آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    همس القوافـــي   أشعار منوعة
البحتري ..وصافا



مرات القراءة:3609    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

البحتري ..وصافا

إعداد: إبراهيم الحمدو العمر

 

برع البحتري في وصف الطبيعة، وكانت له تلك الحاسة العجيبة في تصوير مايراه بدقة عالية في شعره، يتحسس مواطن الجمال ليجلوها في أجمل حلة في خيال وثاب يجمع عناصر البهاء من غير تكلف، الربيع ...لغة الطبيعة لأحياء الطبيعة، لا بالكلمات والحروف، ولكن بعبق الأزهار وتغريد الأطيار . يقول الإمام الغزالي: ( من لم يهزه الربيع، وأزهاره والروض وأطياره ، والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج، ليس له علاج) ويالله حينما تتجلى الطبيعة بكامل زينتها، تنثر أسرار الجمال وتنفث السحر على الربى والأطلال ، وانطلقت حناجر العنادل تنشد غناءها العذب على موسيقى الأمواه الهادئة في حضن الطبيعة الغافية في ظل الدوح، أو الصاخبة المنحدرة من تلعات الجبال بين الصخور، وتمايلت الأغصان على تلك الأهازيج والألحان إذ عبثت بذوائبها أصابع النسمات الهادئة، وتفتح ثغر الورد للنسيم، وجلت الطبيعة صفحة من جمالها المزوق، ونمنمتها بالنرجس النعسان وشقائق النعمان ، ونهضت الشمس وسنى من طيات الأفق البعيد باسمة الثغر ترسم بشعاعها لوحات من الجمال الأخاذ على بساط الأرض الفاتن . إنه عرس الطبيعة، إنه الربيع. ويمر فصل الربيع على جميع الناس ولكن الذين يقرؤون آيات الجمال على صفحته قلائل ومن هؤلاء القلائل البحتري الذي وصف جمال الربيع بأبيات لايزال ينشدها طلاب الأدب وشداته الشاعر البحتري هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي الطائي ، ولد في منبج إلى الشمال الشرقي من حلب (206 – 284 هـ /821 م - 898 م)ومنبج ولادة شعراء من زمن البحتري إلى زماننا، و تتميز بجمال البادية الشامية، فكان لذلك أثره العميق في شحذ موهبته الشعرية، وفي ميل نفسه إلى التعلق بالجمال، يقال لشعره سلاسل الذهب ، وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم ، المتنبي وأبو تمام والبحتري، قيل لأبي العلاء المعري : أي الثلاثة أشعر ؟ فقال : المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري، ظهرت موهبته الشعرية منذ صغره ، انتقل إلى حمص ليعرض شعره على أبي تمام الذي كان يملأ الدنيا من حوله بشعره الذي تميز بالجدة والخيال الجامح وتوليد الصور الفنية، وأثنى أبو تمام على البحتري قائلاً له frown رمز تعبيري أنت أشعر من أنشدني )، وشعر البحتري شجي النغم، جميل المطلع، رائع الديباجة، أطلق عليه بعض معاصريه لقب «شيخ الصناعة الشعرية» وعدّوه مثلاً أعلى للطريقة الشامية في غلبة الطبع، ورقة المعنى، وجودة الصياغة. ولما أتقن الشعر انتقل إلى العراق وفيها كانت شهرته وكان شاعراً في بلاط الخلفاء : المتوكل والمنتصر والمستعين بالله و المتوكل ، كما كانت له صلات وثيقة مع وزراء في الدولة العباسية وغيرهم من الولاة والأمراء وقادة الجيوش . بقي على صلة وثيقة بمنبج وظل يزورها حتى وفاته . خلف ديواناً ضخماً ، أكثر ما فيه في المديح وأقله في الرثاء والهجاء. وله أيضاً قصائد في الفخر والعتاب والاعتذار والحكمة والوصف والغزل . كان مصوراً بارعاً ، ومن أشهر قصائده تلك التي يصف فيها إيوان كسرى والربيع . وصف إيوان كسرى ومتى ذكر البحتري حضر معه إيوان كسرى ببهائه وعظمته وهيبته، حيث لاذ إليه هارباً مختفياً، ونفسه مليئة بالحزن بعد اغتيال المتوكل وبعد أن جفاه الخليفة المنتصر بن المتوكل فجلس بين الجدران والريح تصفر فازداد وحشة، فإذا قصيدته ملأى بحروف الصفير :

صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي وَتَرَفّعتُ عن جَدا كلّ جِبْسِ

وَتَماسَكْتُ حَينُ زَعزَعني الدّهْـ ـ رُ التماساً منهُ لتَعسِي وَنُكسي

 بُلَغٌ منْ صُبابَةِ العَيشِ عندِي طَفّفَتْها الأيّامُ تَطفيفَ بَخْسِ

حَضَرَت رَحلِيَ الهُمومُ فَوَجَّهـ ـتُ إِلى أَبيَضِ المَدائِنِ عَنسي

 أَتَسَلّى عَنِ الحُظوظِ وَآسى لِمَحَلٍّ مِن آلِ ساسانَ دَرسِ

 لَو تَراهُ عَلِمتَ أَنَّ اللَيالي جَعَلَت فيهِ مَأتَمًا بَعدَ عُرسِ

 وَهوَ يُنبيكَ عَن عَجائِبِ قَومٍ لايُشابُ البَيانُ فيهِم بِلَبسِ

 

 ثم ينتقل إلى وصف لوحة جدارية تصور معركة أنطاكية بين الفرس والروم قد خلدوها في قصورهم كما في ذاكرة اجيالهم :

