آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    ردود وشبهات   مقالات وأبحاث
أهل السنة والجماعة



مرات القراءة:2880    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

أهل السنة والجماعة



مصطلح (أهل السنة والجماعة) مفهوم عقدي يتنازع فيه كثير من الجماعات الإسلامية، وقد أدّى هذا التنازع إلى شقاقٍ وخلاف بين مختلف الجماعات الإسلامية، فباعد بين القلوب، وفّرق بين الصفوف، وأضعف الكلمة...وأوجب على الباحثين والعلماء تصحيح الفهم وتسديد الرأي.

 

 

أ ـ تعريف مصطلح (أهل السنة والجماعة) :

 

لقب أهل السنة والجماعة، يشتمل على الإضافة إلى وصفين، هما: السنة، والجماعة.
السنة في اللغة: الطريقة ، وفي الشرع: سنة النبي صلى الله عليه وسلم : أقواله وأفعاله وإقراره وسائر أحواله. والمراد بها هنا: طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يلحق بها من طريقة الخلفاء الراشدين التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتمسك بها، والعض عليها بالنواجذ، فقد جاء في الحديث الشريف: " فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسني وسنة الخلفاء المهندين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ "


والجماعة في اللغة: العدد الكثير من الناس، أو طائفة من الناس يجمعها غرض واحد، والمراد بها هنا: (جماعة المسلمين المجتمعين على قول واحد في أصول المسائل الشرعية، الواقفين موقفاً واحداً من كبرى القضايا الإسلامية) الذين يقابلهم في الوصف: (أهل الفرقة) أو (أصحاب الشذوذ) الذين تختلف أقوالهم ومواقفهم في ذلك.


وقد جاء في الحديث الشريف: "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن"
هذا عن معنى اللقب اللغوي والاصطلاحي لـ( أهل السنة والجماعة ) وحقيقته.

نشأة مصطلح(أهل السنة والجماعة) :

أول ما عرف ذلك في الخلاف الذي نشب بين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه، ومعاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنه، حيث اختلفت آراء المسلمين وتعددت اجتهاداتهم، فمن مؤيد، ومن معارض، ومن متشيع مُغالٍ في تشيعه لعلي، أو من مناصر شديد في مناصرة لمعاوية، ومن مشنع على الفريقين خارج عليهما وحاكمٍ بالكفر عليهما كليهما!


وهذا ما جعل كبار علماء الأمة يحددون مواقفهم  في هذه المسائل ، فحكموا على (الخوارج) الذين كفّروا الفريقين (علياً و معاوية ) رضي الله عنهما وعلى (الشيعة) المغالين في تأييد علي – رضي الله عنه – ، وعلى الكارهين اللاعنين له ، بأنهم كذلك قد خرجوا من دائرة الاجتهاد المنضبط بالكتاب والسنة، واعتبروهم (فرق شذوذ وضلال). نقل ابن تيمية رحمه الله في تفسير قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا  من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } , قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة , وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة . الفتاوى الكبرى 1/140

ب ـ  صفات أهل السنة والجماعة :

يقول الإمام عبدالقاهر البغدادي في أوصاف أهل السنة والجماعة:


(فأما الفرقة الثالثة والسبعون: فهي أهل السنة والجماعة، من فريقي الرأي والحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم، ومتكلموا أهل الحديث فيهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته وعدله وحكمته، وفي أسمائه وصفاته، وفي أبواب النبوة والإمامة، وفي أحكام العقبى، وفي سائر أصول الدين.
وإنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام، وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تظليل ولا تفسيق.


وهم الفرقة الناجية، ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقدمه، وقدم صفاته الأزلية، وإجازة رؤيته من غير تشبيه ولا تعطيل، مع الإقرار بكتب الله ورسله، وبتأييد شريعة الإسلام وإباحة ما أباحه القرآن، وتحريم ما حرمه القرآن، مع قبول ما صح عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتقاد الحشر والنشر، وسؤال الملكين في القبر، والإقرار بالحوض والميزان.


فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها، ولم يخلط إيمانه بها بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية، وسائر أهل الأهواء، فهو من جملة الفرقة الناجية إن ختم الله له بها، ودخل في هذه الجملة: جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأهل الظاهر

ج ـ بيان مجال الاختلاف بين أهل السنة والجماعة :

لقد شاع بين العلماء والباحثين: أن الاختلاف بين المسلمين جائز وواقع في المسائل الفقهية لا في العقدية، حتى أصبح هذا القول أشبه بقاعدة مُسلمة.


