آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   الحج وأحكامه
التلبية جوهر الدين وعلامة اليقين



مرات القراءة:2205    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

لبيك اللهم لبيك

(التلبية جوهر الدين وعلامة اليقين)

 

 بقلم الشيخ عبد الهادي بدلة 

 

أمر الله العليم الحكيم خليله إبراهيم عليه السلام أن يحمل ولده الحبيب إسماعيل وزوجه الغالية هاجر عليهما السلام إلى أرضٍ قفرٍ لا زرع فيها ولا ضرع ، ولا شجر ولا بشر ، ولا ماء ولا نماء .

وهناك في المكان الخالي من أسباب البقاء ، ترك إبراهيم ابنه وزوجته وقفل راجعاً إلى الشام .

لقد استجاب خليل الرحمن عليه السلام لأمر ربه الحكيم دون تردد ولا توقف ، كما استجابت هاجر عليها السلام لأمر ربها حينما علمت ذلك في جواب سؤالها للزوج الكريم والرسول العظيم : " آلله أمرك بهذا ؟ قال نعم ، فقالت دون تلعثمٍ ولا ضعف : (اذهب إنه لن يضيعنا) " .

واستجاب الفتى المصنوع على عين الله إسماعيل عليه السلام لأمر الله في أن يكون مذبوحاً بيد والده الرسول الكريم إبراهيم عليه السلام ، فاستلقى على وجهه مستسلماً لأمر ربه دون تباطؤٍ ولا تثاقلٍ قائلاً وكله إيمانٌ وتسليم : { يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } [الصافات 102] .

كما استجاب كلٌ من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لأمر الله في بناء البيت العتيق ورفع القواعد ، ولما فرغا من بناء البيت أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يؤذن للناس بالحج { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا } [الحج 27] ، قال العلامة ابن كثير في التفسير : ( أي ناد في الناس داعياً لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه ) .

قال إبراهيم : ( يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال الله سبحانه وتعالى : يا إبراهيم ناد وعلينا البلاغ . فقام على مقامه ، وقيل على الحجر ، وقيل على الصفا ، وقيل على أبي قبيس ، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجّوه ، فتواضعت الجبال حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض ، وأسمع من في الأرحام والأصلاب ، وأجابه كل شيءٍ سمعه من حجرٍ ، ومدرٍ وشجرٍ ، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة : لبيك لبيك ، لبيك اللهم لبيك ) .

فماذا كانت نتيجة الاستجابة والاستسلام لأمر العليم الحكيم سبحانه وتعالى ؟

لقد كان الحفظ والحماية ، وكانت الحياة والفضل العظيم .

استجاب الله تعالى لإبراهيم في ضراعته { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } [إبراهيم 37]، فجعل الوادي المهجور المخوف بلداً آمناً مطمئناً تهوي إليه الأفئدة وتحمل إليه الثمرات ، ويحج إليه الناس من كل فجٍ عميق .

وحفظ الزوج والولد ، وأنشأ منهما ذريةً مباركةً عظيمة ، منها كان سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أعظم مخلوقٍ وأشرف مرسل .

كما استجاب الله لهاجر في افتقارها وانكسارها ، فتفجر الماء الكريم من تحت أقدام الرضيع عذباً نميراً ، (زمزم أشرف ماء وأفضل هديةٍ تقدم للأحياء) ، وحفظ الله المولود ، وصارت الصفا والمروة من شعائر الله .

كما استجاب الحق جل جلاله لإبراهيم رسوله الكريم ، فأبطل عمل السكين ، وتنزل الملك جبريل بالذِبح العظيم ، وحفظ المولود من الموت المبين ، وبقيت الأضحية (الفداء) سنةً باقيةً إلى يوم الدين ، وغدا المكان (منىً) كله منحراً لذبائح المؤمنين المتقين ، إنه القانون العظيم : ( الاستجابة مفتاح الحفظ والإجابة ) ، وهو ذاته يساوي : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، أي إجابةً بعد إجابة ، وإقامةً على الطاعة ، وإقبالاً على العمل بما تأمر وتريد .

والتلبية هي جوهر الدين ، وعلامة اليقين ، وخلاصة الحج ، وروح العبادة ، وأقصر السبل إلى تحقيق السعادة في الدارين .

في الحج يستجيب الحجيج لأمر الله فتكون الإجابة : [الحجاج وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم] البزار ورواته ثقات، [يعطيهم ما سألوا ويستجيب لهم ما دعوا] رواه البيهقي ، يغفر لهم ولمن استغفروا له [أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولمن شفعتم له] الحاكم .

الاستجابة – التلبية – هي مفتاح كنوز الحج وأسراره ، والباب إلى قطف ثماره وآثاره ، ومن لم يحسنها ويتحقق بها ويعيشها لا يمكنه مهما كانت أفعاله وأقواله أن يصل إلى تلك الكنوز .

تدبر آيات الكتاب الحكيم ، وانظر سرعة الإجابة لمن حقق الاستجابة ، وقف خاشعاً عند الفاء ، فاء السرعة وحرق المسافات واختصار الطاقات { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ } [الأنفال 9] ، { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [يوسف 33-34] ، { وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } [الأنبياء 89-90] ، { وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ } [الأنبياء 87-88] ، { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ } [الأنبياء 83-84] ، { وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } [الأنبياء 76] ، وعباد الله من الصالحين المؤمنين المستجيبين لأوامر الله رب العالمين قطفوا الاستجابة { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } [آل عمران 195] .

فكيف نفهم الاستجابة دون عناءٍ ولا تطويل ؟ يمكننا قراءتها بيسرٍ وسهولة في مواقف الذرية المباركة إبراهيم وإسماعيل وهاجر عليهم السلام ، إنها : الامتثال والأعمال ، والافتقار والانكسار ، والسعي والإسلام .. تسلّم وتسعى وتنكسر ، إنها معادلة (القفر) ، اقلب الحروف يتضح الأمر : (القفر + الفقر = الرفق) احفظ هذا القانون وحافظ عليه ، ولاحظ دائماً أن جميع ما في الحج هو الاستجابة : إحراماً باللباس وطوافاً بالبيت وسعياً بين الصفا والمروة ووقوفاً بعرفات ومبيتاً ورمياً وذبحاً وحلقاً ، وذلك هو مقام الخليل إبراهيم عليه السلام ، الاستجابة والتسليم ، وهو الغاية من التلبية التي هي مفتاح السعادة في الدارين { يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [الأحقاف 31]، { اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال 24] ، { لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى } [الرعد 18] ، { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة 186] .

تأمل المغفرة والنجاة من العذاب ورضوان الله والجنة والحياة الراشدة ، تلك هي بعض ثمرات الاستجابة ، { وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ } [الرعد 18] ، { وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ } [الأحقاف 32] ، { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } [القصص 50] .

لاحظ العذاب والضياع والتخبط وفقدان المصير ، هي عاقبة ترك الاستجابة .

الأحياء والمؤمنون الصالحون هم الذين يستجيبون ، { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } [الشورى 26] ، { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } [الأنعام 36] .

كذلك هي الاستجابة فريضةٌ وفضيلة ، فهل من مدّكر .