آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    أتباعه وإخوانه   إخوان وأتباع السيد النبهان من العراق
الشيخ أيوب محمد الفياض رحمه الله



مرات القراءة:678    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 الشيخ أيوب محمد الفياض

1363 - 1394هـ/ 1944  1974م

 

ترجمة الشيخ أيوب محمد الفياض رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة 139).

المحب الذاتي الصادق، مؤسس مدرسة الأحمدية، الشيخ أيوب بن محمد بن عبد الله الفياض الكبيسي.

ولد في ناحية كبيسة في العراق في العام الذي هاجر فيه والده من كبيسة إلى الفلوجة 1944م، في أسرة آل الفيّاض الشهيرة بالكرم والصلاح نما غصنه وزها، حتى إذا أكمل دراسته الابتدائية أرسله والده إلى الآصفيّة الشرعيّة.

تميز بهمّة عالية ومكانة راقية، وتفوق بالعلم والأدب، وتمكّن لفترة أن يجمع بين طلب العلم والتجارة، ثمّ تجرد للعلم، وتشرف بالتعرف على العارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان -رضي الله عنه- فما أن حطّ رحاله عنده حتى توجه بكليته ليسبق بصدقه الكثير ممن وفدوا قبله على حلب، وتفضّل عليه -رضي الله عنه- بتربية خاصّة وعناية قلّما تجدها على غيره.

وبعد أن أكمل الثاني عشر في آصفية الفلوجة عزفت نفسه عن تسلسل الشهادات التي درج عليها الطلبة في الماجستير والدكتوراه، لكنه لم يتوقف عن الاستزادة في طلب العلم في حلقة أقرانه.

وفي عام 1969م وبإشارة من سيدنا محمد النبهان -رضي الله عنه- تمكن من تأسيس المدرسة الأحمديّة الشرعية في الخالدية الكائنة بين الفلوجة والرمادي، حتى أصبحت المدرسة بمديرها الشيخ أيّوب وإخوانه المدرّسين بشهادة سيدنا رضي الله عنه: «مدرسة الخالديّة قبل الكل وأحسن، مدرسة الخالديّة قطعة من الكلتاوية».

والشيخ أيوب -رحمه الله- كان مبتلًى بطفح واحمرار في وجهه، فوضع سيدنا -رضي الله عنه- يده عليه فبرئ.

واتفق مع عشرة من أصحابه في الفلوجة على قيام الليل، وربما أمضى الليل كله يتجول بسيارته مع بعضهم يذكر الله تعالى وينشد ويتضرع، فعجيبٌ أمره، فهو بحق عاشق، حتى أصبح سيدنا النبهان -رضي الله عنه-  يقول عنه: «أيوب نحن نشتغل له، أيوب ظلي، أيوب لا فرق بيني وبينه».

وامتحنه -رضي الله عنه- بأمر بالسفر من حلب دون أن يسمح له بتوديعه، فارتقى أيوب

-رحمه الله- سطح المسجد وهمّ أن يلقي بنفسه! لولا أن تداركه  -رضي الله عنه- وأجلسه عنده، ثم ودّعه.

وهو -رحمه الله-يقول الحق ولا يخشى في الله لومة لائم، وصادق صريح لا يحيد عن الصراط، ملازم لحالة واحدة يترقى فيها، لا نعرف عنه كبيرة أو صغيرة، ولا يأكل من رواتب الأوقاف، بل يدفع مرتبه إلى أحد المدرسين معه، ومع أنه من عائلة معروفة بالغنى أصبح مدينًا بسبب ما ينفقه على طلبة العلم والمحتاجين.

وأخذ الذهب من أهل بيته ومحارمه وصرفه على المدرسة وتلاميذها.

وعمل جردًا بالأسر الفقيرة في الخالدية، وأجرى تخصيصات نقدية وعينية شهرية، فالفاكهة على سبيل المثال في أول أوانها لا تدخل بيته قبل أن تدخل بيوت أولئك المحتاجين، وقلما تجد مثل هذا العمل في زماننا.

فتلك هي كلمات مختصرة عن حياته، رحمه الله.

حتى إذا جاء اليوم الّذي توفي فيه سيدنا النبهان -رضي الله عنه- سافر -رحمه الله تعالى- في اليوم التالي (الأحد 25 آب 1974م) بصحبة الشيخ عايش جروان الكبيسي، والشيخ حامد صخي، ثم لحق بهم الشيخ هشام في اليوم التالي بالطائرة.

