آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    ردود وشبهات   قضايا معاصــرة
بين تحديد النسل وتنظيمه



مرات القراءة:16139    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

بين تحديد النسل وتنظيمه



مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

يرى فقهاء المسلمين أن من مقاصد الشريعة الإسلامية: تكثير سواد الأمة، وزيادة أعداد أفرادها.


ويستدلون على ذلك بالآيات التي تحثّ على الزواج وتدعو إليه – وهو مفتاح ا لتكاثر البشري- مثل قوله تعالى: " فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ " النساء آية(3)، والأحاديث الشريفة ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر الأنبياء يوم القيامة" [رواه أحمد والطبراني في الأوسط من حديث أنس بإسناد حسن. انظر: مجمع الزوائد 4/252].
ومنها: "تناكحوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" [ذكره الشافعي بلاغاً عن ابن عمر كما في فتح الباري 9/111]، بل إن الإسلام أباح تعدد الزوجات، وهو مُفضٍ إلى كثرة النسل.


وكثرة النسل وزيادته من نعمة الله تعالى كما قال الله سبحانه عن شعيب يخاطب قومه: " وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ " الأعراف آية(86) وامتن الله على بني إسرائيل فقال: " وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ". الإسراء (6).


*- مشكلة... وحل:


وإذا كان من المنطقي أن الكثرة في أعداد البشر تلقي بالمسؤولية في إطعامها وخدماتها على الأمة فإن الفقهاء يرون أن الإسلام عالج أعباء زيادة السكان من خلال أمرين:

 

الأول :نظام التكافل الاجتماعي الذي أبدعه الإسلام.

 

الثاني : الحثّ على العمل والتكسّب في مناكب الأرض. يقول تعالى: " فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ" الملك آية(15).


إضافة إلى أن انفتاح الأوطان الواسعة بين أقطار العالم الإسلامي، واختلاط الشعوب والهجرة المتبادلة بدون قيود- سابقاً - قد جعل طرح هذا الموضوع (تحديد السكان) غير وارد آنذاك لسعة الأرض وكثرة الموارد.
ويمكن أن يقال: إن عدد السكان في تلك الأيام مهما تصورنا كثرته لم يكن بالشيء المخيف كما هو اليوم، وهذا صحيح.


*- تحديد النسل في العصر الحديث:


وفي العصر الحديث بدأ الحديث عن تحديد النسل وحاجة البشرية إليه يأخذ صورة فلسفةٍ عامةٍ، وانتشرت في علم الاقتصاد نظرية القسّ (روبرت مالتوس) في القرن التاسع عشر (ت 1798م) ونظريتة معروفة تقوم على أساس التشاؤم، وملخصها: إن أعداد الناس تتزايد بنسبة متوالية هندسية يعني 1، 2، 4، 8، 16، 32، 64، 128 وهكذا، بينما موارد الرزق والمعيشة تتزايد بمتوالية حسابية 1، 2، 3، 4، 5، فلا يوجد توازن بين ازدياد عدد البشر وازدياد موارد المعيشة، لذلك فلا بد بعد مدة من الزمن من أن تقل الموارد ويكثر الناس وتنتشر المجاعات ويقتل الناس بعضهم بعضا.والحل في تحديد النسل لضبط الزيادة في عدد السكان.
وتطورت الفكرة وانتشرت حتى باتت منظمات عالمية - مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي وغيرهما - تتبناها وتحث عليها، بل وتمارس الضغوط الرسمية والإعلامية والفكرية لفرضها على شعوب العالم الثالث عامة والشعوب الإسلامية خاصة.
وساعد على الترويج لنظرية مالتوس أن الفكر الاقتصادي المعاصر يتمحور حول معضلة يسمونها مشكلة الندرة، وملخصها: إن الموارد نادرة ومحدودة وحاجات الناس وأعدادهم المتزايدة غير محدودة.


*- سقوط نظرية " مالتوس":


وخلال القرن الماضي- الذي توقع مالتوس في آخره شهود أزمة سكانية تولد مجاعات وحروباً- برزت في حياة البشرية الاقتصادية عناصر لم تكن في الحسبان، نسفت الأساس الذي بنى عليه مالتوس نظريته.


فكانت العناصر التالية:


1ـ زادت الموارد البشرية المعروفة نتيجة استخدام الآلة في الإنتاج، فتضاعفت الثروات بنسبة أكثر من حاجة البشر.

2ـ اكتشف الإنسان عناصر جديدة للغذاء وتلبية الحاجات لم تكن معروفة من قبل وأنتجها بكميات كبيرة.

3ـ مع ازياد البشر ازدادت الأيادي العاملة المنتجة.

