الجديد وتنكره وتخشى منه، لأنها ليست مهيأة نفسيا للتغيير، ما زال الفكر التقليدي هو المسيطر وله رموزه التي تحميه وتدافع عنه، ويستجيب العامة لدعوة الحفاظ على القيم السائدة، وبخاصة وأن المثقفين يعيشون في عزلة عن المجتمع في أبراج عالية، ويكتفون بما هم فيه..

أحيانا كنت أتساءل عن سر انصراف المجتمع عن الثقافة، هل بسبب ضعف هذه الثقافة التي تقدم للناس أو بسبب شعور المجتمع بعدم حاجته لهذه الثقافة...

ومما كان يؤلمني أشد الألم ما كنت ألاحظه من عزلة المثقف وشعوره بالضعف، وكنت اسمي المثقفين بالبؤساء، وهم بؤساء حقا، لأنهم اختاروا الثقافة في مجتمع لا يقبل على شراء هذه السلعة ولو بأبخس الأثمان، هناك ثقافة رائجة في المجتمع ولا يريد الناس غيرها، ولا بد من إعادة التصحيح والنهوض بمستوى منابر الجمعة، وتكوين الخطباء ثقافيا وإعدادهم لمهمة النهوض بمستوى خطابهم الديني والثقافي لكي يكون أداة لتكوين وعي اجتماعي بأهمية الثقافة لتوفير شروط النهضة المرجوة..

لقد أثار اهتمامي في مدينة حلب ذلك الشعور الديني الصادق وتلك العاطفة التي لا حدود لها التي تدفع الفرد لأداء عبادته، وتلك المظاهر الإيمانية التي تصدر من الناس بطريقة عفوية وتلقائية، ولم أجد استعدادا للدين كما وجدته في هذه المدينة، فالدين شيء مقدس ولا حدود للإيمان به، وهذا شيء ايجابي ويستحق أن تدرس هذه الظاهرة بموضوعية، وأن تستثمر لكي تسهم في تعميق أثر الدين في السلوك العام..

أحيانا كنت أتساءل في حوار داخلي مع ذاتي، هل يمكن الاستغناء عن الشعارات الثقافية والاكتفاء بالثقافة الدعوية ذات الطبيعة الوعظية ما دام المجتمع يتأثر بها ويعتبرها ثقافة كافية..

- أليست الغاية هي الثمرة المرجوة، فما حاجتنا إلى ثقافة نظرية لا يستوعب المجتمع مضامينها، ولا يتفاعل معه..

وكثيرا ما كنت أتأمل هذه الظاهرة وأطرح على نفسي هذا التساؤل، وبقيت مترددا حائرا، وأنا اقلب الأمر بكل موضوعية، وربما أكون قد اقتربت من الحلول الوسطية والنسبية بحسب طبيعة المجتمعات وطبيعة الدور الذي نطلبه من الثقافة..

ولاحظت أن الثقافة التقريرية ذات الطابع التراثي والتي تثير العواطف هي ثقافة تحصينية ودفاعية، وهي تؤدي دورها بطريقة جيدة، ولكنها لا تهيئ المجتمع للنهوض، ولا تأخذ بيده لتساعده على تصحيح المسارات الخاطئة، ولعل هذه هي نقطة الخطأ في تقييمنا لدور الثقافة في مجتمعنا، وبدأت أتقبل الخطاب الديني التقليدي في مرحلة الدفاع عن الذات، لكيلا تحدث التحولات الثقافية ثقوبا في حصوننا المهددة..  

والمنبر الأهم في مدينة حلب هو منبر المسجد، هو منبر الثقافة والتوجيه والتأثير، وهو المنبر الشعبي الذي يثق به المجتمع، ولا يتق بغيره،  وكل المنابر الأخرى لا يسمع صوتها ولا يشعر أحد بوجودها، فلا تأثير للمنابر الجامعية في الحركة الاجتماعية، وما يلقى من محاضرات وندوات ثقافية فلا يسمع أحد بها، بالرغم من أهمية موضوعاته..

ومن أهم أسباب  ذلك وجود فجوة بين المثقف والمجتمع،ويعتقد معظم الناس أن المثقف يعبر عن الثقافة التي تنتجها السلطة، والمجتمع لا يقبل على أي ثقافة سلطوية، ويريد من منبر المسجد أن يكون بعيدا عن هذه  الثقافة، ويضيق بالعلماء الدين يروجون ثقافة السلطة..

