آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   الحج وأحكامه
إسماعيل وإسحاق أيهما الذبيح؟



مرات القراءة:7992    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

رسالة علمية حول مسألة من هو الذبيح؟؟

 

 

 

 

الحمد لله الذي فضل الأنبياء على من سواهم من الخلق، وجعل بعض الأنبياء أفضل من بعض ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) البقرة/253، والصلاة والسلام على المبعوث بالحق رحمة للعالمين، خير خلق الله أجمعين: محمد بن عبد الله النبي العربي المبين، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الصادقين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... وبعد:

 

فهذه رسالة علمية حول مسألة اختلف فيها الناس قديماً وهي: من كان الذبيح ( بمعنى المذبوح) من ولد إبراهيم عليه السلام، وإذ نسلط عليها الضوء مرة أخرى فللبحث عن الحقيقة لا أكثر... والله الهادي إلى الصواب.


** الآيات التي ذكرت ذبح إبراهيم عليه السلام ولده :


ورد أكثر من مرة في كتاب الله عز وجل قيام إبراهيم عليه السلام بتنفيذ أمر ربه بذبح ولده، وامتدحه الله سبحانه بذلك، كما امتدح ولده، ونجاه من الذبح بكبش عظيم فداه به. ومن الآيات تلك قوله سبحانه في سورة الصافات:( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ {101} فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ {102} فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ {103} وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ {104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ {105} إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ {106} وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ {107} وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ {108} سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ {109} كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ {110} إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ {111} وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ {112} وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ {113} ).
ويُلاحظ أن البشارة بالغلام الحليم أتت في الآية مبهمة، وهذا ما أثار الخلاف في اسم الذبيح من جهة. والقضية تاريخية محضة والخلاف فيها هين بسيط، ولذلك وجدنا العلماء فيها مختلفين دون حرج، لكننا لا ننسى أن ثبوت شرف الذبح لأحد ابني إبراهيم: إسماعيل أو إسحاق، مفخرة بينة لعقبهما، العرب أبناء إسماعيل، أو اليهود أبناء إسحاق.


** أولاً: ذكر من قال بأن الذبيح هو إسحاق عليه السلام:


قال بذلك من الصحابة: العباس بن عبد المطلب، وابنه عبد الله بن عباس (وهي الرواية الصحيحة عنه)، وعبد الله بن مسعود (وهي الرواية الصحيحة عنه)، وعلي بن أبي طالب ( في إحدى الروايتين عنه)، وعمر بن الخطاب، رضي الله عنهم جميعاً.
ومن التابعين وأئمة السلف: عكرمة، وسعيد بن جبير، وكعب الأحبار، وعطاء، ومقاتل، وقتادة، والسدي، والزهري، والشعبي، وغيرهم.
ومن أئمة المذاهب الفقهية: نقل عن الإمام مالك بن أنس، والإمام أبي حنيفة رحمهما الله.
ومن المفسرين: الطبري في تفسيره وتاريخه، والنحاس، والقرطبي في تفسيره.
ومن العلماء: القاضي عياض في الشفا، والسهيلي في التعريف والإعلام.


** أحاديث تدعم رأي من قال بأن الذبيح هو إسحاق عليه السلام:


وردت عدة أحاديث تشير صراحةً إلى أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام، وهي - مع كثرتها - ضعيفةُ السند أو واهية، وإن كان بعض العلماء قد أشار إلى أنها قد ترتقي إلى درجة الحسن لغيره؛ لكثرة طرقها. وقد جمع السيوطي في (الدر المنثور) أغلب تلك الأحاديث، فمنها:

ـ أخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال نبي الله داود: يا رب أسمع الناس يقولون: رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب فاجعلني رابعاً، قال: إن إبراهيم ألقي في النار فصبر من أجلي، وإن إسحاق جاد لي بنفسه، وإن يعقوب غاب عنه يوسف، وتلك بلية لم تنلك " وفي إسناده الحسن بن دينار البصري وهو متروك عن علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
ـ وأخرج الدارقطني في الأفراد والديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الذبيح إسحاق " . ومثله روى ابن جرير وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب.
ـ وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس ؟ قال: " يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ".
ـ وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن داود سأل ربه مسألة فقال: اجعلني مثل إبراهيم وإسحق ويعقوب، فأوحى الله إليه: أني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر وابتليت إسحاق بالذبح فصبر وابتليت يعقوب فصبر".
وقد أشار عدد من المحدثين إلى أن بعض هذه الأحاديث هي موقوفة على رواتها من الصحابة، وليست بمرفوعة، (وانظر: مجمع الزوائد، وفيض القدير، وتفسير ابن كثير).