يتابع الشيخ هشام حديثه عن ذلك فيقول: لم يبق لنا من أمل في هذه الدنيا الفانية إلَّا اللحوق بسيدنا النبهان -رضي الله عنه- وكنا في الكلتاوية جنبًا إلى جنب، وهو يتنهّد بحسرة ويردد على سمعي من حين لآخر: الدنيا قصيرة وإن طالت يا أخي يا هشام.

وحوالي الثانية والنصف من بعد ظهر الثلاثاء (26 آب 1974م) ونحن في غرفة الضيافة أخذتني سِنَة من النوم فرأيت: وإذا نحن بسيارة مع سيدنا -رضي الله عنه- باتجاه مدينة حماة، فأخطأ السائق سيره فظننت أن ضابط المرور سيستوقفنا ويجعلها مخالفة، فقال رضي الله عنه: كأنها ليست مخالفة! وفهمت أن الصورة صورة مخالفة لكنها الحقيقة ليست مخالفة، ثم انتبهت.

وانتهت تلك الليلة الثالثة بحفل تأبينه -رضي الله عنه-، حتى إذا تفرق الجمع بعد الحادية عشر ليلًا توسد الشيخ أيوب في النعش الّذي حمل فيه سيدنا -رضي الله عنه- وأخذ يتضرع ويقسم على الله -تعالى- ويتوسل بالسيدة فاطمة الزهراء البتول رضي الله عنها-أن يلحقه بمن يحب!

وأسرّني -رحمه الله تعالى- قبلها: إذا كنتَ ترغب بالعودة معنا إلى العراق فعليك أن تتهيأ قبل الفجر بساعة.

وحان الموعد الّذي اتفقنا عليه، فدخلنا حضرة سيدنا -رضي الله عنه-، فألحّ بالدعاء والطلب باللحوق به.

ثم انطلقنا من الكلتاوية هو وأنا والشيخ حامد صخي، فسألني: أنتجه إلى دير الزور أم الشام؟

قلت: دير الزور أقرب. قال: بل عن طريق الشام.

قلت: خير المرافقة الموافقة.

وفي الطريق أذّنت مساجد حلب لصلاة الفجر، فدخلنا جامع سيف الدولة الحمداني، واقتدينا بالشيخ أيوب دون أن يلحق بنا غيرنا، صلينا وخرجنا بسيارته، وأنا معه في صدرها والشيخ حامد صخي من خلفنا، حتى إذا صرنا قريبًا من منطقة خان السِّبِلْ مسافة تزيد عن ستين كيلو مترًا من حلب، طلب الشيخ أيوب من الشيخ حامد تلاوة شيء من القرآن الكريم، فاعتذر، فقرأ آيات من سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ الآيةَ (الزمر73).

وما هي إلا لحظات حتى أخذت السيارة من يد الشيخ أيوب يسارًا، وإذا بنا وجهًا لوجه مع عربة والسرعة على المئة، فقلت: لا.. لا يا شيخ أيوب، فانتبه، ولاذ يمينًا دون أن يتمكن من الخلاص من حادث اصطدام بجرار زراعي صعقه بعجلته الخلفية، فانقلبت سيارتنا، وتخلخلت نوافذها، فخرجت وأخذت بيد الشيخ أيوب فقال: يا أخي هشام جرَّني جرَّني، وتمكن الشيخ حامد من الخروج من نافذة أخرى!  مسكت بالشيخ أيوب ورفعته بكلتا يديّ فإذا به لا ينفع نفسه، كسرٌ في يده اليسرى، وآخر فوق الركبة اليمنى، فاحتضتنه ووقفت فجاءتنا سيارة يقودها ضابط برتبة رائد، فحملنا إلى حماة حيث كانت أقرب إلينا من حلب، ولم يكن غيره في الشارع وقتئذٍ.

وفي طريقنا إلى حماة تذكرت الرؤيا التي رأيتها في الكلتاوية وقول سيدنا -رضي الله عنه-: كأنها ليست مخالفة، فضممت الشيخ أيوب إلى صدري أمسح ما به من دم بعمامتي! وهو يقول لي: يا أخي يا هشام خلصتْ أم بعد؟  أي هل انتهت الحياة أم لا! فلم يضعف طلبه باللحوق.

