آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   الحج وأحكامه
أحكام متفرقة في الحج



مرات القراءة:1789    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

أحكام متفرقة في الحج

إعداد الشيخ: محمد عبدالرحمن نجار*

 

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن أحكام الحج والعمرة تناولها السابقون بما ظنوا أنه لا مزيد بعده، ففصلوها تفصيلاً دقيقاً، وبحثوها بحثاً مستفيضاً... إلا أن الواقع المتغير بشدة أثبت أن أحكام الحج هي من النوع القديم الجديد، وأن ما كتبه السابقون بخصوصها لا يغني عن خوض اللاحقين فيها.

لقد جدت أمور كثيرة وتغيرت حيثيات جذرية: في السفر ووسائله، وفي الدول وتعقيدات التنقل بينها، وفي الوقت ومدى استغراق الحج وحاجته إليه، وفي الإعلام ودوره في نقل الصورة والمشكلة والرأي وردود الأفعال، وفي كثرة الحجاج وقدرة أماكن المناسك على استيعاب أعدادهم المتزايدة باضطراد، وفي نوعية الخدمات التي يتطلبها الحجاج، وفي إدارة الموسم محلياً أو عالمياً، وفي التوفيق بين عقليات المسلمين المتعددة التي تطرح أداء وتطوير الحج من مفاهيم ومنطلقات شتى.

هذا كله فرض على فقهاء المسلمين – كجزء من الضرورة الواقعية – إعادة النظر في عدد من أحكام الحج وشروطه وسننه وشعائره وعاداته.

وإحساساً منا بذلك، نطرح في هذه الرسالة بعض الأحكام الفقهية الخاصة بالحج، ذات الصلة بالواقع المتغير. رغبة منا في فتح باب الحديث لجميع المتخصصين فيها وفي غيرها من أحكام الحج.

 

** فضل الصلاة في المسجد الحرام :

روى جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه". رواه أحمد وأصله في الصحيحين.

قال العلماء: فالتضعيف المذكور في الحديث يرجع إلى الثواب ولا يتعدى إلى الإجزاء.

وهذا بالاتفاق عندهم. ثم اختلفوا هل يشمل تضعيف ثواب الفرض فقط، أم يتعداه إلى النافلة أيضاً؟

فالفقهاء متفقون على فضيلة الفرض في المسجد الحرام على الفرض في غيره. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المضاعفة تعم الفرض والنفل معاً، ومن هنا استثنى الإمام الشافعي من أوقات الكراهة في الصلاة المسجد الحرام ومكة المكرمة ليغتنم الحجاج الفرصة ويصلوا ما شاء لهم في جميع الأوقات.

 

** المراد من المسجد الحرام الذي تضاعف فيه الصلاة:

ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن المضاعفة تعم جميع حرم مكة، فقد ورد من حديث عطاء بن أبي رباح قال: بينما عبدالله بن الزبير يخطبنا إذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة بالمسجد الحرام تفضل بمائة. قال عطاء: فكأنه أراد مائة ألف. قلت يا أبا محمد: هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام وحده أم في الحرم؟ قال: بل في الحرم، فإن الحرم كله مسجد". قال الإمام الزركشي: يتحصل من المراد بالمسجد الحرام الذي تضاعف فيه الصلاة سبعة أقوال:

الأول: المكان الذي يحرم على الجنب الإقامة فيه.

الثاني: أنه مكة.

الثالث: أنه الحرم كله إلى الحدود الفارقة بين الحل والحرم. قاله عطاء. ودليله الحديث السابق الذي يرويه عن ابن الزبير. ونُقل عن الماوردي وغيره: قال الروياني: فُضّلَ الحرم على سائر البقاع، فرخص في الصلاة فيه في جميع الأوقات لفضيلة البقعة وحيازة الثواب المضاعف.

الرابع: أنه الكعبة المشرفة. قال الزركشي: وهو أبعدهم.

الخامس: أنه الكعبة والمسجد حولها. وهو الذي قاله النووي في استقبال القبلة.