** أدلة الفريق الذي يقول بأن الذبيح هو إسحاق عليه السلام:


وأساس استدلال الإسحاقية ( نسبة إلى قولهم الذبيح إسحاق ) قائم على ملاحظة جميع الآيات التي ذكرت إسحاق والبشارة به وذكرت إسماعيل، ثم مراعاة الترتيب التاريخي للحوادث، مما يُشير إلى أن الذبيح هو إسحاق، وبيان ذلك فيما يلي:
1ـ لم يرد في القرآن أبداً البشارة بإسماعيل، بينما وردت البشارة بإسحاق في ثلاثة مواضع، واحدة صريحة في سورة هود: (
وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ {71} )، واثنتان مبهمتان بلفظ ( غلام عليم ) في سورتي الحجر والذاريات، وهما بإجماع المفسرين والعلماء بشارة بإسحاق ـ لا شكّ ولا ريب.
فإذ كان المفدي بالذبح من ابنيه هو المبشر به، وكان الله تبارك اسمه قد بين في كتابه أن الذي بشر به هو إسحاق، وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد فإنما هو معني به إسحاق، كان بيّنا أن تبشيره إياه بقوله: { فبشرناه بغلام حليم } في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن.

2ـ إن التسلسل التاريخي لمجموع الآيات التي بشّرت إبراهيم بإسحاق تُشير بوضوح إلى أن البشارة بإسحاق كانت بعد مجادلة إبراهيم لأبيه وقومه، ثم تكسيره الأصنام، ثم رميه بالنار، فهجرته عنهم، فالبشارة بإسحاق. وهذا بالضبط هو التسلسل المذكور في سورة الصافات:( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ {83} إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ {84} إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ {85} أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ {86}....) وهذا حوار مع الأب والقوم....ثم ( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ {91} مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ {92} فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ {93}.... ) وهذا هو تكسير الأصنام ...(قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ {97} ..) وهذا هو رميه في النار....ثم (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ {99} رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ..) وهذه هجرة ودعاء...ثم: ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ {101} فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ....) وهنا البشارة بالغلام الذي سيكون الذبيح ...وهو إسحاق بلا ريب!
ويمكن مقارنة هذا النص بالنصوص الأخرى الواضحة البيّنة الجليّة: سورة الذاريات آيات 27- 36. سورة الحجر 51- 60 . سورة هود 69- 77. سورة الأنعام 74- 84. سورة مريم 41- 50. سورة الأنبياء 51- 75. سورة العنكبوت 16- 32.


3ـ وأما اعتلال من اعتل بأن الله أتبع قصة المفدى من ولد إبراهيم بقوله: ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ) ولو كان المفدى هو إسحاق لم يبشر به بعد وقد ولد وبلغ معه السعي، فالجواب على ذلك أن البشارة بنبوة إسحاق من الله جاءت إبراهيم وإسحاق بعد أن فدي من الذبح تكرمةً من الله على صبره لأمر ربه فيما امتحنه به. وقال ابن عباس  في هذه الآية: إنما بشره به نبياً حين فداه من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده.
4ـ وأما اعتلال من اعتل بأن قرن الكبش كان معلقاً في الكعبة فالجواب على ذلك: أ نه غير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى مكة، فضلا عن أن تأكيد وقوع قصة الذبح بمكة غير مسلم عند هؤلاء، بل كان الذبح والفداء عندهم بالشام وتعليق القرنين في الكعبة لا يدل على وقوع ذبح الكبش بمكة، لجواز أنهما نقلا من بلاد الشام إلى مكة فعلقا فيها... وقد روي القول به عن سعيد ابن جبير.
5ـ وأما من قال: إن الله لما بشر إبراهيم بإسحاق قرن تلك البشارة بأنه يولد لإسحاق يعقوب قال تعالى:
(فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ {71})، وكان ذلك بمحضر إبراهيم فلو ابتلاه الله بذبح إسحاق - وقد وعده أن يولد له - لكان الابتلاء صورياً، فإنه يردّ على هذا بأن البشارة بيعقوب لم تكن في وقت واحد مع البشارة بإسحاق، فـ(يعقوب) في الآية ليس معطوفاً على إسحاق؛ إذ لا يجوز هذا لغةً ولا إعراباً، يقول ابن مالك في شرح التسهيل: " فلو كان المعطوف اسماً مجروراً أُعيد معه الجارّ، نحو: مُرَّ الآن بزيدٍ وغداً بعمروٍ، وإن لم يُعد وجب النصب بفعل مضمر، أي: ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوب ".


