آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   الحديث الشريف وعلومه
مرحلة تدوين الحديث الشريف



مرات القراءة:11011    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

مرحلة تدوين الحديث الشريف

إعداد الشيخ ابراهيم حمدو العمر

 


كانت العناية بحديث النبي صلى الله عليه وسلم سمة بارزة عند المسلمين وخصوصاً الجيل الأول وهم الصحابة رضوان الله عليهم ثم من بعدهم من التابعين ذلك أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام هي مصدر التشريع الثاني بعد كلام الله عزوجل فدون المسلمون كل كلمة فاه بها النبي صلى الله عليه وسلم وكل حركة تحركها وكل إشارة وكل بسمة انفرجت عنها شفتاه المنورتان حتى كادوا أن يدونوا خطرات ذلك القلب الشريف لو استطاعوا إلى ذلك سبيلاً وهذا ما لم يكن له في البشرية مثيلُ على الإطلاق ولا مع أي شخصية مهما عظمت بل هي خصوصية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخصوصية لهذه الأمة التي أكرمها الله بهذا النبي العظيم ،ولقد قال عليه الصلاة والسلام مخاطباً أمته : ( نضر الله امرأً سمع مقالتي فحفظها ووعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ) رواه أبو داود والترمذي.

فمن هنا كانت عنايتهم

 

حالة العرب قبل وبعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة والقراءة

 

وصف الله تعالى العرب بأنها أمة أمية قال تعالى:( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) ومعنى الأمية عند جمهور المفسرين(أنها لاتعرف القراءة ولا الكتابة) ،

وانطلاقاً من هذه الآية الكريمة وعلى ضوء ما دون من تاريخ العرب فإن العرب كانت أمة لاتعرف القراءة ولا الكتابة إلا قليلاًمنهم كان لهم حظ التعلم ولكنهم كانوا ندرة يكادون يعدون بالأصابع ،

ولعل السبب في عدم تعلمهم هو ندرة الأدوات المتيسرة للتعليم لذا كانوا يعولون على الذاكرة في حفظ تواريخهم وآثارهم وآدابهم وكان الشعر ذاكرتهم التي يدونون الأحداث من خلالها وما لم يدون شعراً يتناقلونه من الذاكرة،(ومما لاريب فيه أن شمال الجزيرة العربية عرف الكتابة والقراءة وأن مكة بمركزها التجاري الممتاز شهدت من القارئين الكاتبين قبل البعثة أكثر مما شهدت المدينة ) انظر علوم الحديث ومصطلحه، د.صبحي الصالح .

فلما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم اهتم اهتماماً بالغاً بتعليم المسلمين كل ما يلزمهم من أمر الدنيا والآخرة ذلك لأن الإسلام الذي جاء به دين رقي وحضارة وتقدم ،ومن هذه الأشياء التي اهتم لها النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعلم المسلمون القراءة والكتابة ، ولقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن سعيد بن العاص أن يعلم الكتابة للراغبين بتعلمها في المدينة المنورة وكان عبد الله كاتباً محسناً كما يروي ابن عبد البر في الاستيعاب /2/366،

وفي غزوة بدر جعل النبي صلى الله عليه وسلم فداء من يعرف القراءة والكتابة من أسرى المشركين تعليم عشرة من صبيان المسلمين وجعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا التعليم عوضاً عن الأموال الطائلة التي كان يفتدي بها الأسرى والتي كان المسلمون بحاجة ماسة إليها لبناء دولتهم بل هي أموالهم التي اغتصبها المشركون منهم حين هاجروا بدينهم ،

 

ولقد بلغ كتبة الوحي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أربعين رجلاً منهم الخلفاء الأربعة الراشدون رضي الله عنهم ، فكانت كلما نزلت آية كتبها هؤلاء الكُتّاب بعد أن يحدد لهم النبي صلى الله عليه وسلم مكانها في المصحف وكانوا يكتبون على الجلود والعظام وما يتيسر لهم من أدوات الكتابة، وفي السنة الأولى من الهجرة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة أسماء المسلمين وإحصائهم في المدينة المنورة رجالاً ونساء ذكراناً وإناثاً ، فكتبوا ألفاً وخمس مئة رجل ممن تلفظ بالإسلام كما روى الإمام البخاري: (فكتبنا ألفاً وخمس مئة رجل ) وفيها دليل على أن الأسماء كتبت ودونت وعلى أن الكتابة كانت موجودة عندهم .

