آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    رجال عبروا فيها   مجموعة من العلماء العاملين في الدار
الشيخ حسين كنو رحمه الله



مرات القراءة:7335    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

الشيخ حسين كنو

1377 - 1437هـ/ 1956 2014م

 

 ترجمة الشيخ حسين كنو رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة 189).

العالم الفاضل، والفقيه المتبحر، والمفتي الدقيق الورع الشيخ حسين بن علي كنو.

ولادته:

ولد -رحمه الله- في قرية العطشانة التابعة لمنطقة منبج في حلب عام 1956م.

دراسته:

دَرَسَ الابتدائية في قرية المهدوم بجانب قريته، ثم انتسب إلى مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية) في حلب عام 1971م، وتخرج فيها، ونال شهادتها عام 1977م، التحق بعدها بالأزهر الشريف كلية الشريعة الإسلامية عام1977-1978، وتخرج فيها عام 1981م.

عمله:

بعد تخرجه انطلق إلى ميادين الدعوة فشغل-رحمه الله- الإمامة والخطابة في العديد من مساجد حلب الشهباء، فتسلَّم جامع «حسين فتّال» في منطقة باب النصر في حلب ثلاث سنوات، وتسلَّم لأشهرٍ جامع «السيد البدوي» في حي الأشرفية، وخطب في جامع «الأبراج»، وفي قرية «تل كلبة» التابعة لإدلب، ومنذ عام 1981م أصبح إمامًا في جامع «بان قوسا» في منطقة باب الحديد في حلب، وبقي فيه إمامًا ومُدَرِّسًا إلى عام 2012م.

افتتح في سوق الزهراوي محلًّا تجاريًّا، فكان مثال التاجر الصادق الأمين قانعًا بالربح اليسير.

عمل أمينًا للمكتبة في مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية) عام 1978م، ثم موجهًا ليليًّا فيها إلى عام 1981م.

دَرّس في مدرسة الكلتاوية من عام ١٩٨١م إلى ٢٠١٢م الفقهَ الشافعي، والحديث، والمنطق، والأصول، والنحو، من غير كللٍ ولا مللٍ ولا هزلٍ ولا تهاونٍ في أيِّ يوم دراسيّ، مستغرقًا كل الفصول الدراسية، مستوفيًا جميع الحصص، ملتزمًا بساعاته الدراسية كلها، متقنًا لمادته، متمكنًا من حلِّ عباراتها عبارة عبارة، واستحضار مسائلها وأدلتها.

الكتب التي دَرّسها:

           تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري.

           الميسر في أصول الفقه للشيخ إبراهيم السلقيني.

           شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك.

           الإقناع في حل ألفاظ متن أبي شجاع للخطيب الشربيني.

           الورقات في أصول الفقه لأبي المعالي الجويني.

           السلم المنورق في فن المنطق للشيخ عبد الرحمن الأخضري.

 

شذرات من صفاته وأخلاقه -رحمه الله-:

وَصَفَهُ أقرانه العارفون به بأنه مكتبة متحركة، ولُقِّب بالشافعي الصغير.

كانت له جلسة علمية خاصة هو والشيخ أمين مشاعل-رحمه الله- مع الشيخ نذير حامد في كتاب أوضح المسالك.

عُرِفَ الشيخ -رحمه الله- بنزاهته واستقامته، وتَبَتُّله في محراب العلم، وانزوائه عن زخرف الحياة الدنيا وبريق الشهرة، فلم يسع لمنصب، ولم يتزلف لأحد.

كما اشتهر -رحمه الله- بعفة لسانه، ورجاحة عقله، وكان مهيبًا في قلوب الطلاب، مُعَظَّمًا في نفوسهم على الرغم من الملاطفات التي تظهر منه دون تكلف بين الحين والآخر.

يعدُّ الشيخ حسين من المدرسين المتمكنين في الفقه، لا يكتفي بإصدار الأحكام الفقهية وإنما يُتْبِعُ الحكمَ بالدليل.

من شيوخه في مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية):

-          الشيخ عبد الرحيم حوت، رحمه الله.

-          والشيخ عبد الباسط حسون، رحمه الله.

-          والشيخ صالح حميدة الناصر، رحمه الله.