وحين وصلنا حماة حملناه بمحمل ودخلنا المستشفى الأهلي وهو يصرخ أوكسجين محمد، أوكسجين محمد، أوكسجين محمد -صلى الله عليه وسلم- فاتصلت بحلب وأخبرتهم بالحادث، ولم تمض أكثر من ساعة حتى فارق الحياة مبتسمًا، فقبّلته ستًّا واتصلت بحلب ثانية وأعلمتهم بالوفاة.

أصيب الشيخ حامد صخي بكسر في الترقوة، أما أنا فبفطر في الجمجمة، وبعد ساعة وصلت نجدة من الكلتاوية في سيارتين بجمع من أصحاب سيدنا -رضي الله عنه-، إذ ذاك فرغ القضاة من التحقيق، ورجعنا بالشيخ أيوب إلى حلب ثانية!

وفي الكلتاوية تم تغسيله وتنشيفه بالمناشف التي نشف بها جسد سيدنا  -رضي الله عنه ثم جيء به إلى الفلوجة بصحبة وفد من حلب، ودفن في مقبرة الفلوجة الإسلامية بجوار والده الحاج محمد الفياض، رحمهم الله تعالى، ورحمنا بهم آمين(انظر كتاب «السيد النبهان» 339:1).

وكتب لي في رثائه صديقه الوفي الشيخ حامد الصخي فقال:

(مع الشهيد الشيخ أيوب الفياض)

إذا القومُ قالوا مَن فَتًى؟ خِلتُ أنّني* عُنِيتُ   فلمْ   أكسَلْ   ولم     أتبَلّدِ

مع فَتَى الفُتُوّة، الرجل الذي آتَاهُ الله عِلْمًا وحِلْمًا ومالًا وكرمًا وأدَبًا وفَهْمًا، مع شهيد الحُبّ ومحبوب الحضرةِ، مع المُحب الذاتي الصدّيق أبي عبد الحليم الشيخ أيوب الحاج محمد الفياض، رحمه الله.

شخصيّة تُسابق الشجاعة والكرم، وجهٌ نبهاني ترى في جلالة قدره أنوارَ شيخه وسيّدِه.

ووجهٌ كأنَّ الشمس ألقت رداءها* عليه،   نَقِيَّ   اللّونِ،   لم   يتخدّد   

 لأنّه تَوَشّحَ برداءِ الكمالات ترعاهُ يدُ العناية النبهانيّة، فاختاره اللهُ تعالى ليكون مظهرًا من مظاهر سيدنا محمد النبهان -قُدّسَ سِرّه- وخادمًا لَهُ في الدنيا والآخرة وهذا جُلُّ ما تَمّناه، فعجيبٌ أمره، فهو بحق عاشق، حتى أصبح سيدنا النبهان  يقول عنه: «أيوب نحن نشتغل له، أيوب ظلي، أيوب لا فرق بيني وبينه».

هو صادقٌ في كلّ شيء، كلّ أقرانِهِ يتَطَلّعون إلى صحبته والاستفادة من عُلّو همتِهِ.

تمسّكْ إن ظفِرتَ بذيلِ حُرِّ* فإنَّ  الحرَّ   في  الدنيا   قليلُ

للشيخ أيوب -رحمه الله- حضور مُؤثِر، قويّ الشخصيّة، قريب للقلوب، كنّا نتمنى مجالسته والاستماع اليه، ذو هيبة من قُوَّة رابطته بسيّدنا الكريم رضي الله عنه.

كان -رحمه الله- في مقام «الخلوة في الجلوة» يُخالط الطلاب والنَّاس، ويسعى بخدمتهم، ولكنّ قلبه مربوط بسيده، يَتَمثّلُ كثيرًا بقول شهيدة العشق الإلهي السيدة رابعة العدوية رضي الله عنها:

وَلَقَدْ جَعَلْتُكَ فِي الْفُؤَادِ مُحَدِّثِي* وَأَبَحْتُ جِسْمِي مَنْ أَرَادَ جُلُوسِي

فَالْجِسْمُ مِنِّي لِلْجَلِيسِ مُؤَانِسٌ* وَحَبِيبُ قَلْبِي في الفؤاد أَنِيسي

أذْكُرُ يومًا ذهبنا إلى عشيرة الجنابيين في قضاء المسيّب لدعوة أبنائهم لدراسة العلم، ركبنا سيارة أجرة من بغداد وكنّا أربعة فَلَمَّا تحركت السيارة فتح السائق أغنية من الرادّ «المذياع» فطلب أحدُ إخواننا من السائق أن يغلق الموسيقى فقال له الشيخ أيوب: والله لو لم تنبهنا لم أسمع شيئًا «المشغول لا يُشْغَل» لأنّه كان مشغولًا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصيغ ملازمة لها: اللهم صَلِّ على سيّدنا محمد عبدك ونبيّك وَرَسُولِكَ وحبيبك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وَسلّم.

