آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    رجال عبروا فيها   مجموعة من العلماء العاملين في الدار
الشيخ حسان فرفوطي رحمه الله تعالى



مرات القراءة:3726    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

   الشيخ حسان فرفوطي

رحمه الله

1346 - 1414هـ/ 1928  1994م

 

 

 ترجمة الشيخ حسان فرفوطي رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة 158)

الخطيب الأديب البليغ، والمُدرّس المحبوب الشيخ حسان ابن الشيخ طاهر ابن الشيخ رمضان.

نسبه وولادته:

ولد -رحمه الله- في حي باب المقام بمدينة حلب، عام 1928م في أسرة مباركة تنحدر من بيت النبوة، فهو ينتسب إلى آل البيت من طريق سيدنا عبد القادر الجيلاني قدس سره- لأنه مَرَنْدِيّ، ولدى عائلته وثيقة محفوظة موقعة من العارف بالله الشيخ محمد النبهان تصادق على صحة نسبة الشيخ حسان -رحمه الله- إلى آل البيت الكرام، ووالده وجده شيوخ زاوية قادرية.

كلمة «فرفوطي» من أين جاءت؟

قال الشيخ حسان، رحمه الله: «مثل سيدنا ما رأينا، ونحن عائلتنا مشايخ، جدنا فَرَطَ لجام الفرس».

ولعل اسم فرفوطي جاء من كرامةِ فَرَطَ لجام الفرس لأن لجام الفرس قوي من حديد وخاصة إذا كان من حلق متصلة بعضها ببعض بلحام، فَلانَ في يده وفرطه إلى قطع صغيرة كرامة. 

دراسته:

درس الابتدائية في مدرسة الأمل والإعدادية والثانوية في مدرسة الغزالي ثم تابع بدار المعلمين في حلب، وتخرج فيها ثم تابع بالدراسات الدينية والعربية بجامعة دمشق دراسة حرة انتسابًا.

 

عمله:

عمل -رحمه الله- مدرسًا في مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية)، فكان مؤسس ومدرس الخطابة في المدرسة منذ افتتاحها عام 1964م، حتى قبيل وفاته، وكذلك درس فيها النحو والقراءة والتعبير والأدب.

وعمل -رحمه الله- مديرًا لجمعية النهضة الإسلامية وذلك بعد تقاعده من التدريس في التربية، (والمدير في الجمعية غير الرئيس)، وكذلك كان عضوًا في الهيئة الإدارية في جمعية النهضة الإسلامية.

           ومديرًا لجمعية عباد الرحمن الخيرية.

           ومدرسًا الخطابة واللغة العربية في الثانوية الشرعية (الخسروية) بحلب.

           ومدرسًا في ثانوية الغزالي في حلب.

           ومدرسًا في مدرسة الاستقلال وكذلك في مدرسة الحمدانية في حلب.

           وخطيبًا في جامع الرحمن بحلب أول ما بدأ.

           وخطيبًا في جامع سيدنا بلال في حي الأعظمية لمدة طويلة حتى وفاته.

           وعضوًا في مجلس الوحدة في فترة الوحدة بين سورية ومصر وحاور الرئيس جمال عبد الناصر في قضية الحجاب في مجلس الأمة.

أولاده:

له أربعة ذكور وثلاث بنات، طلب قديمًا من ربه أن يرزقه طبيبًا وعالمًا فتحقق له ذلك، وأولاده الذكور هم: الدكتور طاهر، والشيخ أحمد زين الدين -تخرج في مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية) ونال شهادتها عام 1985م- ومحمد علي، ومحمد أنس، وكلهم سماهم سيدنا النبهان رضي الله عنه.

 

الشيخ حسان وصحبته العارف بالله الشيخ محمد النبهان رضي الله عنه:

كان -رحمه الله- شديد الصلة بالسيد النبهان ومن الملازمين له والمنقطعين لخدمته، يتميز-رحمه الله-بالفصاحة في خطبه والقدرة على مخاطبة الجماهير وله مواقف مشهودة مشهورة، وكان السيد النبهان يحبه ويثق بحكمته ويكلفه بمهمات التواصل مع الآخرين.

