آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    رجال عبروا فيها   مجموعة من العلماء العاملين في الدار
الشيخ محمد نذير حامد رحمه الله.



مرات القراءة:262    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

الشيخ محمد نذير حامد

رحمه الله.

1349 - 1440هـ/ 1931 2019م

ترجمة الشيخ محمد نذير حامد-رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج2 صفحة 172).

العالم اللغوي، النحوي، المفسر، الشيخ محمد نذير حامد ابن محمد خير، أبو بشير.

مولده:

ولد في بلدة أريحا التابعة لمدينة إدلب عام 1931م، ونشأ فيها.

دراسته:

درس الابتدائية في مدينته أريحا وكانت تنتهي بعد الصف الخامس، ثم انتقل إلى مدينة حلب، وانتظم في كليتها الشرعية «الخسروية» وتلقى العلم على علمائها الأجلاء إلى أن تخرج فيها حاملًا شهادتها الثانوية الشرعية، وذلك ما بين عامي: (1945-1951م).

ثم انتسب إلى كلية الشريعة في جامعة دمشق، ونال شهادتها عام 1961م.

كما دَرَس دراسة خاصة في المساجد لمدة ستة أعوام على بعض العلماء، كالشيخ الفقيه محمد أسعد العبجي مفتي حلب، والشيخ عبد الله حماد، وغيرهما.

من شيوخه في المدرسة الخسروية:

الشيخ محمد أسعد العبجي، والشيخ محمد ناجي أبو صالح، والشيخ عبد الوهاب سكر، والشيخ محمد سعيد الإدلبي، والشيخ محمد راغب الطباخ، والشيخ محمد الجبريني، والشيخ محمد إبراهيم السلقيني، والشيخ أمين الله عيروض، والشيخ محمد بلنكو، وغيرهم، رحمهم الله جميعًا.

ومن شيوخه في كلية الشريعة بجامعة دمشق:

الدكتور مصطفى أحمد الزرقا، والدكتور محمد معروف الدواليبي، والدكتور يوسف العش، ومحمد بهجة البيطار، والدكتور محمد فوزي فيض الله، رحمهم الله.

صحبته العارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان رضي الله عنه:

انتسب الشيخ محمد نذير حامد إلى حضرة العارف بالله الشيخ محمد بن أحمد النبهان، وهو في بداية طلبه للعلم في الخسروية (حوالي عام 1949) بدلالة زميله الشيخ ناصح الشماع.

حدثني الشيخ الدكتور محمود الزين قال: سمعت من الشيخ نذير وهو يحدثني عن لقائه بالسيد النبهان: «جاءني الشيخ محمد ناصح الشماع وقال لي: هل لك في الفلاح والرشد؟ قلت: نعم. قال: احضر معنا في مجالس سيدنا محمد النبهان، وذهبنا معًا إلى الكلتاوية فمنذ أن دخلت شعرت بأن لساني تلقائيًّا انطلق بذكر الله تعالى، ودخلت فسلمت على سيدنا محمد النبهان، وحضرت مجلسه يومئذ ولما خرجنا لقيت أستاذنا الشيخ محمد أسعد العبجي فقال لي: أنت تحضر هنا؟ قلت: نعم منذ قليل. قال: يابني لازم هذا المجلس فأنا أحضر ههنا لأستفيد -ومعلوم أن الشيخ محمد أسعد العبجي من شيوخ السيد النبهان في العلم- ولازمت صحبة سيدنا -رضي الله عنه- إلى انتقال السيد النبهان عام 1974م».

 كانت للشيخ نذير في الكلتاوية غرفة في الغرف التي بناها سيدنا محمد النبهان لطلبة العلم، والشيخ نذير يقيم فيها متفرغًا للعلم ومحاسبة النفس والاستفادة من مجالس السيد النبهان كلما تيسر له ذلك.

حدثني الشيخ محمود الزين -رحمه الله- قال: «حدثني الشيخ نذير حامد قال: كنا مع سيدنا في غرفته فصلى الظهر بنا، ثم بدأ يتحدث حتى حانت العصر فصلى بنا، ثم تحدث حتى حان المغرب فصلى بنا، ثم تحدث حتى العشاء فصلى بنا، ثم تحدث حتى الفجر، فصلى بنا الصبح ثم خرج بنا نمشي معه حول القلعة. قال الشيخ الزين: فسألت الشيخ نذير عن أي شيء كان يدور الحديث؟ قال: كان يدور حول عنوان واحد هو «المعرفة اﻹلهية».

وحدثني الشيخ نذير فقال: مرة مرضت مرضًا شديدًا وهو أنني في وسط الصيف أحس ببرد شديد، وكنتُ وقتها في غرفة في الكلتاوية، وتركني إخوان سيدنا في المساء، وبعد انصرافهم أتاني صحن أقراص كبة مشوية من بيت سيدنا فأكلت ونمت، وفي الصباح كأنه لم يكن بي بأس، فأتى مجموعة من إخوان سيدنا لزيارتي فلما رأوني قالوا: كأنه ﻻ بأس بك! ما هو الدواء الذي أخذته؟ قلت: أقراص كبة مشوية. وقلت لهم ما حدث».

وفي مجلس العلماء الذي خصصه سيدنا النبهان لمجموعة من علماء حلب كان الشيخ نذير يقرأ كتاب «إيقاظ الهمم» لابن عجيبة، وسيدنا يشرح.

الشيخ محمد نذير وتدريسه في مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية) في حلب:

هو من مؤسسي علم النحو في مدرسة الكلتاوية وأوائل من درّسه فيها، درّس فيها شذور الذهب وشرح ابن عقيل وأوضح المسالك وتفسير النسفي، وكذلك درّس أصول الفقه، والعروض.

وكانت دروسه فيها -كما حدثنا تلاميذه- في غاية المتعة والنشاط، يأخذ بجوامع القلوب حتى لا تكاد تشعر بالدرس إلا وقد مضى.

وكان الشيخ نذير يمتاز بروح مرحة ونفس طيبة في دروسه العلمية فلا تخلو أبدًا من نكتة أو طرفة يُرَفّه أو يروح بها عن طلابه فجزاه الله خير الجزاء.