كنتُ معه يومًا بسيارته وهو يقودها من الخالدية إلى الفلوجة وهو يلازم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالصيغة نفسها قال لي: «أتدري لِمَ اشتريتُ السيارة؟ لأنّها عزلة لوحدي لا أتقيّد بأحدٍ ولا أسمع أو أستمع لَغَطَ الآخرين».

ولقدْ خلوتُ معَ الحبيبِ وبيننا* سِرٌّ أرَقّ مِنَ النّسيمِ إذا سرَى

كان من جميل خصال الشيخ أيوب خدمة الناس والعناية بهم وبالأخصّ إخواننا وكلّ من انتمى إلى الكلتاوية، يحكي سيرة سيدنا شيخ الشيوخ شعيب أبو مدين رضي الله عنه بقوله:

وبالتَّفَتّي عَلى الإخوان جُدْ أبدًا* حِسًا ومَعنىً وغُضَّ الطَّرفَ إن عَثرَا

يشهدُ بذلك قيامه بخدمة شيخه بالعلم فضيلة العلامة الشيخ عبدالعزيز سالم السامرائي -رحمه الله- ومرافقته إلى لندن للعلاج؛ لأن سيدنا محمد النبهان قُدّسَ سِرّه العزيز أمَرَهُ بذلك، ولمّا عادوا إلى الفلوجة كان يشرف بنفسه على علاجه، رأيتُهُ يغسل رجله ثم يُداويها بلا تكلّف؛ لأنّه ينفّذ أمرَ المرجع العارف بالله.

كنتُ يوم جمعة عام 1970م داخل حرم جامع الفلوجة الكبير أقرأ سورة الكهف فأُغْمي عليّ بسبب هبوط حاد في ضغط الدم، حملوني إلى حجرتي وإذ به يُحْضر الطبيب ويأتي بالبرتقال، ويوصي بعصيرها لي، جاء بكميات كبيرة ويقول: البرتقال يصفي الدم وعصيره يزيل الحمى، بقي يتابع ويسأل إلى أنْ اطمأن على صحتي، علمًا بأنّي في ذلك الوقت كنت معه كبقية الإخوة في المدرسة الآصفية، هو يصنع هذا مع الجميع دون تكلّف أو غَرَضٍ، وهذا شأن الصادقين الذاتيين.

كان عمري حينها ستة عشر عامًا وهو يكبرني بعشرة أعوام، وجاءت الأقدار ليكون خالَ أولادي صهرًا نسيبًا وأخًا حبيبًا.

لله درّه! ما أبَرّه! جزاه الله خير الجزاء وأتَمّه.

في أواخر شهر ذي القعدة عام ١٣٧٢هـ كنتُ في حجرتي في جامع الفلوجة الكبير، وإذا بالأخ الحاج محمود رْحَيّم يأتيني ضحًى على غير عادته وهو في حالة جذب وهيام فقال لي: يا الله نذهب إلى أخينا الحاج سليمان، وهو من إخواننا المحبين وله حضور مع سيدنا الكريم، كان يسكن في قرية تبعد مسافة 10 كيلومتر تقريبًا عن الفلوجة، خرجنا مشيًا أنا وإيّاه ومعنا الحاج رشيد مشعان والشيخ محمود علي داود البعقوبي، والحاج ثابت حمدان نذكر الله كأننا في حلقة ذكر، والأخ الحاج رشيد ينادي سيدنا بندائه المشهور «يا سْنَايْدِي يا سْنَايْدِي»، والحاج محمود رْحَيّم يُجيبه هاه هاه  يالله حَرّكْ قلبَكْ، وَيُنْشد بصوته الشجي:

أَبدًا تَحنُّ  إِلَيكُمُ  الأَرواحُ* وَوِصالُكُم رَيحانُها وَالراحُ.  إلى آخر القصيدة.