ولكن المتتبع لسيرة السالف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم – رضوان الله عليهم –يجد أنه كما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في كثير من المسائل الفقهية، اختلفوا في بعض المسائل الاعتقادية، وذلك مثل اختلافهم في رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل ليلة الإسراء والمعراج واختلافهم في تعريف الكرسي المنسوب إلى الله سبحانه ، واختلافهم في أيهما أسبق: الميزان أو الحوض يوم القيامة؟ . واختلافهم في الإسراء هل كان بالروح فقط أو بالروح والجسد معاً؟ واختلافهم في فهم حديث: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" ،إلى غير ذلك من مسائل تعرف بتتبع كتب العقيدة والأحكام.


ولهذا: فلا يصح القول إن الاختلاف المقبول والمسموح به بين فرق أهل السنة والجماعة هو الاختلاف في المجال الفقهي فقط، ولا يسمح به في مسائل العقيدة، فهذا الكلام عند التحقيق غير دقيق.
والصواب أن يقال: إن الخلاف والاجتهاد السائغ بين أهل السنة والجماعة إنما يكون في فروع المسائل – فقهية كانت أو عقائدية، لا في أصول المسائل – فقهية كانت أو عقائدية.
ونقصد بأصول المسائل: تلك المسائل التي تعتمد على أدلة قطعية، سواء من ناحية ثبوتها أو دلالتها، كعدد ركعات الصلوات المفروضة، فهي وإن كانت مسألة فقهية فإنه لا يجوز الخلاف فيها والاجتهاد؛ إذ هي من أصول المسائل الفقهية.


أما فروع المسائل: فتلك المسائل التي تعتمد في الأغلب – على أدلة ظنية، سواء من ناحية ثبوتها، أو دلالتها، كالجهر بالبسملة في الصلاة؛ إذ هي من فروع المسائل الفقهية، أو جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذا هي من فروع المسائل العقائدية.
ونستطيع عند استحضار هذا التفصيل أن نفهم كلام الإمام ابن حزم حينما قال: " وأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا، ونبذٍ سيرةٍ من الاعتقادات " .

د ـ مدارس العقيدة عند أهل السنة والجماعة :

  (1) المدرسة الأثرية :

وأصحابها هم الذين يعتمدون في مسائل العقيدة على الآثار المنقولة من كتاب أو سنة أو إجماع، ويقللون من مجال الاعتماد على العقل فيها، معظم هؤلاء من أهل الحديث، ومن أبرز أئمتهم: الإمام أبو عبدالله احمد بن حنبل الشيباني – صاحب هذا المذهب. وقد وُلد عام 164هـ - وتوفي عام 241 هـ ببغداد.
ونسب أهل هذا الاتجاه إلى الأثر مع وجود من سبقه من أئمة الحديث على هذا المنهج لبروز موقف الإمام أحمد رحمه الله أيام الفتنة وتحكم المعتزلة، وتميز موقفه من محنة خلق القرآن. ومن أشهر كتب الإمام أحمد (المسند) وله كتاب في (الرد على الجهمية والزنادقة).

  (2) المدرسة الأشعرية :

وأصحابها هم الذين يعتمدون في مسائل العقيدة على الآثار المنقولة من كتاب أو سنة أو إجماع، ويتوسعون في مجال الاعتماد على العقل فيها، بما لا يتعارض مع المنقول.
ومعظم أصحاب هذه المدرسة من أهل الرأي والحديث، وسموا بالأشعرية نسبة إلى أبي الحسن الأشعري: علي بن إسماعيل. الذي وُلد بالبصرة عام 260هـ وتوفي ببغداد عام 324هـ.
أخذ الإمام الأشعري علم الكلام أولاً عن خاله وشيخه أبي علي الجبائي – شيخ المعتزلة – ثم فارقه، ورجع عن الاعتزال، وأظهر ذلك إظهاراً، ثم شرع في الرد على المعتزلة، والتصنيف على خلافهم، ودخل بغداد وأخذ الحديث عن عدد من الأئمة فيها. صنف بعد رجوعه عن الاعتزال كتابه (الموجز) و(مقالات الإسلاميين) و(الإبانة).

