آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    التزكية والأخلاق   أدب الدين والدنيا
آداب الاغتراب



مرات القراءة:6349    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

آداب الاغتراب

 

إعداد الباحث الشيخ عبد الله سالم

مقدمة:

فشت بين المسلمين هذه الأيام ظاهرة لم تكن معروفة من قبل، ألا وهي انتقال المسلمين ومع عائلاتهم أحياناً للإقامة الدائمة في بلاد غير مسلمة، وبين شعوب لم تعرف الإسلام سابقاً ولم تتصل به إلا في ساحات الحرب، وهذه لا شك ظاهرة جديدة خطيرة تستحق من المهتمين بشئون المسلمين الالتفات إليها ـ أياً كانت أسبابها ـ والتأمل فيها طويلاً...

أسباب ودوافع:

وقد انتشرت هذه الظاهرة أكثر فأكثر بعد الحرب العالمية الأولى، حيث قُسِّمَ العالم ومنه العالم الإسلامي غنائم وأسلاباً بين الدول المنتصرة، وحيث شهدت أوروبا وأمريكا انتعاشا اقتصادياً قوياً رافقه استقرار سياسي واع.

في الوقت الذي كان العالم الإسلامي يعاني من تمزق شعوبه ودوله، وتأخر اقتصاده وضياع استقلاله، وركود النهضة المادية، وتشتت الفكر الاجتماعي، وانعدام فرص العمل، وضعف فرص التعليم.

وقد رافق ذلك كله ظهور الحكومات العسكرية في العالم الإسلامي التي لم تكن تحسن صنعاً ولا تهتدي سبيلاً...

 

الاغتراب أنواع:

والاغتراب الذي سوف نتناول آدابه ليس هو الاغتراب من أجل التجارة وجلب البضائع، ولا هو بالاغتراب من أجل الدراسة وتحصيل العلوم... فكل من هذين القسمين قد يشترك مع ما نقصده في بعض الجوانب...

إلا أننا نريد الحديث عن الاغتراب للإقامة الدائمة، والإلتصاق بالمجتمع الآخر، واختيار تلك الأمم وبلدانها مقراً للحياة وموطناً للبقاء وملاذاً من كل المشاكل...

ومعلوم أن الذين يشملهم هذا ليسوا بالقلة القليلة، ولا بالأعداد المعدودة على الأصابع، بل هم جماعات وزرافات، أسر وأقليات، منهم الذي اغترب بحثاً عن عمل يعيش من ورائه وهم الكثرة الكاثرة، ومنهم من اغتراب زهداً في المجتمعات المسلمة وحباً في الغرب، ومنهم من اغترب هرباً من اضطهادٍ وفراراً من ملاحقة ومضايقة، ومنهم من اغترب طلباً للتوسع في الأعمال وجرياً وراء المشاريع الضخمة، وهؤلاء كلهم ترى فيهم العامي الأمي البسيط والأستاذ الجامعي القدير والداعية المتحمس المنفتح والمهندس والطبيب والتاجر والمخترع وغير ذلك.

 

- وضع غير طبيعي، وآداب شرعية:

ولما كان الاغتراب عن بلاد المسلمين والبعد عنها، والانغماس في بلاد الكفرة والإقامة فيها أمراً غير عادي، بل هو عكس المفترض في المسلم من هجر بلاد الكفر والسعي نحو بلاد الإسلام، فإننا ننبه إلى آداب إسلامية ضرورية لأولئك المغتربين في أوروبا أو أمريكا أو غيرها من البلدان الأخرى، حفاظاً عليهم هم أنفسهم، وحفاظاً على أسرهم وأبنائهم، وحفاظاً على أحفادهم أن يكون هذا الاغتراب سبباً في خروجهم من الدين... وهذاما يقع أحياناً وأحياناً كثيرة.

 

أولاً: الصبر على البلاء ورفض المغريات:

من المتفق عليه بين المسلمين أنه لا يجوز للمسلم ـ ما دام ذلك ممكناً ـ الخروج من ديار الإسلام للإقامة الدائمة في ديار الكفر، لما في ذلك من مخاطرة بدينه وأهله وماله.