مَنْ يرانا يقول: مجانين، وصلنا إلى بيت الحاج سليمان، فوجدناه عند ماكينة الماء التي تسقي زرعه، وصوتها يُدّوي  فقال الحاج ثابت حمدان، رحمه الله: هذه الماكينة دَوّيها مثل نبضات قلبي تقول: الله الله، وأخذه الحالُ وعندها بدأنا نردّد معه: الله الله الله الله، حلقة ذكر مع ماكينة الماء، ثم انطلقنا  إلى الخالدية، والمسافة أبعد لأن الطريق من الفلوجة إلى الخالدية أكثر من ٢٠ عشرين كم، مشيناها وقد طُويت المسافات، دخلنا على الشيخ أيوب في المدرسة الأحمدية على هذه الحالة فَرّحَبَ بنا ثم هامَ يشاركنا ما عليه من حال، عُدْنَا سويًا بسيارته إلى الفلوجة فلما وصلنا بيته قال: تعالوا معي ادخلوا وبقينا إلى صلاة الفجر في ذكرٍ ومذاكرةٍ ومن يومها تواصلت النفحات كلّ ليلةٍ حتى مطلع الفجر.

دخلنا على سيدنا النبهان رضي الله عنه- قبيل وفاته بأيام لنودعه عائدين إلى العراق، فوجدناه في باحة بيته المبارك جالسًا، فأقبلنا نقبله العبد الفقير حامد صخي، والشيخ أيوب الفياض، ومعنا الأخ محمود علي داود البعقوبي من مدينة بعقوبة في العراق، وإذا بسيدنا يعطي لكل واحد منا قطعة من ملابسه، فأعطاني طاقيته التي يلف عليها العمامة، وللشيخ أيوب قماش العمامة، وكذلك لأخينا الشيخ محمود وأعطانا قطعًا أخرى، فلما ودعناه قال الشيخ أيوب -رحمه الله- «هذه رقعة القوم» تفاءل بها كثيرًا ولم نكن نعلم أنها الوداع.

حدّثني الشيخ أيوب محمّد الفياض -رحمه الله- قال: شاركت مع سيّدنا -رضي الله عنه- وطلبة مدرسة الكلتاوية وأساتذتها وخدم الجامع والمدرسة في إزالة الثلج المتراكم في الساحة وطول الطريق النازل من الكلتاوية إلى (قبو النجارين) واستغرق الأمر ساعات.

تشرفت بزيارة سيدنا -رضي الله عنه- عام وفاته ١٣٩٤هـ- ١٩٧٤م مرتين بمعية الشيخ أيوب الفياض -رحمه الله-، كانت الثانية قبل انتقاله بأيام، وأنشد الشيخ أيوب في حضرته يوم الجمعة قصيدة من نظم الأخ السيد هشام الألوسي، فأبكى الجميع، وكان يومًا مشهودًا في الكلتاوية، وكأنها أيام الوداع وتكلم سيدنا في تلك الحلقة عند الرابطة الشريفة بكلام غريب لم نفهمه كأنه من العالم الآخر وهو مسجل، ثم نادى سيدنا بأعلى صوته: استعجل استعجل، وكأنه ينادي شخصًا لا نراه، ثم شد الرحال الأخ الشيخ هشام إلى الكلتاوية، وأنشد بحضرته قصيدته:

غيورٌ عليك يا حلبُ غيور* بنار  الشَّوْقِ  مُلْتَهبٌ   أَدُور                    

حقًا إنها كانت أيام وداع لأن سيدنا كان يلمح بإشارات لانتقاله  لكن من غلبة تعلقنا به لم يخطر لنا هذا اليوم، أذكر لسيدنا موعد مع طبيب الاسنان في باب الفرج ليقلع آخر أسنانه فقال: لا أحد  يروح معي إلا الشيخ أيوب، أيوب وحده، وكأنه إشارة أن أول من يلحق بسيدنا هو الشيخ أيوب وقد حصل ذلك بعد ثلاثة أيام، أتذكر اتفق معي الشيخ أيوب وقال لي: إن السيد منع أي أحد يروح معه لطبيب الأسنان إلا أنا، وأنا أريدك معنا، فاذهب وانتظر على الشارع، وكأننا نعمل حيلة، فجاء سيدنا بسيارة الشيخ أيوب، فلما رآني سيدنا ابتسم وقال: اركب. والتفت إلى الشيخ أيوب مبتسمًا كأنه يقول له: هذا من ترتيبك، وصلنا عيادة الدكتور وقال الطبيب للسيد: سيدي! والله حرام نقلعها قوية فقال سيدنا بشدة: يا الله اقلعها خلصنا، ووضع الطبيب أسنان سيدنا في علبة وأعطانا إياها، فقال سيدنا للشيخ أيوب: خذوها لكم، وبقيت عندي فضلًا وبركة، وقال سيدنا في جمع من إخواننا بعد أن تم قلع جميع أسنانه وهو يشير إليها: خلصت خلصنا منها وكأنها إشارة إلى سنوات العمر وانتهاء الأجل، هذا ما فهمناه بعدئذ.