 

اهتمام الصحابة بتلقي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته

 

كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش بين الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ولم يكن بينهم وبينه حجاب وكانوا يخالطونه في الحضر والسفر والمسجد والسوق وكانت أفعاله وأقواله محل عناية منهم وتقدير وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان محور حياتهم الدينية والدنيوية منذ أن هداهم الله به وأنقذهم من الضلالة والظلام إلى الهداية والنور ولقد بلغ من حرصهم على تتبعم لأقواله وأعماله أن كان بعضهم يتناوبون ملازمة مجلسه يوماً بعد يوم ، فلقد كان عمر بن الخطاب كما روى البخاري يقول : ( كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد –وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينزل يوماً وأنزل يوماً ، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم وإذا نزل فعل مثل ذلك ) وليس هذا إلا دليلاً على نظر الصحابة رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة اتباع واسترشاد برأيه وعمله ، لما ثبت عندهم من وجوب اتباعه والنزول عند أمره ونهيه ، ولهذا كانت القبائل النائية عن المدينة ترسل إليه صلى الله عليه وسلم بعض أفرادها ليتعلموا أحكام الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجعون إليهم معلمين ومرشدين ،بل كان الصحابي يقطع المسافات الواسعة ليسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم شرعي ثم يرجع لايلوي على شيء ، أخرج البخاري في صحيحه عن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره -وكان بمكة-قاصدا المدينة حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لايعلم أنها أخته من الرضاع ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( كيف وقد قيل ) ففارق زوجته لوقته فتزوجت بغيره .

وكان من عادتهم أن يسألوا زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بشؤون الرجل مع زوجته لعلمهن بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم العائلية الخاصة ،كذلك الصحابي الذي أرسل امرأته تسأل عن تقبيل الصائم لزوجته فقالت لها أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كا يقبِّل وهو صائم.

كما كانت النساء تذهب إلى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فأحياناً يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشأن السؤال عنه من أمورهن ، فإذا كان هنالك ما يمنع النبي من التصريح للمرأة بالحكم الشرعي أمر إحدى زوجاته أن تفهمها إياه ، كما جاء أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم كيف تتطهر من الحيض فقال عليه الصلاة والسلام : ( خذي فرصة ممسكة فتوضئي بها ) فقالت : يارسول الله كيف أتوضأ بها ؟ فأعاد كلامه السابق عليها فلم تفهم ، فأشار إلى عائشة رضي الله عنها أن تفهما ما يريد ، فأفهمتها المراد ، وهو أن تأخذ قطعة قطن نظيفة فتمسح بها أثر الدم .

غير أن الصحابة لم يكونوا جميعاً على مبلغ واحد من العلم بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله ، فقد كان منهم الحضري والبدوي ومنهم التاجر والصانع والمنقطع للعبادة الذي لايجد عملاً ومنهم المقيم في المدينة ومنهم المكثرمن الغياب عنها، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس للتعليم مجلساً عاماً يجتمع إليه فيه الصحابة كلهم إلا أحياناً نادرة ، وإلا أيام الجمعة والعيدين وفي الوقت بعد الوقت ، أخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة تلو الموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا ) ومن هنا يقول مسروق : لقد جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالإخاذ ( الغدير) فالإخاذ يروي الرجل والإخاذ يروي الرجلين والإخاذ يروي العشرة والإخاذ يروي المائة والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، وطبيعي أن يكون أكثر الصحابة علماً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين كانو أسبقهم إسلاماً كالخلفاء الأربعة وعبد الله بن مسعود أو أكثرهم ملازمة له وكتابة عنه كأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم رضي الله عنهم . انظر كتاب السنة ومكانتها في التشريع للدكتور مصطفى السباعي (ص 57)

سبب قلة تدوين الحديث في العهد النبوي الشريف

فلماذا إذاً لم يكن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يقبلون على تدوين الحديث إقبالَهم على تدوين القرآن الكريم مع اهتمامهم البالغ وحرصهم الشديد على تعلم كل صغيرة وكبيرة من النبي صلى الله عليه وسلم ومع اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتعليمهم القراءة والكتابة ؟ السبب هو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابة حديثه أول نزول الوحي مخافة أن يلتبس كلامه صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم وخصوصاً إذا كتبا بصحيفة واحدة ، قال الخطابي في معالم السنن /4/184/ )وقد قيل إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً : ( من كتب عني سوى القرآن فليمحه ) . انتهى كلام الخطابي