وعليه إذا كانت هناك أسباب تدعوه إلى الهجرة أن يصبر ما استطاع، وأن يتحمل ما أمكنه التحمل، فإنه مأجور بذلك َّسواء كان صبره على شظف العيش وشدته، أم السلطان وجوره، أم الناس وأذاهم.

فإذا ما ألجىء إلى الهجرة فليهاجر من بلده إلى بلاد مسلمة أخرى ففي ذلك تفريج عنه وسعة في حياته...

أما أن يستحسن بلاد غير المسلمين ويجري نحوها، فذلك ما لا ينبغي أن يكون إلا في حالة الاضطرار الشديد وعدم وجود بديل آخر وفي أضيق الحدود وأسوأ الأحوال...

فإذا ما اضطر هو للسفر إليها فليحذر أشد الحذر من اصطحاب أسرته معه، فالفتنة الدينية عليهم أشد وفيهم أوقع...

فإن لم يكن له مناص من ذلك فليوطن نفسه على الحيطة والحذر في نفسه ودينه وأهله... وهيهات أن يسلم ذلك كله له!!.

 

ثانياً: الالتصاق بالجماعة والأقلية المسلمة:

من آداب المسلم في بلاد غير المسلمين الحرص الشديد على الالتصاق بالجماعة المسلمة الأقرب إليه حيث هو، فيد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

وإذا كان المسلم في بلاد المسلمين لا يرى ضرورة ماسة وحاجة أكيدة في التعرف على جماعة من الجماعات الدينية هنا، فإنه يستغني عن ذلك بحكم البيئة والمجتمع المسلم الذي هو فيه.

أما من كان في بلاد النصارى وغيرهم فإنه على العكس من ذلك مهدد بمخاطر الذوبان في ذلك، المجتمع إن لم يتمسك بالروابط القوية، وأهمها الجماعات الإسلامية التي تمثل الأقليات، والتي تحميه من الذوبان، وتذكره بدينه، وتوقد فيه جذوة الحماس والحمية للمسلمين...

ولا نعني بالارتباط بالجماعات هنا الدخول في تنظيماتها فقط، بل الأهم من ذلك المشاركة في الأنشطة واللقاءات والتردد على المسجد والمركز الإسلامي، والتعرف على الأسر المسلمة وأماكن تواجدهم ودراستهم وعملهم، ليمكن التنسيق معهم قدر الإمكان في تأسيس مدرسة أو بناء جامع أو الاشتراك في مشروع أو تنشيط بقالة خاصة أو الشراء من ملحمة إسلامية ونحو ذلك...

وهذا الإلتصاق لا يحفظ المرء المهاجر والمغترب فقط، بل يحفظ ويحمي زوجته وأولاده بما يتيسر لهم من لقاءات أسرية وحلقات دراسية ومناسبات دينية وأنشطة اجتماعية تربطهم ببعضهم وتكون منهم كتلة غير قابلة للمحو أو الامتصاص.

 

ثالثاً: عناية خاصة بالأسرة:

ومن آداب المسلم في الغربة تحمل المسؤولية تجاه أسرته... فقد يكون المرء مشغولاً بعمله المرهق الطويل، منشغلاً عن متابعة أبنائه في مدارسهم وسلوكهم وأفكارهم، فإذا به يفاجأ بهم ذات يوم قد انقلبوا رأساً على عقب، وأصحبوا في واد والإسلام في وادٍ، ومعيلهم لا يملك حولاً ولا قوة في إصلاحهم، بعد أن قوي عودهم وغلبه عليهم المجتمع من حولهم...

ولذلك فمن الضروري إعطاء الأسرة كامل الاهتمام، وذلك عن طريقتين اثنين: اللغة والسلوك...

فأما طريق المحافظة على اللغة فيكون بتعويدهم أن لا كلام داخل البيت أو مع الأهل والمعارف المسلمين إلا بالعربية والإصرار على ذلك... فاللغة وعاء الفكر ولسانه، والذين يتساهلون فيها لا يخسرون اللسان العربي فقط، بل يخسرون الفكر الإسلامي كذلك، لأن بين الإسلام والعربية رابطاً متيناً قوياً لا ينفك...