-          والشيخ عبد الفتاح الشيخ. 

-          والشيخ محمود الجوهري. 

-          والشيخ عبد السلام الذهبي. 

-          والشيخ محمود فجَّال، رحمه الله.

-          والشيخ صالح بشير الحجي، رحمه الله.

-          والشيخ علاء الدين علايا، رحمه الله.

-          والشيخ حسان فرفوطي، رحمه الله.

زملاؤه في مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية):

الفوج الثامن عام (1976 1977م):

أحمد العلي الفياض، وأحمد عيدو العكلة، وحسن عبد العزيز الحسن، وحسين كنو، وحمدو عبدو الصالح، وعبد الباسط كريدي، وعبد اللطيف رشواني، وعبد الله الشامي، وعبد الناصر زمزوم، وعبد الهادي بدلة، وعبد الودود سليم، ومحمد سعيد ياسين صباغ، ومحمد ضياء الدين ملاحفجي، ومحمد عيد شيخ حسين، ومحمد معصوم قليشارو، ومحمود علي الداود، ومحمود غزال أَنْتِيفَة.

 

في رحاب الكلتاوية:

صحب -رحمه الله- العارفَ بالله الشيخ محمد النبهان رضي الله عنه-ثلاث سنوات وذلك أثناء دراسته الأولى في مدرسة الكلتاوية.

سمعت من الشيخ حسين -رحمه الله- يقول: دخل سيدنا النبهان مرة باحة مدرسة الكلتاوية، فأسرع الطلاب لتقبيل يده الشريفة، ومشيتُ على مَهْلٍ حتى أتيت وقبَّلت يمينه المباركة فقال لي: «بدك تصير منيح».

كان الشيخ حسين يقول: «أتمنى أن يكون آخر عهدي في الدنيا أن أكون فيها وأنا في الكلتاوية مدرسًا».

حدثني الشيخ حسين -رحمه الله تعالى- فقال: «الحمد لله الذي أعزّنا بالإسلام، وجعلنا من أمة خير الأنام سيدنا محمد ، وأكرمنا ومتّع أبصارَنا برؤية هذا الحبيب الكريم رضي الله عنه-.

إن كان قد فاتنا رؤية النبي فإنّا والحمد لله قد رأينا وارث نبيِّنا.

قد رأينا الكاملَ المحقق الذي كانت شخصيته الكريمة شخصيةً محمديةً كاملة. لقد مَنَّ اللهُ تعالى- علينا برؤيته، ورأينا الكثير الكثير من العلماء والكبار وأصحاب التلاميذ الكُثُر والشهرة الواسعة، ولكن مثلَ سيدنا لم نرَ؛ إنه كان قوةً كاملة لا يعرف الخنوع، لا يعرف الذل، لا يعرف الهوان، وإنما كان شهمًا عزيزًا أبيًّا قويًّا.

إني لأتذكر تلك الأيام العظيمة وكنّا طلَّابًا صغارًا -وما زلنا صغارًا في هذه الدار- كنا طلابًا صغارًا نتحلّق حولَه، ونُقَبِّل يده، ونسير خلفَه، ونُمتِّع أنظارنا بالنظر إلى مُحيَّاه الشريف.

مرَّة كنَّا في مولدٍ في أحد المساجد، وفي عودنا من المولد رجعنا إلى هذه الروضة المباركة، والوقت آخر ليل، وكان سيدنا كما كان رسول الله مشيه بقوة كأنما ينحط من صبب، نزوله وصعوده سيّان.

إني لأتذكر أنّنا كنّا في الصف الأول أو الثاني، وكنا وراء سيدنا وعند طلعة هذه الحارة المباركة ونحن نُجهد أنفسنا ونُسرع في الخُطى ولا نلحق بسيدنا رضي الله عنه- وهو قد جاوز السبعين من عمره.