السادس: أنه جميع الحرم وعرفة. قاله ابن حزم.

السابع: أنه الكعبة وما في الحجر من البيت وهو قول صاحب البيان من أصحاب الشافعية.

وحكى المحب الطبري خلاف الفقهاء في مكان المضاعفة بالنسبة للصلاة، ورجح أن المضاعفة تختص بمسجد الجماعة لا في البيوت والمتاجر، ونحب أن نشير هنا إلى أن بعض العلماء ذهب إلى أن السيئات تضاعف بمكة أيضاً كما تضاعف الحسنات. حكي هذا القول عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ومجاهد وأحمد بن حنبل. ولهذا قال ابن عباس حينما سئل عن مقامه بغير مكة: مالي ولبلد تضاعف فيه السيئات كما تضاعف الحسنات. لكن الصحيح من مذاهب العلماء أن السيئة بمكة كغيرها من البلدان.

 

** حكم توسعة المسجد النبوي الشريف من حيث مضاعفة أجر الصلاة فيه:

وردت أحاديث كثير في فضل الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومضاعفتها، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام". رواه البيهقي، وجاء في رواية لابن ماجة "أن الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين ألف صلاة". كما ورد في الحديث الذي تقدم في فضل الصلاة في المسجد الحرام وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه". رواه الشيخان. ولكن طرأت على المسجد النبوي الشريف توسعات وزيادات في بنائه عما كان عليه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، فهل تختص مضاعفة أجر الصلاة بما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من مسجده؟ أم أن حكم الزيادة حكم الأصل؟ هناك رأيان في هذه المسألة.

الرأي الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الفضل الثابت لمسجده ثابت لما زيد فيه. قال المحب الطبري عن ابن عمر رضي الله عنهما: زاد عمر بن الخطاب في المسجد من شاميه، وقال: لو زدنا فيه حتى تبلغ الجبال كان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي ".رواه ابن أبي شيبة والديلمي في مسند الفردوس.

قال ابن عابدين: ومعلوم أنه قد زيد في المسجد النبوي، فقد زاد فيه عمر ثم عثمان رضي الله عنهما ثم الوليد بن عبدالملك ثم المهدي.

والإشارة بهذا: ( صلاة بمسجدي هذا ) إلى المسجد المضاف إليه – مسجدي- ولا شك أن جميع المسجد الموجود الآن يسمى مسجده صلى الله عليه وسلم .

ونقل الجرُّاعي في كتابه ( تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد ) عن ابن رجبٍ مثل ذلك، وقيل: إنه لا يعلم عن السلف في ذلك خلاف.

وروي عن الإمام أحمد التوقف، ونقل عن الإمام مالك أنه سئل عن حد المسجد الذي جاء فيه الخبر، هل هو على ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أم هو على ما عليه الآن؟ فقال: بل هو على ما هو عليه الآن. وقال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بما يكون بعده وتحدث به، فحفظ ذلك من حفظه ونسي ذلك من نسيه، ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون المهديون أن يزيدوا فيه بحضره الصحابة الكرام، ولم ينكر عليهم في ذلك منكر.

الرأي الثاني: ذهب الشافعية ومنهم الإمام النووي إلى أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده الذي كان في زمانه، وإليه ذهب ابن عقيل وابن الجوزي وجمع من الحنابلة، وقالوا: إن ما زاد فيه عثمان بن عفان رضي الله عنه كان من اتخاذه، ويدل على ذلك أنه حينما أنكر عليه استدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( من بنى مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ) رواه البخاري فجعله من بنائه لنفسه، وذلك الزيادة في المسجد الحرام، فقد توالت عليه الزيادات من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى يومنا هذا.

وينبني على حصول أجر مضاعفة الصلاة في كل بقاع الحرم المكي، وكل المسجد النبوي الموسع الحالي أن يفسح المجال أمام الجميع من حجاج وغيرهم ليصلوا حيثما تيسر لهم في المسجد الحرام أو في أي بقعة من بقاع الحرم المكي، فلا يتجشموا عناء الزحام الشديد الذي لا يطاق للوصول إلى البيت الحرام في كل فريضة، كما يفسح هذا القول المجال للصلاة في جميع أرجاء المسجد النبوي الذي أصبح الآن يغطي ببنائه وساحاته كافة المدينة المنورة أيام النبي صلى الله عليه وسلم.