وبالرغم من القيود الصارمة التي تحكم قبضتها على حرية منبر الجمعة فان هذا المنبر يملك من الحرية القدر الكبير الذي يمكنه من التعبير عن توجهات المجتمع واختياراته، بشرط ألا يقترب من الخطوط الحمراء التي تضعها الجهات المختصة بالرقابة على هذه المنابر..

وتقوم هذه المنابر ولو بطريقة نسبية بدور الصحافة والإعلام في نقد بعض المظاهر السلبية التي تدخل ضمن دائرة الحظر.

أسرة الكلتاوية

ومما كان يسعدني أن أجد أبناء الكلتاوية وهم الأسرة العلمية للشيخ محمد النبهان رحمه الله في كل مكان، كانوا تلامذته الذين رضعوا من فكره وتربوا على يديه وانتسبوا إلى مدرسته الفكرية، كانوا يعتزون بهذا الانتماء ويعبرون في كل مناسبة عن وفائهم لشيخهم ومربيهم ومرشدهم، والتزامهم بمنهجه التربوي، كنت أراهم قريبين مني، وافرح لنشاطهم، وكنت دائم الاتصال بهم وأتابع ما يعملون، كنت أراهم الأفضل فيمن عرفت، والأكثر استقامة ونزاهة، وكانوا الأكثر تأثيرا في مجتمعهم...

طائفة منهم في مدينة حلب والمناطق التابعة لها، وطائفة أخرى رحلت إلى بلدان أخرى في الكويت والسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، وعندما كنت ازور بلدا من هذه البلاد كنت أراهم وافرح بهم، واجد أثرهم الايجابي في مجتمعهم، مئات من أبناء الكلتاوية وهو المصطلح الذي يطلق عليهم يؤدون مهمتهم في الوعظ والإرشاد والتوجيه، ويتميزون بفكر واحد يجمعهم ولا يخرجون عنه هو فكر شيخهم، هم رموز دعوة وينتمون إلى فكر صوفي غير طرقي، إذا سمعت حديثهم تأكدت من استقامة فكرهم، وتغلب عليهم الجدية وفكرهم اقرب للوسطية، ويتميزون بصفة واضحة في شخصيتهم هو ابتعادهم عن السلطة في الأغلب، فهم لا يحسنون التملق والنفاق للسلطة، وإذا ما صدر مثل هذا السلوك عن احدهم فسرعان ما يبتعدون عنه أو ينظرون إليه نظرة إدانة ...

ويعتزون بانتمائهم إلى صوفية معتدلة كما هو منهج شيخهم، ليست لديهم أوراد ولا يمارسون طقوسا في مجالسهم، ولا يأخذون بأية طريقة صوفية، ويغلب على سلوكهم الصوفي الالتزام بالشريعة...

وتوجد طائفة كبيرة منهم في العراق، وفي معظم المدن العراقية القريبة من بغداد، وبخاصة في مدينة الفلوجة المجاهدة، التي ينتمي معظم سكانها للكلتاوية، ولما زرت العراق قبل حرب الخليج الأولى لحضور مؤتمر السلام في بغداد التقيت بأتباع الشيخ النبهان هناك، وبخاصة في الفلوجة وسامراء والرمادي.. كانوا بالمئات، ومعظمهم من العلماء، وهم على صلة وثيقة بإخوانهم في حلب..

وقد تفرغ الأخ الشيخ هشام الالوسي من الفلوجة لكتابة حياة الشيخ وتدوين أفكاره وأصدر كتابه الأول، وهو يعد كتابا عن الشيخ أوسع من الأول يتدارك فيه ما فاته في كتابته الأولى، وهو محب صادق ملتزم...

قد يؤخذ على جماعة الكلتاوية أنهم أكثر تشددا من غيرهم من الأفكار والسلوكيات، وأنهم أكثر انغلاقا من غيرهم، وأنهم يكونون مدرسة  منغلقة لا تقبل الحوار ولا تعترف بالآخر،وحاولت أن ادرس هذه الظاهرة بموضوعية، وقد يكون بعضها صحيحا، وقد يلتمس لهم العذر في بعض المواقف، ولكن معظمهم يشارك بنشاط وفعالية في مجال الدعوة، وعندما يشاركون في العمل العام فان  من المؤكد أنهم يملكون مؤهلات متميزة وقابليات مشجعة..

في لقاءاتي الأسبوعية في الكلتاوية كنت أؤكد على أهمية فتح النوافذ المغلقة والإطلالة على الحقول المجاورة لكي تكون الرؤية شاملة وسديدة وكاشفة للحقيقة ومهمة للتعرف على الحقيقة المرجوة..