وَإِذا مارَأَيتَ صورَةَ أَنطا كِيَّةَ اِرتَعتَ بَينَ رومٍ وَفُرسِ

وَالمَنايا مَواثِلٌ وَأَنوشِر وانَ يُزجى الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفسِ

 وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَدَيهِ في خُفوتٍ مِنهُم وَإِغماضِ جَرسِ

 مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمحٍ وَمُليحٍ مِنَ السِنانِ بِتُرسِ

 تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحيا ءَ لَهُم بَينَهُم إِشارَةُ خُرسِ

 يَغتَلي فيهِم ارتِابي حَتّى تَتَقَرّاهُمُ يَدايَ بِلَمسِ

لَيسَ يُدرى أَصُنعُ إِنسٍ لِجِنٍّ سَكَنوهُ أَم صُنعُ جِنٍّ لِإِنسِ

عُمِّرَت لِلسُرورِ دَهرًا فَصارَت لِلتَعَزّي رِباعُهُم وَالتَأَسّي

هذا هو البحتري، وهذا هو وصفه الذي يموج بالصور المتحركة التي تجعلك تعيش بخيالك تحت (الدرفس)، وتشهد عراك الرجال بالسنان والرماح والسيوف، محل على القاطول وهلم معي إلى نهر (القاطول ) حيث قصر المتوكل واسمه الجعفري، لنعيش مع البحتري ذلك المشهد المروع، في لحظات قاسية على النفس، فنذرف بعض الدمع -ونحن في زمن الحزن- على مشهد اغتيال المتوكل :

محل على القاطول أخلق داثرُهْ وعادت صروف الدهر جيشاً تغاورهْ

ولم أنس وحش القصر إذا ريع سربه وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذرهْ

وإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت على عجل أستاره وستائره

صريع تقاضاه السيوف حشاشة يجود بها والموت حمر أظافره

و( الموت حمر أظافره ) يا لها من صورة فنية تذهب فيها النفس البشرية مذاهب شتى مليئة بالخوف والفزع. بركة المتوكل ولنترك الخوف جانبا لنذهب مع البحتري إلى بركة المتوكل فنشهد وفود الماء المعجلة كأنها سبائك الفضة، وحيث تتراءى النجوم على صفحتها فتظن (أن سماء ركبت فيها )، وحسبها فخراً أنها ( تعد واحدة والبحر ثانيها): ي

َا مَن رَأَى البركة الحسناءَ رؤيتُها والآنساتِ إذا لاحَت مغانيها

بحَسبها أنها في فضل رُتبتها تُعدُّ واحدةً والبحر ثانيها

ما بال دجلةَ كالغيرى تنافسُها في الحسن طوراً، وأطواراً تباهيها

تنصبُّ فيها وفودُ الماء مُعجِلةً كالخيلِ خَارِجةً مِن حبلِ مُجريها

كَأنَّما الفضَّةُ البيضاءُ سائلةً مِن السبائكِ تجري في مجاريها

 إذا النجومُ تراءت في جوانبها ليلاً حسبتَ سماءً رُكّبت فيها

وصف الربيع هذه نماذج من وصف البحتري ولكن الربيع ملأ تلك العاطفة الشعرية فانطلقت تصف أزهاره ووروده، ذلك هو الربيع الذي يأتي ضاحكا من الحسن وقد أيقظ غافيات الورد على برد الندى وكأنه يبث حديثاً مكتماً، وردّ على تلك الأشجار زينتها ،وكساها وشياً منمنماً بعد أن عراها الشتاء،ناهيك عن النسيم العليل الذي يجيء بأنفاس الأحبة المنعمين في عيشهم : أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكـاً من الحسن حتـى كـاد أن يتكلمـا وقد نبه النوروزُ في غلس الدجـى أوائلَ ورد كـن بالأمـس نوّمـا يُفتّقهـا بـرد الـنـدى فكـأنـه يبث حديثـا كـان بالأمـس مكتمـا ومـن شجـر رد الربيـع لباسـه عليه كما نشـرت وشيـا منمنمـا أحـل فأبـدى للعيـون بشـاشـة وكان قذى للعين إذ كـان محرمـا ورق نسيم الريـح حتـى حسبتـه يجـيء بأنفـاس الاحبـة نعمـا وهذه شقائق النعمان التي تحمل الندى كما تحمل الحسان دموع التصابي : شقائق يحملن الندى فكأنه دموع التصابي في خدود الخرائد وما أجمل الروضة الخضراء الندية التي تُسقَى مجاجات الغيوم المنبجسة فيفخر الربيع بها على الشتاء، ويريك نَوْرُها أحسنَ من رياط السندس( الريطة: الثوب من قطعة واحدة):

في روضة خضراء يشرق نَوْرُها تُسقَى مجاجاتِ الغيوم البُجّس

 فخَر الربيع على الشتاء بحسنها وكفى حضورُالورد فقدَ النرجس

هذي الرياض بدا لطرفك نَوْرُها فأرتك أحسن من رياط السندس

ينشرن وشياً مُذْهُباً ومدبجاً ومطارفاً نسجت لغير الملبس

وهل هناك أجمل من ألوان الربيع الزاهية على المروج المفوفة : والمرج ممزوج العراص مفوّفٌ تزهَى خزاماه على الحوذان من أبيضٍ يققٍ، وأصفرَ فاقعٍ في أخضرٍ بهجٍ، وأحمرَ قان ضحك البَهارُ بأرضها وتشققت فيها عيون شقائق النعمان

نشر في مجلة منار الإسلام /مارس (آذار) 2015 ..العدد/483