 

** أوقات رمي الجمرات في الحج:

1ـ وقت رمي جمرة العقبة :

يبدأ رمي جمرة العقبة من فجر يوم النحر أي يوم الأضحى وهو العاشر من ذي الحجة بالإجماع، إلا عند الشافعية فإنه يبدأ من منتصف ليلة عيد الأضحى، ويستمر إلى غروب شمس آخر يوم من أيام التشريق، وهو اليوم الرابع من أيام عيد الأضحى، فيرميها الحاج ليلاً أو نهاراً ويكون كل ذلك أداءً عندهم.

وعند الحنفية يستمر وقته من فجر اليوم الأول إلى فجر اليوم الثاني، والأفضل عندهم تأخيره عن وقت الزوال من اليوم الأول، ويباح تأخيره إلى الغروب ويكره بعده.

2ـ رمي الجمرات الثلاث:

يبدأ وقته من زوال كل يوم من أيام التشريق إلى فجر اليوم التالي في معظم المذاهب، إلا أنه عند الشافعية يبدأ وقت الرمي في كل يوم بزوال الشمس فيه، ويستمر وقته إلى الغروب من آخر أيام التشريق، ولكن لا يصح الرمي عن يومٍ إلا بعد الرمي عما قبله.

وعند أبي حنيفة أن اليوم الثالث من أيام العيد (الثاني من أيام التشريق) وهو يوم النفر الأول يبدأ وقت الرمي فيه من الفجر حتى غروب الشمس، فيستطيع المتعجل أن يرمي قبل الزوال وينفر.

وقال إسحاق " إن يوم النفر الأول وهو يوم الثالث كالرابع يبدأ الوقت فيه لأجل الرمي من الفجر أيضاً، تسهيلاً لمن يريد النفر فيه، كما في نيل الأوكار للشوكاني".

أما اليوم الثاني من أيام العيد، فالجمهور على أن وقت الرمي فيه يبدأ من الزوال فلا يصح الرمي فيه قبل الزوال، لأنه لا نفر فيه، ولكن خالف في ذلك الإمام الباقر محمد بن علي - كما في بداية المجتهد - وكذا الإمام الناصر من الزيدية - كما في البحر الزخار - وكذا من التابعين عطاء و طاووس فقال هؤلاء جميعاً: إن الوقت في اليوم الثاني يبدأ من الفجر فيرمي قبل الزوال مطلقا وهناك قول للحنفية غير القول المشهور " أن اليومين الثاني والثالث أيضا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال، وعليه يكون في الأيام الأربعة كلها مجال للرمي من الصباح وقبل الزوال في مختلف الاجتهادات ولو في غير يوم النفر، للمستعجل وغيره، لأن في الرمي قبل الزوال تيسيرا كبيرا على الناس حتى على غير المستعجل لأجل النفر، فإن الماكث أيضاً قد يحتاج إلى التبكير في الرمي اجتنابا للزحام الشديد الذي صار يهدد أرواح الحجاج، مما يوجب التسهيل، ولا يخفي أن المكلف عليه أن يتبع أحد المذاهب المعتبرة فإن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه "

 