في كل لقاء كنت اطرح قضية عامة قابلة للحوار، وكنت أجد استجابة وقبولا واستعدادا طيبا للاحتكام للحق، ولم أجد ذلك الانغلاق المرضي الذي يدل على الجهل، وإنما وجدت استعدادا لقبول الجديد من الأفكار، وكنت اشرح لهم كلام الشيخ المرشد الذي يعتبرونه المرجع الوحيد لفكرهم، كانوا مستعدين لقبول كل ما صدر عنه من توجيهات...

وعندما كتبت كتابي الجديد عن الشيخ محمد النبهان تلقفه إخوان الشيخ بالفرحة و عكفوا على قراءته لمعرفة حقيقة فكر الشيخ، ولم يجدوا في فكره ذلك التزمت ولا ذلك التشدد، فقد كان الشيخ يتحدث عن آداب السلوك ويخاطب السالكين، وهو خطاب توجيه وتقويم وغايته الكمال،

لقد وجدوا فيما كتبته صورة مغايرة لما سمعوه من قبل عن الشيخ، معظهم لم يلتق بالشيخ، أو التقى به في مرحلة الطفولة حيث يكون الفهم اقل استيعابا للحقيقة المرجوة...

أتوقع أن يحدث الكتاب أثرا ايجابيا في نفوس المنتمين إلى هده المدرسة التربوية في الكلتاوية، سواء في حلب أو العراق، وربما سوف يستوعب الجيل اللاحق القيم الإنسانية الراقية...

كنت أريد أن أوجه هده الطاقات الشابة من طلاب العلم من خلال لقاءاتي الأسبوعية بهم إلى الاهتمام بقضايا الإنسان المعاصر، والى التركيز على أهمية الكرامة الإنسانية واحترام حقوق الإنسان، وأهمها الحريات العامة، حرية التفكير وحرية التعبير وحرية المشاركة في القضايا العامة ومقاومة المظاهر السلبية في واقعنا المعاصر، ولابد من تحرير المفاهيم من القيود الخاطئة التي ينتجها التخلف ويعمقها الجهل...

هذه الباقة الصغيرة من طلاب العلم كنت أراها كبيرة، وبعد سنوات قليلة سيكون هؤلاء هم رموز الدعوة وأداة الإصلاح، إذا حملوا فكرة فسرعان ما ينقلونها إلى المجتمع بعد حين... ولا بد إلا أن ننتظر الربيع، حيث تزهر النباتات التي كانت في بطن الأرض، ولما تبلغ كمالها البدني سوف تعطي ثمارها المرجوة.

وكثيرا ما كنت احدث أخي الشيخ محمود حوت مدير مدرسة الكلتاوية وهو المؤتمن على إدارتها عن الآمال المعقودة على هذه المدرسة وعلمائها، وأشجعه على أن يوفر لهؤلاء الطلاب المناخ الملائم لنمو أفكارهم وامتداد آفاق رؤيتهم، لكي يعيشوا عصرهم الذي سيأتي فيما بعد، قضايا هؤلاء ليست قضايانا، ولابد من إعدادهم لفهم قضاياهم واستيعاب ما يواجههم..

كنت أتفهم بعض هذه العقبات وأدرك المخاوف التي كانت تراود الجميع، ولم تكن حرية الحركة بمأمن من الأخطار، ولا بد من مراعاة طبيعة الظروف المحيطة التي تحتم تحجيم القدرات وكبح جماح الطموحات.. لكيلا تتوقف المسيرة.. ومما كان يسعدني أن أرى الجيل الأول من علماء الكلتاوية والمنتمين إلى هذا المنهج التربوي يقفون في الصف الأول بين علماء مدينة حلب، ويؤدون مهمتهم بنجاح، ومن ابرز هؤلاء الدكتور محمد صهيب الشامي مدير أوقاف حلب والدكتور احمد حسون مفتي حلب، والشيخ محمود حوت خطيب الكلتاوية، والشيخ احمد العيسى مدير مدرسة منبح والشيخ عبد الهادي بدله خطيب جامع الرضوان والشيخ احمد حوت خطيب جامع البراء وعشرات العلماء الذين يتولون مهمة الدعوة والعمل الإسلامي..