أوصى به رسول الله :

حدثني الأستاذ الدكتور محمود فجَّال -رحمه الله- قال: حسان لما جاء إلى سيدنا - رضي الله عنه- في أول مرة أوصى به الرسول الكريم ، وعند سيدنا كانت له مكانة خاصة.

حلقة الشيخ حسان:

كتب لي أستاذنا الدكتور محمود فجال -رحمه الله-: «مِن أعمال السيد رضي الله عنه قبل نشأة دار نهضة العلوم الشرعية توزيعُ  إخوانه الخواص إلى خمس مجموعات، وكل مجموعة مرتبطة بأمير من أهل العلم ممن له قَدَم وقِدَم عند سيدنا -رضي الله عنه-، وهم الشيخ أديب حسون، والشيخ علاء الدين علايا، والشيخ محمد لطفي، والشيخ حسان فرفوطي وكاتب هذه الكلمة (محمود فجَّال)، والهدف من هذه الحلقات: اجلسْ بنا نؤمن ساعة، وطلب العلم، والتواصي بتلاوة القرآن، وبصوم الاثنين والخميس، وكان لهذه الحلقات لقاءات مع سيدنا في بيت أحد إخواننا، ويُسمح بحضور ضيوف سيدنا وبعض الأفراد من حلقات أخرى بدعوة سيدنا أو صاحب الدعوة». 

حجه:

رافق السيد النبهان -رضي الله عنه- في رحلة الحج عام 1965م، وكان مسؤولًا على أحد باصات الرحلة، رأى فيها مشاهد عظيمة حدث عن بعضها.

روى لي تلميذه الشيخ حسين الأحمد رحمه الله- قال: «حدثنا الشيخ حسان فرفوطي

-رحمه الله- في أحد دروسه وكنا طلابًا عندما سألناه عن حجه مع سيدنا رضي الله عنه، قال: دخلنا مع سيدنا للسلام على سيدنا رسول الله  فرأينا يقظة رسول الله  وإلى جانبه الشريف سيدنا أبوبكر وسيدنا عمر -رضي الله عنهما- وقام سيدنا أبوبكر وضيّفنا تمرات لا شيء ألذ منها، وأجهش الشيخ حسان بالبكاء ولم يكف عن البكاء حتى نهاية الدرس، ولازلتُ كلما أذكر هذا الأمر يرتسم أمامي صورة الشيخ حسان وترتجف أعضائي».

 ومن أحواله وخصاله -رحمه الله-:

آلمه مرة رأسه فبات الليل يصيح يا سيدي! رأسي رأسي، فنام وفي الصباح جاء إلى السيد النبهان فبدأه سيدنا وقال: ما لك يا حسان طوال الليل راسي راسي!

سمعت الشيخ الدكتور محمود ناصر حوت قال:

 «يمتاز شيخنا الأستاذ حسان بشدة محبته لسيدنا رضي الله عنه فكان كلما ذُكر أمامَه بكى، ما رأيناه ذكر سيدنا إلا وبكى.

مدرستنا فيها حسان:

ذهب مرة إلى إدلب وقد افتتحوا هناك مدرسة شرعية فرآه سيدنا قادمًا قال: أين كنت؟ قال: سيدي افتتحوا مدرسة بإدلب مثل مدرستنا، قال له سيدنا: مثل مدرستنا! مدرستنا فيها حسان هم ماذا عندهم؟! قال له: سيدي مدرستنا فيها أنت وأنت الكل بالكل.

الخطيب المفوه:

كان -رحمه الله- خطيبًا مفوهًا، بليغًا قويًا، مؤسس علم الخطابة في مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية) بل إنه أضاف شيئًا هامًا لطلاب العلم لم يكن موجودًا عندهم، فقد كان طلاب العلم في حلب يخطبون وأمامهم الورقة فهو -رحمه الله- شجع الطلاب وأخرجهم من قيد هذه الورقة وألغاها، كان يشجع الطالب ويقول له: قل ما تشاء لكن لا تخطب من الورقة.