من تلاميذه في مدرسة دار نهضة العلوم الشرعية:

الشيخ محمود العبيد، والشيخ بلال حمزة، والشيخ حسين الأحمد، والشيخ وليد عبد الباري الخطيب، والدكتور عبد الله حسن، والدكتور عثمان عمر المحمد، والشيخ محمد الرشواني، والشيخ إبراهيم منصور، والشيخ أسعد زين العابدين، الشيخ عبد الرحمن زمة، الشيخ عبد الجواد عاشق، الشيخ عبد المنعم سالم، الدكتور محمود الزين، الدكتور علي مشاعل، الدكتور محمد الحسين عبد الحي، الدكتور محمود ناصر الحوت الشيخ يوسف زين، الشيخ حسين كنو، الشيخ عبد الهادي بدلة. وغيرهم كثير.

أسرته: أخوه الشيخ أحمد منير حامد ( 1927 2005م) رحمه الله تعالى، كان من الملازمين للسيد النبهان، وتخرج في الخسروية قبل أخيه الشيخ محمد نذير بثلاث سنوات، واشتهرت أسرة حامد برجالها ونسائها بمحبتهم والتزامهم منهج السيد النبهان.

وللشيخ محمد نذير ولد ذكر واحد اسمه محمد بشير، وهو مهندس زراعي كما أن للشيخ خمس بنات.

 

من أقرانه وزملائه في الدراسة وتلقي العلم: الدكتور إبراهيم محمد سلقيني، والشيخ محمد ناصح الشماع، والدكتور عبد الرحمن عتر، والأستاذ عبد البر عباس، والشيخ محمود نيربي، وغيرهم. رحمهم الله جميعًا. 

عمله ووظائفه:

عمل في مدارس التربية بسورية والسعودية مدة تزيد عن ثلاثين عامًا، وذلك بين عامي (1961ـ 1991م)، وذلك في مدينة القامشلي، وحلب، ودور المعلمين بحلب.

 كما عمل إمامًا وخطيبًا في جامع الترمذي بحلب لمدة يسيرة.

 ثم أعير إلى السعودية بين عامي (1974ـ 1979م)، مدرسًا للغة العربية والتربية الإسلامية في إعداديات المعارف.

 ثم رجع إلى مدينة حلب وبقي فيها ثلاث سنوات.

 ثم تعاقد مع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وذلك في عام: 1982، وإلى عام: 1987م تقريبًا مدرسًا في شعبة اللغة العربية لغير الناطقين بها، ثم تحول إلى الهيئة الملكية فدرس في مدارس جبيل وينبع من عام: 1987م إلى عام: 1991م.

مؤلفاته:

 منذ عام 1991م بدأ يعمل في «موسوعة التفسير الميسر» وهي تشتمل على ما يتعلق بالقرآن من تفسير وبلاغة ونحو وصرف وإعراب ونحو ذلك.

والعمل يزيد عن ستين مجلدًا، ومن الذين عملوا في هذا المشروع مع الشيخ نذير: الدكتور محمود الزين، والشيخ محمد أمين مشاعل الذي أتم قسم صرف القرآن كاملًا، والشيخ حسين الأحمد، وغيرهم.

 وفاته:

عانى الشيخ محمد نذير حامد لسنوات مع المرض حتى وافته المنية في مدينة حلب يوم الأربعاء 16 كانون الثاني 2019م.

رثاه الأستاذ الدكتور محمد فاروق النبهان فقال:

«انتقل إلى رحاب الله اليوم الأخ الصديق العلامة الشيخ محمد نذير حامد -رحمه الله- عرفتُ الفقيد منذ كنت طفلًا في الكلتاوية القديمة، وأمضى عدة سنوات في غرفة صغيرة ملحقة بغرفة السيد النبهان -طيب الله ثراه- وكان صديقًا عزيزًا وهو من أقرب الأصدقاء إلى نفسي، وهو الأستاذ الأول في الكلتاوية عندما كنت الطالب الوحيد فيها، درسني النحو في حاشية الخضري التي كان يحبها وله الفضل في تعليمي علم المواريث وأصبحت متفوقًا بها بفضله.

 كان من أهم زملائه في تلك الفترة في الكلتاوية ممن كان يدرسني الشيخ نزار لبنية، والشيخ حسان فرفوطي، ولما بنى تجار الحبوب في حي جب القبة مسجدًا طلبوا من السيد النبهان إمامًا وخطيبًا له، وكلفه السيد بذلك، وانتقل إليه، ثم تزوج وسكن في دارٍ أمام الشعبانية، وانتسب هو ومجموعة من إخوانه في الكلتاوية إلى كلية الشريعة، ومن أهم أصدقائه: الشيخ نزار لبنية، والأستاذ عبد البر عباس، وعبد الرحمن عتر -رحمهم الله- وكنت أسافر معه إلى دمشق لامتحانات الكلية وننزل معًا في غرفة واحدة، ولما تخرج أصبح من أبرز أساتذة التربية الإسلامية في حلب، كان من أقرب الأصدقاء وأحبهم لنفسي، كان محبًا للسيد النبهان وقريبًا منه وكان عالمًا خلوقًا أديبًا وفيًا، وكان السيد يحبه ويحب أسرة الحامد، وكانوا رجالًا ونساءً ممن اشتهروا بالأدب والتقوى ويتابعون مجالس السيد، كان والده ووالدته وأشقاؤه من المحبين الصالحين، وبخاصة المرحوم أحمد منير حامد وكل أسرته.

 إنني مدين للأخ الشيخ نذير بالكثير من المواقف والفضل، وكان الأقرب لنفسي والأحب.

 أدعو الله تعالى أن يجزيه خيرًا عني أولًا وعَمَّن له فضل عليهم من سائر طلابه ومحبيه.

 أقدم أصدق عبارات العزاء لأسرته وأولاده ولكل محبيه وإخوانه من أسرة الكلتاوية ومحبي السيد النبهان، كما أدعوه تعالى أن يتغمده برحمته الواسعة، وأن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والصالحين والشهداء، وإنا لله وإنا إليه راجعون».

