آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    همس القوافـــي   أشعار منوعة
الإسراء والمعراج في شعر أمير الشعراء أحمد شوقي



مرات القراءة:36915    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 الإسراء والمعراج في شعر أمير الشعراء أحمد شوقي

 

كتابة: إبراهيم الحمدو العمر

 

 

ولد أحمد شوقي وأبصر النور في قصر الخديوي إسماعيل في القاهرة، في (16) أكتوبر سنة (1868 م ).

وهذه الحقبة الزمنية هي الحقبة التي نهض فيها الشعر من كبوته وركوده، وانخلع من ربقة الشعر التقليدي، وألوان البديع التي كان مثقلا بها، وكانت تشوه جماله وحسنه، وكان أشهر من ابتدأ بالتجديد الشعري في تلك الحقبة الشاعران الكبيران محمود سامي البارودي (توفي سنة 1904 م) وإسماعيل صبري باشا(توفي سنة 1923)،  وهو غير الشاعر إسماعيل صبري أبو أميمة (توفي سنة 1953م ).

وقد أشرف الخديوي على تعليمه في مصر، ثم أرسله إلى فرنسا ليتم فيها تعليمه  فحصل على شهادة الحقوق.

و كان شوقي يكتب بعض القصائد في مديح الخديوي ومن هنا ابتدأت شاعريته، ومما أسهم في بناء شخصيته الشعرية أنه جاء بعد مجدد الشعر محمود سامي البارودي ملك إمبراطورية الشعر الحديثة المشيدة على أطلال فترة الركود الشعري، ونهل من شعره،  ورشف من ضربه؛ ليسهم شوقي في تمهيد الطريق  بتجربته الشخصية أمام الشعراء المعاصرين في تطوير الشعر العربي؛ بل ليكون أميرهم المقدم، وذلك أنه في السنة التي تم فيها إعادة طبع الشوقيات، وهي سنة (1927) بايعه الشعراء بإمارة الشعر، وعلى رأسهم حافظ إبراهيم، وخليل مطران، وغيرهم، وألقى حافظ قصيدة يهنئ فيها شوقي  يومها وقال فيها :

أمير القوافي قد أتيت مبايعا ... وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

تسلم شوقي زعامة الشعر، وكانت له تلك الروح الوثابة التي تجعله لا يستقر على حال،

وكانت هموم الأمة تقلقه، فما من نبأة تحصل في أرجاء الوطن الفسيح إلا ويبادر شوقي مهنئا، أو راثيا، أو باكيا، أو ناصحا؛ ليصبح صوت الأمة التي ينبض شعره بإحساسها وهمومها.

 

                                   شوقي ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم

كما تكون الواحة الخضراء الوارفة، سقاها غيث عميم؛ فتندى ظلها وبردتها قطرات الطل،  تقي الضاحين لفحة الرمضاء، وتحنو عليهم وسط الصحراء المحرقة، كذلك هي المدائح النبوية في ديوان الشاعر، ظل ظليل تفيء إليه الروح الظامئة من نكد الحياة المضني فتستروح منه عبق الأنس، وروح الإسلام،  ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان شعر شوقي غنيا بهذه الواحات، وكانت قوافيه ناطقة بالحب، وكانت بحوره فيضا من العشق النبوي، وكانت حروفه عليها أثر الهيام من الوجد،وبتواضع المحب العاشق يقترب من ساحة محبوبه، ويخاطبه بأدب يليق بجلاله وعظمته، وكأنني بشوقي يتمثل قوله تعالى: (ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم ) فتتواضع حروفه لتلك العظمة النبوية وهو يقول  :

أبا الزهراء قد جاوزت قدري ... بمدحك بيد أن لي انتسابا

فما عرف البلاغة ذو بيان ...إذا لم يتخذك له كتابا

مدحت المالكين فزدت قدرا ... وحين مدحتك اقتدت السحابا

فمديح النبي صلى الله عليه وسلم هو الغاية العظمى التي ترفع قدره، وتعلي مكانته، وهذا شعور المحب دائما، كيف لا؟  ويوم مولده هو الذي يتيه به الزمان :

يوم يتيه على الزمان صباحه    ومساؤه بمحمد وضاء

كيف لا ! وأخلاقه صلى الله عليه وسلم لا يرضي العلياء سواها :

يا من له الأخلاق ما تهوى العلا         منها وما يتعشق الكبراء

زانتك في الخلق العظيم شمائل   يغرى بهن ويولع الكرماء

ويطول المقام لو أردنا أن نستعرض محبة النبي صلى الله عليه وسلم في شعر شوقي،  وهي منثورة في عامة شعره تنطق بها (ريم على القاع بين البان والعلم ...)