وأما المحافظة على السلوك فيكون بمتابعة الفرائض والواجبات الشرعية في الأسرة، من صلاة وصيام وذكر لله وحضور صلاة جماعة وجمعة وعيد مع الأهل، والتركيز على المناسبات الدينية كالهجرة والإسراء ودخول رمضان وليلة النصف من شعبان ومولد النبي صلى الله عليه وسلم ونحوها من المناسبات، التي تتحول إلى عادات سلوكية، فإن لهذه المناسبات فعلاً عجيباً في حفظ الإسلام والإيمان في النفوس المهاجرة...

وفي الحقيقة فإن ما يهدد الحفاظ على اللغة والسلوك في الأسرة المسلمة في الغرب أمران هما:

الزواج بأجنبية غير مسلمة، حيث يعجز الزوج حينها عن تعليم أبنائه اللغة.

والقوانين الغربية التي تمنع الأب من تأديب أولاده وزجرهم عن الخطأ والانحراف بعد البلوغ بل وقبله...

وإذا كان الزواج بأجنبية أو عدمه بيد الرجل المغترب، فماذا يفعل بالقوانين التي لا سلطان له عليها، بل سلطانها عليه قائم مع بلوغ الأبناء والبنات واختلاطهم بالمجتمع الذي يغويهم أو يحرضهم أو يرفع يده عنهم. إن الذين يسلمون من ذلك قليل، وخسارة الأسرة والأبناء حسرة في قلب كل مغترب.

 

رابعاً: صلة دائمة بالأهل والوطن:

ومن آداب المغترب أن لا يقطع صلته بأهله ووطنه وأمته...

ولْيذكر أنه خلف وراءه أماً حانية أو أباً شغوفاً أو عماً غالياً أو عمة محبة أو أخاً ناصحاً أو أختاً راحمة... وهؤلاء هم أقاربه وأرحامه الذين يسأله الله عنهم، فالرحم كما جاء في الحديث القدسي (من وصلها وصله ومن قطعها قطعه الله)   وهم أعطف الناس عليه وأرأف الخلق به...

ولْيذكر أنه خلف وراءه وطناً إسلامياً ترتفع فوق ترابه أصوات المؤذنين وتكبيرات المصلين وتسبيحات المسبحين، وفيه من الخير العميم والشرف العظيم ما لا يصل إليه وطن ولا بلد. وقد قال الشاعر:

بلادي وإن جارت عليّ عزيزة         وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام

وقد خفقت العبرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يغادر مكة حينما هاجر منها إلى الله، فوقف ينظر إلى بيوتها ثم قال: والله لأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت. فنزل قول الله تعالى مهوناً عليه ومعزياً

(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)

وكان الصحابة المهاجرون رضوان الله عليهم كثيري الحنين إلى بلدهم الأصلي، فكيف ينسى المسلم وطنه الإسلامي الذي خرج منه، ويسلوه ويستبدله بوطن آخر غير مسلم... وليذكر المغترب كذلك أمته المسلمة التي ينتسب إليها ويعتز بها، وهي التي احتضنته وغدته وعلمته وأدبته...

ومما يلحق بهذا الأدب وينبني عليه متابعة قضايا المسلمين ونصرتها، والحماس لها والدفاع عنها، وتوضيحها وشرحها، وبذل كل الجهد في سبيل ذلك...

ولا ينبغي أن يكون اليهود في العالم أكثر حماساً وحمية وغيرة على أمتهم ودينهم وقضاياهم منا... خاصة وأن الأقليات المسلمة المنتشرة في العالم تعتبر أكبر الأقليات في العالم كثرة وانتشاراً... فعلى كل مغترب الانتباه إلى ذلك.

خامساً: الاغتراب والدعوة إلى الله:

ومن آداب المغترب المسلم الدعوة إلى الله سبحانه حيثما حل أو ارتحل، وجَعْل ذلك هدفاً وشغلاً شاغلاً ومهمة مقدسة.