تخرج على يديه علماء ومحاضرون ومتكلمون وشعراء، يشجع الطالب ويعطيه الملاحظات التي تفيده في الحاضر والمستقبل.

وكان السيد النبهان يكلفه بإلقاء الخطب في الاجتماعات والمناسبات.

ومن ذلك الخطبة التي ألقاها في الجامع الأموي في حلب على إثر مظاهرة كان قد سيرها استنكارًا لموقف الحزب الاشتراكي، جابت شوارع مدينة حلب، ثم وقفت في الجامع الأموي تستنكر على هذا الحزب ومواقفه ومبادئه، وألقى أيضًا الشيخ محمد أبو الخير زين العابدين كلمة، وقد ذكر هذا الخبر أكرم الحوراني في مذكراته عن أحداث سنة 1956م.

وأذكر أيضًا -والكلام ما يزال للدكتور محمود حوت- ذلك المولد الذي أقامه سيدنا عام 1966م وقدمت الوفود من المحافظات، وامتلأ المسجد وباحاته وكان عريف الحفل هو الأستاذ حسان، وفي أثناء الحفل قطعت الكهرباء عن الكلتاوية بقصدٍ، وصعد الأستاذ حسان فرفوطي -رحمه الله- على المنبر وبدأ يتكلم بصوت مجلجل وصوته وصل لأبعد مدى.

وكان -رحمه الله- ممن تشرف بإلقاء الخطبة أمام السيد رضي الله عنه على منبر الكلتاوية.

وهو رحمه الله- من مؤسسي جمعية النهضة الإسلامية بحلب، وأحد أركان مدرسة الكلتاوية حين انطلاقتها، وله باع طويل في توجيه الطلاب وتهذيبهم وتنشئتهم وتربيتهم، وكان لا يخشى في الله لومة لائم» اهـ.

بشارة بالفتح:

كان في مجلس مع سيدنا -رضي الله عنه-  فبشر سيدنا مَنْ في المجلس بالفتح والمعرفة ولو قبل الموت بساعة، وقال: لا تموتون إلا على الكمال.

كتب لي الشيخ محمد أكرم الزين: «كنا ننتظر جنازة أستاذنا الشيخ حسان -رحمه الله- وجاءت جلستي إلى جوار شيخنا أبي شوقي علاء الدين علايا -رحمه الله- وكان الشيخ علاء الدين يقول بصوت مسموع: نِيّاله (كلمة عامية تعني هنيئًا له) نِيّاله نِيّاله نالها، فسأله صديق لنا كان يجلس إلى جانبه من الجهة الأخرى فقال: أستاذ ماذا نال؟ قال: المعرفة، قال الطالب متعجبًا: المعرفة؟ فقال الشيخ علاء الدين: نعم قطعًا».

نسبه لآل البيت:

سمعت الدكتور محمود ناصر حوت قال: «قال الشيخ حسان لسيدنا رضي الله عنه: رأيت السيدة فاطمة في المنام مرة ولها ضفائر، فقال له سيدنا: لا يصح، لا يصح أن تراها غير واضعة على رأسها...لا.. فسكتُّ لأنني هكذا رأيتها، بعد ذلك قال له سيدنا: صحيح صحيح أنت ابنها.

كان -رحمه الله- محبًّا صادقًا لسيدنا وآله، وإيمانه مطلق، ودرسه فيه مرح، كان يفتخر بطلابه الذين علمهم ورباهم.

تأثرت به -رحمه الله- باللغة والتعبير والشعر والأدب».