إني أحمد الله كثيرًا أنّي حظيت برؤية السيد النبهان رضي الله عنه-، وإني لأشعر بالفضل العظيم عليّ تجاه هذا السيد العظيم، ولولاه لكنت اللهُ أعلم حيث كنت، إمّا راعي غنم، وإمّا عاملًا، وإمّا لاهيًا، وإمّا غافلًا، وقد جاء الله بنا من البدْوِ إلى هذه الدار المقدّسة، الدار الطاهرة. فهل نعرف لها حقّها؟ هذا ما أريده لكم يا إخوتي، فإني لكم ناصح، وإن السيد النبهان رضي الله عنه- يريد منكم ذلك لأنّا فهمنا عنه مثل هذه الأمور».

حكى الحاج حسن مطر أنه رأى سيدنا النبهان يقول له في المنام: «الشيخ حسين ملئ علمًا وزهدًا». فمن تلك الرؤيا أحببت الشيخ حسين أكثر.

كانت تسوء حالته الصحية في بعض الأوقات، وإحدى المرات نقل إلى مشفى الطب العربي ووضع في العناية المركزة، وقلوب أهله تخفق، والطبيب لا يطمئن عن حاله ولم يشعروا إلا وقد أُخْرِج من العناية المركزة، وقال الطبيب: لقد تحسن فجأة والحمد لله، وبعد أن استيقظ سألوه عن حاله، فقال مسرورًا: رأيت سيدنا يتكلم معي بالهاتف.

كان -رحمه الله- إذا ساءت صحته يسمعه أهله يردد دائمًا: أستغفر الله، لا إله إلا الله، سبحان الله، ويذكر الله.

من اليمين: الشيخ محمد ديري، الشيخ  ظافر صبحي العبيدي، الشيخ بلال حمزة، الشيخ  محمد مطلك، الشيخ حسين كنو.

نشاطه في الدعوة:

إذا كان منهج سيدنا النبهان العمل والنشاط والدعوة بالحال قبل القال، فَحَرِيٌّ بنا أن نذكر جوانب طالب من طلابه أثمرت فيه تعاليم السيد النبهان رضي الله عنه-.

لقد كان للشيخ حسين نشاطٌ قويٌّ في بناء المساجد، سعى سعيًا دؤوبًا في القرى النائية إلى عمارة مساجدها وترميمها والعناية بها وإرسال الأئمة والخطباء إليها.

أنشأ في قريته مسجدًا واسعًا، وأَسَّس بجانبه مدرسة لتحفيظ القرآن، لكن لم يتمكن من إكمالها، رحمه الله.

أما حرصه على العلم والتعليم والدعوة فقد كان له أثر كبير في مجتمعه.

ومما يذكره له أهل قريته إبطال عادة سيئة كانت متحكمة في مجتمعه، وضاقوا بها ذرعًا، وهم لا يستطيعون ردَّها، فقد كان من المتوارث عندهم عند موت أحد أن يَنْصِبَ العَزَاء أكثر من ثلاث، وكل شخص يحضر ذبيحة ويبقى جالسًا حتى يأكل من ذبيحته، فتزداد المصيبة مصائبًا عند أهل الميت، فينشغلون بالطبخ عما فجعهم بمن فقدوا، فعندما تُوُفي أخوه الحاج محمود -رحمهما الله- عام 1994م، وبعد أن صلى عليه وقف أمام قبره، وقال للناس كلمة طيبة، ثم قال: نحن لن نقبل ما تعارفتم عليه، ولكن من أراد فليصنع لآل المرحوم طعامًا عاديًّا، وذَكَرَ لهم عن رسولِ اللهِ أنه لما أتى نبأُ جعفرِ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه-حين قُتل في مؤتةَ بالشامِ وجاء خبرُه إلى المدينةِ أمر النبيُّ أهلَه أن يصنعوا طعامًا لآلِ جعفرٍ، قال: اصنعوا لآلِ جعفرٍ طعامًا فقد أتاهم ما يُشْغِلُهم، والحمد لله استجاب الناس له، وأُبْطِلت تلك العادة.

وقد جمع كثيرًا من أقاربه ممن هم بعيدون عن العلم والتفقه، ودعاهم إلى جلستين أسبوعيًّا، وقرأ عليهم تحفة الطلاب للشيخ زكريا الأنصاري الشافعي، وكان يشحذ هممهم وينصحهم بطلب العلم، وقد أثَّر ذلك فيهم، فمنهم من سلك طريق العلم بعد ذلك.

