آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    العالم الإسلامي   مقالات
أمة واحدة لا أمتان



مرات القراءة:4016    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

أمة واحدة لا أمتان

الشيخ الدكتور الشهيد فيضي الفيضي

 

 


كثيرا ما يلفت انتباهي كلام بعض الأخوة من الفضلاء وبعضهم من أهل العلم وهم بصدد الحديث عن القضايا المصيرية للأمة في خطاباتهم المقروءة والمسموعة فألحظ في كلامهم عبارات مثل: (إن الأمة العربية والإسلامية)، ومثل: (الأمتان العربية والإسلامية)، وبعضهم يقول مفاخراً: (نحن أمة العرب)، وأسمع رابعاً يقول: (نهنئ الأمتين العربية والإسلامية).

وبالنظر لما أفهمه من معنى الأمة في المصطلح الإسلامي من خلال آيات في كتاب الله تعالى، وأحاديث في سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومسيرة عمرها أكثر من ألف وأربعمائة عام في تاريخ الأمة أحببت أن أسطر هذا الفهم من خلال هذه الكلمات فأذكر أبناء الأمة بمعنى الأمة في المصطلح الإسلامي.
وهو أن الأمة هي أمة واحدة لا تعدد ، وهي الأمة الإسلامية ، وأن التعدد في الشعوب والقبائل ، فالأمة الإسلامية واحدة وهي تضم شعوبا عربية وغير عربية .


ولإيضاح ذلك أقول :


الأمة في اللغة هي: أمر جامع ذو بال من دين أو لغة أو بلد. ولكن حين نتأمل نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة نجد أن المعنى الديني قوي ظاهر في هذه الكلمة أعني كلمة (الأمة)، والله سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، (الأنبياء/92)، وفي آية أخرى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون/52).

فهكذا ذكر الله الأمة واحدة فأفردها، ولكنه تبارك وتعالى جمع كلمتي الشعب والقبيلة حين قال: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)، (الحجرات/13)، فأفرد الأمة في الآيتين السابقتين وجمع الشعوب والقبائل، لأن الانتساب إلى الشعوب والقبائل أمر خَلْقي لا ينبني عليه ثواب أو عقاب ما دام (كلكم من آدم وآدم من تراب)، لكن تعدد الأمم يعني تعدد المناهج، إنه باختصار اختيار أحد الطريقين طريق الأمة المسلمة أو طريق الأمة غير المسلمة.


وحين نصغي إلى النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) نجده في ميثاقه الذي كتبه حين وصل المدينة يقول فيه: {المسلمون أمة من دون الناس}، في إشارة منه إلى أن الجامع الجديد إنما هو العقيدة. وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) الكثيرة ومنها : " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ". ومنها التي يقول فيها (صلى الله عليه وسلم) : (أمتي)، في مناسبات متعددة كلها تدل على أن الأمة مصطلح يشمل المسلمين من كل الأعراق وعلى اختلاف اللغات وتعدد البلدان ولا يشمل غير المسلمين حتى لو اتحدت الأعراق واللغات والبلدان.


فالأمة الإسلامية أمة واحدة وفيها شعوب متعددة وفي الشعب الواحد قبائل متعددة وكل ذلك انتسابات محترمة لكن الانتماء يكون للأمة التي هي: (جامع عقائدي).

على أن الانتماء إلى الأمة لا يلغي الانتساب إلى ما تقدم فالإمام الشافعي منسوب إلى جده شافع والإمام أحمد بن حنبل منسوب إلى بني شيبان، والحافظ العراقي منسوب إلى العراق والمفسر القرطبي منسوب إلى قرطبة في بلاد الأندلس وهكذا بل إن بعض العلماء نسب إلى حرفة كالقفال والنحاس ومنهم إلى وصف خَلقي كالزنجي شيخ الشافعي والأعمش من علماء الحديث وهكذا..


يقول ابن تيمية : (بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل: انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، أو إلى شيخ كالقادري والعدوي ونحوهم أو مثل الانتساب إلى القبائل كالقيسي واليماني وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري. فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالى بهذه الأسماء، ولا يعادى عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان).


فتعدد النسبة لا يعني إذا تعدد الانتماء لأن الانتماء يقتضي الولاء. والولاء لا يكون إلا لله ثم هو للأمة من بعد فالانتماء شيء، والانتساب أو التسمي شيء آخر.

ومما يوضح هذا نجد أن فقهاءنا يؤكدون على أن العالم بأسره أمتان:


أمة الإجابة: وهم كل من استجاب لدعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) فأسلم وشهد شهادة الحق.
وأمة الدعوة: وهم كل من لم يسلم فهي تشمل الناس كلهم من غير المسلمين .