  (3) المدرسة الماتريدية :

وهذه المدرسة لا تختلف عن المدرسة الأشعرية في منهجها وإنما اختلفت معها في بعض المسائل، فهي تعتمد على الآثار المنقولة، وتتوسع في مجال الاعتماد على العقل في مسائل العقيدة بما لا يتعارض مع المنقول.
ومعظم أصحابها من الحنفية، وتنسب لإمامها محمد بن محمد بن محمود الحنفي المتكلم، الملقب بإمام الهدى، الذي نشأ بـ: ماتريد، وهي محلة أو قرية بسمرقند.
كان إماماً جليلاً مناضلاً عن الدين موطداً لعقائد أهل السنة، قطع المعتزلة وذوي البدع في مناظراتهم، وخصمهم في محاوراتهم حتى أسكتهم، تخرج بالإمام أبي نصر العياضي.
من مؤلفاته: كتاب (التوحيد) و(المقالات) (ورد أوائل الأدلة للكعبي) و(بيان وهم المعتزلة) و(تأويلات القرآن) وهو كتاب لا يوازيه في كتاب. توفي الماتريدي عام 333هـ، بعد وفاة الأشعري بقليل. رحمهما الله.

مواطن انتشار كل مدرسة من مدارس أهل السنة والجماعة :

المشهور في ديار خراسان والعراق والشام أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة، والمشهور في أكثر الأقطار الواقعة في ديار ما وراء النهار، أن أهل السنة والجماعة هم الماتريدية، والمشهور عند بعض أهل الحديث وجمهور الحنابلة أن أهل السنة والجماعة هم (الأثرية).

مثال على الاختلاف بين هذه المدارس الثلاث:

وأصحاب هذه المدارس الثلاث يتفقون في معظم مسائل العقائد، ويختلفون في بعضها، لعل أهم ما افترقت فيه الأشعرية والماتريدية عن الأثرية مسألة الصفات، فالأثرية تثبت جميع الصفات الواردة في الله جل شأنه من غير تكييف ولا تشبيه، أما الأشاعرة والماتريدية، فيثبتون منها العقلية السبعة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، ويؤولون الصفات الجزئية الأخرى كالوجه، واليدين، والقدم، والساق، ونحو ذلك.
وهو مذهب متأخريهم، أما المتقدمون من الأشاعرة فيميليون إلى الإثبات، ويتجنبون التأويل، تبعاً لما روي عن إمامهم من جهة، وترجيحاً  لمنهج الأثرية في ذلك من جهة أخرى.

هـ ـ نظرة المذاهب السنّية العقائدية بعضها لبعض :

في هذا يقول الإمام ابن عساكر الأشعري في مناقبه: (ما زالت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير متفرقين، حتى حدثت فتنة ابن القشيري..).
ويقول العلامة السفاريني الحنبلي الأثري رحمه الله تعالى: (أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل رحمه الله ، والأشعرية وإمامهم : أبو الحسن الأشعري ـ رحمه الله ـ ، والماتريدية، وإمامهم: أبو منصور الماتريدي رحمه الله، وأما فرق الضلالة فكثيرة جداً…) .
ويقول الإمام ابن حزم الظاهري ـ رحمه الله ـ : (وأهل السنة والجماعة الذين نذكرهم أهل الحق، وما عداهم فأهل البدعة. فإنهم الصحابة رضي الله عنهم، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها، رحمة الله عليهم..)

ويقول الشيخ التاج السبكي رحمه الله (ثم تفحصت كتب الحنفية فوجدت جميع المسائل التي بيننا وبين الحنفية خلاف فيها: ثلاث عشرة مسألة، منها معنوي: ست مسائل، والباقي لفظي.
وتلك الست المعنوية: لا تقتضي مخالفتهم لنا، ولا مخالفتنا لهم فيها تكفيراً ولا تبديعاً، صرح بذلك الأستاذ أبو منصور البغدادي وغيره من أئمتنا وأئمتهم، وهو غني عن التصريح لظهوره ) .
ويقول الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ (الأصحاب مع اختلافهم في بعض المسائل كلهم أجمعون : على ترك تكفير بعضهم بعضاً مجمعون، بخلاف من عداهم من سائر الطوائف وجميع الفرق، فإنهم حين اختلفت بهم مستشنعات الأهواء والطرق، كفر بعضهم بعضاً، ورأى تبرّيه ممن خالفه فرضاً).
يقول الشيخ تاج الدين السبكي ـ رحمه الله ـ بعد نقله لكلام الحافظ الذهبي هذا: (قلت: وهذا حق، وما مثل هذه المسائل إلا مثل مسائل كثيرة اختلفت الأشاعرة فيها، وكلهم عن حمى أبي الحسن يناضلون، وبسيفه يقاتلون، أفتراهم يبدع بعضهم بعضا؟)