مرضه وانتقاله:

لم يهنأ الشيخ حسين -رحمه الله- بنومٍ قرابة عشر سنين، وذلك بسبب جهاز يلبسه عند النوم يقوم بتوسيع الرئتين وزيادة الأُكسجين.

وفي أوج الأحداث التي مرت بالديار الشامية ازداد الضيق على الشيخ بسبب انقطاع الكهرباء، وعدم القدرة على تشغيل جهاز الأوكسجين، فازدادت صحته انتكاسًا، وكان آنذاك قد انتقل من حلب إلى ريفها في قريته (جراح صغير)، فابتعد قهرًا عن جو العلم والتعليم فكان يقول: «أنا أموت ببطء لابتعادي عن الكلتاوية» فقد كان دعاؤه دائمًا أن يقبضه الله وسط الدوحة النبهانية في أثناء ممارسة التعليم، ولكن قدَّر الله وما شاء فعل.

وازداد ابتلاء الشيخ -رحمه الله- بانحباس السوائل في جسده، فكان يحتاج كل يومين إلى جلسة عند الطبيب لسحب السوائل بالإبرة في مشافي القرى المحيطة بقريته، ونستطيع القول بأن الشيخ نزل في جميع تلك المشافي والعيادات في المهدوم ودير حافر ومسكنة وآخرها منبج.

وكان أهله وأصدقاؤه يلحون عليه بالخروج إلى تركيا للعلاج، فكان يُصِرُّ أن يبقى في بلاد الشام ويكرر: هنا أفضل هنا أفضل.

واشتد به المرض، فنُقِلَ إلى مشفى الأمل بمدينة منبج، ومكث ثلاثة أيام، ثم فاضت روحه الطاهرة، يوم الأحد في الثالث من شهر شعبان المكرم سنة 1437هـ الموافق 1 حزيران 2014م.

وطُوِيت صفحة عالم عامل، قاسى ما قاساه من الشدة والابتلاء، بقلب صابر ولسان ذاكر، ودفن في مقبرة تْلُولْ بقريته، رحمه الله وجعل الفردوس مأواه.

رثاؤه:

كَتَبَ في رثائه صديقه الشيخ محمد ضياء الدين ملاحفجي:

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! حادث عظيم! وخطب جلل! نزعت اليوم عمامة من عمائم الفقه الشافعي في حلب وضواحيها من بلاد الشام، فأعظم الله أجر الأمة، وعَوَّض المسلمين خيرًا في علمائهم.

رحمك الله يا أخي الشيخ حسين، يا أبا ضياء، لقد كنتَ الأخ والحبيب والصديق والأنيس والجليس.

كم كنتُ أتمنى أن أكون بجانبك في محنتك الكبيرة الأخيرة؛ لأنك علمتني أن تكون معي دائمًا في كل محنة.

أمضينا معًا ست سنوات من ربيع العمر في رياض الكلتاوية، وأربعًا في جامعة الأزهر، وأشهد أن كل شيوخك وأساتذتك أحبوك من قلوبهم.

كم وكم رغبتُ أن تجاور في المدينة المنورة لنستأنف معًا الدراسات العليا، ولكن الله أراد لك عزًّا وشرفًا أرقى من الماجستير والدكتوراه، ففي أكثر من ثلاثة عقود لقنت العلم في صفوف دار نهضة العلوم الشرعية، فتخرج الكثير منهم وهم في العلم فوق الماجستير والدكتوراه.

كنت أنيسي كلما اضطربت بي سفينة الحياة، وكنت جليسي كلما أردت أن أخلو مع أجمل ذكريات عمري أيام الكلتاوية ولياليها، ومصر وامتحاناتها، وأشهر الصيف وإجازاتها، وكنت لي ركنًا في الفتوى كلما طرأت (مسألة ولا أبا حسن لها) قلتُ: لها الشيخ حسين.

إن أسمى خُلُقٍ وجدته فيك تواضعك، وكأنه فيك جـِبـِلِّيٌّ خَلْقي، لا تعرف الغرور، ولا الكبرياء، ولا الزهو والإعجاب بالنفس، الذي ابتلي به الكثير من طلبة العلم اليوم، كنت في خُلُقِكَ هذا تحكي الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص 83)، وإذا كان بعض المفسرين يقول: «هي أن لا يحب الرجل أن يكون شسع نعله أجود من شسع نعل صاحبه» فأحسبك من أهل هذا المقام، ولا أزكي على الله أحدًا.