هذه الباقة الطيبة من علماء حلب،ومن أبناء الكلتاوية ومن تلامذة الشيخ محمد النبهان رحمه الله هي اليوم مدعوة لكي توحد كلمتها ولكي تتغلب على تناقضاتها وخلافاتها، فهي قوية بوحدة كلمتها، وبخاصة وأنها تنتمي لمدرسة فكرية وروحية واحدة...

وأدعو خريجي المدرسة الكلتاوية لإنشاء رابطة موحدة تجتمع في كل عام مرة واحدة، للتعارف أولا وللتكافل والتناصر ثانيا لمساعدة من يحتاج إلى مساعدة ولتمكينه من تحقيق مطالبه وطموحاته وبخاصة فيما يتعلق بالدراسة والعمل،  وأؤكد لإخواني من علماء الكلتاوية أنه لا بد لهم من أن يكون لهم فكر مميز يوحدهم ومنهج علمي يقرب ما بينهم في الأهداف، سواء على مستوى الفكر التربوي أو على مستوى المواقف العلمية، بما ينسجم مع المنهج الذي كان الشيخ النبهان يدعو إليه..

ولا اعتقد أن هذا الالتزام سيكون صعبا وعسيرا وسوف تظل مدرسة الشيخ النبهان حية في النفوس ما دامت تحمل فكرا مميزا يجسد طموح الأجيال المقبلة إلى الأفضل، ويدعو إلى منهجية روحية ترتقي بمستوى الفكر إلى الأفق الإنساني الذي يعتبر المعيار الأصدق للتقدم المنشود..

نداء العودة:

أقمت بمدينة حلب ثمانية أشهر متواصلة، لم أعد العودة النهائية إليها، ولكنني كنت اسمع نداء العودة، انه لحن جميل، رائع في نبراته صادق في إشاراته، يشير إليك ويخاطبك، وتسمع همسه فلا تجيب، وتنهمر الدموع من عينيك، وأنت تدافع تلك الدعوة الملحة، وتوقف تأثيرها العاطفي عليك..

أرضك تناديك، ذكرياتك تطل عليك من النوافذ التي تحيط بك، اهلك يحدقون بك، أصدقاؤك يطوقون عنقك بالزهور، والكل يناديك باسمك المحبب إليك، بلا ألقاب بلا إضافات، اسمك كما هو وكما كان منذ الطفولة..

العودة.. كلمة أخذت موقعها في الخطاب الأسري، أصبحت تتردد صباح مساء.. الكل يرددها مؤيدا أو معارضا، ووقع الانقسام العائلي..

كنت التمس العذر لمن ينادي بالعودة، انه يبحث عن الدفء في أحضان الأسرة والانتماء الوطني كما كنت ألتمس العذر لمن يرفض العودة، وما ذنبه وقد عاش في بلد اعتبره هو الوطن ووجد فيه الدفء والانتماء، فيه أصدقاؤه وذكرياته، إنه يشعر بالغربة في وطنه الأصلي..وطنه حيث وجد نفسه...

كنت حائرا مترددا، وأنا لا ادري سرّ ذلك التدافع الأسري في مسرح صغير لا يستوعب تلك التعددية في الآراء، من سيلقي سلاحه ويستسلم لإرادة الآخرين.. من يلغي ذاته وطموحاته، في مثل هذه المواقف، لا بد من التضحية، والآباء مطالبون دوما بالتضحية، أليسوا هم الأقدر على التضحية، أليس من الأنانية أن نحمل أطفالنا إلى غير أوطانهم في مرحلة الطفولة، ثم نطالبهم أن يغادروها بعدما يجدون فيها دفء الوطن ويرسمون على جدرانها أجمل أحلامهم وذكرياتهم..

وتمضي الأيام ويزداد الحنين، وتسمع في أعماقك لحن العودة، لحن يضحكك لحظة ويبكيك أخرى، يسعدك ويشقيك ...ما أروع ما تسمع وما أشد وقعه عليك..

مضت بضع سنوات وأنا حائر متردد لا ادري ما افعل، ولا اقدر على ما أريد، لا أريد لأسرتي الصغيرة أن تنقسم بعد أن كانت متماسكة، لقد كنت من قبل أكثر سعادة، كنت مستقرا، لم أكن أسمع لحن العودة يتردد في كياني، لم أكن أفكر في الغد وبعد الغد، لم يكن يخيفني ذلك...

أصبحت أفكر في العودة رغبة في الاستقرار، لقد ضقت بالغربة ودفعت ثمنها غاليا، ولا ادري هل ربحت أم خسرت... لقد أخذت الربح ولم ادفع الخسارة بعد..