** إنابة البنك الإسلامي في ذبح الهدي:

إن القصد من تقديم الهدي في الحج ليس سقي الأرض بدماء الذبائح، وترك الآلاف منها مطروحةً مهدرة، إنما القصد الشرعي هو الأكل منها وإطعام القانع والمعتر، كما قال ربنا سبحانه: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ والمعتر) إذن فهي عبادة مالية ذات مقصد ديني واجتماعي. وإذا كان هذا المقصد الشرعي لم يعد من الممكن أن يتحقق، بل تحول إلى عكس المراد منه، وأصبح ذبح الهدي سبباً من أسباب التلوث وإهدار المال، للكثرة الهائلة من الحجاج، وطريقة الذبح الفردي الفوضوي، لذا قام البنك الإسلامي للتنمية وندب نفسه - متطوعاً مشكوراً - لهذا الواجب من واجبات الكفاية، ولينقذ السمعة الإسلامية من مآسي ذبح آلاف الأنعام في منى بصورة غير منتظمة وطرحها في الأراضي لتدفن في الرمال، فقام البنك الإسلامي بشراء الهدايا من الأنعام مهما كثرت نيابة عمن يوكله من الحجاج، ثم ذبحها في المذابح الحديثة الآلية المخصصة لذلك، ثم توزيعها محلياً وخارجياً على جميع الفقراء والمساكين في جميع دول العالم الإسلامي.

والبنك ليس فرداً من الناس قد يهمل ما يوكل به أو لا يقوم به، إنما هو مؤسسة دولية لها نظام دقيق محكم، فلا يتصور إذا وكله الحاج بالهدي أن يحصل منه الإهمال والتواني، لذا كان الدفع إليه مسبقاً، وتوكيله بذبح الهدي وتوزيعه جائزاً، وذلك قياساً على من دفع الزكاة الواجبة عليه إلى جابي بيت المال أو المؤسسة المختصة في الدولة لتوزيعها على مستحقيها، فإن دافع الزكاة تبرأ ذمته بهذا الدفع من الزكاة الواجبة عليه باتفاق المذاهب، لا سيما إذا لوحظ أن مشكلة ذبح الهدي في الحج لا يمكن تنظيمها والقضاء على مآسيها إلا بمثل هذا الترتيب.  

وقد رأى القاصي والداني حسن توكبل البنك الإسلامي أو غيره من الشركات الكبرى في التخلص من الصورة السيئة لذبح الهدي ورمية، ثم سعي سلطات منى إلى دفنه وحرقه دون فائدة أو منفعة. لقد وصلت ذبائح الهدي الآن إلى أطراف المعمورة طعمة لفقراء المسلمين من هدي حجاج بيت الله الحرام بعد أن أغنى الله فقراء الحرم.

 

** زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ودليل مشروعيتها وفضلها:

أجمعت الأمة الإسلامية سلفا وخلفا على مشروعية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وانتقاله إلى جوار ربه، فذهب جمهور العلماء من أهل المذاهب إلى أنها سنة مستحبة... وهي صلة دائمة بين المسلمين ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنقطع إلى يوم الدين.

وقالت طائفة منهم: هي سنة مؤكدة تقرب من درجة الواجبات، وهو المفتى به عند بعض الحنفية، وذهب الفقيه المالكي موسى بن عيسى الفاسي إلى أنها واجبة.

أدلة مشروعية الزيارة:

استدل العلماء على مشروعية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا). والنبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره، وكذا جميع الأنبياء والمرسلين، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الأنبياء أحياء في قبورهم ).رواه أبو يعلى في مسنده عن أنس.

ولا شك أننا نقصد بذلك حياة برزخية خاصة إلا أنها أرقى بكثير من حياة الأموات الآخرين.

وفي صحيح مسلم من حديث الإسراء والمعراج قال صلى الله عليه وسلم: ( مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره ) فإذا أضفنا إلى ذلك الإباحة أو الاستحباب الشرعي لزيارة القبور، وهو ما ورد به حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الموت ) رواه مسلم. فهو دليل على مشروعية زيارة القبور عامة وزيارته صلى الله عليه وسلم داخلة في هذا الأمر النبوي.

وهناك بعض الأحاديث النبوية التي ضعّفها المحدثون عموماً، بينما قواها بعضهم، ولكن بالاتفاق فإن مجموعها يقوي بعضها بعضاً، وهي أحاديث تتعلق بالحث على زيارته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، مثل حديث: "من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي" أخرجه الدارقطني وحديث: "من زار قبري وجبت له شفاعتي" أخرجه الدارقطني أيضا.