ولما استفتى بعضَهم الحكامُ والناسُ في لعن الأشاعرة على إثر الفتنة التي نشأت بين المدارس العقدية، أفتى العلماء من الأثرية وغيرهم بعدم جواز لعنهم، بل بتعزير من يلعنهم، وعلل الدامغاني فتواه: بأنهم من طائفة المسلمين، كما علل أبو إسحق ـ مع ذلك ـ بأن لهم ذباً ورداً على أهل البدع المخالفين للسنة

يقول الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في هذا: (وكذلك رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد (12) فتوى طويلة، فيها أشياء حسنة قد سئل فيها عن أشياء متعددة، ومن ذلك قوله: أما لعن العلماء لأئمة الأشاعرة، فمن لعنهم عزر، وعادت اللعنة عليه، فمن لعن من ليس أهلاً للعنة، وقعت اللعنة عليه، والعلماء أنصار فروع الدين، والأشعرية أنصار أصول الدين) .


و ـ  وقفة مع حديث (ستفترق هذه الأمة….) :

جاء في الحديث الشريف: (إن أهل الكتابين، افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة ـ يعني الأهواء ـ كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة) وفي رواية للترمذي : (قالوا: من هي يا رسول الله  ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي) .
فاستشكل بعضهم إدخال هذه المدارس الثلاث في هذه الفرقة الناجية الواحدة المنصوص عليها، فحمل النص على واحدة منها، وتبع ذلك أنه رأى الفرقتين الثانيتين من فرق أهل السنة والجماعة ضالتين مضلتين توهما منه وخطأ.  وقد وقف العلماء مواقف متعددة من هذا الحديث :
أ ـ فبعضهم أشار إلى ضعف سند الحديث، وبالتالي لم يأخذ به.
ب ـ وبعضهم حاول تحديد تلك الفرقة الناجية، بأن ذهب في تعداد الفرق الثلاث وسبعين، لكن اضطراب العلماء في تحديد تلك الفرق يُثير الاستغراب.
جـ ـ وبعضهم حاول التوفيق بين الملة الواحدة الناجية، وانقسام الفرق السنية العقائدية إلى ثلاث، وكان منهم الشاطبي رحمه الله، إذ يقول: ( إن الخلاف بين الفرق المخرج عن الفرقة الناجية هو الخلاف في معنىً كليٍ في الدين، وقاعدةٍ من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية.. ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات) .
وللشيخ محمد محيي الدين عبدالحميد ـ رحمه الله ـ كلمة جميلة في مقدمة تحقيقه لكتاب (الفَرْق بين الفِرَق) إذ يقول : (والحق أن أصول الفرق لا يصل إلى هذا العدد، بل إنه لا يبلغ نصفه ولا ربعه، وأن فروع الفرق يختلف العلماء في تفريعها، وأنت في حيرة حين تأخذ بالعد، ثم يقول: وفي الحق أنه ـ على فرض صحة الحديث ـ لا ينحصر الافتراق كما كان في العصور الأولى، ومن قبل أن يدون هؤلاء الأعلام مصنفاتهم، بل لا يزال الأمر يسير على المنهج الذي سار عليه أول الأمر) .
يقول الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني :
(وقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ما أنا عليه وأصحابي) يشمل بعمومه وإطلاقه جميع العلماء الذين يجتهدون في اتباع ذلك ويصرّحون به، مهما اختلفت مناهجهم وأساليبهم في فهمه، فالجميع حريص على ذلك، سواء في فروع الفقه أو في فروع العقائد)

  ز ـ حديث حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه :

وهذا حديث مهم ومفيد، للرد على من يتصيّد في الماء العكر، ويريد تفريق جماعة المسلمين السنّة، ويرغب في تصنيف الناس وبالتالي تبديعهم وتفسيقهم، وتشتيت شمل الأمة. فعن عمر بن أبي قُرة الكندي قال: (كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق  ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان، فيذكرون له قول حذيفة، فيقول سلمان : حذيفة أعلم بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له : قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك، فأتى حذيفة سلمان وهو في مبقلةٍ فقال: يا سلمان ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال سلمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يغضب  فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لناسٍ من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالا حب رجال ورجالا بغض رجال وحتى توقع اختلافاً وفرقةً، ولقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  خطب فقال: أيما رجل من أمتي سببتُه سبةً أو لعنته لعنةً في غضبي فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة، والله لتنتهيَنَّ أو لأكتبن إلى عمر )(18)، ثم يقول الشاطبي: فتأملوا ما أحسن هذا الفقه من سلمان رضي الله عنه، وهو جار في مسألتنا. ومن هذا الحديث يتبين لنا أن الراسخ في العلم لا ينبغي له أن يصنف الناس بما ينفر العامة من العلماء، وبما يزيد الشقاق في الأمة، مع التذكير بأن هذا لا ينافي تناقش وتحاور الفرق في الأمور التي اختلفوا فيها، ضمن هدي الكتاب والسنة.