وينبيك عنها ( ولد الهدى فالكائنات ضياء ...) و ( سلوا قلبي غداة سلا وثابا )

وغيرها الكثير الكثير ....

 

                       الإسراء والمعراج في شعر شوقي

لم يكد شوقي يترك حادثة من حوادث السيرة أو فريضة من فرائض الإسلام دون إشارة إليها، أو إسهاب في تفصيلها، بل كان في كثير من قصائده ربما يشتمل على معنى نبوي، أو إلماح إلى خلق، أو إيماء إلى قصة، فالنبي صلى الله عليه وسلم :

هاجر من أم القرى مأذونا      وما درى أو سمع المؤذونا

في ليلة للختل كانت موعدا    قد نصبتها شركا أيدي العدا

وسار في ركابه الصديق        وفي البلاء يعرف الصديق

ويتكلم عن شهر رمضان،والصلاة حيث يسعى المسلمون خفافا إلى الداعي سراعا ويتشوف إلى أرض الله الطاهرة حيث الملائك تزف الرحمات :

على كل أفق في الحجاز ملائك .. تزف تحيايا الله والبركات

 و يدعو إلى فريضة الزكاة وإلى تمثل معاني الرحمة فيها، وإشفاق الغني على الفقير، ذاما الشح والبخل، مشدداعلى البذل والعطاء،

وتلفيهم حيال المال صما ...إذا داعي الزكاة بهم اهابا

لقد كتموا نصيب الله منه ..كأن الله لم يحص النصابا

ومن يعدل بحب الله شيئا ...كحب المال ضل هوى وخابا

أراد الله بالفقراء براً ...وبالأيتام حباً وارتبابا

 ناهيك عن كلامه في المولد والغزوات وغيرها، مما تجده أكثر ما تجده في (الهمزية) و(نهج البردة) و(سلوا قلبي) و(إلى عرفات الله .. )   مما يدل على نضج في فكر شوقي الاجتماعي قلما تجده عند غيره من الشعراء، كل ذلك بفكر شعري متألق، ومعاني يشع منها روح الطهر، وشعور قريب من الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم، وكان للإسراء والمعراج صفحات كثيرة من ديوانه، أفرد لها مساحة واسعة تألقت فيها شاعريته وشعوره، وتناولها في أعظم قصيدتين له وهما الهمزية والميمية، وسمت موهبة شوقي، وشفت روحه، وأطلق العنان لخياله يتلمس أسرار الإسراء والمعراج، ويستشرف معانيهما، وبما يليق بسمو مكانة المسرى به في هذه المعجزة التي تعدت الحدود الزمانية والمكانية و اخترقت نواميسهما يقول :

يا أيها المسرى به ليلا إلى        ما لاتنال الشمس والجوزاء.

إنها رحلة إلى ما لاتنال الشمس والجوزاء، فهل يتقبل أولئك الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم مثل هذه المعجزة الكبرى؟ وكيف يؤمنون بها؟ وهم الذي يضربون أكباد الإبل شهر ذهابا وشهرا إيابا إلى بيت المقدس، بل كيف يصدق الماديون مثل هذا الاختراق إلى ما وراء الطبيعة؟ لذلك كثرت التساؤلات، هل كان الإسراء بالروح؟ أم بالجسد؟ أم بهما معا؟ وتفتتح عبقرية شوقي حديث الإسراء بهذا التساؤل، وتحليله، والجواب عليه،

ولكنه سؤال ليس على حقيقته، إنما هو سؤال استنكار واستغراب؛ ليحل هذا اللغز للمرتابين محلقا بعد ذلك في معاني الإسراء والمعراج :

يتساءلون وأنت أطهر هيكل             بالروح أو بالهيكل الإسراء؟

بهما سموت مطهرين كلاهما    نور وروحانية وبهاء.

