آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    التزكية والأخلاق   مقالات وأبحاث
الرحمة



مرات القراءة:4219    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 الرحمة

 

بقلم : مصطفى لطفي المنفلوطي

 

سأكون في هذه المرة شاعراً بلا قافية ولابحر ، لأني أريد أن أخاطب القلب وجهاً لوجه ، ولاسبيل إلى ذلك إلا سبيل الشعر .

إن البذور تلقى في الأرض فلا تنبت إلا إذا حرث الحارث تربتها ، وجعل عاليها سافلها ، كذلك القلب لاتبلغ منه العظة إلا إذا داخلته ، وتخللت أجزاءه وبلغت سويداءه ، ولامحراث للقلب غير الشعر .

أيها الرجل السعيد : كن رحيماً ، أشعر قلبك الرحمة ، ليكن قلبك الرحمة بعينها .

ستقول : إني غير سعيد لأن بين جنبي قلباً يلم به من الهم مايلم بغيره من القلوب ،أجل ، فليكن ذلك كذلك ، ولكن أطعم الجائع وأكس العاري وعز المحزون وفرج كربة المكروب ، يكن لك من هذا المجموع البائس خير عزاء يعزّيك عن همومك وأحزانك ، ولاتعجب أن يأتيك النور من سواد الحلك ، فالبدر لايطلع إلا إذا شق رداء الليل ، والفجر لايدرج إلا من مهد الظلام .

لقد بليت اللذات كلها .. ورثت حبالها .. وأصبحت أثقل على النفس من الحديث المعاد .. ولم يبق مايعزي الإنسان عنها إلا لذة واحدة : هي لذة الإحسان .

إن منظر الشاكر منظر جميل جذاب .. ونغمة ثنائه وحمده أوقع في النفس من العود في هزجه ورمله وأعذب من نغمات معبد في الثقيل الأول .

أحسن إلى الفقراء والبائسين ، وأعدك وعداً صادقاً أنك ستمر في بعض لياليك على بعض الأحياء الخاملة فتسمع من يحدث جاره عنك من حيث لايعلم بمكانك ، إنك أكرم مخلوق ، وأشرف إنسان ، ثم يعقب الثناء عليك بالدعاء لك أن يجزيك خيراً بما فعلت .. فيدعو صاحبه بدعائه ، ويرجو برجائه .. وهنالك تجد من سرور النفس وحبورها بها الذكر الجميل في هذه البيئة الخاملة : مايجده الصالحون إذا ذكروا في الملأ الأعلى .

ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفؤود فتبتسم سروراً ببكائك .. واغتباطاً بدموعك ، لأن الدموع التي تنحدر على خديك في هذا الموقف إنما هي سطور من نور .. تسجل لك في تلك الصحيفة : إنك إنسان .

إن السماء تبكي بدموع الغمام .. ويخفق قلبها بلمعان البرق .. وتصرخ بهدير الرعد ، وإن الأرض تئن بحفيف الريح .. وتضج بأمواج البحر ، ومابكاء السماء ولاأنين الأرض إلا رحمة بالإنسان .. ونحن أبناء الطبيعة فلنجارها في بكائها وأنينها .

إن اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تريق الدماء ، والتي تشرح الصدور أشرف من التي تبقر البطون ، فالمحسن أفضل من القائد وأشرف من المجاهد ، وكم بين من يحيي الميت ومن يميت الحي.

إن الرحمة كلمة صغيرة .. ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل مابين الشمس في منظرها والشمس في حقيقتها .

وإذا وجد الحكيم بين جوانح الإنسان ضالته من القلب الرحيم .. وجد المجتمع ضالته من السعادة والهناء.  

لو تراحم الناس ماكان بينهم جائع ولا عار ولا مغبون ولا مهضوم ..ولأقفرت الجفون من المدامع ..ولاطمأنت الجنوب في المضاجع... ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام

لم يخلق الله الإنسان ليقتر عليه رزقه، ولم يقذف به في هذا المجتمع ليموت فيه جوعاً .. بـل أرادت حكـمـتــه أن يخـلقــه ويخـلق لـه فـوق بـساط الأرض وتحـت ظـلال السـماء مـا يكـفـيـه مـئونته، ويـسد حاجـتــه .. ولكن سـلـبـه الـرحمــة فـبغـى بعـضـه على بعـض وغـدر القـوي بالضـعـيف واحـتـجن دونـه رزقــه .. فـتـغــير نـظـام القـسمـة الـعـادلـة ..وتـشـوه وجـههـا الجمـيـل .. ولـو كان للـرحمـة سـبـيـل إلى الـقـلـوب لما كان للـشقاء اليها ســبـيل.