** ثانياً : ذكر من قال بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام:


فمن الصحابة: عبد الله بن عمر، وابن عباس (في الرواية الثانية عنه)، وأبو هريرة، ومعاوية ابن أبي سفيان، وعلي بن أبي طالب ( في رواية ثانية عنه) وغيرهم رضي الله عنهم جميعاً.
و من التابعين وأئمة السلف: سعيد بن المسيب، ويوسف بن مهران، ومجاهد، والحسن البصري، ومحمد بن كعب القرظي، وغيرهم. ومن أئمة المذاهب: الإمام أحمد بن حنبل، وعُزي للشافعي.
ومن المفسرين: ابن كثير في تفسيره وتاريخه، والآلوسي في روح المعاني، والزمخشري في الكشاف، والبيضاوي في تفسيره، والطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير، والرازي في التفسير الكبير.
ومن المحدثين: غالبهم كما نص على ذلك السيوطي والحاكم وغيرهما. ومن العلماء: ابن عساكر في تاريخ دمشق، وابن القيم في زاد المعاد وفي الهدى وعزاه لشيخه ابن تيمية أيضاً.
وهذا القول هو المشهور عند العرب قبل البعثة أيضاً، كما يشعر به أبيات نقلها الثعالبي في تفسيره عن أمية ابن أبي الصلت.


** أحاديث استدل بها من قال بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام:


عن الصنابحي قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق فقال: على الخبير سقطتم: ( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين ، فضحك صلى الله عليه وسلم، فقلنا له: يا أمير المؤمنين وما الذبيحان ؟ فقال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله لئن سهل عليه أمرها ليذبحن أحد ولده قال: فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل، وإسماعيل الثاني). رواه الطبري في تفسيره والأموي في مغازيه والخلعي في فوائده والحاكم وابن مردويه، وأشار السيوطي إلى أن سنده ضعيف.
وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم هو قال عن نفسه: " أنا ابن الذبيحين "، وذكرها الحاكم في المستدرك، لكن الذهبي أشار إلى أن الإسناد واهٍ، وقال العراقي: لم أقف عليه، وقال ابن حجر في الفتح:"وحديث أنا ابن الذبيحين " رويناه في الخلعيات من حديث معاوية، ونقله عبد الله بن أحمد عن أبيه وابن أبي حاتم عن أبيه، وأطنب ابن القيم في الهدى في الاستدلال لتقويته.
ومن الغريب أن ابن خلدون - وهو ممن يرى أن الذبيح إسحاق - كان له توجيه خاص لمعنى الحديث، فيقول: " وقد يحتجون له بقوله صلى الله عليه وسلم: " أنا ابن الذبيحين "، ولا تقوى الحجة به لأن عم الرجل قد يجعل أباه بضربٍ من التجوز، لا سيما في مثل هذا الفخر "


** أدلة الفريق الذي يقول بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام:


1ـ إن الله ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ )، فلو كان المراد بالغلام الحليم إسحاق لكان قوله تعالى بعد هذا: ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ) تكريراً؛ لأن فعل: بشرناه بفلان غالب في معنى التبشير بالوجود.


2ـ ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق في آيات أخرى متعددة كانت البشارة بغلام عليم، ففي سورة الذاريات ورد (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ {28})، وفي سورة الحجر ورد (قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ {53} )، وهذا يدل على أن البشارة بالغلام الحليم في الصافات مغايرة لما في البشارة بالغلام العليم.


3ـ وفي سورة هود جاء : ( وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ {71} ) أي يولد له في حياتهم ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل، فهذا يُشير إلى أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيراً؟؟


4ـ وقال إسماعيل لما أخبره والده بأنه سيذبحه: ( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) أي امض لما أمرك الله من ذبحي (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ {102}) أي سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل، وصَدَقَ صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد، ولهذا قال الله تعالى عنه في سورة مريم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً)


5ـ ومن الأدلة أن المناسك والذبائح إنما محلها بمنى من أرض مكة حيث كان إسماعيل لا إسحاق، فإنه إنما كان ببلاد كنعان من أرض الشام، وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عزب عنك عقلك!! ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة.


6ـ واستدل أيضاً بأن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله تعالى: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الأنبياء:85) وهو صبره على الذبح.
7ـ قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا، وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام فإن قريشاً توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل، إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم والله أعلم. قال ابن حجر: وهذه الآثار من أقوى الحجج لمن قال إن الذبيح إسماعيل.