فالإسراء بهما إذن، وكيف يستنكر ذلك مستنكر؟ والمسألة إنما هي منة من الله على حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، ومعجزة من خالق الكون القادر سبحانه، وفي إيجاز بليغ يرد على المرجفين والمتشككين في هذا المعجزة الكبرى :

فضل عليك لذي الجلال ومنةٌ          والله يفعل ما يرى ويشاء

تغشى الغيوب من العوالم كلما          طويت سماء قلدتك سماء

فمن سماء تحتف به إلى سماء ينتقل في تلك الغيوب، ليكون نورا مشعا في تلك العوالم البعيدة: 

في كل منطقة حواشي نورها   نون وأنت النقطة الزهراء

أنت الجمال بها وأنت المجتلى           والكف والمرآة والحسناء

إنه خيال شوقي الذي يختزل الجمال ومصدر الجمال ومرآته العاكسة في شخص محبوبه صلى الله عليه وسلم، وهو يخترق الغيوب كسهم نوراني ليستقر في النزل المهيأ له في حظيرة القدس :

الله هيأ من حظيرة قدسه       نزلا لذاتك لم يجزه علاء

ويستعرض في النهاية المكانة العلية، والمنزلة السنية التي وصل إليها النبي المختار عليه الصلاة والسلام، دون غيره من الأنبياء الكرام عليهم صلوات ربي وسلامه، (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) [النجم: 8 - 9].

العرش تحتك سدة وقوائما               ومناكب الروح الأمين وطاء

والرسل دون العرش لم يؤذن لهم       حاشا لغيرك موعد ولقاء

هذه هي الأبيات التي خصصها شوقي للإسراء والمعراج من همزيته، وأرى أنه مهد لذلك في مقدمة قصيدته، حيث ذكر الروح والملأ الأعلى والعرش وحظيرة القدس وسدرة المنتهى، وهذه هي مفردات الإسراء والمعراج،  ثم عاد ثانية ليذكر الحادثة مفصلة؛ ليكون ذلك من باب رد العجز على الصدر، كما يسمى في فنون البديع  في البلاغة :

ولد الهدى فالكائنات ضياء             .وفم الزمان تبسم وثناء

الروح والملأ الملائك حوله              للدين والدنيا به بشراء

والعرش يزهو والحظيرة تزدهي          والمنتهى والسدرة العصماء

وحديقة الفرقان ضاحكة الربا بالترجمان شذية غناء

والوحي يقطر سلسلا من سلسل       واللوح والقلم البديع رواء

هذا ما ذكره شوقي في همزيته عن هذه المعجزة،  فهل اكتفى بذلك ؟ لا؛ إنه لم يكتف، ولكنه خصص أبياتا كثيرة أخرى لهذه المعجزة في ميميته، ومن خلال قراءتي في أبياته جميعها أرى أن أكد على معنى المعراج في همزيته في إشارة إلى الإسراء ليتمم الكلام عن هذه المعجزة في ميميته وعن الإسراء ليلا إلى المسجد الأقصى إذ الملائكة والرسل ينتظرونه؛ ليلتفوا به كالشهب بالبدر أو كالجند في العلم، مستوحيا ذلك من قوله تعالى: ( سبحان الذي أسرى بعيده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ).

وأترك للقارئ التأمل في أبياته، مستحضرا عظمة المسرى به صلى الله عليه وسلم حتى تكتمل الصورة والروح :

أسـرى بك الله ليلا إذ ملائكه        والرسل في المسجد الأقصى على قـدم

لمـا خطرت به التفوا بسيدهم كالشهـب بالبدر أو كالجنـد بالعـلـم

صلـى وراءك منهم كل ذي خطر    ومـن يـفـز بحبيب الله يأتـمـم

جبـت السموات أو ما فوقهن بهم     على منورة دريــة الـلـجـم

ركوبه لـك من عز ومن شـرف    لا في الجياد ولا فـي الأينـق الرسـم

مشيئـة الخالق الباري وصنعـتـه    وقدرة الله فوق الـشـك والتـهـم

حتـى بلغـت سماء لا يطار لهـا      علـى جناح ولا يسعى علـى قـدم