أقوال العلماء في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم:

قال القاضي عياض في كتابه ( الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ): زيارة قبره عليه الصلاة والسلام سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها.

كما حكى الإجماع ابن حجر رحمه الله في كتابه ( فتح الباري شرح صحيح البخاري ) فقال: إنها أفضل الأعمال وأجل القربات وإن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع.

وقال القسطلاني: اعلم أن زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وسلم من أعظم القربات وأرجى الطاعات والسبيل إلى أعلى الدرجات.

أما من ينكر زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وسلم فإنه يحتج بحديث: "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم".رواه أبو داود.

فمعنى الحديث: لا تعطلوا البيوت من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون مثل القبور فأمر صلى الله عليه وسلم بتحري العبادة في البيوت، وأما قوله: (لا تجلعوا قبري عيداً) فمعناه النهي عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد، إما لدفع المشقة أو كراهة أن يتجاوزوا حد التعظيم وقوله: (وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) أي لا تتكلفوا المعاودة إلي، فقد استغنيتم بالصلاة والسلام علي، والمنكرون لزيارة قبره الشريف صلى الله عليه وسلم ربما يفيضون الى استدلالهم بالحديث السابق قولهم: إن هناك بعض الأمور التي تحدث لا تجوز أدباً مع النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل التزاحم عند الزيارة، ورفع الأصوات بالصلاة والسلام عليه، أو بالدعاء عند زيارته، أو التمسح بقبره الشريف وإلصاق الظهر والبطن بجدار القبر الشريف، فنقول: ونحن أيضا نقول بكراهة ذلك ومنعه، قال ابن قدامة: ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقبيله. ونقل عن الإمام أحمد انه قال: ما أعرف هذا.

قال الأثرم: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، بل يقومون من ناحية فيسلمون فقط. قال الإمام النووي رحمه الله منبهاً ومحذراً: ولا يجوز أن يطاف بقبره ويكره إلصاق الظهر والبطن بجدار القبر.

قالوا: ويكره مسحه باليد وتقبيله أيضاً، فلا يلتفت إلى ما يحدثه العوام وغيرهم، والعمل إنما يكون بالأحاديث الصحيحة وأقوال العلماء.

 

** شد الرحال لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم:

وقد أثار بعض الناس مسألة شد الرحال لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، فمنعوا ذلك وشنوا على فاعليه الغارة تلو الغارة، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى). رواه الشيخان، واعتبروا شد الرحال من أطراف البلدان لزيارة قبره الشريف بدعة ومنكراً واشتغوا بصرف الناس عن ذلك.

ولهؤلاء نقول: إنكم أوردتم الحديث في غير المسألة المقصودة. فالحديث ينهى أو ينفي أن تشد رحال الناس بسبب فضيلة الصلاة ومضاعفة أجرها إلى غير المساجد الثلاثة وهذا محل اتفاق، ثم إن الجميع لا ينكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من بيته كل سبت لزيارة مسجد قباء والصلاة فيه... ومن المجمع عليه أن الرحال يجوز أن تشد لطلب العلم أو زيارة العلماء او لصلة الرحم أو للتجارة.. أي أن ما سوى قصد الصلاة يجوز فيه شد الرحال إلى أنحاء الدنيا، فما بال شد الرحال لزيارته صلى الله عليه وسلم ممنوع حصراً من بينها. إضافة إلى أن المسجد النبوي الذي لا يرتاب في جواز شد الرحال إليه إنما حاز فضل الدنيا والآخرة بسببه صلى الله عليه وسلم. بل لولاه لما كانت له أية مزية أو فضيلة.

ولتضامن الأدلة وقوتها وظهورها أفتى العلماء الثقات وأعلام الدين والفقه بما سبق أن ذكرناه من استحباب شد الرحال لزيارته صلى الله عليه وسلم وكون ذلك قصداً شرعياً صحيحاً لا غبار عليه.

 

**طواف الحائض في الحج:

لا خلاف بين الفقهاء في أن الحيض لا يمنع شيئاً من أعمال الحج إلا الطواف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حين حاضت: " افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ". رواه الشيخان.