 

** ثالثاً : ذكر من توقف في ذلك:

 

 

ومن العلماء من رأى قوة الأدلة من الطرفين، ولم يترجح شيء منها عنده، فتوقف في التعيين، كالجلال السيوطي، فإنه قال في آخر رسالته (القول الفصيح في تعيين الذبيح ): كنت ملت إلى القول بأن الذبيح إسحاق في التفسير، وأنا الآن متوقف عن ذلك.
وقال الزجاج: الله أعلم أيهما الذبيح.
وقال الشوكاني: وما استدل به الفريقان يمكن الجواب عنه والمناقشة له.
وقال أيضاً في كلام نفيس: " وبما سقناه من الاختلاف في الذبيح هل هو إسحاق أو إسماعيل وما استدل به المختلفون في ذلك تعلم أنه لم يكن في المقام ما يوجب القطع أو يتعين رجحانه تعيناً ظاهراً، وقد رجح كل قول طائفة من المحققين المنصفين كابن جرير فإنه رجح أنه إسحاق، ولكنه لم يستدل على ذلك إلا ببعض مما سقناه ها هنا، وكابن كثير فإنه رجح أنه إسماعيل وجعل الأدلة على ذلك أقوى وأصح، وليس الأمر كما ذكره، فإنها إن لم تكن دون أدلة القائلين بأن الذبيح إسحاق لم تكن فوقها ولا أرجح منها، ولم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، وما روي عنه فهو إما موضوع أو ضعيف جداً، ولم يبق إلا مجرد استنباطات من القرآن كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق، وهي محتملة ولا تقوم حجة بمحتمل، فالوقف هو الذي لا ينبغي مجاوزته".
وكذلك توقف البغوي في تفسيره، فلم يرجح أحد القولين.
وذكر الخفاجي احتمال أن تكون قصة الذبيح وقعت مرة مع إسماعيل بمكة، ومرة مع إسحاق بالشام !!


** لفتة جديدة:


أعتقد - والله أعلم - أن إسحاق هو أكبر في السن من إسماعيل، ومع أنني لم أرَ من تبنى هذا الرأي، بل هناك إجماع على أن إسماعيل أكبر في السن، إلا أن هناك ما دعاني إلى تبني هذا الرأي:

1ـ البشارة بإسحاق أتت في وقت متقدم على الأحداث التي دارت مع إبراهيم وإسماعيل، بل وأتت بعد هجران إبراهيم لقومه من العراق إلى مصيره إلى بلاد الشام، وقبل هجرته إلى مصر حيث الملك الظالم والذي أهداه بعد ذلك هاجر التي أنجبت إسماعيل.

2ـ قوله تعالى في سورة الحجر: (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ {51} إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ {52} قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ {53} قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ {54} قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ {55} قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ {56} ) والبشارة هنا هي بإسحاق بإجماع المفسرين قاطبة، والسؤال الذي يطرح نفسه: لو افترضنا أن إسماعيل هو أكبر في السن من إسحاق، وأن إبراهيم قد رُزقَ بابنه إسماعيل في كبره، وهذا بإجماع العلماء وبالنص الصريح في سورة إبراهيم: (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء {39} ) فهنا أقول: ألا يبدو قول إبراهيم حينئذ (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) لا معنى له ؟ ألا يمكن للملائكة حينئذ أن يقولوا: هل نسيت يا إبراهيم ولدك إسماعيل الذي رُزقته على الكبر؟ فلماذا تستغرب وتتعجب؟؟ إن الآية واضحة في أن أول الأبناء الذين رُزقهم إبراهيم على الكبر هو إسحاق.
ولكن....ألا يتناقض هذا مع قول إبراهيم في موضع آخر: (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء {39} ) ؟ أقول جواباً على ذلك: يمكن تجنب التناقض بأن تقديم إسماعيل على إسحاق في هذه الآية مراعاةً للحال وطلباً من الله الرأفة والرحمة، فقد ترك إبراهيم رضيعه وزوجته في واد غير ذي زرع، فأكرمهم الله بالماء والناس، فناسب شكر الله تقديم الأهم، ثم لغةً الواو لا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً، وكم من آية قدّم الله فيها الابن على أبيه أو المتأخر على المتقدم ( انظر مثلاً سورة الأنعام الآيات 82ـ86) والله أعلم.

** فوائد متفرقة:


ـ سئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح من هو؟ فأنشد:
إن الذبيح هديت إسماعيل ... نطق الكتاب بذاك والتنزيل
شرف به خص الإله نبينا ... وأتى به التفسير والتأويل
إن كنت أمته فلا تنكر له ... شرفا به قد خصه التفضيل
ـ قال ابن كثير في معرض عرضه لأحاديث الذبيح: " وقد ورد في ذلك حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس و العين ولكن لم يصح سنده " وهذا من إنصافه وأدبه.