ورثاه تلميذه الدكتور عثمان عمر المحمد فقال:

«الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وبعد: فأعزي نفسي أولًا وأعزي إخواني طلاب العلم عامة وطلاب مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية) على وجه الخصوص بوفاة أستاذنا الفاضل والجهبذ النادر نحوي زمانه الشيخ نذير حامد.

أكرمني الله تعالى وأكرم إخواني خريجي الأفواج الأولى في مدرسة الكلتاوية بتلقي دروس العربية (أوضح المسالك) على شيخنا الراحل نادرة زمانه في النحو بل في عموم علم الآلة وفروع الشريعة حيث درسنا أصول الفقه كتاب «غاية الوصول في علم الأصول» ولم يكن في تدريسه لمادة الأصول أقل منه في علم النحو والصرف.

في أحد الدروس أعرب لنا إعرابًا ثم قال: نسأل عن هذا. وبعد يومين أو ثلاثة أيام قال: ياولدي لا زيادة على ما قلت لكم، فقام أحد الزملاء وهو الشيخ ياسين مصطفى وقال: أستاذي! فضيلتك لمن سألت؟ فقال: يا ولدي هل في هذه البلدة أحد نسأله غير الشيخ عبد الرحمن زين العابدين؟! وهذا يدل على عظيم مكانة الشيخ عبد الرحمن زين العابدين في علم النحو، وثقة الشيخ نذير به.

شيخنا الراحل -رحمه الله- تربطني به صلة خاصة وزيارات متكررة لبيته العامر بالكرم والجود والتواضع والإكرام لطلاب العلم.

عام 1978م كنت مدرسًا في مدينة أملج وهي على شاطئ البحر الأحمر في السعودية وأعرف أن الشيخ نذير يحب السمك وأنا أريد الذهاب إلى المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم- حيث يقيم شيخنا، فاشتريت سمكًا وأتيت به لشيخنا الراحل قبل أن أسكن الفندق فأنزلني وعيالي في بيته، ونمنا عنده تلك الليلة، وفي اليوم الثاني إذ بي أراه صائمًا لأنه اعتبر غداء السمك ثقيلًا فتهرب منه.

كما زرته مع أسرتي في الهيئة الملكية في ينبع، وكان مدرسًا فيها، وكنت أسكن المدينة المنورة، فأكرمنا غاية الإكرام وقام بالشواء، وإعداد الطعام بنفسه، وأساعده لكنه هو من يتولى كل شيء بنفسه، رحمه الله.

أحبتي أنا أذكر هذا لنأخذ من سيرة الراحل -رحمه الله- دروسًا لا تنتهي في التواضع، وتعامل الأساتذة مع طلابهم، وكرم الشيوخ الأفاضل الذين تلقينا عنهم الأخلاق، والتواضع، وطيبة النفس، وحسن العشرة قبل أن نتلقى عنهم العلم.

إنه والله من رآه عن بعد هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، خالطته فاختلط حبه مع شغاف قلبي.

وكثيرًا ما كنا نزوره في بلده أريحا مع أخوين كريمين حبيبين: الأخ الدكتور الحبيب الراحل الشيخ محمود الزين، والأخ الحبيب الأستاذ الشيخ محمد علي الناصر فيؤنسنا بدعابته اللطيفة وبسمته التي تكاد لا تفارق ثغره ويقول لنا كلمته الشهيرة معاتبًا وملاطفًا: وينكم يا عاطلين؟! ومرة قال لي: صحيح أنت عاطل لكن صاحبك أعطل منك يقصد الدكتور محمود الزين، رحمه الله- فقلت له: -رحمه الله-الحمد لله وجدت من هو أعطل مني، ثم قال لي: قل لصاحبك- وصاحبي معي وأنا أعتز وأفتخر بصحبته وهو الدكتور محمود الزين. قال: قل لصاحبك ألا يتركنا في موسوعة التفسير فقد كتب في البلاغة جزءًا من القرآن من أنفس ما كتب في البلاغة. وهذه شهادة كريمة لحبيبنا الدكتور محمود الزين -رحمه الله- من أستاذه العلامة نذير حامد.

وهذا غيض من فيض ونقطة من بحر.

وأخيرًا: سلامًا على روح شيخنا في الأولين، وفي الآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.

وأبلغ منا السلام معطرًا لولي نعمتنا سيدنا ومولانا وقرة أعيننا العارف بالله سيدي محمد النبهان رضي الله عنه».

ورثاه تلميذه الشيخ إبراهيم منصور فقال:

«وغابت شمس أخرى»

إنها شمس شيخنا العلامة اللغوي النحوي المفسّر المعمَّر، الشيخ محمد نذير حامد. الذي أجاب دعوة ربه سبحانه في مدينة حلب، ضحى يوم الأربعاء العاشر من جمادى الأولى من عام أربعين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- عن عمر ناهز اثنين وتسعين عاما. رحمه الله وأعلى مقامه.

وقد أثارت وفاته في قلبي الأسى، وفي نفسي ذكرياتِ أجملِ سني عمري في رياض الكلتاوية، وفي رحاب مدرستي «دار نهضة العلوم الشرعية» التي جمعتني ساحاتها وحجراتها بتلك الكوكبة النيِّرة الخيِّرة من أساتذتي أهل العلم والفضل الذين نهلتُ من معينَي علومهم وأخلاقهم.

ومنهم أستاذي وشيخي وسيدي الشيخ محمد نذير حامد، رحمه الله.

وكان من واجب الوفاء عليَّ في هذه المناسبة أن أكتب هذه السطور عن شيخي الشيخ نذير وذكرياتي الغنية معه، منوِّها بعلوّ مكانه وجليل شانه، كما كتبتُ من قبل عن مشايخي الذين مضوا قبله، خصوصًا في عصر وسائل التواصل العجيبة الذَّلول. رحم الله الجميع.

إنه شيخنا الذي قرأنا عليه كتاب ابن هشام الأنصاري (أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك) بأجزائه الثلاثة، خلال السنوات الثلاث الأخيرة من الدراسة في دار نهضة العلوم الشرعية، التي أسسها في مدينة حلب شيخنا العارف بالله سيدي الشيخ محمد النبهان h وجزاه عنا وعن أساتذتنا وتلامذتنا وأهلينا وذوينا وأحبابنا ومحبينا خير ما جزى المحسنين.

