آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    الكلتاوية:تاريخهاوفكرها    لمحة عن الكلتاوية
ذاكرة الأيام...بناء الكلتاوية



مرات القراءة:2492    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 ذاكرة الأيام...بناء الكلتاوية

بقلم الدكتور محمد فاروق النبهان

مازلت أذكر وأنا صغير السن بناء الكلتاوية..في صباح كل يوم جمعة , عشرات الرجال هم رموز محترمة في مجتمعهم , منهم تجار وعلماء وأسماء لامعة في حلب كانوا يصلون تباعاً إلى الكلتاوية القديمة ، وكل فرد منهم يحمل بيده ثوب عمال البناء بلون خاكي موحد , يرتديه فور وصوله ويعمل الجميع عمال بناء يحملون الحجارة من قبو النجارين إلى ظهر المسجد ..منظر مازلت أذكره وكلهم يعمل بهمة وكأنه في رحلة جميلة ويهزجون بأناشيد جميلة..كان العرق يتصبب منهم..بعضهم لم يحمل محفظته الشخصية وهو في الكلتاوية يحمل الحجارة والاسمنت والتراب..

كان السيد النبهان واحداً منهم يحمل ما يحملون.. ويداعبهم ويحمل عمن رآه مرهقاً فيطلب منه أن يرتاح ويأبى إلا أن يكون مع إخوانه..إنهم يرون الكلتاوية الجديدة.. إنهم يحلمون بها لأنفسهم ولأولادهم ولأحفادهم..في منتصف النهار يتوقف الجميع وتمد الموائد المتواضعة..الطبق الرئيس فيها هو المجدرة والسلطة واللبن ولاشيء آخر..

ما أروع ماكنت أراه في الملامح من شعور بالسعادة ..إنهم يبنون بيتاً من بيوت الله .. ( بيت الله ) من لايسابق في وضع حجر من أحجاره .؟!. الكلتاوية الجديدة هي لورثة أولئك الرجال من أبناء وأحفاد.. إنهم يرون صورة أجدادهم فيها.. ويستمر العمل بعد الغداء إلى المساء من غير شعور بالتعب..أكثر من مائة رجل يعملون , ليس المهم أن يروا العمال يعملون ولكن المهم أنهم هم الذين يبنون لكي تظل الكلتاوية ذات رسالة إسلامية وتربوية ..هي لكل حلب ولكل ريف حلب.. إنه منهج تربوي وسلوكي .. ليس في الكلتاوية كبير أو صغير وليس فيها غني أو فقير ..كلهم في بيت الله سواء.. رفض الشيخ النبهان أن يقبل إسهاماً من الدولة في البناء..قال لهم: من أحب الكلتاوية هو الذي سيبنيها بيده..

كلما ذهبت إلى الكلتاوية رأيت صورة ذلك المشهد من الرجال الأشداء الأقوياء في إيمانهم الذين ساهموا بيدهم في بناء الكلتاوية..

إنني اليوم لا أخاف على الكلتاوية لأن مكانها في قلوب المحبين لها حيث كانوا, وفي أي مكان سكنوا ,إنهم يأتون إلى الكلتاوية بمشقة هم سعداء في رحلتهم إلى المكان الذي تركوا فيه أجمل ذكرياتهم الروحية..