ـ قال الطاهر بن عاشور في تعليل إبهام اسم الذبيح: ولم يسمه القرآن لعله لئلا يثير خلافاً بين المسلمين وأهل الكتاب في تعيين الذبيح من ولدي إبراهيم، وكان المقصد تألف أهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم في الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتصديق القرآن، ولم يكن ثمة مقصد مهم يتعلق بتعيين الذبيح، ولا في تخطئة أهل الكتاب في تعيينه ". (التحرير والتنوير 1 / 3583 ).


ـ قال الحاكم: و قد كنت أرى مشائخ الحديث قبلنا و في سائر المدن التي طلبنا الحديث فيه و هم لا يختلفون أن الذبيح إسماعيل، : أنا ابن الذبيحين؛ إذ لا خلاف أنه من ولد إسماعيل وأن
rوقاعدتهم فيه قول النبي  الذبيح الآخر أبوه الأدنى عبد الله بن عبد المطلب، والآن فإني أجد مصنفي هذه الأدلة يختارون قول من قال: إنه إسحاق " (المستدرك 2 / 609 ).


ـ قال ابن حجر: " وقرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي أنه استنبط من القرآن دليلاً وهو قوله في الصافات: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) إلى قوله: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) وقوله في هود: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ) إلى قوله: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً) قال: ووجه الأخذ منهما أن سياقهما يدل على أنهما قصتان مختلفتان في وقتين: الأولى عن طلب من إبراهيم وهو لما هاجر من بلاد قومه في ابتداء أمره فسأل من ربه الولد فبشره بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ... والقصة الثانية بعد ذلك بدهر طويل لما شاخ واستبعد من مثله أن يجيء له الولد وجاءته الملائكة عندما أمروا بإهلاك قوم لوط فبشروه بإسحاق فتعين أن يكون الأول إسماعيل ... ويؤيده أن في التوراة أن إسماعيل بكره وأنه ولد قبل إسحاق. قلت: وهو استدلال جيد وقد كنت أستحسنه واحتج به إلى أن مر بي قوله في سورة إبراهيم: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) فإنه يعكر على قوله إنه رزق إسماعيل في ابتداء أمره وقوته، لأن هاجر والدة إسماعيل صارت لسارة من قبل الجبار الذي وهبها لها وإنها وهبتها لإبراهيم لما يئست من الولد فولدت هاجر إسماعيل فغارت سارة منها كما تقدمت الإشارة إليه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء وولدت بعد ذلك إسحاق، واستمرت غيرة سارة إلى أن كان من إخراجها وولدها إلى مكة ما كان وقد ذكره بن إسحاق في المبتدأ مفصلا وأخرجه الطبري في تاريخه من طريقه، ويقال لم يكن بينهما إلا ثلاث سنين وقيل كان بينهما أربع عشرة سنة (فتح الباري 12 / 378 ).


ملاحظة: أحب أن أسجل في الختام مخالفتي لما ذهب إليه من هذه الرسالة ولدي الشيخ/ محمد، من أن الذبيح إسحاق فأقول: دليل الفريقين ظني، وهو قوي لكليهما محتمل لمذهبيهما. لكنا نحن معاشر العرب نميل إلى أن الذبيح إسماعيل للأدلة القوية، ولأن ذلك يعود بالفخر لنا. الشيخ/ عبدالله نجيب سالم.


* أهم مراجع البحث:


رسالة (القول الفصيح في تعيين الذبيح ) للسيوطي مطبوعة ضمن كتاب الحاوي للفتاوى له، روح المعاني 23/133، التحرير والتنوير 1 / 3584، تاريخ دمشق 6 / 205، زاد المعاد 1 / 70، تفسير البغوي 1/46، فتح القدير 4 /577، المستدرك 2 /604، فتح الباري 12/ 378، تاريخ ابن خلدون 2 / 36، البداية والنهاية 1 / 159، الخصائص 2 / 397، فيض القدير 3 / 569، زاد المعاد 1 / 70، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، كشف الخفاء للعجلوني، شرح الصاوي على الجلالين، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام للفاسي، ومجموعة أخرى طويلة من التفاسير وكتب التاريخ والسيرة.

 
إعداد الشيخ/ محمد عبدالله سالم
المراجعة العلمية/ الشيخ عبدالله نجيب سالم
الثلاثاء 8/صفر/1427هـ 8/3/2006م