وللعلماء تفصيل في جواز كتابة الحديث وعدم جوازها ولهم أضواء على الأدلة أزالوا فيها إشكال التعارض بما ينشرح له الصدر خصوصاً وأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم اختلفوا في جواز كتابة الأحاديث فكرهها بعضهم لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتقدم وأكثر الصحابة على جواز الكتابة قال ابن الصلاح رحمه الله : ( وممن روينا عنه كراهة ذلك : عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو سعيد في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم . قال : وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله : علي وابنه الحسن وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص في جمع من الصحابة والتابعين ) . انظر الباعث الحثيث للحافظ ابن كثير ص 132،

وقد أجاب العلماء عن حديث أبي سعيد رضي الله عنه بأجوبة قال الإمام أحمد محمد شاكر والجواب الصحيح : أن النهي منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الإباحة فقد روى البخاري ومسلم : أن أبا شاه اليمني التمس من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له شيئاً سمعه من خطبته عام الفتح فقال صلى الله عليه وسلم : اكتبوا لأبي شاه) .

وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قلت يارسول الله إني أسمع منك الشيء فأكتبه ؟ قال نعم ، قال في الغضب والرضا ؟ قال نعم فإني لاأقول فيهما إلا حقاً .

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب .

وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال استعن بيمينك ، وأومأ بيده إلى الحفظ .

وهذه الأحاديث مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين ثم اتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها كل هذا يدل على أن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه منسوخ وأنه كان في أول الأمر حين خيف اشتغالهم عن القرآن وحين خيف اختلاط غيرالقرآن بالقرآن ،

وحديث أبي شاه في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك إخبار أبي هريرة وهو متأخر الإسلام أن عبد الله بن عمرو كان يكتب وأنه هو لم يكن يكتب يدل على أن عبد الله كان يكتب بعد إسلام أبي هريرة ، ولو كان حديث أبي سعيد في النهي متأخراً عن هذه الأحاديث في الإذن والجواز لعُرِف ذلك عند الصحابة يقيناً صريحاً،

ثم إجماع الأمة القطعي بعد قرينةٌ قاطعةٌ على أن الإذن هو الأمر الأخير وهو إجماع ثابت بالتواتر العملي عن كل طوائف الأمة بعد العصر الأول رضي الله عنهم أجمعين )انظر تعليقات أحمد محمد شاكر على كتاب الباعث الحثيث (ص 132-133).

قال ابن الصلاح في مقدمته : ولعله صلى الله عليه وسلم أذن في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان ونهى عن الكتابة عنه من وثق بحفظه مخافة الاتكال على الكتاب أو نهى عن كتابة ذلك عنه حين خاف عليهم اختلاط ذلك بصحف القرآن العظيم وأذن في كتابته حين أمن من ذلك )التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للحافظ زين الدين العراقي (ص 203) وهذا توجيه حسن

ولعل قلة التدوين أيضاً ترجع إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم عاش بين الصحابة ثلاثاً وعشرين سنة بعد إرساله نبياً ، فكان تدوين كلماته وأعماله ومعاملاته تدويناً محفوظاً في الصحف والرقاع من العسر بمكان ، لما يحتاج ذلك إلى تفرغ أناس كثيرين من الصحابة لهذا العمل الشاق ومن المعلوم أن الكاتبين كانوا من القلة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث يعدون بالأصابع ن وما دام القرآن الكريم هو المصدر الأساسي الأول للتشريع والمعجزة الخالدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليتوفرهؤلاء الكتاب على كتابته دون غيره من السنة ، حتى يؤدوه لمن بعدهم محرراً مضبوطاً تاماً لم ينقص منه حرف واحد . انظر السنة ومكانتها في التشريف للدكتور السباعي (ص58).

الصحف التي دونت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

كان البعض من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يدونون طائفة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحف خاصة لهم وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من كان يكتبها بإذن خاص من النبي صلى الله عليه وسلم وأكثرهم قيدوا ما جمعوه في السنوات الأخيرة من حياته عليه الصلاة والسلام وبعد إذنه بالكتابة لكل من رغب فيها وقدر عليها ولعل أشهرها صحيفة أبي هريرة التي نقلها عنه همام بن منبه رضي الله عنهما ، وهم إنما كانوا يكتبونها لا على سبيل التدوين الرسمي كما كان يدون القرآن

روى الترمذي أن سعد بن عبادة رضي الله عنه كان يملك صحيفة جمع فيها طائفة من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسننه ،

وروى البخاري عن سالم بن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله وكان كاتباً له أن عبد الله بن أبي أوفى كتب فقرأته وفي رواية كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحرورية فقرأته فإذا فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس ثم قام في الناس فقال : أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلو الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا ....)البخاري رقم 1742باب كراهة لقاء العدو.