4ـ شهدت الأمم التي تبنت فكرة تحديد النسل – وخاصة الأمم الأوربية- تناقصاً خطيراً في الأعداد البشرية من ناحية. واختلالاً في توازن الجنسين- الذكر والأنثى- من ناحية أخرى، حيث حبذ كثير ممن فرض عليهم تحديد النسل - كالصينيين- المواليد الذكور، وسعى بأسلوب أو بآخر للتخلص من الإناث.
ولذلك فمع أن البشر زادت أعدادهم أضعافاً مضاعفة عما كانوا عليه قبل قرن من الزمان إلا أن التوقعات المتشائمة لمالتوس ذهبت أدراج الرياح.


*- ملاحظات مهمة في نظرية تحديد النسل:


أثارت نظرية تحديد النسل ردود فعل سلبية تلقائية لدى المسلمين، خاصة عندما فرضت على بعض الشعوب فرضاً. ونستطيع تلخيص ملاحظات المسلمين عامة على تلك النظرية فيما يلي:
1ـ إن هناك تعارضاً ظاهراً بين عموم التوجيهات الدينية التي تحض وتحث على ابتغاء الولد وطلبه وتحصيل الأجر والمثوبة بسبب رعايته وتربيته وإعداده إعداداً جيداً للدنيا والآخرة وبين فكرة تحديد النسل بولد أو ولدين.

2ـ إن نظرية تحديد النسل ارتبطت بفكرة الخوف من عدم الرزق ومصادمة مبدأ أن المرء يكتب له رزقه كما يكتب له أجله. وقد حارب القرآن وأد العرب لأولادهم خشية الفقر، فقال تعالى: "وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ " الإسراء آية(31).

3ـ إن الكثرة في الأمم لا تزال - إلى اليوم - مطلباً عالمياً، لما تمثله الأمم الكثيرة عدداً من أهمية اقتصادية: ولا أدلّ على ذلك من الصين. الأمة التي يعتبرها العالم لكثرة أفرادها قوة اقتصادية هائلة.

4ـ إن ما يتسرب بين الفينة والفينة من استخدام تحديد النسل كسلاح موجه ضد أمة الإسلام وضلوع أصحاب الأديان أو الأفكار غير الإسلامية في شبكات تآمر وتخطيط في هذا المجال يعيد طرح قضية تحديد النسل لا كقضية اقتصاد محض، بل كقضية صراع على الوجود ومكر في الخفاء، يحسب له المسلمون ألف حساب.


إذن: هل هناك مشكلة أم لا؟ وما هو البديل؟


ينبغي أن لا ننكر ولا نكابر أن إطلاق العنان لقدرة البشر على الإنجاب بلا ضوابط وحدود أمر غير منطقي ولا واقعي. فقدرة الإنسان على الإنجاب تتجاوز التصور، ومع وجود الرعاية الصحية الواسعة للأطفال تقل نسبة الوفيات بينهم ومع تعدد الزوجات تزداد القدرة على الإنجاب.
ولا شك أن إنجاب الأولاد يستتبع وجوب رعايتهم والاهتمام بهم وتأمين الأجواء المريحة والمهيئة لصلاحهم ليكونوا عنصر إصلاح وإنتاج وقوة إيجابية وطاقة موجهة.
ومن هنا فالبديل لفكرة تحديد النسل فكرة تنظيم النسل. فما هي وما جوانبها وأبعادها؟؟؟


*- تنظيم النسل...مفهومه وفكرته:


التنظيم يعني جعل الأمر منظماً، أي مُقَعَّداً وفق أسس، وكلمة "تنظيم" واسعة الدلالة، وهي مرغوبة في كل شيء، والكون ذاته قائم على التنظيم، قال الله تعالى: " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" القمر آية (49).
والحكم الشرعي الإسلامي في موضوع تنظيم نسل الأسرة ينهض على الاستنباط والاجتهاد – وهو مبني على جلب المصلحة ودرء المفسدة، دون الخروج على أصول الشريعة، وعلى القواعد المقررة شرعاً ومنها: ٍالضرر يُزال، ولا ضرر ولا ضرار، والمشقة تجلب التيسير، وأنه حيثما كانت مصلحة فثم شرع الله قال تعالى: " مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ "المائدة آية (6).

