آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    التزكية والأخلاق   مقالات وأبحاث
البيئة في شعر الشريف الرضي



مرات القراءة:4356    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

البيئة في شعر الشريف الرضي

 

إعداد الشيخ: إبراهيم الحمدو العمر

 

 

تظهر بيئة كل شاعر في مفردات شعره ولاينفك الشاعر متعلقا ببيئته يذكر أرضها وسماءها وأشجارها وأزهارها ونجدها ووهاده وجبالها وأنهارها وكل تفاصيلها، حتى ينصبغ شعره بلون بيئته ،ويقبس من طبيعتها ما يترك في شعره أبلغ الأثر، وتترك بصماتها على سلوكه وفكره وأخلاقه، لأن الإنسان ابن بيئته كما قيل، والبيئة هي مستودع عواطفه وانفعالاته، ومايزال النقاد يتلمسون في ألفاظ الشاعر وقوافيه ما يستدلون به على بيئته، وليس أبلغ في الدلالة على أثر البيئة من قصة الشاعر علي بن الجهم الذي جاء من البادية فلما أن أراد مدح المتوكل قال :

أنت كالكلب في حفاظك للود

وكالتيس في قراع الخطوب

أنت كالدلو لاعدمناك دلوا

من كبار الدلا كثير الذَنوب

فثار عليه الحاجب والوزير والخدم، ولكن الخليفة المتوكل لمح العبقرية في ثنايا شعره، وفهم طبيعة البادية التي تركت أثرها في كلمه وشعوره، وماهذه التشبيهات إلا صور مختزنة في ذاكرته الشعرية من بيئته، فأمر الخليفة له ببيت في الرصافة على شاطئ دجلة وسط بستان وأزهار عند جسر بغداد حيث الهوى والهواء وحيث مجلى الطبيعة الفاتنة بغيدها وحورها، ثم جيء بابن الجهم لينشد الخليفة فأنشده قصيدته :

عيون المها بين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

وهي من أرق قصائد الغزل

والشريف الرضي

هو أبو الحسن، محمد بن الحسين بن موسى، ويلقب بالشريف الرضي (359 هـ - 406 هـ / 969 - 1015م) هو الرضي العلوي الحسيني. شاعر وفقيه ولد في بغداد وتوفي فيها. عمل نقيباً للطالبيين حتى وفاته.

والده أبو أحمد كان عظيم المنزلة في الدولتين العباسية والبويهية لقبه أبو نصر بهاء الدين بالطاهر الأوحد، وولي نقابة الطالبيين خمس مرات.

أعماله وشعره

من أهم الأعمال التي اشتهر بها الشريف الرضي هو نهج البلاغة وهو كتاب جمع فيه خطب والحكم القصار وكتب الإمام علي بن أبي طالب لعماله في شتى أنحاء الأرض. له ديوان تغلب فيه القوة والعذوبة والنفس البدوي والجزالة وله كتب عدة منها «مجاز القرآن» و«المجازات النبوية» وبعض الرسائل منشورة.

الشاعر والبيئة

سنتجول اليوم في ديوان الشريف الرضي وبيئته، ولانقصد هنا البيئة الاجتماعية، وإنما نقصد البيئة الطبيعية بكل مفرداتها، لنشم عبق العرار والشيح والخزامى والحرمل والرند والبان والأراك، ونمتع ناظرنا بـ (ظبية البان ترعى في خمائله)، ونتنسم رياح الغور التي تحمل ريا الحبيبة، ونسير معه في طريقه إلى الحجاز في الفيافي الفيح والقفار الواسعة، وللحجاز حكاية طويلة مع الشريف الرضي، لقد وصف تلك الأماكن مكانا مكانا، بل طاف قلبه بكل ربوة منها، وساير ظباءها وغزلانها، وما من هضبة إلا وطوقها ببيت من الشعر يخلد اسمها في قصائد بلغت أربعين قصيدة سماها الحجازيات، وهي كما يقول الدكتور مصطفى كامل الشيبي: "الحجازيات مصطلح واضح الدلالة على مضمونه، يجري في الشهرة على نسق مع هاشميات الكميت وخمريات أبي نواس وزهديات أبي العتاهية، ويعني المقطعات الشعرية التي لها وجه اتصال بالحجاز، مباشرة أو بالتأدية إليه، من نظم الشريف الرضي وهي بالمفهوم الحديث (البوم) صور تذكارية على هيئة أشعار تجمع ذكريات زياراته الكثيرة لأرض الحجاز أيام إمارته الطويلة للحج وما قبلها حين كان يرافق أباه، أبا أحمد الموسوي، الأمير الذي سبقه وأورثه الإمارة ".