غمضوا بِتْشُوفوا:

كان سيدنا رضي الله عنه- يقول في الذكر: «غَمْضُوا بتشوفوا» فالشيخ حسان كان لا يغمض عينيه، يقول له سيدنا: لماذا لا تغمض؟! فيقول سيدي: هل سأرى أحسن من هذا الوجه؟ فيقول سيدنا: أنت لا تغمض. ومع ذلك كان يرى أناسًا بعد انتقالهم في حلقة الذكر، فمرة رأى الشيخ بكري شوشة، والشيخ محمد حوت، ومرة قال: وأنا أخطب على المنبر وإذ بي أرى الشيخ محمد لطفي -بعد انتقاله-في جامع صلاح الدين وإذ بالشيخ محمد لطفي على المنبر يقول: جئت لتعلمني الخطابة، فقلت له: اذهب أريد أن أكمل الخطبة.

عنده -رحمه الله- صفاء قلب، وطيب نفس، مسامح، حليم.

كان -رحمه الله- من أعضاء لجنة اختبارات القبول الشفوية التي كانت تجرى في الكلتاوية بحضور سيدنا -رضي الله عنه- ويحضر أيضًا فيها: المدير الشيخ محمد لطفي، والشيخ عمر ملاحفجي، والأستاذ الدكتور محمود فجَّال.

 

الشيخ حسان والشعر:

كان - رحمه الله -كاتبًا بليغًا، ومن القصائد المنسوبة له:

ليلة الميلاد

ألقاها في الكلتاوية يوم الأربعاء 11 ربيع الأول 1402هـ:

رقصَ الوجودُ بقدِّه الميَّادِ

                        طربًا يتيه بليلة الميلاد

وعرائسُ الروض الزهيّة أقبلتْ

                        نشوانةً بشذا النبي الهادي

فإذا بها عدلٌ وأنسٌ طافحٌ

                        قد حُوّلتْ أصنامها لرماد

هو رحمة الرحمن أهداها لنا

                        فلتفخرِ البشرى لكل فؤاد

يا قلبُ هيّا واستفقْ من غفلةٍ

                        وتزودنّ فذاك خير الزاد

جاء الربيع يهيب في الذكرى بنا

                        ويجدد الملكوت في ميعاد

دينٌ يشيده الإلهُ ويرتضي

                        لعباده خير الدعاة منادي

أقبلْ حبيبَ الله حيَّتك المنى

                        من روضة النبهان يصدح شادي

هذا عرين الليث حِبّك إنه

                        أفنى الحياة بسُنّة ورشاد

حتى بنى للدين صرحًا قيّمًا

                        يغني القلوب بخير زاد معاد

زهراته فواحة معطارة

                        هي بهجة للعين أنس النادي

قد جدّدتْ دربَ الحياة كريمةً

                        وترسمت خطواتِهِ بِسَداد

يا إخوتي أشبالَ نبهان انهضوا

                        ولتحملوا الراياتِ للإسعاد

وتعهدوا حمل اللواء أشاوسًا

                        تروي غليل الظامئين الصاد

فعليك صلى اللهُ سيد خلقه

                        ما رددتْ ذكراكَ أي نواد

ولسيدي النبهان مني قبلة

                        قدمتها محفوفة بِوِدادي

 

صاغت نسائم لطفكم ألحـانا

صاغتْ نسائمُ لُطْفِكُم ألحانا

                        تغزو العقول وتوقظ الوسنانا

وتهزّ أوتارَ القلوبِ على شذى

                        نَغَمِ الخلودِ وترشد الحيرانا

وتهبّ داعية إلى الله الّذي

                        برأ الوجود وأنشأ الإنسانا

يا أيها البدر المشعُ على الدنا

                        نورًا يهزّ الوجد والوجدانا

أنفاسُ حبّك كم سَقَتْ من تائهٍ

                        غيثًا فراح يَعُب منك حنانا

ماءُ السما أحيا أراضٍ بَلقعًا

                        ومياهُ هديك أنبتت إيمانا

يا سيّدي النّبهان يا شمس الضحى

                        يا تاج كل العارفين أتانا

إنّا بجاهك نستجير ونلتجي

                        وبنور وجهك نستزيد تقانا

في يوم حشر الخلق عند مليكنا

                        وحبيبنا وإلهنا مولانا

إذْ يوم لا تُجدي الفتى أموالُه

                        وفعاله إنْ لم تكن رضوانا

والأنبياءُ بباب أحمدَ خشّعٌ

                        يرجون فضلًا منه أو إحسانا

فيفيضُ بالكرم العظيم على الورى

                        بشفاعة تَهَبُ النعيمَ جِنانا

ويعانق الفردَ الّذي قد خصّه

                        بالحب منه وكَنّهُ نبهانا

 