وإني لأرجو أن يكون الشيخ نذير قد ترك فيَّ أثرًا طيبًا من علمه وخلقه.

كان الشيخ نذير -رحمه الله- مرجعًا نادرًا في مادته، ولطيفًا هادئًا وادعًا في طبعه، ومربيًا خبيرًا بمداخل النفوس، كيف يستميلها، أو يقيم مَيلها.

وكان صاحب حياء جمٍّ، إلى جانب دعابة وملاطفات لذيذات لم تنل من وقاره، بل زادته قربًا إلى النفوس وحبًّا في القلوب.

كان بيننا كالوالد الذي يتعامل مع أبنائه بروح الشباب، وكان إلى ذلك حازمًا إذا تطلب الأمر الحزم.

ولا تُجَاوِز أدواتُ حزمه نظراتٍ عابرات وكلماتٍ معدودات يتحقق بها المراد، وقلّما ثم قلَّما احتاج إلى ذلك.

وكان صاحب قلب رقيق والِهٍ بحب مرجعه السيد النبهان، فقد كان من خاصة جماعته، ومن أركان مدرسته.

حدثني أخي الشيخ أحمد ناصر حوت أن الشيخ نذير -رحمه الله- جاء يودع الكلتاوية قبل سفره إلى السعودية في سَفرته الأولى فأتى حجرة سيدنا التي فيها قبره المبارك، وأطرق هناك، ثم بكى طويلًا، وذرف دمعًا غزيرًا وانتحب. فيا لروعة ولذة وبركة ذلك البكاء! وليس كل أحد يوفَّقُ إلى إدراك تلك اللذة. فما كان أعظم شأن الشيخ نذير رحمه الله!

قضينا السنوات الثلاث الأولى في الكلتاوية نراه عن قرب رؤية البعيد، نراه ذاهبًا وآيبًا إلى الصفوف العليا: الرابع والخامس والسادس.

ولا أذكر أني كلمته يومًا خلال تلك المدة، فقد كان يعطي حصته أو حصتيه في أول الصباح، ثم يغادر المدرسة ليلحق بالمدرسة الحكومية التي كان يدرِّس فيها. حتى بلغنا الصف الرابع، وبدأنا صحبة الشيخ نذير، على مائدة ابن هشام الأنصاري النحوي في أوضحه.

ومع أن الشيخ كان خريج كلية الشريعة، إلا أنه كان بينه وبين علم النحو وشائج مودة عريقة عميقة عتيقة، تعود إلى مرحلة نعومة أظفاره.

سمعته مرة يحدث عن مرحلة مبكرة من طفولته في أريحا فيقول: كنت آتي لأشتري من بائع «القضامة»  على عربة خشبية ذات عجلات، فيقول البائع: لا أبيعك القضامة حتى تعرب لي إعرابة.

ويبدو أن ذلك من ثمرات اهتمام وتوجيه والده الشيخ محمد خير حامد -رحمه الله-فقد كان على ما يبدو من المشتغلين بالعلم.

وقد كنا نتحدث ونحن طلاب في الكلتاوية أن والد الشيخ نذير بصدد تأليف كتاب في السيرة.

وأذكر جيدًا أني رأيت الشيخ الوالد مرة في ميمنة مسجد الكلتاوية، وقد بسط بين يديه كراسًا كبيرًا مخطوطًا، يطالع فيه وينقّح، كان ذلك مخطوط الكتاب الذي يؤلفه في السيرة، ولست أدري ما إذا كان قد طبعه أم لا.

بدأنا مع الشيخ نذير في السنة الرابعة في الكلتاوية مرحلة أخرى في رحلتنا مع علم النحو، بعد أن كنا في السنة الثالثة في نهاية المرحلة الأولى التي أتممنا فيها شرح قطر الندى لابن هشام، مع شيخنا الشيخ محمود فجال -رحمه الله-فانتقلنا من حبر في النحو إلى حبر.

ولعلم النحو شرف ومنزلة عند دارسي علوم الشريعة عمومًا، وعند أهل الكلتاوية بوجه أخص.

وقد كانت لي ذكريات لا أنساها مع شيخي وتاج رأسي الشيخ نذير، طالما حدثت بها نفسي وشخّصتها في خيالي، عندما لا أجد من أحدثه بها، فأجد فيها منهلًا رويًّا منعشًا يعيد للروح سِنّ شبابها بذكرى أحبابها، لما في تلك الذكريات من روح الدعابة والملاطفة.

وقد اخترتُ أن أعرض على القراء هذه الذكريات مرتبة على السنوات. كل سنة على حدة.

(من ذكريات الصف الرابع 1970 - 1971 م)

انتهى الشيخ -رحمه الله- من تقرير الدرس على السبورة، لينتقل - كما هي العادة - إلى قراءة عبارة المصنف.

كان الدرس عن الأفعال الناسخة التي تعمل عمل كان، ومنها: فعل لا يعمل ذلك العمل إلا بشرط تقدم (ما) المصدرية الظرفية. وهو فعل «دام»، وكتاب «أوضح المسالك»كما هو معلوم، يأخذ الشرحُ والتحقيق فيه أكثر الصفحة، فلا يبقى للمتن إلا سطور قليلة في أعلى الصفحة فوق الخط الفاصل.

فانتهينا في القراءة إلى جملة من المتن مقسومة بين صفحتين، على النحو التالي:

في الصفحة الأولى العبارة الآتية:

الثالث: ما يعمل بشرط تقدم (ما) المصدرية الظرفية، وهو دام. نحو (ما دمت حيًّا). أي مدة دوامي حيًا، وسُمّيتْ (ما) هذه مصدرية. وهنا وجه الشيخ نذير سؤالًا لأحد طلاب الصف ممن لم يُكتب لهم الإتمام والتخرج بالمدرسة. فقال له: قول المصنف: لأن ما هذه... أي (ما) يقصد؟ فتلعثم الطالب، لأن «ما» المسؤول عنها قد أصبحت في الصفحة السابقة. ولم يُحرِ جوابا. وأعاد عليه السؤال بتوضيح وهدوء. ابني، أين هي (ما) التي يقصدها المؤلف؟

ابني، يقول: لأن ما هذه.. فإلى أين الإشارة في قوله: هذه؟

فلم يزد الأمر عند الطالب إلا استعجاما.