كانت غرفتك المتواضعة في جامع بان قوسا بحلب القديمة خلية نحل، يأتيها التاجر والمزارع والبدوي والمعلم والمهندس والطبيب، هذا يقرأ عليك كتابًا في العلم، وهذا يسألك حلًّا لمعضلته، وهذا فتوى لمشكلته، فيتسع صدرك لجميعهم، تشرح بإسهاب دون ملل ولا ضجر، ويستوي لديك صغيرهم وكبيرهم، وغنيهم وفقيرهم، ومغمورهم ووجيههم.

يا أبا ضياء: لا أنسى يوم قدمت إليّ مولودك الأول وقلت لي: أسميته باسمك. وكأنك تعطي درسًا في الوفاء.

يا أبا ضياء: في الفؤاد حديث لا ينتهي عن خُلُقِك وأدَبِك، وكَرَمِك وسَخَائِك، ووَفَائِك ومُروءَتِك، ونَقائكَ وطَهارَتك، وسَلامَةِ صَدْرِك، وتُقاك وعِفَّتِك، وأدبِكَ وَحَيَائِك، فعسى الله أن يبارك في وقتي لأكتب للتاريخ سيرة عالمٍ فقيهٍ يحكي حَالُهُ مَقُولة الإمام الرِّفاعيِّ الكبير: «أنا حُميد اللّاش، أنا لاش اللّاش، أنا لستُ بشيخ، حُشِرتُ مع فرعون وهامان، إن خطر لي أنى شيخٌ على أحدٍ من خلق الله».

آلمني رحيلك -والله- يا أبا ضياء، أحسست أَنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ منْ كِياني تَشْعُرُ بالغُرْبَةِ بَعْدَكَ، وَإنَّ بينَ ضُلُوعي مَأْتمًا لا يَنْتهي.

إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا أخي الشيخ حسين لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مصادر الترجمة:

           الشيخ حسين كنو، مقابلة معه في جامع بان قوسا، بحضور الشيخ مصطفى كنو، والشيخ محمود غزال، والشيخ عبد الرحمن مصطفى حوت، في 20 أيار 2008م.

           الشيخ محمد ضياء الدين ابن الشيخ حسين كنو، مراسلةً كتابيةً.

           الشيخ محمد ضياء الدين ملاحفجي، مراسلةً كتابيةً.

ملف مسموع

كلمة للشيخ حسين كنو عن السيد النبهان عام 1997م في الكلتاوية.

 

 

 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة 189)

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 20-8-2021م

 

شيخ آخر جليل فقدناه

جاءني نعيه من حلب، وورد عليَّ خبر رحيله عن دنيانا في مدينة أبي فراس وعمر أبو ريشة (منبج)، فاكتنفني حزن أسود كئيب، وأمض نفسي وجد على فراقه لا يوصف، وغشاها ما غشى، وكيف لا؟ وفقد الاحباب من أكبر المصاب!!!

وَكُلُّ مُلِمّاتِ الزَمانِ وَجَدتُها *** سِوى فُرقَةِ الأَحبابِ هَيِّنَةَ الخَطبِ

رحل شيخنا الفقيه الكبير (حسين علي كنو) بعد حياة لم يخل يوم من أيامها من إفادة فقه أو استفادة علم .... رحل بعد أن نشر فقه الشافعي في حلب عبر تخريج طلبة كثر من (دار نهضة العلوم الشرعية)، ومن حقه عليَّ – وأنا واحد من تلاميذه – وعلى الأجيال التي نهلت من علمه، ومن أوجب الواجبات علينا أن نشيد بمآثر هذا العالم النابه والفقيه الكبير.

وليس الفقه وحده تعلمناه منه، بل والأصول ايضاً، واللغة، ناهيك عن حاله الذي يعلم من خلاله، ويلقي عبره بدروس لا تنتهي في الجدية في طلب العلم، والإخلاص، وصدق القلب، وكثرة التحصيل، وزيادة المخزون الفقهي والثقافي.