هبت سحيرًا نسمتي

هبَّت سُحيرًا نسمتي* نشقت منها نفحتي

من روضة الحسن البديع* تروي حديث أحبتي

تروي حديثًا من حلبْ* عن سيّد عالي الرتب

فهو الإمام المنتخبْ* سيْدي النبهان قدوتي

هو كعبة للعارفين* وتاج أرباب اليقين

وإمام وفد الواصلين* شيخٌ بهيُّ الطلعة            

فهو لنا نِعمَ الإمام* حبيبْ إلى خير الأنام

بالملة السمحاء قام* على الكتابْ والسنة

هو روح أسرار الوجود* وتاج أرباب الوصول

وعين أصحاب الكمال* وسر روح النجدة

كتب لي تلميذه الشيخ عبد الله محمد علي: «سمعت أن أستاذنا الشيخ حسان فرفوطي -رحمه الله-رأى رؤيا وهو في المحشر أن لحية سيدنا الشريفة تغطي إخواننا وأنه حدث سيدنا بذلك فسُرّ سيدنا وصدقه».

لسانه طويل بالحق:

دعي سيدنا إلى إحدى الولائم وكان الطعام فريكة بلحمة، وممن حضر مع سيدنا الشيخ محمد لطفي والشيخ حسان فرفوطي، كان رأس الخروف أمام سيدنا فأخذ بيده الشريفة لسان الخروف وأعطاه للأستاذ حسان فمازحه الشيخ محمد لطفي قال: سيدي من غير شيء لسانه طويل.

فأجابه سيدنا رضي الله عنه- لسانه طويل لكن بالحق.

أفطر معي يا أبا طاهر:

كتب لي الشيخ علي بعاق: «حدثنا الأستاذ حسان فرفوطي -رحمه الله- قال: قال لي السيد -رضي الله عنه- بعد أن سلمت عليه بعد درس العصر في رمضان: أبا طاهر إلى أين ستذهب الآن؟ قلت: إلى البيت سيدي إلا إن أمرتني بشيء، فقال -رضي الله عنه-: أفطر معي اليوم، فبقيت معه -رضي الله عنه-، وكان من عادة السيد أن يفطر على تمر فإن لم يوجد فعلى حلو، ولما حان الإفطار كان على المائدة كنافة فبدأ بها السيد -رضي الله عنه-  ومددت يدي لأتناول قطعة منها فقال السيد: انتظر أنا آكل كنافة وأنت قل كنافة، فقلت: كنافة فقال: استمر فجعلت أقول: كنافة.. كنافة، والسيد يمضغ لقمة الكنافة ثم قال رضي الله عنه: الفرق بين من يتحدث عن التصوف وبين من يعيش التصوف ويتذوقه كمن يأكل الكنافة ومن يقول كنافة».  

كرامة:

حدثني تلميذه الدكتور محمد ربيع زين قال: حدثني أخي الشيخ يوسف زين-رحمه الله-قال: «حضرنا حفلة عقد قران أو مولد -والشك مني- مع سيدنا -رضي الله عنه-، ولما جاؤوا بالضيافة وكانت راحة بالفستق فأخذ سيدنا الراحة من الصينية وراح ينثرها على الموجودين فأصابت طرف الراحة حاجب أستاذنا الشيخ حسان فرفوطي -رحمه الله- فنزل الدم ولما سئل الشيخ حسان -رحمه الله- عن ذلك قال: كان في حاجبي حبة أو كتلة صغيرة وكانت تحتاج لشق ﻹزالتها فزالت هذه الكتلة ببركة سيدنا -رضي الله عنه- دون حاجة لعمل جراحي».