وعلى هذا المفهوم نفهم قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، (آل عمران/110) فالمقصود به أمة الإسلام وليس من الصحيح حصر المراد بهذه الآية بالعرب لأن في العرب من لا يعبد الله ومن هو غير مسلم.


وهذا ما نتعلمه من دعاء إبراهيم (عليه السلام) بعد أن أعلمه الله أن ذريته لن يكونوا جميعا أئمة، طلب من الله أن يكون من ذريته (أمة مسلمة) قال تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، (البقرة:128) وهذا يعني أن ذريته رغم أنهم من أب واحد وهو إبراهيم (عليه السلام) أصبحوا أمتين : أمة مسلمة وأمة غير مسلمة.

بعد كل هذا نقول إن مفهوم الأمة مفهوم عقائدي فهنالك أمة مسلمة وأمة كافرة، أمة مسلمة بمختلف أعراقها وقومياتها وشعوبها وقبائلها ولغاتها ولكنها واحدة لكونها تعبد الله الواحد بمنهجه الوحيد: (أمتكم أمة واحدة)، (وأنا ربكم فاعبدون)، (وأنا ربكم فاتقون)، (المسلمون أمة من دون الناس).
وأمة غير مسلمة بمختلف أعراقها وقومياتها وشعوبها وقبائلها ولغاتها لكونها لا تعبد الله الواحد بمنهجه الوحيد ومن هنا (فالكفر ملة واحدة).

أدرك المسلمون ذلك فلم يكن على ـ سبيل المثال ـ أي رابط بين أبي بكر الصديق وأبي جهل لكون كل واحد منهما من أمة رغم أنهما جميعاً من قبيلة واحدة هي قريش وشعب واحد وهو شعب العرب ولم يكن أي رابط بين سلمان الفارسي وقومه في بلاد الفرس لكون كل واحد منهما من أمة رغم انهما من شعب واحد وهو شعب الفرس وبلاد واحدة وهي بلاد فارس.

لقد كانت أقوى الروابط بين أبي بكر الصديق وبلال الحبشي لكونهما من أمة واحدة رغم أن كل واحد منهما من شعب فأبو بكر من شعب العرب وبلال من شعب الحبش ويتجلى هذا المعنى في قول عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه) : أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا .وقول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) : سلمان منا آل البيت .

ولم يقل آل هاشم لأن مصطلح آل البيت مصطلح إيماني قرآني عقائدي بينما مصطلح آل هاشم مصطلح قومي شعبي فلم يكن آل هاشم جميعا من المؤمنين بينما كان آل البيت جميعا من الأطهار المباركين.


وعلى هذا أقول لم يكن أي رابط بين سيدنا محمد وبين عمه أبي لهب رغم أنهما من بني هاشم بل لقد جاء الكتاب العزيز بذم أبي لهب فهما من أمتين مختلفتين وكانت أقوى الروابط وأزكاها بين سيدنا محمد وسلمان الفارسي لأنهما من أمة واحدة .

بل ألم يقتل أبو جهل العربي بيد العربي المسلم ألم يتوجه سلمان الفارسي المسلم لفتح بلاد الفرس

لقد حارب غير المسلمين هذا المفهوم للأمة وعملوا بكل ما يستطيعون من الداخل والخارج على زعزعة مفهوم الأمة الواحدة من أجل تقطيع أوصال المسلمين ووأد الروابط التي تجمع بينهم جميعاً وأبرزها رابط الأمة الواحدة فطرحوا مفاهيم للأمة على أساس العرق أو اللون أو البلد أو اللسان لتكون بديلا عن مفهوم القرآن والسنة للأمة

من هنا ندرك سر قيام أعداء الدين بإجهاض مشروع السلطان عبد الحميد الثاني في إقامة الجامعة الإسلامية التي هي خطوة في الطريق الصحيح لتأصيل مفهوم الأمة الواحدة كما ندرك سر إصرار الاستعمار البريطاني يومها على إقامة الجامعة العربية لتكون بديلاً بل ومانعا من إقامة جامعة الدول الإسلامية ، ولا ندري لعلنا نشهد إتمام المشروع الاستعماري، القديم ـ الحديث ـ من خلال الإجهاز على ما تبقى من أشلاء جامعة الدول العربية الذي بدت معالمه تظهر في الأفق لتقوم مقامها جامعة الدول الشرق أوسطية لتضم دولة الكيان الصهيوني.

فالليلة حبلى وتلد كل عجيب.