آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    التزكية والأخلاق   مقالات وأبحاث
الجرجاني وعزة العلم



مرات القراءة:4905    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 الجرجاني وعزة العلم

 

بقلم الشيخ إبراهيم الحمدو العمر

 

هذه الأمة أمة الشعر، وهو مركوز في فطرتها، لاتدعه حتى تدع الإبل حنينها، ولها روائع متجددة فيه لايخلو منها زمن، والشعر يحلق بجناحين من عاطفة الوجدان ووثبات الخيال.

وتلك الرعشات التي تنبض بها حروفه وكلماته هي كهربة السحر التي تسري في أنابيب العاطفة، وكما ترتسم ألوان قوس قزح الفتانة على صفحة الأفق؛ كذلك ترتسم على صفحة النفس الشاعرة معاني الإحساس التي تشرق بها شاعرية الشاعر  حينما تطلع القصيدة في أفق  وجدانه، فترنو لها كوامن الأسرار كما يرنو إلى شعاع النور برعم الأزهار، وقد يحتوي الشعر على الحكمة والموعظة والفلسفة والنصيحة، ولكن ذلك لايطغى على وجدانيته حينما يمتلك الشاعر ناصية البيان وموهبة الشعر،كهذه القصيدة التي نحن بصددها وهي : (يقولون لي فيك انقباض) وقد  جمعت بين الحكمة والموعظة والوجدان، وقائلها هو قاضي القضاة في زمانه يعني أنه فقيه منشغل بقضايا الناس ونوازل الفقه وأدلته، وكثير من النقاد يجعل شعر الفقهاء في مرتبة دون الشعر، وهذا يدعونا للكلام عن شعر الفقهاء بعد ترجمة الشاعر

ترجمة القاضي الجرجاني

هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن الحسين بن علي بن إسماعيل، ولد بجرجان ونسب إليها، واختلف في سنة ولادته، ولعله يكون ولد سنة تسعين ومائتين، (290)، وذلك لأن ابن خلكان في وفيات الأعيان يقول: إنه توفي في سلخ صفر سنة ست وستين وثلاثمائة، (366) وعمره ست وسبعون سنة، وقيل غير ذلك في سنة وفاته،

قصد نيسابور وسمع من شيوخها وهي كمايقول ياقوت الحموي: (معدن الفضلاء ومنبع العلماء)، ثم مضى يجوب البلاد ليلقى العلماء ويأخذ عنهم حتى قال ياقوت: (إنه لقي مشايخ وقته وعلماء عصره)، فجمع فنون العلم وترك من المؤلفات مايدل على سعة ثقافته؛ حيث ألف في التفسير والتاريخ والفقه والنقد وله ديوان شعر ورسائل، وصل إلينا منها  كتاب (الوساطة بين المتنبي وخصوصه) وهو من أجل كتب النقد إلى يومنا هذا، تجلت فيه هيبة القاضي المخلص الذي يفصل بين الخصومات بأمانة، متكئاً على حجته البالغة، متحيزاً إلى الدليل الواضح، ناهلا من ثقافة لغوية واسعة،  بأسلوب يدل على تمكنه من ناصية البيان، فكان هذا الكتاب هدية القضاء للبلاغة والنقد، فمؤلفه كان فقيها بل كان قاضي القضاة في الري .