فذكر فيها الرقمتين وعقيق الحمى واللوى وفي مكة نراه لاينسى نعمان الأراك وذا الأراك والخيف والصفا والمحصب ويلملم وفي المدينة المنورة يتأرج شعره بذكر الأثلة وإضم وسلع وذي سلم وقبا والمصلى ونعمان الغرقد، إنه العاشق المتيم الذي كان يناجي تلك الأماكن بعاطفته ويتغزل بها في شعره ويطوف حولها بقلبه ويخلد أسماءها في أبياته، وهاهو يعرض له غزال في وجرة فيخاطبه ويكلمه ويحمله أشواق قلبه:

ألا يا غزالَ الرمل من بطنِ وجرةٍ

أللواجِدِ الظمآنِ منك شروعُ

ألا هل إلى ظل الأثيل تخَلُّص

وهل لثنياتِ الغُوير طلوعُ

وهل بليت خيمٌ على أيمنِ الحِمى

وزالت لنا بالأبَرقين رُبوع

ولم أنسَ يوم الجِزعِ حُسناً فَلَستُه

بعيني على أنّ الزيالَ سَريعُ

أبيات فيها تراكم للعناصر المكانية، يلمح إلى تأصل جذور البيئة في نفس الشاعر وحبه لها، لقد ذكر ستة أماكن في هذه الأبيات الأربعة في ظاهرة لانراها بهذه الكثرة في شعر غيره من الشعراء، فللبيئة سحرها في نفس شاعرنا الشريف وللأماكن نبضها بين جنبيه، واسمع إليه كيف سخر الشعائر والمناسك في تعبيره عن الجوى الكامن تحت ضلوعه:

اُحبك ما اقامَ مِنى و جمعُ

وما أرسى بمكَّة أخشباها

وما رفع الحجيجُ الى المصلى

يجرونَ المطى على وجاها

وما نَحَروا بخيف منى وَكبّوا

على الأذقان مًشعَرةً ذُراها

إنها بيئة الحجاز المحببة إلى كل مسلم ولكن الشريف لم يمر بها مرورا عابراً كما مر بها ملايين البشر، إنما مر بها مرورا عاشقاً، وأشهدها على حبه، وأنطق حجارتها بوجده، وأصغ إليه معي وهو يخاطب الرائحين إلى العقيق ونجد وكثبان اللوى ورامة:

 

أقول لركب رائحين لعلكم

تحلون من بعدي العقيقَ اليمانيا

خذوا نظرةً مني فلاقوا بها الحِمى

ونجداً وكثبان اللوى والمطاليا

ومُروا على ابيات حيٍّ برامةٍ

فقولوا لديغ يبتغي اليوم راقيا

عدمتُ دوائي بالعراق فربما

وجدتم بنجدٍ لي طبيباً مُداويا

وقولوا لجيرانٍ على الخيف من منى

تراكم من استبدلتم بجواريا

إنه لديغ لم يجد راقيا في العراق فلعله أن يجده بنجد، فمن ياترى كواه بشوقه؟ ومن ياترى سترقيه بوصلها ونظراتها ؟ ومن تراهم استبدلوا بجواره؟ وهل ينسى ليلة السفح؟

ياليلة السفح هلا عدت ثانية

سقى زمانك هطال من الديم

يا صاحبي أعيناني على كلفي

بمن تناوم عن ليلي ولم أنم

كيف السبيل إليه وهو مذ علقت

به الحبالة صيد لاذ بالحرم

وسائل عن جوى قلبي فقلت له

ما أنت عندي على سر بمتهم

طاب الجوى في الهوى حتى أنست به

فهو المرارة يحلو طعمها بفم

الريم والظباء في بيئة الشريف الرضي

ومن مفردات البيئة الحجازية الظباء، ويالها من فاتنات تعبث بالقلوب، وأي عربي لم تفتنه عيون المها، وجيد الظبا، ولفتات الغزلان، فما بالك بالشاعر العاشق الهيمان؟ حتى الحسناء الجميلة يكنون عنها بالظبية ، واسمع إليه وقد فتنته تلك الظبية اللعوب حتى هم باصطيادها وهو محرم:

وظبية من ظباء الأنس عاطلةٍ

تستوقف العين بين الخمص والهضم

لو أنها بفناء البيت سانحةً

لصدتها وابتدعتُ الصيد في الحرمِ

وينظر أم خشف تبغم تنشد طلاها، فيثور به الحنين:

نظرت ببطن مكة أم خشف

تبغم وهي ناشدة طلاها

وأعجبني ملامح منك فيها

فقلت أخا القرينة أم تراها

وأي ذي صلة بالشعر لم يتغن معه بظبية البان مع الشريف:

يا ظبية البان ترعى في خمائله

ليهنك اليوم أن القلب مرعاك

الماء عندك مبذول لشاربه

وليس يرويك إلا مدمعي الباكي

هبت لنا من رياح الغور رائحة

بعد الرقاد عرفناها برياك

ثم انثنينا إذا ما هزنا طرب

على الرحال تعللنا بذكراك

سهم أصاب وراميه بذي سلم

من بالعراق لقد أبعدت مرماك

حكت لحاظك ما في الريم من ملح

يوم اللقاء فكان الفضل للحاكي

كأن طرفك يوم الجزع يخبرنا

بما طوى عنك من أسماء قتلاك

أنت النعيم لقلبي والعذاب له

فما أمرك في قلبي وأحلاك

عندي رسائل شوق لست أذكرها

لولا الرقيب لقد بلغتها فاك

أبيات لايمكن أن تقرأها دون أن تهزك نشوة الطرب.

 

نشر في مجلة منار الإسلام عدد(482)شهر شباط (فبراير) 2015