من ذكرياته:

كتب تلميذه الدكتور عثمان عمر المحمد: لما كنا طلابًا في مدرسة الكلتاوية حدث إحراق المسجد الأقصى من قبل الصهاينة، فأملى علينا الشيخ حسان موضوعًا تعبيريًّا في الخطابة، وهذا بعضه، وهو قطعة أدبية فنية نادرة:

(ما كنت أظن ولا كنت أريد أن يمتد بي الأجل فأرى يومًا قد تلبدت أجواؤه بالذل والاستكانة لمسلمي هذا العصر، وماكنا نعلم ماتخبئه لنا الأقدار جزاء بماكسبته أنفسنا، لقد استفاق العالم عامة واستفاق المسلمون والعرب خاصة على هول الصدمة ودوي الفاجعة، ذلك هو نبأ إحراق إسرائيل للمسجد الأقصى.

أولئك الذين اتخذوا منا كُرة تتقاذفها أرجلهم، وظهروا على المسرح فريقين مختلفين ظاهرًا ومتفقين قلبًا وقالبًا وحقيقة، فئة تؤيدنا، وأخرى تخاصمنا وتؤيد إسرائيل ونحن نصدق المسرحية، وإن شئت قل: إنهم يفرضون علينا أن نصدق هذا..) هذا بعض النص.

 وكتب لي تلميذه الشيخ محمد عثمان قال: كان أستاذنا الشيخ حسان فرفوطي -رحمه الله تعالى- يقرأ في كتاب «شهداء الإسلام في عصر النبوة»( تأليف علي سامي النشار) ونحن في الصف الثاني: (الطلل الخابي) يا رسالة الخلد الا بدية! إنهم ما فهموا حقيقتك بعد، ولو اطلعوا على جوهرها السامي لعلموا أنه بجانبك تتضاءل الدنيا جميعها، فلا أهل، ولا ولدان، ولا مال، ولا متاع.

وأنت أيتها الدار الرفيعة المنار.

ما أشبه الليلة بالبارحة، إلى الله المشتكى، لك يا منازل في القلوب منازل.

كم علا في رحابك من أناشيد الوجود؟ وكم ذكر اسم الله؟

تلك الأصوات التي كانت ترتفع في جنباتك الواسعة أصبحت أثرًا يتحدث به الناس، وأصحابك الغر طواهم الدهر الرهيب إلا أنهم عاشوا وماتوا أكفاء لعباهلة الرجال.

وتوقف عن القراءة وأغمض عينه والدمع يجري منهما، ثم قال:

يا مَنْ يَعُزُّ علينا أنْ نفارقهم* وُجْدانُنا كلَّ شيء بَعْدَكُمُ عَدَمُ

عشنا في كنف السيد النبهان في سعادة ونعيم وبدأ يستعيد ذكرياته، فكان مما ذكر لنا شوقه لتلك الأيام التي قضاها بمعيَّة السيد النبهان ورفقة الشيخ محمد لطفي والشيخ محمود فجَّال.

بِيْضُ الوجوه كريمةٌ أحسابُهم* شُمُّ الأُنُوف مِنَ الطراز الأوَّلِ

سأله أحدُ الطلاب عن صلاة الرسول  على نفسه في الصلاة؟

فأجاب الشيخ حسان -رحمه الله-: كان شخصُ الرسول  يصلي على ذاته .

وبعد انتهاء الدرس ذهب الشيخ حسان إلى السيد النبهان وأخبره بسؤال الطالب وجوابه، فقال السيد النبهان: من الذي سألك ومن الذي أجاب؟

قال الشيخ حسان: فعلمتُ أنَّ السؤال والجواب من عنده رضي الله عنه.

وذكر لنا مودة السيد النبهان له الخاصة، وأنه مرة غضب سيدنا من إخوانه وحَزِنَ على اختلافهم ودخل غرفته وأغلق الباب ولم يسمح لأحد بالدخول إليه أبدًا، فتحيَّن الأستاذ حسان فرفوطي -رحمه الله- الفرصة ودخل، فقال له سيدنا: ما بك حسان؟!