وقد ذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة إلى: أن الطهارة من الأحداث ومن الأنجاس شرط لصحة الطواف، فإذا طاف الطائف فاقداً أحدها فطوافه باطل لا يعتد به. وقال الحنفية: الطهارة من الحدث ومن الخبث واجب للطواف، وهو رواية عن أحمد. وإن كان أكثر الحنفية على أن الطهارة من النجاسة الحقيقية سنة مؤكدة. استدل الجمهور بحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة فأقلوا من الكلام). رواه النسائي. وإذا كان صلاة والصلاة لا تجوز بدون الطهارة من الأحداث، فكذلك الطواف لا بد فيه من الطهارة. واستدل الحنفية بقوله تعالى:( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ), ووجه الاستدلال بها أن الأمر بالطواف مطلق لم يقيده الشارع بشرط الطهارة، وهذا نص قطعي، والحديث خبر آحاد ويفيد غلبة الظن فلا يقيد نص القرآن، لأنه دون رتبته، فحملنا الحديث على الوجوب وعملنا به.

ثم إن الأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة: طواف القدوم، وهو سنة عند الفقهاء عدا المالكية حيث قالوا بوجوبه، وطواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج بالاتفاق، وطواف الوداع وهو واجب عند الفقهاء عدا المالكية حيث قالوا بسنيته. فإذا حاضت المرأة قبل أن تطوف طواف القدوم سقط عنها ولاشيء عليها وذلك عند القائلين بسنيته. وعند المالكية لا يجب عليها حيث بقي عذرها بحيث لا يمكنها الإتيان به قبل الوقوف بعرفة، وإذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة، فإنها تبقى على إحرامها حتى تطهر ثم تطوف.

فإن طافت للافاضة وهي حائض فلا يصح طوافها عند الجمهور – المالكية والشافعية والحنابلة- وذهب الحنفية إلى صحته مع الكراهة التحريميه، لأن الطهارة له واجبة، وهي غير طاهرة، وتأثم وعليها بدنة. واتفق الفقهاء على أن للحائض أن تنفر بلا طواف وداع تخفيفاً عليها لحديث عائشة رضي الله عنها (أن صفية رضي الله عنها حاضت فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنصرف بلا وداع). رواه أحمد والشافعي في مسنده.

وتظهر الحاجة الماسة للبحث عن مخرج لكثيرات من النساء تأتيهن العادة الشهرية (الحيض) أثناء الحج، فإذا لم يطفن بالبيت – خاصة طواف الإفاضة – لم يكتمل نسكهن من جهة، ولاتنتظرهن حملة الحج حتى يطهرن، ولا يستطعن البقاء منفردات أو حتى مع محارمهن بعد تعجل حملات الحج ورحيلها ..... فلذلك فإن بعض المفتين يفتيهن بقول خارج على المذاهب الفقهية كلها - وهو للإمام ابن تيمية رحمه الله - بجواز طواف الحائض إذا خافت فوات الرفقة بعد أن تتحفظ فتطوف للضرورة، ويسقط عنها فرض الطواف، ويصح نسكها ولا شيء عليها. وهذا أحد البدائل التي يفتي بها بعض المفتين... إلا أن لجنة الفتوى في دولة الكويت اختارت لمثل هؤلاء النسوة أن يأخذن بمذهب من اعتبر الحائض في حكم الطاهرة أثناء انقطاع الدم عنها أيام الحيض، فإذا ارتفع عنها الدم ولو لساعة أو لفترة تسع الاغتسال والتحفظ والطواف فعليها أن تفعل ذلك قبل عودة الدم، وهذا ما يسمى مذهب اللقط وهو أحد أقوال الشافعية وغيرهم.

 

كتبه الشيخ/ محمد عبدالرحمن نجار

المراجعة العلمية الشيخ/ عبدالله نجيب سالم  

الثلاثاء: 24/1/2006م 25 ذي الحجة 1426هـ