وهنا حضرت الشيخَ رُوحُ الدعابة، فقال: أحجية -باللهجة العامية- لم أسمعها من غيره من قبل ولا من بعد.

قال وهو يغالب ابتسامته: ابني، واقفة عالحيط وشاكّة أدنيها، أرنب لا دلّك الله عليها إيش هي؟

وابتسم الطلاب أو ضحكوا ضحكة مكتومة.

ولم يفلح الطالب في فهم الأحجية، كما لم يفلح قبل في جواب السؤال المتعلق بالدرس.

(من ذكريات الصف الخامس 1971 - 1972 م)

في استطراد خارج عن الحصة، جعل أستاذنا الشيخ نذير -رحمه الله- ينفرنا من الاستدانة. وأطنب في ذلك، وإياكم والدَّين. وأن الدَّين همّ، وأن الدين غمّ...

وقد كنتُ أفهم قصده من تلك النصيحة بوضوح كبير.

فقد كان أحد زملائنا في تلك السنة يحب التأنق في مظهره جدًّا، في عمامته، في نظارته، في ثوبه وجُبّته وخاتمه، وحتى في حذائه.

فكان يستدين ليلبس ويتأنق، وليس له مورد، إلا ما قد يأتيه من وكالة مؤقتة في إمامة، أو نحوها.

فأراد الشيخ نذير أن يوصل إليه نصيحة المشفق بشكل غير مباشر فعرض هذه النصيحة...

وقال في أثناء كلامه: لقد جرّبت الدَّين عندما اشتريت البيت، فكان ثقيلًا وهمًّا ملازمًا مع أني استدنتُ من أقرب الناس إليّ. يعني استدنتُ من أمي.

وهنا بدا لي في ملاطفته، فقاطعته قائلًا: (ليش أمك طيبة أستاذ؟)

فردّ على الفور -وكأنه حوار مُعَدٌ مسبقًا- فقال: (سْكوتْ. لسّا أبوي طيب). وضحكنا للإيحاء الذي حمله جوابه لأن جوابه أضفى على سؤالي معنى الخِطبة.

ثم دارت الأيام، حتى أوائل التسعينات الميلادية.

وكنت قد اشتريت بيتًا في حلب، منطقة المريديان، وكان شقيقي الشيخ مصطفى منصور، خريج الدفعة الثالثة من الكلتاوية، يشرف على البيت ويتردد إليه.

فأخبرني أخي أن جاري في نفس العمارة، في الدور الأرضي عند مدخل الدرج، هو الشيخ نذير حامد.

فلمّا جاءت إجازة الصيف، زرته في بيته، وذكّرته بما دار بيننا في القصة السابقة، فقال والابتسامة تكسو محيّاه: (شايف كيف إنك كتير غلبة).

ثم تحوّل الشيخ عن ذلك المنزل إلى منزل آخر، وتحولتُ بعده.

ومن ذكريات الصف الخامس مع الأستاذ المحبوب، أنه جرى يومًا على هامش الدرس ذكر المستقبل الذي يهتم له الشاب عادة في مثل تلك السنّ.

فقال -رحمه الله- كلمة ما يزال صداها في أذني، قال: «لَكْ ابني بتصيرووو بتصيرو. بس ديروا بالكن علينا».

ودارت عجلة السنين، وجمعني مجلس مع بعض الزملاء ممن كانت لهم مخالطة للشيخ في بعض مراحل مغترَبه، فذكر ذلك الزميل -لمناسبةٍ ما- أن الشيخ نذير استدان منه ألف ريال.

وانطوت تلك المعلومة في ثنايا ما قيل في تلك الجلسة كما انطوى غيرها.

لكن وقعها في نفسي كان مختلفًا جدًّا.

لقد نقلتْني حين سمعتها إلى حجرة الصف الخامس في الكلتاوية، والشيخ نذير واقف أمامنا يقول: «بتصيرو بس ديروا بالكن علينا» فسبحان من أنطقه آنذاك بكلام وقفتُ على تحقيقه بعد حين.

(من ذكريات الصف السادس 1972 - 1973 م)

حجرتنا في الصف السادس كانت في الواقع نصف حجرة، لأنهم قطعوها بجدار، وجعلوا نصفها الذي يلي الدرج الشرقي غرفة مراقبة، ونصفها الآخر حجرة الصف السادس، وذلك أن عدد طلاب الصف في تلك السنة كان فقط خمسة عشر طالبا.

فكان عَرض الصف ثلاثة صفوف من الطاولات، وكل صف طوله طاولتان فحسب.

الطاولة الثانية فيه هي الأخيرة.

ومعلوم أن الطاولة الواحدة من تلك الطاولات تتسع لثلاثة طلاب.

فكنتُ أجلس في الطاولة الأخيرة، مع أنه ليس بيني وبين السبورة إلا طاولة واحدة، هي الطاولة الأولى.

أنهى الشيخ نذير تقرير حصة النحو في ذلك الصباح لينطلق بعدها إلى مدرسته الحكومية كالعادة.

وكان قد ثار في ذهني في تلك الأيام إشكال لغوي لا علاقة له بموضوع الحصة، ولم أجد متسعا فيها لأسال الشيخ عنه.

فلمّا خرج من الحصة تبعته مسرعًا أقول: أستاذ، عندي سؤال.

فقال - وهو ماش وأنا بإزائه أماشيه -: نعم؟

فجعلت أعرض عليه سؤالي الذي لا أنساه، لأني كلما مررت بالإشارة إليه في كُتب التفسير، وبالأخص منها تفسير القرطبي، وتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، أتذكر قصة سؤالي للشيخ نذير عنه.

كان سؤالي، أو إشكالي عن أنه هل يصح إعادة ميم الجمع إلى جمعِ غير العاقل؟

وجعلت أعرض عليه السؤال ونحن ماشيان، وعبرنا باب الشبك، ثم انحدر في الدرج الغربي الطويل وأنا بإزائه كظله، فكان يستعيدني السؤال، ويقول: نعم. إي نعم. قصدك كذا؟

واضح أن أستاذي الشيخ نذير كان ذاهلا عن سؤالي، مشغولا بأمر يخطط له على عجل، وقد استغل هذا الانفراد بي لأكون ركنا في هذا المخطط.