قال: سيدي أريد أن أتكلم معك بعض الكلمات.

قال: قل. قال: سيدي لكن أريد ألم نشرح لا عَبَس.

قال: ما بك -سيدي- لمَ غضبتَ من إخوانك؟!

قال: لأنكم لا تحبون بعضكم ومختلفون، لا تساعدون بعضكم، وجماعة الشيخ فلان يحبون بعضهم، وهم مجتمعون متعاونون.

قال له الأستاذ حسان: يا سيدي تسمح لي أن أحكي لك قصة؟ قال: قل.

قال: سيدي أنت تربي خيولًا، فهل يمكن أن نجمع فرسين أصيلين أو أكثر على مَعْلَف واحد؟!

قال: لا. يقتلون بعضهم.

قال: لو أدخلنا مئة حمار في إصطبل واحد ألا يمكن؟

قال: بلى.

قال: سيدي أصحابك وإخوانك كلهم خيل أصيلة، إخوانك كل واحد له رأيه المستقل واجتهاده الخاص، فَسُرَّ سيدنا، وقال: منين جبتها يا حسان؟!

قال: منك يا سيدي أنت علمتنا (أو بهذا المعنى).

وحكى بعض تلاميذه أنه ذكر لهم سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأنه صغير القامة دون المتر وأشار بيده. فقال له بعض الطلاب: أنت رأيته يا أستاذ؟ قال: نعم.

قال الطالب: أين؟

فقال الشيخ حسان: في مشهد.. وسكت، ثم لام نفسه أنه تكلَّم. وقال: ما صار إلا تكلمت! اهـ.

 

وفاته:

حدثني شيخنا الدكتور محمود حوت قال: «ابتلي -رحمه الله- في آخر عمره بالمرض الشديد.

زرناه عدة مرات، وقبل انتقاله بحوالي أسبوع روى لي منامًا فقال: رأيت سيدنا والرسول  يركبون سيارة، فركبت معهم، فلما نزلوا جئت لأسلم على النبي  فقال لي: اذهب وسلم على شيخك، فذهبت إلى سيدنا فقال لي: اذهب وسلم على الرسول ، فالنبي  قال: اذهب ليقرأ لك الشيخ محمد النبهان، فجئت ليقرأ لي فلم يقرأ وقال: اذهب ليقرأ لك الرسول ، فالنبي  قال: ليقرأ لك، فقرأ له سيدنا وقال: لم يبق فيك شيء يا شيخ حسان، فعرفنا أنه سيتوفى لأنه قال لك: لم يبق فيه شيء وهذا ما حصل».

فتوفي -رحمه الله تعالى- يوم الأربعاء 14 شعبان 1414هـ الموافق 27 كانون الثاني 1994م في ليلة النصف من شعبان، وصلى عليه الشيخ الدكتور محمود ناصر حوت في جامع الكلتاوية، أخذوه وحينما وضعوه في القبر كان المطر يهطل عند غروب الشمس في وقت التجلِّي الإلهي على السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان.

من رثائه:

كتب عنه تلميذه الشيخ إبراهيم الحمدو العمر:

مهما كان تصوّر الشيء في النفس عظيمًا فإن وقع ذلك الشيء أعظم من ذلك التصور مهما بلغت درجته في نفس متخيله، وهذا أمر طبيعي؛ فتخيل الشيء في الذاكرة ليس شيئًا أمام حقيقة ذلك الشيء ووقوعه، أرأيت إلى ولد منعم في كنف أبيه، تكلؤه رعايته وترعاه محبته ويعيش في ظله وحنانه، أيخطر في باله يومًا أن يفقده أو أن يعيش بدونه؟ أبدًا.

ولو تصور ذلك فإنه سيكون تصورًا بعيدًا، فإذا ما وقع فإنه سيكون مصابًا عظيمًا، كذلك كان إحساسنا بفقد أستاذنا «أبوطاهر حسان فرفوطي» -رحمه الله- الذي حل في قلوبنا منزلة الأب من ابنه البار من ابنه الوحيد المدلل.

