آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    ردود وشبهات   مقالات وأبحاث
عدالة الصحابة رضوان الله عليهم



مرات القراءة:2741    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

عدالة الصحابة "رضوان الله عليهم"

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

فبعض الفئات التي لا خلاق لها، أكثرت الطعن والانتقاص من الصحابة، فمنهم من انتقص عموم الصحابة، ومنهم من انتقص أفراداً معينين، ومنهم من اتخذهم غرضاً يرمى بالشتم والقذف وردّ رواياتهم والتشكيك في إيمانهم أو مواقفهم أو عدالتهم، مما جعل منزلة الصحابة مشوشة عند عوام الناس ممن يطرق مسمعه هذا الطعن دون أن يعلم من الدين ما يرد به على المفترين، فأنساهم ذلك واجب الاحترام والمحبة والإجلال تجاه هؤلاء الذين أوصلوا إلينا الشريعة منزهة عن الشوائب، صافية من كل دخيل، لذا وجب أن نوضح للناس أن الصحابة كانوا ولا يزالون إلى يوم الدين نبراساً نقتدي بهم، وقدوة نتأسى بسيرتهم، ولن يأتي يوم يستطيع فيه البعوض والفراش الكليل أن يحجب نورَ الشمس الوهاجة بأجنحته الواهية.

 

تعريف الصحابي :

 

هناك مذهبان في تعريف الصحابي : مذهب المحدثين ومذهب الأصوليين.

فالمحدّثون قالوا: الصحابي كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال البخاري في صحيحه : من صحب النبي صلى الله عليه وسلم، أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.

وقال ابن حجر: وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه مَنْ طالت مجالسته أو قَصُرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغزُ، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى . . . وهو رأي الجمهور.

وقد نص على أن مجرد الرؤية كافٍ في إطلاق الصحابة البخاريُ وأبو رزعة وغيرُ واحد ممن صنّف في أسماء الصحابة، وقال آخرون : لا بد في إطلاق الصحبة مع الرؤية أن يروي حديثاً أو حديثين.

أما الأصوليون فقالو : الصحابي هو من طالت مجالسته للرسول على طريق التبع له والأخذ منه.

ووافقهم ابن المسيب بقوله : لا بد من أن يصحبه سنة أو سنتين أو يغزو معه غزوة أو غزوتين.
والذي يرجح لدينا أن مذهب المحدثين هو المذهب الأصح والأقوى الذي أخذ به معظم العلماء عند حديثهم عن الصحابة والصحابي.

 

فضل الصحابة رضوان الله عليهم :

 

جاء فضل الصحابة واضحاً في الكتاب والسنة، في آيات وأحاديث كثيرة نذكر بعضاً منها.
ففي القرآن قال الله تعالى فيهم: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110).

وقال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100)
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (لأنفال:64) أما السنة النبوية فقد روى الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خَيرُ القرونِ قَرني ثمّ الذينَ يَلونَهم" وهذا الحديث كافٍ في إثبات فضلهم على الناس.
وروى البزار عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله اختارَ أصحابي على العَالمين سوى النبيين والمرسلين".

 

عدالة الصحابة رضوان الله عليهم :

 

العدالة : قال القرطبي : قال علماؤنا : العدالة هي الاعتدال (الاستقامة) في الأحوال الدينية، وذلك يتم بأن يكون مجتنباً للكبائر محافظاً على مروءته وعلى ترك الصغائر، ظاهر الأمانة، غير مغفل.

قال الإبياري : ليس المراد بعدالتهم ثبوتُ العصمة لهم واستحالةُ المعصية، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلفِ بحثٍ عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا من يثبت عليه ارتكاب قادحٍ ولم يثبت ذلك والحمد لله، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثبت خلافه.

فالصحبة إذاً لها شرف يمنح صاحبها ميزة خاصة، وهي أن جميع الصحابة عند من يعتد به من أهل السنة والجماعة عدول، سواء من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس، وهو قول الجمهور.

وقال شارح مسلم الثبوت : إن عدالة الصحابة مقطوعة لا سيما أصحاب بدر وبيعة الرضوان، كيف لا وقد أثنى عليهم الله تعالى في مواضع عديدة من كتابه، وبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضائلهم غير مرة.
وقال ابن أمير الحاج في التقرير والتحبير في شرح التحرير: الأكثر على عدالة الصحابة فلا يُبحث عنها في رواية ولا شهادة، وقيل : كغيرهم فيهم العدول وغيرهم فيُستعلم التعديل بما تقدم من التزكية وغيرها إلا من كان مقطوعاً بعدالته كالخلفاء الأربعة، وقيل : هم عدول إلى الدخول في الفتنة في آخر عهد عثمان رضي الله عنه كما عليه كثير، وقيل : من حين مقتل عثمان.