وسمرة بن جندب جمع أحاديثاً كثيرة في نسخة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه .

وكان لجابر بن عبد الله رضي الله عنه صحيفة يرى الإمام مسلم أنها في مناسك الحج ، وكان التابعي الجليل قتادة بن دعامة السدوسي( ت 118هـ) يكبر من قيمة هذه الصحيفة ويقول (لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني من سورة البقرة )،

ومن أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي الصحيفة التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وسماها الصادقة قال عنها : الصادقة صحيفة كتبتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) انظر كتاب تقييد العلم للخطيب البغدادي،

وقد اشتملت صحيفة عبد الله هذه على ألف حديث كما يقول ابن الأثير في كتابه أسد الغابة عند ترجمة عبد الله بن عمرو وهي محفوظة في مسند الإمام أحمد،

ولقد شاعت في عصر الصحابة الصحيفة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابتها في السنة الأولى للهجرة وكانت أشبه بدستور للدولة الناشئة ، بين فيها النبي صلى الله عليه وسلم حقوق المهاجرين والأنصار واليهود وعرب المدينة ،

وكانت لابن عباس رضي الله عنهما ألواح يحملها معه في مجالس العلم دوّن فيها الكثير من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ، ولقد تواتر عنه أنه ترك حين وفاته حمل بعير من كتبه كما روى ذلك ابن سعد في طبقاته(5/216)، وكان تلميذه سعيد بن جبير المتوفى(95هـ) يكتب عنه ما يملي عليه فإذا نفد القرطاس كتب على لباسه ونعله وربما على كفه ثم نسخه عند عودته إلى بيته كما في مسند الدارمي(1/128)

وكانت لأبي هريرة رضي الله عنه صحف تلفت ولم يبق منها إلا صحيفة واحدة رواها عنه تلميذه همام بن منيه(ت 101هـ)ونسبت الى همام فقيل صحيفة همام ، ولهذه الصحيفة مكانة خاصة في تدوين الحديث لأنها وصلت إلينا كاملة كما رواها همام عن أبي هريرة وهي في مسند الإمام أحمد وقد طبعت لوحدها وتشتمل على مئة وأربعين حديثاً تقريباً وقد روى منها البخاري ومسلم وأبو داود .

التدوين في عصر الخلفاء الراشدين :

لم يختلف أمر التدوين في عصر الخلفاء الراشدين وبقين الآراء فيه مختلفة بين من يرى جواز التدوين ومن لايريده ، ولقد جمع سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بعض الأحاديث ثم حرقها وهذا سيدنا عمر رضي الله عنه يعدل عن كتابة السنن بعد أن عزم على تدوينها (عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار عليه عامتهم بذلك فلبث شهراً يستخير الله في ذلك شاكاً فيه ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له ، فقال إني كنت قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم ثم تذكرت فإذا أناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله وإني والله لاألبس كتاب الله بشيء أبداً فترك كتاب السنن) انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر(1/64)

فهم رضي الله عنهم إنما كرهوا ذلك خشية الانشغال عن القرآن بغيره ؛ قال الخطيب البغدادي في كتابه تقييد العلم /ص 75/: إن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره أو يشغل عن القرآن بسواه . انظر كتاب علوم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي الصالح (ص 22وما بعدها )

كما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى ملوك عصره وأمراء جزيرة العرب كتباً يدعوهم فيها للإسلام ،

وثبت أنه كان عند علي رضي الله عنه صحيفة فيها أحكام الدية على العاقلة وغيرها كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لبعض عماله كتباً حددت فيها مقادير الزكاة في الإبل والغنم

التدوين في عصر التابعين :

في بداية القرن الثاني للهجرة بدأ الناس يتطلعون إلى تدوين سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه بشكل رسمي ولقد هم أمير مصر عبد العزيز بن مروان بتدوين السنة وكأنه لم تتهيأ له الظروف ،ثم جاء من بعده ابنه عمربن عبد العزيز الخليفة الراشد فكتب إلى عامله بالمدينة أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم يأمره بكتابة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه فإني خفت دروس العلم وضياعه) فقد علل رضي الله عنه سبب الكتابة وهي خوف ضياع العلم ودروسه ،