شعر الفقهاء

الشعر عاطفة جياشة، وشعور داخلي يتأجج به الوجدان، لايعرف فئة من الناس، ولعله يتنزل تنزلا  من عالم خاص على تلك القلوب المتألقة، وتختلف فيه مواهب الشعراء؛ فمنهم من تتألق موهبته فيجيد ومنهم يغلب عليه طابع الضعف، ومنهم من يجيد في ناحية خاصة ولايجيد في غيرها، ويحلو لكثير من النقاد أن يتهموا شعر الفقهاء بضعف العاطفة، ومنهم من يقول إن الفقهاء يركزون في كتابة قصائدهم على المعاني ولا يهتمون بالألفاظ، وربما عبروا عن الشعر الذي خفتت فيه العاطفة، وباخ شعاع نبضه بأنه كشعر الفقيه، ولو تتبع هؤلاء الحركة الشعرية واستقرؤوا مساهمات الفقهاء في مجال الشعر لارتد إليهم الطرف حسيراً،  على أن التأخر في موهبة الشعر سمة عامة أصابت كل فنون الشعر وتخلف اللاحقون عن سلفهم ولهذا أسبابه وليس هنا مكان تفصيله، ولكن لو أراد من يتهم الفقهاء بأنهم غلبت عليهم لغة الفقه في بعض الأحيان وهي لغة الحد والتعريف والشرط والركن التي لامجال لطيف الخيال فيها لكان هذا الكلام معقولا؛ على أنه ليس عاما عند جميع الفقهاء؛بل للفقهاء إسهاماتهم في هذا المجال، ولهم قصائد تجري على كل لسان، ولهم شعر تتغنى به الأطيار وتعبق بأريجه الأزهار وترقص له الأفكار لرقته وعذوبته، يطرب له الوجدان وتميل له الأبدان، وأي ذي موهبة لايتغنى بقول الفقيه عروة بن أذينة شيخ الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه :

إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها

فبك الذي زعمت بها وكلاكما ... يبدي لصاحبه الصبابة كلها

إلى أن يقول :

منعت تحيتها فقلت لصاحبي .. ما كان أكثرها لنا وأقلها

فدنا فقال : لعلها معذورة ... من أجل رِقبتها، فقلت : لعلها

وقف عند كلمة (لعلها ) وتأملها طويلا لتجد فن الصنعة وسحر الشعر والذوق الذي تهيم به له الأفكار، والقصيدة على سحرها أكاد أشعر أن كلمة( لعلها ) هي النفاثة في عقد هذا السحر،

وهذا الإمام الفقيه الشافعي أبو القاسم القشيري يقول :

لوكنت ساعة بيننا ما بيننا ... ورأيت كيف نكرر التوديعا

لعلمت أن من الدموع محدثا ... وعلمت أن من الحديث دموعا

وتأمل قوله (من الدموع محدثا .. ومن الحديث دموعا ) إنه معنى أمطرته سماء الشوق برقة العواطف فصفا كالغمام، وسرى كنسيم السحر،

والقاضي المالكي عبد الوهاب توفي سنة 422 هـ له من روائع الشعر ما يطول استعراضه واقرأ قوله في الحكمة :

متى يصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الركايا

ومن يثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا

وإن ترفع الوضعاء يوما ... على الرفعاء من إحدى الرزايا

إذا استوت الأسافل والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا

ومما تميز به الفقهاء أنهم أبدعوا في شعر المناجاة والزهد والحكمة والأخلاق وعلو الهمة وعزة النفس       ومن الشعر الفلسفي الذي يتناول مطالب النفس العليا ويتحدث عن الروح وعالمها الفسيح ومشكلة الوجود والحقيقة الأزلية وما إلى ذلك، ولو استعرضنا أشعارهم وفنونها لضاق المجال ولكن في هذا بلغة، ولاينبغي أن ينسى أحد أن القاضي الجرجاني أهدى للعربية كتاب ( الوساطة بين المتنبي وخصومه ) وهو هو في فن النقد الشعري وأن الشريف المرتضى (359- 406 ) ترك لنا كتاب (طيف الخيال ) والفقيه بن حزم (384 - 456 هـ )ترك لنا كتاب (طوق الحمامة ) والفقيه أبوبكرمحمد بن داود بن علي الفقيه الظاهري (255 - 297)  ترك لنا كتاب ( الزهرة ).