وقال السبكي : والقول الفصل أنّا نقطع بعدالتهم من غير التفات إلى هذيان الهاذين وزيغ المبطلين، وقد سلف اكتفاؤنا في العدالة بتزكية الواحد منّا، فكيف بمن زكّاهم علامُ الغيوب، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء في غير آية كما زكاهم أفضلُ خلقِ اللهِ الذي عصَمَه اللهُ عن الخطأ في الحركات والسكنات محمدٌ صلى الله عليه وسلم في غير حديث، ونحن نسلّم أمرهم فيما جرى بينهم إلى ربهم جل وعلا، ونبرأ إلى الملك سبحانه ممن يطعن فيهم، ونعتقد أن الطاعن على ضلال مهين وخسران مبين، مع اعتقادنا أن الإمامَ الحق كان عثمانَ، وأنه قُتل مظلوماً، وحمى اللهُ الصحابةَ من مباشرة قتله، فالمتولي قتله كان شيطاناً مريداً، ثم لا نحفظ عن أحد منهم الرضا بقتله، إنما المحفوظ الثابت عن كلٍ منهم إنكار ذلك، ثم كانت مسألة الأخذ بالثأر من قتلة عثمان اجتهاديةً : رأى علي كرم الله وجهه التأخيرَ مصلحةً، ورأتْ عائشة رضي الله عنها البِدارَ مصلحة، وكلٌّ جرى على وفق اجتهاده، وهو مأجور إن شاء الله تعالى.

وقال الإمام الغزالي في المستصفى: والذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلف أن عدالتهم معلومة بتعديل الله إياهم وثنائه عليهم في كتابه فهو معتقدنا فيهم، إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل، قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: 110).

وقال : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: من الآية143).

وقال صلى الله عليه وسلم : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم) "رواه البخاري ومسلم".

وقال صلى الله عليه وسلم : (إن الله اختار لي أصحابي فجعلهم أصحابي وأصهاري، وسيجيء من بعدي قوم ينتقصونهم ويسبونهم، فإن أدركتموهم فلا تناكحوهم ولا تؤاكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم) "رواه الدارقطني".
فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب سبحانه وتعديل رسوله ؟!

ولا يخلو الأمر من وجود معارضين لا يعتد بهم ولا يلتفت إليهم. لم يقولوا بما اتفقت عليه الأمة وما ثبت بالدليل القطعي.

فقد قال جماهير المعتزلة : عائشة وطلحة والزبير وجميع أهل العراق والشام فسّاق بقتال الإمام الحق.

وقال قوم من سلف القدرية : يجب رد شهادة علي وطلحة والزبير مجتمعين ومتفرقين، لأن فيهم فاسقاً لا نعرفه بعينه.

وقال كثير من الشيعة بفسق أكثر الصحابة لموافقتهم على خلافة عثمان. وغير هذا وذاك من الأقوال الباطلة. وكل ذلك جراءة على السلف على خلاف السنة.

 

سبب عدالة الصحابة رضي الله عنهم :

 

السبب في وجوب اعتقاد عدالة الصحابة : أنهم نَقَلة الشريعة، وأن الله امتدحهم وأثنى عليهم، وأنهم ضحوا وبذلوا وصدقوا في هذا الدين، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو راضٍ عنهم، ولو ثبت توقفٌ أو تشكيك في روايتهم وردها لانحصرت الشريعة على عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما استرسلت في سائر الأمصار، الذين تلقوا الدين والقرآن عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.


أدلة عدالة الصحابة رضوان الله عليهم :

 

أدلة العدالة كثيرة فقد شهد لهم بذلك الله سبحانه في القرآن، وصرح به النبي صلى الله عليه وسلم في السنة، وانعقد اجماع المسلمين على ذلك.

أما القرآن فقد قال الله تعالى : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) (الفتح: من الآية29)

وقال تعالى : (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100)

وقال تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (لأنفال:74)

وقال تعالى : (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر:8)

وقال تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9).

وقال تعالى : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح:18)

وأما السنة فقد روى أبوسعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) "رواه البخاري".

وقال صلى الله عليه وسلم : (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غَرَضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) "رواه الترمذي وقال عنه السيوطي حديث حسن".