وهنا أذكر موقفًا لذلك الطبيب الذي نسيت اسمه لم يقبل أخذ أجرة أبدًا، فألح الشيخ أيوب كثيرًا لكن الطبيب لم يأخذ شيئًا، فقال سيدنا: لا أنساها له، وكررها سيدنا ونحن في الطريق عدة مرات، وأذكر طلب الطبيب من الشيخ أيوب يساعده فيضرب بالمطرقة على أسنان سيدنا وكنت أُناولهم المناديل، وفي اليوم الثاني كان سيدنا مدعوًا عند أحد إخواننا فقال للشيخ أيوب: كيف تضرب بالمطرقة على أسناني؟!  قالها سيدنا مازحًا وحبًا، فقال الحاج إسماعيل الفياض: أيوب ضيعت كل شيء، فرد عليه سيدنا: لا؛ أيوب حصّل كل شيء.

دعاهُ سيّدُنا مرة إلى بيته المبارك للغداء بعد صلاة العصر، مائدة فيها عدة أنواع من الطعام من طبخ البيت يظهر من خلالها الإكرامُ والاهتمام، وكنتُ بمعيته فضلًا ولكن كانَ هو المقصود، جلسنا في غرفةٍ على سطح البيت المبارك كانت مخصّصَة لأبي فاروق السيد أحمد ابن سيدنا، أكملنا الغداء وذهبنا نغسّلُ أيدينا وإذا بالشيخ أيوب ينتبه إلى كَسْرٍ في المغسلة فطلبَ من سيدنا إصلاحها فوافقَ -رضي الله عنه- وقال: «إيش يريد أيوب يعمل خَلُّوه» وكأنّه من أهل البيت.

كانَ الشيخ أيوب -رحمه الله- يقول لي: الخلقُ عيالُ الله فعلى مَنْ أتكّبر؟ واللهِ أريد أن أُقبّل يد الفقير والحمّال وكلّ البشر.

وهنا أذكر والحديث ما زال للشيخ حامد-موقفه يوم رحيل سيدنا  إلى ذلك العالم الآخر بالنسبة لنا وإلا فجميع العوالم عند العارف بالله واحدة، كنت أنا والشيخ أيوب والشيخ عايش جروان قد سمعنا كمن سمع لكن الشيخ أيوب ذهل ولم يصدق الخبر، وجاء لأخيه الشيخ خليل يسأله فقال: نعم. تعال ادخل البيت خوفًا عليه وقال لي وللحاج عايش: يا الله روحوا لبيوتكم، لكن الشيخ أيوب ركب سيارته، ورافقناه، وتوجهنا لحلب، ولما دخلنا الكلتاوية فجر الاثنين وجدنا السيد الكريم في حجرته الشريفة قد واروه الثرى فقال الشيخ أيوب: «كيف طابت قلوبكم أن تحثو التراب على حبيبي» وهو يبكي ثم أنشد متمثلًا بالسيدة فاطمة البتول رضي الله عنها:

ماذا  على مَنْ  شَمَّ  تُرْبَة  أحمدَ*أن لا يَشمَّ مدى الزمان غواليا

صُبَّتْ   عليَّ  مصائبٌ  لو   أنها* صُبَّتْ على الأيامِ  عُدْنَ  لياليا

حقًّا يقينًا كانت كلمات الهائم الذي فقد قلبه ويبحث عن ذاته ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (سورة التوبة 119).