عرفتُ كل ذلك حين استوينا على شارع «قبو النجارين» أسفل ذلك الدرج الطويل.

وكانت تلك أول وآخر مرة أغادر فيها المدرسة وحَرَمَ المسجد إلى عمق الشارع بلا إذن من مراقب ولا مدير.

هناك في قبو النجارين وقف الشيخ نذير وقال في هدوئه المعتاد:

(ابني، زميلك فلان الذي يجلس في المقعد الأمامي يضايقني بمنديله الرطب دائمًا بإفرازات الزكام، والذي يضعه أمامه على الطاولة، ويستعمله بين الحين والحين، ثم يبقيه أمامه مثقلًا برطوبات أنفه، وأنا محرج من تنبيهه، فإذا كان درس الغد، فأظهِرْ أنك نائم في أثناء الشرح، ليكون ذلك ذريعة لِأُجلِسَكَ في الأمام مكانه في حصتي، ويجلس هو مكانك.

(ولم تكن المناديل الورقية قد راجت وشاعت بعد)

ثم مضى الشيخ نذير إلى غايته، ورجعتُ إلى مدرستي أقفز على الدرج، وقد ذهلتُ عن سؤالي وإشكالي الذي أخرجني هذا المخرج، متحسبا من سؤال أحد المراقبين أين كنت خارج المدرسة؟ أو مِن سؤال مدرس الحصة التالية التي تأخرتُ عنها.

ومرت الساعات الأربع والعشرون، وأنا مهموم بالمهمة التي أسندها إلي الشيخ نذير؟ وهل سأنجح في التنفيذ؟!

وحانت ساعة التنفيذ، ودخل الشيخ نذير الحصة، ودارت عجلة الدرس، وأنا محتار فيما أصنع، فلم يسبق لي تَصَنُّع موقف كهذا، وكنتُ أتابع عينَي الشيخ نذيرًا، لعله يعطي إشارة بدء التنفيذ.

ولكنه ماض في تقرير الدرس من غير أي ملمح في قسمات وجهه أو نظرات عينيه تشير إلى شيء مما كلّفني به، حتى جعل يراودني خاطر أن الشيخ قد نسي.

ثم إني بَعدَ حين من بدء الحصة، خالفتُ بين ذراعَيَّ على الطاولة، ووضعتُ وجهي عليهما كهيئة النائم.

وجعلتْ تمرُّ الثواني ثقيلة طويلة، كأن كل ثانية دقيقة كاملة، والشيخ لم يأبه بحالي، وأنا ما زلت واضعًا رأسي على ذراعَيَّ...

هل ما زال الوقت مبكرًا ليناديني؟ هل نسي حقًّا؟ هل أرفع رأسي معلنًا فشل المحاولة؟ ثوانٍ ثقيلة حقًّا. ثم جاء الفرَج.

وجاءني بشيء من الحزم صوت الشيخ نذير الذي كنت أنتظره بفارغ الصبر: منصور! نايم؟ نايم مو هيك؟

فرفعتُ رأسي، ومسحت على عينَيّ.

ثم قال: قم لعندي وهات كتابك معك.

فتقدمتُ إليه، في الوقت الذي كان يقول للزميل الذي أمامي: ابني لو سمحت اجلس مكانه، وليجلس مكانك في المقعد الأمامي حتى لا ينام.

ثم توجّه إليّ على مسمع من الزميل فقال: كل حصة نحو بدّي أشوفك قدّامي في هذا المقعد. مفهوم؟

مفهوم أستاذ.

فلمّا كانت حصة النحو في اليوم التالي رأيت الزميل جالسًا في المقعد الأول، فقلت: ألم تسمع إلحاح الشيخ نذير عليّ بالجلوس هنا؟

فتحوّل في الحال من غير جدال.

غفر الله له ولي ولأستاذنا العظيم الشأن، الذي أدار كلّ هذا المشهد التمثيلي، حفاظًا على شعور الطالب من أن يصل إليه شيء من الأذى، فيما لو خاطبه الشيخ مباشرة بما يحرجه.

فكان -رحمه الله- يصبر على الأذى حتى لا يؤذي غيره.

رحم الله شيخنا الشيخ نذير حامد، وجزاه الله عنا خير ما جزى العلماء العاملين المعلِّمين، ورفع درجاته في عليين.

وجمعنا به في رحاب سيدنا أبي أحمد في دار البقاء، كما جمعنا قبل في رحابه في دار الفناء. والحمد لله رب العالمين».

ورثاه تلميذه الشيخ عبد الجواد العاشق فقال:

«بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله المحمود في كل الأحوال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- القدوة الحسنة في كل الأحوال وبعد:

  قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».

  إن رحيل كوكبة من علماء الإسلام في هذه الأيام ليطرح أسئلة كثيرة والذي يعنينا واجبنا من بعدهم وماذا استفدنا منهم.

  ومن أخصهم بنا أستاذنا الشيخ محمد نذير حامد، رحمه الله.

ذاك الذي كان نموذجًا مختلفًا عن كثير من أقرانه فضلًا عن تلامذته ومَنْ بعده.

لقد كان كما عرفته وهو يدرسنا كتاب أوضح المسالك لابن هشام وشرح ابن عقيل على الألفية مثال المعلم الجاد الذي يغرس الجد والنشاط في طلابه ويعلمهم الحرص على طلب العلم وعلى اغتنام الوقت والوصول إلى المعلومة من أقرب طريق.

فقد كان يحدثنا أن أهم مراجعه في اللغة، والصرف، وضبط الكلمات، وتراجم الأشخاص، ومعرفة الأماكن، هو القاموس المحيط، ومع ذلك فلم يكن يملكه وقد استعاره من صديقه لمدة أربع سنوات.

وكان اعتماده في الأحاديث وطرق الرواية على مسند الإمام أحمد، ولا يملك من كتب الحديث وقتها غيره.

اشتغلت معه في كتابه التفسير، وكان حظي منه أن أستخرج الأحكام الفقهية من الآيات الكريمة.