وهناك فريق من العلماء يرفض موضوع تنظيم النسل ومناقشته أصلاً بدعوى أنه يناقض العقيدة ويتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر والرزق، ويرى الأكثرون من علماء المسلمين أن الرزق المضمون المقدر لا ينال إلا وفق سُنن الله، صحيح أن ربنا ضمن الرزق وقال: " وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا" هود آية(6)، فالرزق موجود، ولكن لا بد للناس أن يسعوا إلى الرزق، وأن يلتمسوه في خبايا الأرض وأن يوسعوا مجاله ويحسنوه كمّاً ونوعاً.
فهذا هو المطلوب من الإنسان، كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه لمن قبعوا في المسجد بعد صلاة الجمعة وقالوا: نحن متوكلون على الله، قال لهم " لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض". لم أجده بهذا اللقط (عن معاوية بن قرة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى على قوم فقال ما أنتم؟ قالوا نحن المتوكلون قال بل أنتم المتكلون ألا أخبركم بالمتوكلين؟
رجل ألقى حبة في بطن الأرض ثم توكل على ربه ـ شعب الإيمان جـ2 ص81 رقم1215


*- تنظيم النسل عند الفقهاء يشمل أمرين:


أولاً: وسائل علاجية تمنع المرأة أو الرجل من الحمل. وهي قسمان:
وسائل منع بشكل مؤقت (العزْل قديماً، والحبوب والإبر واللولب وما شابهها حديثاً) أو وسائل منع الحمل بشكل دائم (استئصال الرحم أو خصي الرجل).
ثانياً: الإجهاض (وهو إسقاط الجنين في أي مرحلة من مراحل تخلقه). وهو محرم عند عامة الفقهاء (على اختلاف لديهم في المدة التي يتكون فيها الجنين ويحرم فيها إجهاضه) إلا لضرورة محققة. وسينحصر حديثنا عن الوسائل العلاجية التي تمنع الحمل وتأخره.
ونترك الحديث عن ( إسقاط الجنين) وحكمه فقد سبق الحديث عنه في رسالة الثلاثاء رقم (24) فلتراجع.


أولاً:الوسائل العلاجية الدائمة( منع الإنجاب):


الوسائل العلاجية الدائمة هي: استئصال القدرة على الإنجاب أصلاً، كاستئصال الرحم أو قطع حبل المني في الرجل، أو إغلاق قناة المهبل في المرأة، أو أي وسيلة تحول بشكل دائم دون حمل المرأة أو قدرة الرجل على التلقيح.


وهذا الأسلوب محرم عند جميع الفقهاء إلا لضرورة محققة.


وإليك فتوى فضيلة الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة – أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين: "لا يجوز شرعاً استئصال القدرة على الإنجاب مطلقاً، سواء كان عند الرجل أو المرأة إلا في حالات الضرورة التي قدرها أهل العلم الثقات من الفقهاء والأطباء، فلا يجوز إجراء عمليات التعقيم ولا ربط قناتي الرحم أو استعمال أي وسيلة تؤدي إلى ذلك ومنع الحمل الدائم من الأمور المحرمة شرعاً كما قلت. ويدل على ذلك قوله تعالى: " وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ". النساء الآيات (117) (118) (119).
قال أهل التفسير: إن تغيير خلق الله من تزيين الشيطان، ويدخل في ذلك خصاء بني آدم لأنه تغيير لخلق الله.
قال القرطبي: [وأما الخصاء في الآدمي فمصيبة فإنه إذا خصي بطل قلبه وقوته عكس الحيوان، وانقطع نسله المأمور به، ثم هذه مثلة – أي تنكيل – وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة] تفسير القرطبي 5/391.
وروى البخاري ومسلم عن إسماعيل بن قيس قال: قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك). وفتاوى المجامع الفقهية تؤيد التحريم. البخاري جـ5 ص1953 رقم 4784، مسلم جـ2 ص1022.


ثانياً: الوسائل العلاجية المؤقتة:


- العزل وسيلة مؤقتة لمنع الحمل:

من الوسائل العلاجية المؤقتة المعروفة لكل الشعوب( العزل) وقد عرفه المسلمون منذ القديم.
والعزل هو: قذف الرجل ماءه خارج رحم زوجته أو أمته.رغبة منه في أن يطأها دون أن تحمل.
ويرى بعض الفقهاء تحريم ذلك، وهم فقهاء الظاهرية، ولهم أدلتهم.
لكن النصوص الشرعية الواضحة والثابتة تبيحه وهذا رأي عامة الفقهاء، ومن تلك الأدلة:

1ـ في الحديث المتفق عليه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن ينزل" البخاري جـ5 ص1998 مسلم جـ2 ص1065. أي: ولو كان هذا حراماً لنزلت في القرآن آية تحرمه، فلما لم يحدث دل على جوازه.

2ـ وجاء في موطأ مالك جـ2 ص595 أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا يُعزل عن الحرة إلا بإذنها"، وهذا معناه أن العزل عن الزوجة الحرة جائز إذا وافقت عليه.