وإذا علمنا أن التمكن من اللغة بفنونها شرط لابد منه لتحصيل الملكة الفقهية والاجتهاد أدركنا أن الفقهاء هم أقرب إلى تذوق الشعر وفهمه ولكن انشغالهم بالأهم من علم الفقه الذي لايستغني عنه مسلم ربما يكون فسح المجال لغيرهم ليتقدم في فن هذه الصنعة، على أننا ينبغي أن نعترف أن كثيرا من فقهائنا الآن أهملوا الشعر واللغة وهذا لامبرر له أبدا .

يقولون لي فيك انقباض

هذه القصيدة أشهر ماعرف من شعر القاضي الجرجاني  على كثرة شعره المنثور في كتب الأدب وخصوصا في يتيمة الدهر للثعالبي  وهي مثال لعزة النفس عند الفقهاء وسمو شخصيتهم وعظم همتهم ونزاهتهم وقد بحثت طويلا لأجد السبب الذي من أجله أنشأ هذه القصيدة فلم أصل إلى غاية من ذلك، ولكن القصيدة تصوير دقيق لحياة القاضي الجرجاني، ولعلها إنما تعبر عما يجب أن يكون عليه الفقيه من عزة النفس التي تجعله منحازا بعرضه عن مهاترات الواقع الذي يخوض فيه الناس، فالعلم رهبانية مقدسة عند أهله،  يحتاج إلى هيبة تصونه، وسياج من الأخلاق يعلي مكانته، وعزة يرى الناس فيها حاجتهم للفقيه واستغناءه عنهم، قيل لبعض أهل البصرة: من سيدكم؟ قال الحسن، قال بم سادكم؟ قال: احتجنا لعلمه واستغنى عن دنيانا، وللجرجاني في هذا المعنى أشعار أخرى تعبر عن نفس عزيزة نادرة المثال كقوله :

ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت في وحدتي لكتبي جليسا

ليس عندي شيء ألذ من العلم ... فلا أبتغي سواه أنيسا

إنما الذل في مداخلة النا ... س فدعها وكن كريما رئيسا

ومنها قوله :

وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر

وبيني وبين المال بابان حرما ... علي الغنى؛ نفسي الأبية والدهر

       

إنها عزة العلم ولعل أحد أصدقاء القاضي اعترض عليه بسبب هذه العزلة فأراد أن يبين له أن هذه العزلة هي إحجام عن موقف الذل على أبواب الناس لأن في مداناتهم هوان وإنك إن عززت نفسك عززت وإن أهنتها أُهنت ، والعاقل لايستفزه أي ورد ولايرضيه إكرام أي إنسان بل ينحاز بعرضه مخافة قول الناس:

وَمَا زِلْتُ مُنْحَازَاً بِعِرْضِيَ جَانِبَاً ... مِنَ الذَّمِّ أَعْتَدُّ الصِّيَانَةَ مَغْنَمَا

إذا قِيْلَ: هذا مَشْربٌ قُلْتُ: قَدْ أَرَى ... ولَكِنَّ نَفْسَ الحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّمـَا

أُنَهْنِهُهَا عن بَعض ما لا يَشِينُهَا... مَخَافَةَ أَقْوَالِ العِدَا فيمَا أو لِمَا

فَأُصْبِحُ مِنْ عَتْبِ اللَّئِيمِ مُسَلَّماً ...وقَدْ رُحْتُ مِن نَفَسِ الكَريمِ مُعَظَّمَا

فَأُقْسِمُ مَا غُرَّ امْرُؤٌ حُسِّنَتْ لَهُ... مُسَامَرَةُ الأَطْمَاعِ إنْ بَاتَ مُعْدِمَا

يَقولونَ: ليْ فيْكَ انْقِبَاضٌ وإنَّمَا ... رَأَوا رَجُلاً عنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ مُحْجِمَا

أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَهُمُ هَانَ عِنْدَهُمْ ... ومَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا

ثم يبين أن من حق العلم أن يترفع صاحبه عن الطمع المردي وأن يكون ساميا بهمته عن خدمة المخلوق فلايليق أن يشقى به غارسا ثم يجني الذل لما نضج وطاب فلو كانت هذه الغاية فأولى أن يبقى على جهله:

ولَمْ أَقْضِ حَقَّ العِلْمِ إِنْ كَانَ كُلَّمَا ... بَدَا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لِيَ سُـلَّمَا

ولمْ أَبْتَذِلْ في خِدْمَةِ العِلْمِ مُهْجَتِيْ ... لِأَخْدِمَ مَنْ لَاقَيْتُ لَكِنْ لِأُخْدَمَا

أَأَشْقَى بِهِ غَرْسَاً وأَجْنِيْهِ ذِلَّةً ... إِذَنْ فَاتِّبَاعُ الجَهْلِ قَدْ كَانَ أَسْلَمَا

ثم يعرج رحمه الله على معنى عزيز جدا إذا أهمله أهل العلم ضاع علمهم وأذلتهم أطماه الدنيا وهو صيانة هذا العلم فإن العلم يحتاج إلى رهبانية العلماء الذي يجدون فيه لذة تغنيهم عن كل لذة كمايقول الإمام الزمخشري رحمه الله :

سهري لتنقيح العلوم ألذ لي *** من وصل غانية وطيب عناق

وتمايلي طربا لحل عويصة *** أشهى وأحلى من مدامة ساقي

وصرير أقلامي على أوراقها *** أحلى من الدوكاء والعشاق

وألذ من نقر الفتاة لدفها *** نقري لألقي الرمل عن أوراقي

أأبيت سهران الدجى وتبيته *** نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي

إنها لذة العلم ورهبانيته وبهذه القداسة المصحوبة بصيانة كرامة العلم تسمو العلوم وترتقي:

ولَوْ أنَّ أَهْلَ العِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُم ...  ولَوْ عَظَّمُوهُ فِيْ النُّفُوسِ لعُظِّمـَا

ولَكِنْ أَذَالُوهُ فَهَانَ ودَنَّسـُوا ... مَحَيَّاهُ بالأَطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَـا

ولعل هذين البيتين هما واسطة العقد وسفيرة الجمال في هذه القصيدة البديعة، على مرارة نجدها حينما نقرؤهما وحزة في النفس نجدها حينما نتلفت يمينا وشمالاً في أوساط العلماء، إنها تصوير دقيق لواقع مرير أحيانا ولكن العلم لايعدم من يصونه ويحفظ عليه كرامته:

فِإنْ قُلْتَ جَدُّ العِلْمِ كَابٍ فِإنَّمَا ... كَبَا حِيْنَ لَمْ يُحْرَسْ حِمَاهُ وأُسْلِمَا

ثم يصور القاضي رحمه الله نفسا هي نمط فريد من النفوس قل نظيرها لاتستخفها الأطماع وهي أعز من أن تلقى بالمديح مذمما، أو تبيت نادمة على أمر فات ومن طلب من هذه النفس أن تكون رقيقة مستعبدة فإنه يطلب أمرا مستحيل المنال وأي شيء يضطرني للاستعباد وهذه الأرض واسعة بنجادها وتهومها، ولايزال العاقل يضرب في طولها وعرضها حتى يرى مالايغص بذكره إن قيل إنه أنعم عليه:

وإنِّيْ إِذَا مَا فَاتَنِيْ الأَمْرُ لَمْ أَبِتْ...  أُقَلِّبْ كَفِّيْ إِثْرَهُ مُتَذَمِّـمَا

ولَكِنَّهُ إِنْ جَاءَ عَفْوَاً قَبِلْتُهُ ... وإنْ مَالَ لَمْ أُتْبِعْهُ هَلَّا ولَيْتَــــمَـا

وأَقْبِضُ خَطْوِيْ عَنْ حُظُوْظٍ كَثِيْرَةٍ ... إذَا لَمْ أَنَلْهَا وَافِرَ العِرْضِ مُكْرَمَــا