ولعل الشيخ حسيناً – أو القاضي حسيناً كما كنت أسميه تيمناً بالقاضي الشهير الشافعي صاحب التعليقة المشهورة في الفقه الشافعي (ت462هـ) – أحد الأساتذة القلائل الذين كانوا يُنهون المنهاج المقرر قبل أوانه، كل هذا بإتقان وتوضيح قلَّ نظيره.

وبرغم نُدرة مساحة الراحة والمرح والهزل في دروسه، إلا أنه كان يمزج بعض المسائل الفقهية الجافة بشيء من أسلوبه المرِح اللطيف؛ فيرسم الابتسامة على وجوهنا، ويبعث النشاط في نفوسنا؛ فنقبل على الفقه من جديد بروح وثابة ورغبة قوية.

وكان لا يفتؤ يشحن قلوبنا بحب العلم، ولم يكن تشجيعه يقتصر على التركيز على الفقه والتعمق في مسائله وقضاياه، بل كان يركز أيضاً على اللغة العربية، وكان مما قاله لنا ذات يوم: (إذا مملتُ من قراءة الفقه، تفكهت – أي تناولت فاكهة – وأرحت نفسي بعلم النحو ، وقرأت في كتبه، ولا يغادرني شرح قطر الندى لابن هشام في أي حال من أحوالي).

وحينما كان يجري لنا اختباراً شفهياً كان يذهب إلى الفهرس، وفهارس الكتب الفقهية القديمة وخصوصاً كتب مطبعة مصطفى البابي الحلبي رحمه الله فهارس مختصرة جداً، تحتوي على الكتب والأبواب فقط دون العناوين الفرعية، ويروح يلقي أسئلته علينا كما لو كان يمر على المسائل الفقهية في أبوابها من الكتاب كلاً على حدة.

ولما أصيب أحد زملائنا بفقر دم شديد ولج عليه مهجعه شيخنا حسين، وبيده كعك سخَّان وعلبة لبن (روب) كبيرة، في صورةٍ أكبرناها جميعاً، وعرفنا يومها أن شيخنا ليس مجرد شيخ فقط، بل وأب كبير.

وكنا إذا دخل شهر ربيع الأول زيَّنا الصفوف بأنواع الزينات ، وأعددنا القصائد التي تتغنى بمولد سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام ؛ لنلقيها أمام المدرسين احتفاء بصاحب الذكرى عليه الصلاة والسلام ، وربما مر الدرس كله دون أن نفتح كتاباً مجاراةً من المدرس لتلاميذه ، ومشاركة منه في حب الحبيب صلى الله عليه وسلم ، ولكن الشيخ حسيناً لم يكن ليرضخ لمثل هذه التصرفات ، فكان إذا ما دخل علينا الفصل في شهر الربيع قطع على من يريد الإنشاد إنشاده، ومنع قائل الشعر من إلقاء شِعره ، وأمر بمتابعة القراءة من حيث انتهينا في الدرس الماضي .

كانت آخر مرة رأيته فيها في مطار حلب الدولي عام 2004م، فقبلت يده، ونقلت إليه تحية تلاميذه له في الكويت، ودعائهم له أن يجزيه الله عنا خير الجزاء، فسر بذلك أيما سرور، وحملني تحية بمثلها وأحسن إليهم.

لن أفي شيخنا أبا ضياء حقه، مهما دبّج يراعي، وسطّر قلمي، وكيف وأنا ذو البيان القاصر والنمط الضعيف، وهو من هو في علمه وأدبه وخلقه.

رحمك الله شيخنا أبا ضياء ... وجزاك عنا ربنا خير ما جزى شيخاً عن طلبته، وأستاذاً عن تلامذته.

ابنك المكلوم ياسر مصطفى يوسف

الكويت 2-6-2014م. 

إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا شيخنا لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر* فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا* شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي

ببالغ الأسى وعظيم اللوعة أنعى شيخنا التقي الخفي والعلامة الفقيه النحوي الشيخ حسين كنّو عن ست وخمسين عاما حافلة بالتعلم والتعليم والاستقامة والورع بعد أن اشتد به المرض. رحمه الله رحمة الأبرار وجزاه عنا أجزل جزاء وأوفاه.