  فوائد متناثرة  :

يقول التاج السبكي رحمه الله في طبقاته: سمعت الشيخ الإمام  رحمه الله يقول: ما تضمنته عقيدة الطحاوي الحنفي ، هو ما يعتقده الأشعري، لا يخالفه إلا في ثلاث مسائل ثم يقول: وقد تأملت عقيدة أبي جعفر الطحاوي، فوجدت الأمر على ما قال الشيخ الإمام. وعقيدة الطحاوي زعم أنها الذي عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، ولقد جود فيها

كان أئمة أهل السنة والجماعة , لا يلزمون الناس بما يقولونه من موارد الاجتهاد , ولا يكرهون أحدا عليه , ولهذا لما استشار هارون الرشيد مالك بن أنس في حمل الناس على موطئه , قال له : لا تفعل يا أمير المؤمنين , فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار , فأخذ كل قوم عمن كان عندهم , وإنما جمعت علم أهل بلدي (فتاوى ابن تيمية 6/337)

قال أبو الفرج الشيرازي من أصحابنا رحمه الله في كتاب التبصرة له قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه وإذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فأرجه وإذا رأيته مع أصحاب البدع فايئس منه فإن الشاب على أول نشوئه (الآداب الشرعية 3/578)
أول ما ينبغي للمؤدب أن يعلم الصبي السور القصار من القرآن , بعد حذقه بمعرفة الحروف وضبطها بالشكل , ويدرجه بذلك حتى يألفه طبعه , ثم يعرفه عقائد أهل السنة والجماعة , ثم أصول الحساب , وما يستحسن من المراسلات والأشعار دون سخيفها  ومسترذلها . وفي الرواح يأمرهم [ المؤدب ] بتجويد الخط على المثال , ويكلفهم عرض [ ما ] أملاه عليهم حفظا غائبا لا نظرا . ومن كان عمره فوق سبع سنين أمره [ المؤدب ] بالصلاة في جماعة , لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { علموا صبيانكم الصلاة لسبع , واضربوهم على تركها لعشر } . ويأمرهم [ المؤدب ] ببر الوالدين , والانقياد لأمرهما بالسمع والطاعة , والسلام عليهما وتقبيل أيديهما عند الدخول إليهما ; ويضربهم على إساءة الأدب والفحش من الكلام , وغير ذلك من الأفعال الخارجة عن قانون الشرع ,( نهاية الرتبة في طلب الحسبة 104  للشيزري )
قال السبكي في مفيد النعم ومبيد النقم : وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة يدينون بطريقة شيخ السنة أبي الحسن الأشعري لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الاعتزال ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم , (مواهب الجليل 1/ 26)


في كتاب الحاوي : أهل السنة والجماعة من فيه عشرة أشياء : الأول أن لا يقول شيئا في الله تعالى لا يليق بصفاته . والثاني : يقر بأن القرآن كلام الله تعالى وليس بمخلوق . الثالث : يرى الجمعة والعيدين خلف كل بر وفاجر . والرابع : يرى القدر خيره وشره من الله تعالى . والخامس : يرى المسح على الخفين جائزا . والسادس : لا يخرج على الأمير بالسيف . والسابع : يفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعليا على سائر الصحابة . والثامن : لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب . والتاسع : يصلي على من مات من أهل القبلة . والعاشر : يرى الجماعة رحمة والفرقة عذابا .( البحر الرائق 8 / 207)    والحمد لله أولاً وآخراً.

ملاحظة: للاستزادة : (مفهوم أهل السنة والجماعة بين التوسيع والتضييق) للدكتور محمد أبو الفتح البيانوني.



إعداد : الشيخ محمد عبدالله نجيب سالم
المراجعة العلمية : الشيخ عبد الله نجيب سالم
    9 من ذي القعدة الحرام 1425       
                      2 /12/2004