وأُكْرِمُ نَفْسِيْ أَنْ أُضَاحِكَ عَابِسَاً ... وأَنْ أَتْلَقَّى بالمَدِيْحِ مُذمَّمَا

وكَمْ طَالِب ٍ رِقِّيْ بِنُعْمَاهُ لَمْ يَصِلْ ... إليْهِ وإنْ كَانَ الرَّئيْسَ المُعَظَّمَــا

ومَا كُلُّ بَرقٍ لاحَ لِيْ يَسْـتَفِزُّنِــيْ ... وما كُلُّ [مَا فِيْ] الأَرْضِ أَرْضَاهُ مُنْعِمَا

ولكِنْ إذا مَا اضْطَرَّنِيْ الأَمْرُ لَمْ أَزَلْ... أُقَلِّبُ فِكْرِيْ مُنْجِدَاً ثُمَّ مُتْهِمَــا

إلى أَنْ أَرَى مَنْ لا أَغَصُّ بِذِكْرِهِ...  إذا قُلْتُ قَدْ أَسْدَى إليَّ وأَنْعَمَـــا

هذه هي قصيدة الجرجاني البديعية التي يصور فيها نفسية رجل عالم يعز علمه ويصون نفسه ويحيطها بسياج من المهابة تجعلها قلعة حصينة عصية على الاقتحام ويصور بمرارة ما يوصل العلم إلى استهتار الناس به وهو إهمال صيانته من أهله وقلة تعظيمه من أصحابه.

هذا والقصيدة طويلة جدا وقد ظفر بها الباحث الدكتور  جليل العطية كاملة في مكتبته بالأستانة ونشرت في الجزء الرابع من المجلد التاسع والسبعين من مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق الصادر بدمشق في شعبان 1425هـ الموافق أكتوبر2004م ولها مقدمة يذكر فيها أيام الوصل في شرخ الشباب يوم كان لايسمع لعاذل وهي مقدمة تسيل رقة وعاطفة، تهب منها نسمات عاشق متيم:

بأيامنا بين الكثيبين فالحمى

ووصلٍ وصلنا بين أعطافه المُنى

صحبنا به شَرْخَ الشباب فدلًَّنا

فلم نَرْضَ في أخلاقنا النصح مذهباً

إذا شاءَ غادٍ قاد لحظاً مُوَزّعاً

 أعِنِّي على العُذّال أو خَلِّ بيننا

وطيفٍ تخطَّت أعيُن الناس والكرى

تنسَّمَ ريّاهُ وبَشَّره به

وعَزَّ على العينين لو لم تُرَغَّبا

ولمّا غدا والبَيْنُ يَقْسِمُ لَحْظَهُ

فمنْ قائلٍ: لا آمنَ اللهُ حاسداً

بَدَتْ صفرةٌ في وجنتيه فلم تَزَلْ

سَقى البرقُ أكنافَ الحمى كُلَّ رائحٍ

 إذا أسْبَلَتْ عيناه لم تبقَ رَبْوَةٌ

        وطيبِ ليالينا الحميدة فيهما

بردِّ زمانٍ كان للّهوِ توأما

على خُلَسٍ أفضى إليهنَّ نُوَّما

ولا اللوم في أسماعنا مُتَلَوَّما

على غَيِّه أو شافَ قَلْباً مُقسَّما

تُريك دموعي أفصحَ القول أبكما

إلى ناظرٍ يَلْقى التباريحَ منهما

تناقُصُ ضوء البدر في جهة الحمى

من الطَّيف في إلمامةٍ أن تُهَوِّما

على مُكْمَدٍ أغْضى ورأسٍ تبسَّما

وقائلةٍ: لا رَوَّع البَيْنُ مُغْرَما

مدامِعُهُ حتى تَشَرَّبتا دَما

إذا قَلِقَت فيه الجنوبُ تَرَنَّما

من الأرضِ إلاّ وهيَ فاغرةٌ فما