ويوم الأربعاء 10 شعبان 1394هـ الموافق 28 آب 1974م  هو يومُ وفاة الشيخ أيوب -رحمه الله- بعد أربعة أيام من انتقال سيدنا النبهان فكانَ أوّل الاحبّة لحوقًا بالسيد الحبيب، توفي في حماة وتَمَّ نقلُهُ إلى الكلتاوية، وغُسّلَ بنفسِ المكان والأدوات التي غُسّلَ بها سيدُنا، وهي خصوصية للشيخ أيوب، وزُّفَ من الكلتاوية إلى الفلوجة يرافقه وفدٌ كبيرٌ كريمٌ منهم: الشيخ بشير حداد، والحاج فوزي شمسي، والحاج جاسم الفياض رحمهم الله، بقيتُ في الكلتاويةِ لوجودِ كسرٍ عندي من أثر الحادث، وشهدتُ أوّلَ حلقة ذكرٍ بعد سيدنا أقامها فضيلة الدكتور الشيخ محمد فاروق النبهان -أطالَ الله بعمره- وهو يرتدي عباءة وعمامة جده سيدنا محمد النبهان، كان الحزنُ كبيرًا، وكأنّنا فقدنا قلوبَنا.

عدتُ إلى العراق يوم السبت وكان مُصابي مُضاعفًا فقدتُ المرجع الطبيب الذي نشكو لهُ آلامَنا ونطلب منه آمالَنا، وأيضًا فقدتُ الأخ القريب الذي لم أفارقْهُ يومًا، حدّثني قبيل وفاتِه فقال: الدنيا ليست طويلة وإن طالت فغدًا أرجع الى الفلوجة فأعتزل الناس، وأغلق داري إلى أن ألحقَ بسيدي. كلمات يُسلي بها نفسَه فأرادَ اللهُ لهُ خيرًا ممّا تمنّاه ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الحديد 21). داومتُ بفضلِ الله على زيارتِهِ يوميًا والحديثَ معَهُ.

رحم اللهُ الشيخ أيوب الذي كان دائمًا ينشدُ هذه الأبيات يهيم بها ويُطربنا وهي تُحاكي حالة الحب والصدق الذي كان عليها:

فإنْ شِئتَ أنْ تحيا سَعيدًا، فَمُتْ بهِ*شَهيدًا، وإلاّ فالغرامُ لَهُ أهْلُ

فَمَنْ لم يَمُتْ في حِبّهِ لم يَعِشْ بهِ*ودونَ اجتِناءِ النّحلِ ما جَنَتِ النّحلُ

أحبة قلبي والمحبَّةُ شافعي* لدَيكم، إذا شِئتُمْ بها اتّصَل الحبلُ

عسَى عَطفَةٌ  منكُمْ عَليّ بنَظرَة ٍ*فقدْ تعبتْ بيني وبينكمُ الرُّسْل

أخذتمْ فؤادي وهوَ بعضي فما الَّذي*يَضَرّكُمُ لو كانَ عِندَكَمُ الكُلّ

وقدْ علموا أنِّي قتيلُ لحاظها*فإنَّ لها في كلِّ جارحة ٍ نصلُ

حَديثي قَديمٌ في هواها، وما لَهُ*كما علمتْ بعدٌ وليسَ لها قبلُ

ولي همَّةٌ  تعلو إذا ما ذكرتُها*وروحٌ بذِكراها، إذا رَخُصَتْ، تغلُو

فهمْ نصبَ عيني ظاهرًا حيثما سروا*وهمْ في فؤادي باطنًا أينما حَلُّوا.

اللهم ببركاتهم اكتبنا في ديوان سيدنا محمد النبهان من المقبولين، آمين.(انتهى ما كتبه صديقه الشيخ حامد الصخي)

وكتب لي الدكتور حامد فرحان: أثناء تشريف سيدنا -رضي الله عنه- للعراق بزيارته الثانية وفي بيت الشيخ أيوب محمد الفياض-رحمه الله تعالى- وكان الوقت ضحى جلس سيدنا -رضي الله عنه- ومعه ثلاثة من إخواننا الحلبيين وأنا الفقير وكان أحد الحلبيين ولا أعرف اسمه طلب من سيدنا أن نكون معه في الجنة كهذه الجلسة فقال: أنتم معي، فكاد من حضر أن يطير فرحًا.

سلام عليك يا أيها المحب الفاني، وسلام عليك أيها العاشق الملوع، رحمك الله، آنسك الله.

مصادر الترجمة:

           كتاب «السيد النبهان» ط3 (339:2).

           صديقه الشيخ حامد صخي، مراسلةً كتابيةً.

           الدكتور حامد فرحان، مراسلةً كتابيةً.

ملف مسموع:

نشيد الشيخ أيوب وحامد الصخي أمام السيد النبهان في ذكر الكلتاوية عام 1974م.

انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة 139)

 نشر موقع أحباب الكلتاوية 13-8-2021م