3ـ وفي الحديث الذي أخرجه مسلم أن جابر بن عبدالله رضي الله عنه روى أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن عزل عن جارية لا يريد لها أن تحمل، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها" مسلم جـ2 ص1064 رقم 134.
هذه الإباحة قيدها بعض الفقهاء وأطلقها آخرون، ومجمل مذاهبهم على النحو التالي:

ـ يرى الإمام الغزالي أن الولد حق للوالد وحده.. ولذلك فالعزل عنده مباح.

ـ يرى الأحناف أن الولد حق للوالدين معاً وعندهم أن منع الحمل بالعزل مباح شريطة أن توافق الزوجة.

ـ يرى الشافعية والحنابلة والجمهور من المذاهب الأخرى أن في الولد حقاً مشتركاً بين الأُمّة والوالدين، ولكن حق الوالدين أقوى، ومن ثم فمنع الحمل مكروه نظراً لحق الأمة فيه.

ـ يرى بعض علماء الظاهرية كأبي حيان وابن حزم أن الولد حق مشترك بين الوالدين والأمّة، إلا أن حق الأمة فيه أقوى من حق الوالدين، فهم يرون حرمة العزل.
والفقهاء المعاصرون يميلون إلى الجواز بشرط رضى الزوجة، وهو ما عليه المجامع الفقهية، وما أيده الدكتور البوطي في كتابه (تحديد النسل)، والدكتور الزحيلي في كتابه (الفقه الإسلامي وأدلته 3/555).


* الحبوب، الإبر، اللولب. وسائل مؤقتة:


وقاس الفقهاء الوسائل العصرية الحديثة (حبوب- إبر- لولب) على العزل، فكان الحكم واحداً.
ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (1) بشأن تنظيم النسل (إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1-6 جمادى الآخر 1409 هـ الموافق 10-15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م، بعد إطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (تنظيم النسل) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله. وبناء على أن من مقاصد الزوج في الشريعة الإسلامية الإنجاب والحفاظ على النوع الإنساني، وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد، لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل والحفاظ عليه والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع براعيتها.قرر ما يلي:

أولاً: لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب.

ثانياً: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة،
وهو ما يعرف بـ(الإعقام) أو (التعقيم)، ما لم تدعُ إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية.

ثالثاً: يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمن، إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعاً، بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وأن لا يكون فيها عدوان على حمل قائم. والله أعلم. انظر: مجلة المجمع الفقهي العدد 4، 1/73.


*- هل تربية الأولاد أو الخوف من كثرة مصاريفهم يُجيز تنظيم النسل داخل الأسرة؟


ـ قيل لحكيم بن حزام رضي الله عنه: ما المال يا أبا خالد؟ فقال: قلة العيال (المستدرك على الصحيحين 3/549).
ـ قال سعيد بن المسيب: قلة العيال أحد اليُسْرَيْنِ. (سير أعلام النبلاء 4/ 242).
ـ الإمام الغزالي يعبر عن هذا السبب (سبب العزل) في الإحياء بقوله: " الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد، والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب، ودخول مداخل السوء، فإن قلة الحرج معينة على الدين ".
ـ ويقول البجيرمي من الشافعية: وأما ما يبطئ الحبل مدة، ولا يقطعه من أصله فلا يحرم، كما هو ظاهر، بل إن كان لعذر كتربية ولد لم يكره أيضاً .
ـ وهذا عمرو بن العاص فاتح مصر يقول لأهلها: " يا معشر الناس: إياكم وخلالاً أربعاً، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلة بعد العزة؛ إياكم وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل بعد القال من غير إدراك ولا نوال" تاريخ دمشق جـ46 ص163.
ويقول الإمام أبو حنيفة في وصيته لتلميذه الأكبر أبي يوسف: ولا تتزوج إلا بعد أن تعلم أنك تقدر على القيام بجميع حوائج المرأة، ... واشتغل بالعلم في عنفوان شبابك ووقت فراغك وفراغ قلبك وخاطرك، ثم اشتغل بالمال ليجتمع عندك، فإن كثرة الولد والعيال تشوش البال، فإن جمعت المال فاشتغل بالتزوج.
ـ ويفسر الإمام الشافعي قوله تعالى: " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا" النساء(3)، فيقول: "ذلك أقرب ألا تكثر عيالكم". مما يدل على أن قلة العيال أولى.
يقول ابن عابدين: "يجوز للمرأة سد فم رحمها" (ابن عابدين، 2/ 389).