وليكن قدرته في ذلك مصعب بن عمير رضي الله عنه سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قبل أن يهاجر...

وعلى هذا درج كثير من العلماء الصلحاء حتى فتحوا بلداناً وأدخولا شعوباً بأكملها في دين الله بجهدهم الفردي المنظم المثمر الذي يبارك فيه الله مع الإخلاص ويتقبله مع التقوى.

ولعل كفارة الهجرة إلى بلاد الكفار مهما كان سببها الدعوة إلى الله هناك.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه عندما أرسله إلى اليمن: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم"(1) وفي رواية خير لك من الدنيا وما فيها...

وأكبر شاهد على نجاح ذلك ما يقوم به أفراد وجماعة التبليغ ـ على قلة علم بعضهم وضعف إمكاناتهم ـ من جهد مشكور في إدخال الناس في دين الله...

وعلى المغترب المسلم أن يعلم أنه كما يدعو إلى الله غير المسلمين بلسانه وقوله، فإن أخلاقه وسلوكه وصدقه واستقامته وإتقانه عمله وحسن أخلاقه وأمانته خير داع إلى الله سبحانه، وأعظم مشجع للتعرف على دين الله وشرع رسول الله. إن لسان الحال في كل مكان أبلغ من لسان القال... وكم من كافر تراجع عن قناعته بصحة هذا الدين، عندما صده الشيطان عنه بسوء تصرفات جيوش المسلمين ورعونتهم وعصيانهم...

واهتمام المسلم المغترب بالدعوة إلى الله في ديار الكفر ينبغي أن يوجه إلى صنفين من الناس.

أولهما: المسلمون المهاجرون من أمثاله، ممن جرفتهم الحياة، وطحنهم المجتمع، وطمست على عيونهم الغشاوة، فأهملوا أنفسهم وأهليهم.

وثانيهما: غير المسلمين من أهل تلك البلدان، ممن يتوسم فيهم العقل الراجح أو الاختيار السليم للحياة الصحيحة أو غيرهم...

 

سادساً: الحنين إلى الوطن والعودة:

ومن آداب المسلم في بلاد الغربة غير المسلمة أن يدعو ربه بصدق وإخلاص في ساعات التعبد والصفاء، بكل ضراعة وابتهال: أن يفرج كربته ويرحم غربته ويؤنس وحشته، وأن يعجل سبحانه تهيئة الأسباب التي تيسر له العودة إلى أهله ووطنه.

إن المسلم في الغربة إن كان حي الإيمان يقظ الضمير فسيجد وحشة، ما بعدها وحشة عندما تفتقد أذنه أصوات الأذان وقراءة القرآن وقصص السيرة، وتفتقد عليه صور المآذن والنساء المحجبات، وتفتقد نفسه معاني التراحم والتواصل بين الأقارب والجوار والمعارف، فإذا بالدنيا تضيق أمامه برحابتها، وتظلم عليه بنهارها، ويحس فيها بالأسر وهو طليق، وباليأس وهو شاب، وبالفراغ وهو مشغول... وإذا دعا ربه بصدق أوشك أن يستجيب له بسرعة لقوله سبحانه

( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ)

 

خلاصة دراسة ونظر:

إن التجربة أرتنا نماذج عديدة من المسلمين المغتربين الذين هجروا بلادهم لأسباب مختلفة، بعضها اختياري وبعضها اضطراري، وأقاموا في ظروف بعضها جيد مادياً واجتماعياً، وبعضها سيء.

ولكنهم بعد حين انقسموا إلى قسمين:

قسم أحس بالخطر واستشعر بالمصيبة الكبرى التي تورط فيها، فعجل بالرجوع قبل أن يخسر كل شيء! نفسه وأهله ودينه، وقسم آخر: استمر في المقام رغم كل خسارته، فهو قريب جداً من الضياع، إن لم يكن في نفسه ـ وهذا أمر محتمل ـ ففي أولاده، وهذا أكثر احتمالاً، فإن نجا هو وأولاده فمن يضمن أولاد أولاده هناك أن يكونوا مسلمين.

إن في ذلك تذكرة لكل عاقل بصير.