الفرد هو المجتمع ، وإنما يتعدَّد بتعدَّد الصور ، أتدري متى يكون الإنسان إنساناً؟ متى عرف هذه الحقيقة حق المعرفة وأشعرَها نفسه, فخفق قلبه لخفقان القلوب وسكن لسكونها ، فإذا انقطع ذلك السلك الكهربائي بينه وبينها, انفرد عنها واستوحش من نفسه, وإذا كان الأنس مأخذ الإنسان المجتمع, فالوحشة مأخذ الوحش المنقطع.

وجماع القول انه لا يمكن أن تجتمع رحمة الرحماء وشقوة الأشقياء في مكان واحد إلا إذا أمكن أن يجتمع في بقعة واحدة الملك الرحيم والشيطان الرجيم.

إن من الناس من تكون عنده المعونة الصالحة للبر والإحسان فلا يفعل..فإذا مشى مشى مندفعاً مندلثاً لايلوي على شيء مما حوله من المناظر المؤثرة المحزنة ، وإذا وقع نظره على بائس لا يكون نصيبه منه إلا الإغراق في الضحك سخرية به وببذاءة ثوبه ودمامة خلقه ، وإن من الناس من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف كيف يحتلب درتهم ويمتص دماءهم، ولا يعاملهم إلا كما يعامل شويهاته وبقراته.. لا يطعمها ولا يسقيها إلا لما يترقب من الربح في الإتجار بألبانها وأصوافها.. ولو استطاع أن يهدم بيتاً ليربح حجراً لفعل.. وإن من الناس لا حديث له إلا الدينار وأين مستقره وكيف الطريق إليه وما السبيل إلى حبسه والوقوف في وجهه والحيطة لفراره.. يبيت ليله حزيناً كئيباً لأن خزانته ينقصها درهم كان يتخيل في يقظته أو يحلم في منامه أنه سيأتيه فلم يقيض له، وإن من الناس من يؤذي الناس لا يجلب لنفسه بذلك منفعة أو يدفع عنها مضرة، بل لأنه شرير يدفعه طبعه إلى ما لا يعرف وجهه أو ليضري نفسه بالأذى مخافة أن ينساه عند الحاجة إليه.. حتى لو لم يبق في العالم شخص غيره لكانت نفسه مدب عقاربه وغرض سهامه.. وإن من الناس من إذا كشف لك عن أنيابه رأيت الدم الأحمر يترقرق فيها، أو عن أظافره رأيت تحتها مخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية، أو عن قلبه رأيت حجراً صلداً من أحجار الغرانيت لا يبض  بقطرة من الرحمة.. ولا تخلص إليه نسمة من العظة.

فيا أيها الإنسان احذر الحذر كله أن تكون واحداً من هؤلاء فإنهم سباع مفترسة وذئاب ضارية.. بل أعظك أن لا تدنو من واحد منه أو تعترض طريقه.. فربما بدا له أن يأكلك غير حافل بك.. ولا آسف عليك.

أيها الإنسان. ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع غزار، ارحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها فتؤثر الموت على الحياة.

ارحم المرأة الساقطة لا تزين لها خلالها ولا تشتر منها عرضها علّها تعجز عن أن تجد مساوماً يساومها فيه فتعود به سالماً إلى كسر بيتها.

أرحم الزوجة أم ولدك وقعيدة بيتك ومرآة نفسك وخادمة فراشك لأنها ضعيفة، ولأن الله قد وكل أمرها إليك، وما كان لك أن تكذب ثقته بك.

ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه فإنك إلا تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين.

ارحم الجاهل لا تتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل والظلم، ولا تتخذ عقله متجراً تربح فيه ليكون من الخاسرين.

ارحم الحيوان لأنه يحس كما تحس ويتألم كما تتألم ويبكي بغير دموع، ويتوجع ولا يكاد يبين.. ارحمه وكذب من يقول: إن الإنسان طبع على ضرائب لؤم، أقلها أنه يقبل يد ضاربه ويضرب من لا يمد إليه يداً.

ارحم الطير لا تحبسها في أقفاصها ودعها تهيم في فضائها حيث تشاء، وتقع حيث يطيب لها التغريد والتنقير، إن الله وهبها فضاء لا نهاية له فلا تغتصبها حقها فتضعها في محبس لا يسع مد جناحها؛ أطلق سبيلها وأطلق سمعك وبصرك وراءها لتسمع تغريدها فوق الأشجار، وفي الغابات، وعلى شواطئ الأنهار. وترى منظرها وهي طائرة في جو السماء، فيخيل إليك أنها أجمل من منظر الفلك الدائر والكوكب السيار.

أيها السعداء. أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.