آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    همس القوافـــي   أشعار منوعة
الكعبة الزهراء



مرات القراءة:2817    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 الكعبة الزهراء

إعداد : إبراهيم الحمدو العمر

 

بدوي الجبل هو الشاعر محمد سليمان الأحمد (ابن الشيخ اللغوي سليمان الأحمد عضو مجمع اللغة العربية في دمشق) واحد من أعلام الشعر العربي في القرن العشرين. ولد حوالي سنة 1900 في في محافظة اللاذقية بسوريا، توفي يوم 19 أغسطس سنة 1981.

لقبه صاحب صحيفة(ألف باء) ببدوي الجبل لأنه صار ينشر له بواكير شعره ولم يكن من الشعراء المشاهير يومذاك وقال له : ( إن الناس يقرؤون للشعراء المعروفين ولست منهم وهذا التوقيع المستعار يحملهم على أن يقرؤوا الشعر للشعر وأن يتساءلوا: من ذا يكون هذا الشاعر المجيد؟)

يحمل شعره تلك النبرة القوية وتلك الجزالة التي لاتجدها إلا في شاعر مطبوع، ولا يخفى على القارئ تأثره بالمتنبي، وكل المعاني التي تناولها فيها روح الشاعر القوي المتمكن من لغته المعتز بشاعريته، يحلق بك في سماء الخيال حينما تقرأ له، وله تمكن من اللغة يمد تلك المعاني المتألقة فلا يكاد ينقطع نفسه في قصيده، يقول الشاعر عمر أبو ريشة عن شعر البدوي: (ديباجة مشرقة، وأسلوب متين، وإحساس مرهف يقف في الصف الأول من شعراء العالم العربي) وقد صنف هو والأخطل الصغير وعمر أبو ريشة والجواهري بأنهم رموز الشعر العربي الكلاسيكي.

الكعبة الزهراء

هذا هو عنوان القصيدة التي كتبها الشاعر، يتشوق إلى بيت الله الحرام والكعبة المشرفة، سرة الدنيا ومغناطيس المحبين وقطب رحى العالم الإسلامي، حيث يفيض النور على تلك القلوب والأرواح، فتغتسل من أوضار الدنيا وأوحال الذنوب، وكأنها ولدت من جديد ولادة روحية خالصة، إنها شعائر الله المعظمة، ورموز الدين التي ارتضاها لعباده، فالكعبة والحجر والركن والمقام وزمزم وعرفات ومنى، أية معان تغمر الروح وهي تتنقل بين هذه المقدسات العظيمة؟ ياله من شعور يعيد للحياة نقاءها، ويعيد للمؤمن تلك الصلة بخالق الكون جل جلاله، لأن الجسم يطوف بالكعبة والفم يقبل الحجر واليد تلمس الركن والعقل يتأمل في معانيها ولكن القلب متعلق بخالق الكون وبرب البيت جل جلاله ومتوجه إليه متجردا ملبيا مستجيباً لأمره : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، وسواء حج الشاعر أو لم يحج - وهو الراجح- فقد صور شوقه للأراضي المقدسة بقصيدة من مطولاته شرح فيها كل أشواقه وتأملاته عنوانها (الكعبة الزهراء) قال فيها:

بنور على أم القرى و بطيب

غسلت فؤادي من أسى و لهيب

لثمت الثّرى سبعا و كحّلت مقلتي

بحسن كأسرار السماء مهيب

و أمسكت قلبي لا يطير إلى (منى)

بأعبائه من لهفة و وجيب

وكأن ذلك الوادي، وادي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، والمدينة التي احتضنت ذلك النور، لاتغيب عن خيال الشاعر وهو يذكر هذه المشاعر، ولعله أراد أن ينبه تلك المهجة الغارقة في هيامها حتى تتمتع بدار الحبيب صلى الله عليه وسلم، ويقول لها: إن الخصب الحقيقي هو خصب الهدى وما سواه دنيا فانية:

فيا مهجتي : وادي الأمين محمد

خصيب الهدى : و الزرع غير خصيب

وقبل أن يطول التفاته يعود إلى الكعبة الغراء لتذوب الروح في سنا ضيائها:

هنا الكعبة الزّهراء . و الوحي و الشذا

هنا النور. فافني في هواه و ذوبي

و يا مهجتي : بين الحطيم و زمزم

تركت دموعي شافعا لذنوبي

و في الكعبة الزهراء زيّنت لوعتي

و عطّر أبواب السماء نحيبي

إنها مشاعر الشوق وناره المضطرمة تتراكم على ذلك الخيال المتوثب فتراه يتنقل بسرعة بينها، وكأني به بعد أطفأ لوعة الشوق من تلك الأماكن، عاد يتلمس أسراراً أخرى من تلك الفريضة فريضة الحج:

و ردّدتِ الصحراء شرقا و مغربا

صدى نغم من لوعة و رتوب

تلاقوا عليها ، من غني و معدم

و من صبية زغب الجناح و شيب

نظائر فيها : بُرْدهم بُرْدُ محرم

يضوع شذا : و القلب قلب منيب

أناخوا الذنوب المثقلات لواغبا

بأفيح – من عفو الإله – رحيب

و ذلّ لعزّ الله كلّ مسوّد

ورقّ لخوف الله كلّ صليب

وليت! ولكن هل تنفع شيئا (ليت) ليت هناك بقية للشباب ليخف ذلك العاشق فيقف في ظل كل حِجْروحَجَر، وعند كل عين ماء، فيخاطبه ويبثه لوعته:

و لو أنّ عندي للشّباب بقيّة

خففت إليها فوق ظهر نجيب

و لي غفوة في كلّ ظلّ لقيته

و وقفة سقيا عند كلّ قليب

هتكت حجاب الصّمت بيني و بينها

(بشبّابة) سكرى الحنين خلوب

ثم يتتبع الشاعر بخياله تلك الخطى المباركات وهي ترسم معالم هذه الحضارة على صفحة الصحراء الجرداء، وتلك الخيام التي ضربت أطنابها في عمق تلك الرمال، وحمحمات الخيول وتكبيرة الفجر، والملائكة وهي تتنزل بل وهي مرابطة على كل ثغر، ورائحة الرمل ومنظر المغيب،وناراً أوقدت لملهوف، يالها من لوحة شعرية، تتراكض فيها الصور، تعجز عنها يد أمهر عباقرة الفن،

أرى بخيال السّحب – خطو محمد

على مخصب من بيدها و جديب

و سمر خيام مزّق الصمت عندها

حماحم خيل بشّرت بركوب

و نارا على نجد من الرمل أوقدت

لنجدة محروم و غوث حريب

و تكبيرة في الفجر سالت مع الصّبا

نعيم فياف و اخضلال سهوب

أشمّ الرمال السمر : في كلّ حفنة

من الرّمل ، دنيا من هوى و طيوب

على كلّ نجد منه نفح ملائك

و في كلّ واد منه سرّ غيوب

وبهذه الترنيمة الخاشعة يقف الشاعر خاضعا لخالقه، راجياً عفوه، هارباً منه إليه:

و يا رب : لم أشرك و لم أعرف الأذى

و صنت شبابي عنهما و مشيبي

و إنّي – و إن جاوزت هذين سالما

لأكبر لولا جود عفوك حوبي

و أهرب كبرا أو حياء لزلّتي

و منك ، نعم ، لكن إليك هروبي

و أجلو عيوبي نادمات حواسرا

و أستر إلاّ في حماك عيوبي

و أيّ ذنوب ليس تمحى لشاعر

معنّى بألوان الجمال طروب

و لو شهدت حور الجنان مدامعي

ترشّفن في هول الحساب غروبي

وهل ينسى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو بابنا إلى الله تعالى؟

مدحت رسول الله أرجو ثوابه

و حاشا الندى أن لا يكون مثيبي

وقفت بباب الله ثمّ ببابه

وقوف ملحّ بالسؤال دؤوب

صفاء على اسم الله غير مكدّر

و حب لذات الله غير مشوب

و أزهى بتظليل الغمام لأحمد

و عذب برود من يديه سروب

فإن كان سرّ الله فوق غمامة

تظلّ و ماء سائغ لشروب

ففي معجز القرآن و الدولة التي

بناها عليه مقنع للبيب

ولابد من سفح الدمع عند ذلك القبر الشريف والدعاء لهذه الأمة الضائعة التائهة وكأنه يعايش ماتمر به بلاده الآن :

و يا رب عند القبر قبر محمد

دعاء قريح المقلتين سليب

بجمر هوى عند الحجيج لمكّة

و دمع على طهر ( المقام ) سكوب

بشوق على نغماه ، ضمّ جوانح

و وجد على ريّاه زرّ جيوب

ترفّق بقومي و احمهم من ملمّة

لقد نشبت أو آذنت بنشوب

وردّ الحلوم العازبات إلى الهدى

فقد ترجع الأحلام بعد عزوب

وردّ القلوب الحاقدات إلى ندى

من الحبّ فوّاح الظلال عشيب

وما حيلة المشوق إن أقعده الضنى، وما وسيلة العاجز إن حالت دون الوصول إلى حبيبه العوائق إلا أن يبعث نفثات من ذلك الفؤاد المحترق، تتنسم أطياب الحبيب، تسترشد بها لتحط رحالها بساح جوده:

و أقعدني عنك الضّنى فبعثتها

شوارد شعر لم ترع بضريب

و ترشدها أطياب قبرك في الدجى

فتعصمها من حيرة و نكوب

و عند أبي الزهراء حطّت رحالها

بساح جواد للثناء كسوب

تلك هي مشاعره التي أراد أن يجلوها قصيدا على وادي العقيق:

 

جلوت على وادي العقيق فريدتي

ففاز حسيب منهما بحسيب

تتيه حضارات الشعوب بشاعر

و تكمل أسباب العلى بأديب