ومن خلال ذلك تعلمت منه الكثير من الدقة والضبط وعدم الخروج عن دلالة اللفظ، وإن كنت قد أخالفه أحيانًا في الاستدلال بأسباب النزول، فتارة يطالبني بالوقوف عنده وأحيانًا يرفض الاستدلال به، وتبين لي بعدها أن ذلك يعود إلى قوة الرابطة أو بعدها.

زرته مرة في منزله بحلب مع الشيخ عباس علي، وبعد أن رحب بنا باختصار أخذ يسألنا أين نذهب ومع من نجلس ثم قال: اغتنموا أوقاتكم ولا تضيعوها مع أحد مهما كان، ثم قال: كنت أذهب مع أناس يستحقون الذهاب معهم، ومع ذلك أنا نادم على كثير من تلك المجالس وكنت أتمنى لو أبدلتها بطلب العلم.

وهو الذي كان مثالًا في الحب الصادق الصامت للسيد النبهان -رضي الله عنه- فلا يتحدث عنه إلا قليلًا، وإذا تحدث وجدته العاشق الولهان الذي يحن لأيامه الأولى مع السيد الكريم حنين الثكلى إلى ولدها.

كان -رحمه الله- سريع البديهة في العلم وفي الأمور العامة؛ قيل له يومًا: إن فلانا يريد الزواج من ثانية، فقال: لماذا؟ مستنكرًا، قيل: أليس هو من المباح، فقال: وهل فعلتم كل المباحات وبقيت هذه، هل أديتم كل الفرائض والسنن وبقيت عليكم المباحات؟!

رحمه الله من معلم ومؤدب ومربٍ بأسلوب لبق هين لين سهل».

ورثاه الشيخ إبراهيم الحمدو العمر:

«الأستاذ المربي: محمد نذير حامد (عبقرية تربوية فريدة)

كان أستاذ الأساتيذ نذير حامد أحد قطبي العربية في دار سيدنا النبهان -رضي الله عنه-، هو والأستاذ الكبير الدكتور محمود فجال، وطالما حدثنا شيوخنا عنهما وطالما أطالوا وطالما عظموهما، ووالله إنهم لمحقون؛ فإننا لمسنا آثارهم في تلاميذهم، لمسنا آثار الصنعة العلمية وآثار الروح وما أكثر ما حدثونا عن هذه العبقرية التي تسمى نذير حامد وعن هذه الدرة الفريدة التي اختزلها هذا الاسم، وما طالب من طلبته - وهم الجيل الذي درّسنا - إلا وفيه أثر من ذلك الأستاذ الكبير حتى أنني في بعض الأحيان أظن أن هذا الأستاذ حاضر معنا لكثرة ما يذكرونه وخصوصًا بنوادر ذكائه في أجوبته ولطف دعابته وسحره في تحبيب الطالب بمادته ومحبته لمن يدرسهم وتفانيه في إيصال المعلومة لهم بدون تعقيد ولا صعوبة، وماذا بقي بعد هذا من شروط نجاح المدرس؟ أما إن هذا هو معيار أستاذية الأستاذ فإن رابطة المحبة بين الأستاذ وطالبه هي التي تفتح أغلاق الجهل من نفس الطالب لتسكب فيها العلم سكبًا فإن لم تختزن ذاكرة الطالب هذا العلم ولم تحفظ واعيته ذلك الدرس وعت تلك الروح التي يحملها معه الدهرَ، فحيثما تلفّت وجد سحر أستاذه وبسمة أستاذه ونظرة أستاذه وإشارة أستاذه وتنبيه أستاذه، وإذا ما كتب له أن يكون مدرسًا وجده معه في الدرس فيستوحي منه أسلوبه وطريقته حتى نبرة صوته، وهذا الذي أقول ليس خيالًا ولكنه واقع، وكثيرًا ما كنت أجلس إلى أساتذتنا -حفظهم الله- في دار سيدنا -رضي الله عنه- فيقولون: فلان يقلد الشيخ نذير وهذا الأسلوب أسلوب أستاذنا الفلاني وتلك الحركة اكتسبها فلان من أستاذه فلان وهكذا، لقد كانت روح أساتذتهم مسكوبة فيهم سكبًا، تنتقل معهم حيثما كانوا، وكان ذلك واضحًا فيهم، فأية عظمة هذه من طرفي القضية الأستاذ والطالب؟! لم يحدثنا أحد من طلاب الأستاذ نذير - حفظه الله - إلا وذكر فيه خلتين: روح الدعابة في الدرس وسهولة الأسلوب في تلقين المعلومة فما يخرج طالبه من درسه إلا وقد وعى ما قال ونسي صعوبة الكتاب وعبارة ابن هشام وبقي في ذهنه الإلقاء الساحر والأسلوب الباهر من أستاذه وهذا لعمري ما لا يستطيع أن يمحوه الدهر، فبورك لكم يا من حضرتم لهذا الأستاذ الكبير، ويا ليت كل أستاذ من أساتذتنا يكتب لنا عن أساتذته الطبقة التي لم يسعدنا الحظ بالتلقي عنهم وإن أسعدنا بالأخذ عن تلاميذهم، فكل طالب تختزن ذاكرته الكثير الطيب عن أساتذته ومعلميه، فلو افصح عنها لعرفنا الكثير عن أساليبهم وطريقتهم وعلميتهم وهذه المذكرات أصدق ما ينقل روح الحياة العلمية التي كانت سائدة ويعرفنا سر نجاح أولئك الأفذاذ الذين اسسوا لهذا الصرح العلمي الخالد».

وكتب عنه صهره الشاعر الأديب يحيى حاج يحيى:

إنا لله وإنا إليه راجعون.