وقد أجمعت الأمة من أهل السنة والجماعة على عدالتهم وفضلهم وعلو منزلتهم على من سواهم رضي الله عنهم.

 

حكم القدح في الصحابة :

 

لو أننا لم نذكر من أقوال العلماء الكثيرة المستفيضة في ذم وردع مَنْ قدح الصحابة وطعن فيهم إلا قول أبي زرعة لكفى ذلك رادعاً، فقد روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيتَ الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدّى إلينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحّوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم الزنادقة.

وذكر القرطبي في تفسير قول تعالى : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) قال : روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ مالك هذه الآية : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) حتى بلغ : (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) فقال مالك : من أصبح من الناس في قلبه غيظٌ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية.

قلت - أي القرطبي - : لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه في روايته فقد ردّ على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين.

نسأل الله أن يسدد خطانا ويحفظ ألسنتنا من أن نقع في طعن واحد منهم…

 

فوائـــد وفرائـــد :

 

جاء في حاشية العطار على شرح الجلال المحلي : الصحابي اسم جنس، والنسبة فيه لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تسمية إسلامية، قال الزركشي : ولا تضر فيه جهالة الاسم لثبوت عدالتهم، فإذا قيل في الإسناد : عن رجل من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان حجة ولو لم نعلم اسمه.

ويقول الزركشي : ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير (أي من أخطاء وهفوات لبعض الصحابة) فإنه لا يصح وما صح فله تأويل صحيح... أقول ومع ذلك فنحن لا نقول بعصمة الصحابة ولكنا نقول : إن شرف الصحبة قد غطى ما سواه. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله اطلع على اهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أبي هريرة. وقال صلى الله عليه وسلم عن عثمان يوم تبوك : (ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا) رواه الترمذي. قال بعضهم :

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع !!

لا يدخل في تعريف الصحابي (الصحابي : من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً ومات على ذلك) لا يدخل الأنبياء الكرام الذين اجتمع بهم ليلة الإسراء والمعراج وإن كانوا أفضل من الصحابة، ولا الملائكة الذين لقوة تلك الليلة، ولا من اجتمع به غير مميز ولم يره بعد التمييز، كالأطفال الذين حنكهم – ومنهم عبدالله بن الحارث بن نوفل – أو الذين مسح وجوههم أو تفل في أفواههم كمحمد بن حاطب وعبدالرحمن بن عثمان التميمي وعبدالله بن معمر ونحوهم. ولا تثبت الصحبة بالرؤية في المنام ، ولا في اليقظة على قول من أجاز رؤيته فيها.

اختلف في ثبوت صحبة الجن، وفي ثبوت صحبة غير البالغ من المميزين، وفي ثبوت صحبة عيسى عليه السلام ـ إذا نزل وحكم بشرعه صلى الله عليه وسلم – وفي ثبوت صحبة من لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات على الحنيفية قبل البعثة كزيد بن عمرو بن نفيل، وقد أثبت العلماء الصحبة لولده (ص) إبراهيم، دون من مات قبل البعثة كالقاسم.

طريق إثبات الصحبة. قال العطار في حاشيته : طريق ذلك إما التواتر كأبي بكر وعمر ونحوهما، أوالاستفاضة والشهرة كعكاشة بن محصن، أوشهادة صحابي فيه أنه صحابي كمحمد بن أبي حممة الدوسي الذي مات بأصبهان مبطوناً فشهد له أبو موسى الأشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، أو بإخبار آحاد التابعين بأنه صحابي بناء على قبول التزكية من واحد - وهو الراجح – أو بقوله هو : أنا صحابي إذا كان عدلاً وأمكن ذلك.

آخر الصحابة وفاة على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي اختلف في سنة وفاته (100هـ أو 102هـ أو 110هـ) وقد جزم مسلم في صحيحه أنه آخر الصحابة وفاة. ومع ذلك ظهر بعد الستمائة هجري رجل يسمى رَتَن الهندي، وادعى الصحبة فصدقه جماعة متهورون ممن يتبع كل ناعق ويلبي دعوة كل ناطق، قال الذهبي في الميزان : وما أدراك مارتَنَ؟! شيخ دجال بلا ريب ظهر بعد الستمائة فادعى الصحبة وهذا تجرؤ على الله ورسوله.
والحمد لله رب العالمين.

إعداد الشيخ/ محمود أحمد نايف

مراجعة الشيخ / عبدالله نجيب سالم
الثلاثاء: 27 من ربيع الآخر 1425هـ
15 من يونيو 2004م