 لقد كنا ننتظر درسه من الأسبوع للأسبوع لا لشيء إلا لأننا كنا نجد عنده شيئًا فقدناه وأمرًا أضعناه، فنحن في درسه لا ندري هل نحن مع أب أم مع أستاذ؟! لشدة ولوعنا بدرسه.

 نعم لقد كنا مع أب على طاولة أستاذ، لقد كان رحمه الله مثال الأب في رحمته ومعاملته ونصحه، وكان الأستاذ المخلص في توجيه تلامذته وإثرائهم بالمعلومات التي تفيدهم، وكان حلقة وصل بيننا وبين سيدنا -رضي الله عنه-، فكم من إشكال أزاله ببيانه الواضح وكم صحيح فهم بينه لنا برايه الثاقب، وكم أرشدنا إلى سيدنا -رضي الله عنه- بمعرفته به ومخالطته له، وكم كشف لنا من أسرار تلك الشخصية العظيمة، وكم عرفنا مالم نكن نعرف عنه.

كان يريد منا أن نوثق صلتنا بسيدنا -رضي الله عنه-  فبهذا نسعد وبهذا نفلح، وكم رأيناه يبكي ويغسل تلك الوجنات بدموع المحبة النبهانية حينما يذكر سيدنا -رضي الله عنه-  ويقول بلهجته المعروفة: «أبو أحمد أبو أحمد». أفلا يحق لنا أن نبكيه بقلوبنا؟ بلى والله.

وإننا لكذلك، بكت عليه قلوبنا قبل أن تدمع عليه عيوننا، ولقد انتقل من بيننا ولم نكن نتصور أنه ينتقل لما له من مكانة في نفوسنا.

فيا أيها الحبيب الذي شهد ذاك المحيا الجميل وتلك الطلعة البهية ضع يدك على قلبك وفؤادك فإنني أظن أنك ستجد فراغًا كان مملوءًا بمحبة تلك الشخصية العظيمة.

فرحمة الله عليك أستاذَنا أبا طاهر وهنيئًا لك تلك الرحلة الا بدية مع الأحبة محمد وصحبه، وبشراك بشراك فأنت الآن في كنف الحبيب تنعم بوصله ولا تخاف فراقًا بعد الآن.

 ويا سحائب الرحمة والرضوان تنزلي على ذلك المرقد الطاهر، فهنيئًا لك ذلك اللقاء، وإن كان شيء يعزينا في فراقك فهو لقاؤك، أو كان شيء يسلينا عن بعدك فهو قربك أو كان شيء يصبرنا على انتقالك فهو وصولك، ولئن كان يرضينا شيء فهو أن تكون مع سيدنا النبهان -رضي الله عنه-.

مصادر الترجمة:

           «الشيخ محمد النبهان شخصيته، فكره، آثاره» تأليف د. محمد فاروق النبهان.

           الشيخ الدكتور محمود ناصر حوت، مراسلةً صوتيةً.

           الشيخ الدكتور محمود الزين -رحمه الله- مشافهةً.

           الشيخ أحمد فرفوطي ابن الأستاذ حسان فرفوطي، مراسلةً كتابيةً.

           الشيخ حسين الأحمد-رحمه الله-، والدكتور محمد ربيع زين، والشيخ علي بعاق، والشيخ محمد عثمان، والشيخ عبد الله محمد علي، مراسلة كتابية.

ملف مسموع:

تقديم الشيخ حسان لفعالية «تعالوا نؤمن ساعة» في حفل المولد النبوي الشريف في الكلتاوية عام 1979م.  

قصيدة يؤديها الشيخ مصطفى حمدو من تأليف الشيخ حسان فرفوطي رحمه الله من حفل تخرج الفوج الرابع، ويقدمه الشيخ حسان رحمه الله.

 

 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة 158)

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 16-8-2021م