توفي ضحى الأربعاء العاشر من جمادى الاولى ١٤٤٠هـ، شيخنا وأستاذنا محمد نذير حامد في مدينة حلب عن عمر قارب التسعين عاماً، قضاها في العلم والتعليم والدعوة إلى الله، وقد تعرفت إليه عام ١٩٧٢ عن طريق عديله أستاذنا الشهيد إبراهيم عاصي - رحمه الله تعالى - الذي خطب لي ابنة الشيخ الكبرى ( زوجتي أم بشر ) فكان أباً رحيماً وأخاً كبيراً وصديقاً ناصحاً ، وقد حمل كثيراً من متاعبي في الثمانينيات ، فاحتضن بناتي الثلاث وأمهن لعامين تقريباً ، بعد إحراق بيوتنا في جسر الشغور ، والتسريح من الوظيفة ، والملاحقة !؟ 

ثم جمعنا الله تعالى بعد ذلك في المدينة المنورة في معاهد الجامعة الإسلامية، ثم في مدارس الهيئة الملكية بينبع الصناعية، وقد استقال ولم يبلغ الستين، متفرغاً للعمل في الموسوعة القرآنية التي بلغت ستين مجلداً، ولم يتيسر طبعها بعد! 

رحم الله شيخنا الجليل عمنا الفاضل أبا بشير، وجزاه الله عنا كل خير، وأنزله منازل الأبرار الأخيار، وجمعنا به في مستقر رحمته، تحت لواء سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 وكتب في رثائه الأستاذ الشاعر جميل جانودي:

(كلمات في وفاة الشيخ الجليل نذير حامد).

حين كنت في المرحلة المتوسطة والثانوية من دراستي، كنت أسمع من أترابٍ لي كانوا يدرسون في دار المعلمين بحلب، أسمع اسمًا كثيرًا ما يرددونه.. إنه "نذير حامد"، كانوا معجبين به أيما إعجاب، يصفون هيأته وهو يدخل عليهم بهندامه الحسن، ولباسه الأنيق، يصفون دخوله للصف وخروجه منه، يصفون مواقفه من مشكلات العصر، والساعة الراهنة...وكنتُ، كلما تردد على سمعي ذلك، أتوق لرؤية هذا الرجل، ولأنتفع به عن قرب...ولكن الأمل شيء وتحققه شيء آخر...حتى قدَر الله لي أن أحظي بأنس مجالسته، حين نقل لي أخي وصديقي الأستاذ يحيى حاج يحي، وهو صهره، دعوته لي ولأسرتي لتناول طعام الغداء في بيته في المدينة المنورة... فلبيت شاكرًا ليس حبًا بطعام أو شراب لذاتهما ولكن بالداعي لهما...

وما حب الطعام غدا مرامي===ولكن حــــب داعيــني إلـيه

أجالسُه لأسمع منـــــــه درًا=== وأروي النفس من علم لديه

كانت جلسة ماتعة، ومؤنسة، لقيت فيها حفاوةً وتكريمًا، من أستاذ قدير، وشيخ كبير...وما كنت أحسب أنني بعد وداعي له سيبقى ذكري على لسانه وهو يسأل أبا بشر عني بين الفينة والفينة...

أنا لست هنا بمعرض الحديث عن الشيخ...ولكن من أقل ما له عليَّ من حق أن أقول ما قلت، شعرًا أو نثرًا، وأسأل الله أن يكون ذلك قربى لي عنده يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..

رحم الله الشيخ أبا بشير وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة...

يا فارس الشّهباء يا أملَ الغَـدِ:

يا فارس الشهبــــاء يا أملَ الغــدِ=حـلبٌ بكتك بحــرقـة وتجــــلّدِ

نظرت إلى مصباحها وقد انطفـا=لما قضى فيها نـــذير الحــامدِ

عرفتْه مذْ سبعين عامًا قد مضت=بالعــالِمِ النحرير أو بالعـــابــدِ

عرفتــْه في أرجائـــــها متلمّــسًا=حلقاتِ علمٍ أو رياضَ مساجــدِ

عرفتْه أستاذًا قديــرًا مُخلـــصًا=بصروحها، وبطاحها والأنْجــد

وبكتْ أريحا ابْنًا لها قـــد زادها=شرفًا بعلمٍ في الشّريعة رائـــدِ

كان الوفـــــــيّ لأهْـــلها ومحبّهم=يدعو لهم، ويبرهم، بفــــوائــدِ

حتى إذا حلبٌ تصدّع ســـــورها=وغدت بقبضــة عابثٍ أو حاقدِ

وغدا المُقــام بهــــا مخاطرة ولم=تبق في أمنٍ لهجْــمــة فاســـــدِ

شدّ الرحالَ إلى جـوار المصطفى=أنْــعِمْ بِــه من زائــرٍ أو وافــدِ

يرِدُ المنـــاهل من معين محمـــدٍ=أكْرم بـــه ِمــن منهــلٍ أو وارد

ولمسجدِ المختـار كنْــتَ ملازمًا=في الحر أو في الزمهرير البارد

فصقلتَ روحَك من شذى أطيابه=حتى غــــدتْ أهـــلًا لذكرٍ خـالدِ

وإذا بخــالقــــها دعــــاها قــائلًا=هيـــا هَلُـمّي للإلـه الواحـــــــــدِ

لا يُظلمـــنّ لديــــه قــدرَ قُلامَـة=يا بُؤس منْ قـــد كان عنهُ بشاردِ

فأجبتَه وهــرعت نحــو رحابـِـه=ولديك فيضٌ من جــميل محـامـدِ

يا ربّ قد وافاك عـــبدُك راجـيًا=مستغفرًا فارحــم نـذير الحامــــد

 

مصادر الترجمة:

*الشيخ محمد نذير حامد، لقاء لي معه بحضور الدكتور عثمان عمر المحمد والشيخ عبد المنعم سالم، بتاريخ 26 حزيران2010م.

*تلميذه الدكتور محمود الزين، لقاءً مباشرًا.

كتب المراثي: الدكتور محمد فاروق النبهان، والدكتور عثمان عمر المحمد، والشيخ إبراهيم منصور، والشيخ عبد الجواد العاشق، والشيخ إبراهيم الحمدو العمر، صهره الشاعر الأديب يحيى حاج يحيى، الأستاذ الشاعر جميل جانودي.

صوتيات:

*لقاء الشيخ نذير حامد بالعارف بالله سيدنا محمد النبهان.

*كلمة للدكتور محمد نبيه سالم في رثاء الشيخ محمد نذير حامد.

 

 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج 2 صفحة 172).

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 17-2-2022م.