وعمرة هذه التي ذكرها وطلب من عامله أن يكتب حديثها هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية نشأت في حجر عائشة رضي الله عنها وكانت من اثبت الناس في حديث عائشة ،

وبهذا يكون التدوين قد ابتدأ فعلياً بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز وبإشرافه رضي الله عنه ، ولم يكتف عمر بن عبد العزيز بهذا بل كتب إلى عماله أيضاً في الأمصار بمثل ما كتب إلى عامله ابن حزم ، وكان أول من حقق له غايته محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (المتوفى 124هـ) والذي كان يقول عن نفسه ( لم يدوّن هذا العلم أحد قبل تدويني ) .

فكانت بداية التدوين بأمر الأمراء وتصريح منهم كما صرح بذلك الزهري حين قال :( كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا أن لانمنعه أحداً من المسلمين ) انظر كتاب (جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر /1/76) وانظر علوم الحديث للدكتور صبحي الصالح .

ومن خلال كتاب عمر بن عبد العزيز لعامله يظهر أن الدافع للكتابة أمران :

أولاً : الحفاظ على حديث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان اتسعت روايته واختلط صحيحه بموضوعه ولقد روي عن شهاب الزهري أنه قال : ( لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لانعرفها ما كتبت حديثاً ولا أذنت في كتابته ) تقييد العلم للخطيب البغدادي (ص 85)

ثانياً : الخوف على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الضياع بموت علمائه ورواته .

التدوين في عصر أتباع التابعين :

قال الدكتور صبحي الصالح في كتابه علوم الحديث ومصطلحه (ص 48)

وفي عصر أتباع التابعين ممن كانوا على رأس المئتين عني العلماء بتأليف المسانيد خالية من فتاوى الصحابة والتابعين مقصورة على السنة النبوية وحدها وأول من ألف تلك المسانيد أبو داود الطيالسي (المتوفى 204هـ)

ويعتبر مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (المتوفى 241هـ)أوفى تلك المسانيد وأوسعها ،

ولم تدون السنة الصحيحة وحدها مرتبة على الأبواب إلا في عصر أتباع التابعين ممن عاصر الإمام البخاري رحمه الله وفي هذا العصر ألفت الكتب الستة ، أما المتأخرون عن عصر الرواية فيكون عملهم تهذيباً وشرحاً واختصاراً للكتب الصحيحة المشهورة ؛ فيجمع أبو عبد الله الحميدي ( المتوفى 448هـ) الصحيحين على ترتيب المسانيد ،

ثم أبو السعادات مبارك بن الأثير (المتوفى606هـ)الكتب الستة بترتيب الأبواب ،

ثم نور الدين علي الهيثمي( المتوفى 807هـ)ما زاد عن الكتب الستة من المصنفات المشهورة في مجمع الزوائد،

وأخيراً الإمام السيوطي (المتوفى911هـ)الكتب الستة والمسانيد العشرة وغيرها مما يزيد على خمسين مصنفاً في جمع الجوامع المسمى (بالجامع الكبير) .

وهكذا مر الحديث النبوي بمراحل طويلة حتى وصل إلينا محرراً مضبوطاً . ا.هـ

ولقد ظهرت المصنفات في منتصف القرن الثاني للهجرة ، فكان أول من صنف وبوب الربيع بن صبيح السعدي مولاهم المتوفى(160هـ)

ثم سعيد بن عروبة (المتوفى156هـ)

ثم معمر بن راشد الأزدي (المتوفى153هـ)

و عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ( المتوفى 150هـ)بمكة

وسفيان بن سعيد الثوري ( المتوفى161هـ) بالكوفة

وحماد بن سلمة ( المتوفى 167هـ) بالبصرة

وسفيان بن عيينة (المتوفى197هـ) بمكة

و الوليد بن مسلم (المتوفى194هـ) بالشام

وجرير بن عبد الحميد(المتوفى188هـ)بالري

وعبد الله بن المبارك (المتوفى181هـ)

وهشيم بن بشير (المتوفى183هـ)

وزكريا بن زائدة (المتوفى149)

ووكيع بن الجراح (المتوفى197هـ) .

(وكان التدوين في هذا العصر ممزوجاً غالباً بفتاوى الصحابة والتابعين كما في موطأ الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله (المتوفى179هـ) . انظر علوم الحديث للدكتور صبحي الصالح .