*- من مقاصد الشريعة الذرية السليمة الصالحة المفيدة للمجتمع:


يوجهنا القرآن الكريم إلى أن تكون الذرية طيبة صالحة نافعة منتفعة. فزكريا عليه السلام تتقدم به السن، وامرأته عاقر، فيدعو الله أن يمن عليه بذرية صالحة طيبة: " هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبّـهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ " آل عمران(38). و عباد الرحمن يدعون ربهم: " هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً " الفرقان(74)، وقرة الأعين معناها هدوؤها واطمئنانها، وهو كناية عن سرورها وسعادتها، وإنما تكون الذرية سبباً للسعادة والمسرة إذا كانت سليمة قوية سعيدة نافعة.

وهناك مفهوم خاطئ علق في أذهان الكثيرين واعتقدوا به، وهو ظنهم أن كثرة الذرية وحدها علامة على الرضى الإلهي والخير والبركة. وليس على ذلك دليل عقلي أو نقلي، لأن الكثرة العددية تقع للصالحين والطالحين، وللمؤمنين والكافرين، بل إن المؤمنين قلة بالنسبة إلى الكافرين. ولو تتبعنا مادة "الكثرة" ومادة "القلة" في القرآن الكريم لوجدناه لا يمدح الكثرة لمجرد أنها كثرة، ولا يذم القلة لمجرد أنها قلة.


بل على العكس، فإن القرآن يندد بالكثرة الطالحة وينوه بالقلة الصالحة، فيقول: " كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ " البقرة (249). ويقول: " قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ " المائدة (100). ونرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يندد بالكثرة الضعيفة: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم حينئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل" أخرجه أبو داود.جـ2 ص514.

ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد على الترغيب في الزواج فيقول: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة – أي القدرة على الزواج وتبعاته – فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" أي علاج ووقاية، أخرجه مسلم.جـ2ص1018 ويقول عمر رضي الله عنه: "لا يمنع من الزواج إلا عجز أو فجور". وقد يمكننا أن نتساءل: ألا نستطيع أن نقيس هنا فنقول: إذا كان قد حَسُن شرعاً التوجيه إلى ترك الزواج حتى تتحقق القدرة على تبعاته، فلِمَ لا يحسن التوجيه في أمر الذرية، قلة أو كثرة حتى تكون في نطاق القدرة والقوة؟.


* ملاحظات على موضوع التنظيم:


ـ ربما يكون التنظيم تقليلاً للذرية في بعض الأزمنة، كما قد يكون تكثيراً لها وإطلاقا لمسيرتها في أزمنة أخرى، فلا شك أن كثرة النسل أو قلَّته، ليست وضعاً ثابتاً جامداً، بل يتبدل حسب الظروف والأوضاع، ويتغير تبعاً للأحوال.
ومن هنا نقول: إن تنظيم الأسرة أمر نسبي، لا يمكن أن يخضع لقانون ثابت موحد، وهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصلحة، التي عدها الفقهاء مصدراً من مصادر التشريع في الفقه الإسلامي.


ـ علينا التسليم أيضاً بأن حب الذرية أمر فطري، لن تقهره عقبات مصطنعة موضوعة في طريقه، فوجود الذرية بين البشر أمر لا بد منه.


ـ ينبغي أن ينهض تنظيم الأسرة على أساس أنه عمل وقائي يسبق الحمل، ولا يقضي على الحمل بعد وجوده، وخاصة بعد نفخ الروح فيه.


ـ تقليل عدد الذرية ليس الطريقة الوحيدة لمعالجة التضخم السكاني، فهناك طرق ووسائل أخرى: مضاعفة الإنتاج، وتطوير الزراعة، واستغلال كل ما يمكن استغلاله لإسعاد بني الإنسان.


ـ طرفة: يقال: إن الصين تلد سنويا مصر (70 مليون)!، ومصر تلد سنويا الكويت أو حلب (مليونان)!


* من أهم مراجع البحث:

1ـ تحديد النسل للدكتور: محمد سعيد رمضان البوطي.
2ـ فتاوى المجامع الفقهية على شبكة الإنترنت
3ـ حلقة (تحديد النسل وتنظيمه) في قناة الجزيرة بـرنامـج (الشـريعة والحيـاة مع الدكتور يوسف القرضاوي 3/8/1999م. من موقع قناة الجزيرة على شبكة الإنترنت).

والله وليّ التوفيق,,,,

 

 

 

إعداد الشيخ: طيب محمد طاهر حلاق
المراجعة العلمية: الشيخ عبدالله نجيب سالم
الثلاثاء/20من محرّم/1426هـ 1/ 3/ 2005م