ولد شيخنا رحمه الله بالعطشانة إحدى قرى مدينة منبج عام 1958 وتخرج من دار نهضة العلوم الشرعية( الكلتاوية) بحلب عام 1977 بعد أن دأب فيها على تلقى العلم عن علمائها المحققين ومدرسيها المتمكنين كالعلامة الشيخ محمود فجال والعلامة الشيخ نذير حامد والشيخ الفقيه عبد الرحيم الحوت وشيخنا الفقيه صالح بشير الحجي والعلماء الأفاضل الشيخ عبد الباسط حسون والشيخ صالح حميدي الناصر والأستاذ حسان فرفوطي ووالدي الشيخ محمدنبيه سالم وعلماء الأزهر المصريين الأجلاء ضيوف الكلتاوية الشيخ عبدالفتاح الشيخ والشيخ عبدالسلام الذهبي والشيخ محمود الجوهري.. كما تلقى السلوك والتربية عن العالم والمربي الكبير الشيخ محمد النبهان..

وأتم تحصيله العلمي برحاب جامعة الأزهر فتخرج من كلية الشريعة عام 1981.

وهب شيخنا رحمه الله حياته للمدرسة الكلتاوية مربياً ومعلماً، فدرس فيها منذ عام 1981 إلى عام 2012 علوم الفقه والنحو والأصول والمنطق والحديث من غير كلل ولا ملل ولا هزل ولا تهاون كل يوم دراسي مستغرقا كل الفصول الدراسية مستوفياً جميع الحصص ملتزما بساعته الدراسية كلها متقنا لمادته متمكنا من حل عباراتها عبارة عبارة واستحضار مسائلها وأدلتها، فدرس لنا كتاب تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب في فقه الشافعية لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري كملا مع مراجعة حاشية الشرقاوي عند الحاجة ودرس لنا أكثر كتاب الميسر في أصول الفقه للشيخ ابراهيم سلقيني وقرأت عليه في مسجد بانقوسا الذي كان إماما فيه قطعة يسيرة من شرح المنهاج وشرح التحرير ودرس للطلاب شرح ابن عقيل على الألفية وشرح السلم للدمنهوري وغير ذلك.

وصفه بعض أقرانه العارفين به بأنه مكتبة متحركة، ولقب بالشافعي الصغير..

عرف الشيخ رحمه الله بنزاهته واستقامته وتبتله في محراب العلم وانزوائه عن زخرف الحياة الدنيا وبريق الشهرة فلم يسع لمنصب ولم يتزلف لحاكم، افتتح في سوق الزهراوي محلاً تجارياً فكان مثال التاجر الصادق الأمين قانعاً بالربح اليسير، عرف باستقامته وعفة لسانه ورجاحة عقله، وكان مهيباً في قلوب الطلاب معظماً في نفوسهم على الرغم من الملاطفات التي تظهر منه دون تكلف بين الحين والآخر.

أبكيك يا شيخي الحبيب...

أبكي فيك العلم الجم من غير تنفخ ولا دعوى..

أبكي فيك الصبر والدأب على التعليم والتدريس من غير كلل ولا ملل..

أبكي فيك الأخلاق العالية والنفس الشريفة واليد العفيفة..

أبكي فيك العطاء من غير منّ والحب من غير شكوى..

رحمك الله رحمة الأبرار الأخيار وفسح لك في قبرك ونور ضريحك وجعله روضة من رياض الجنة ويمن كتابك ويسر حسابك وألهمك حجتك وألحقك بعباده الصالحين المخلصين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين..

اللهم إني أشهد أن عبدك حسيناً كان محباً لك ولرسولك صادقا تقيا نقيا باذلا روحه ونفسه لنشر دينك وتعليم شريعتك اللهم فتقبل ذلك منه بقبول حسن وأعل في الجنة درجته واخلفنا منه بصالح وبارك في نجليه الشيخ محمد ضياء الدين والشيخ محمد بهاء الدين وصبرهم وسل قلوبهم واجعلهم خير خلف لخير سلف يا سيدنا ويا ربنا ويا غاية رغبتنا ومنتهى آمالنا لا إله إلا أنت...

كتبه أحمد زاهر سالم 2014/6/1