آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    العالم الإسلامي   الجاليات والأقليات المسلمة في العالم
قـبـــرص



مرات القراءة:2210    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

قـبـــرص

الشيخ عبد الله نجيب سالم

تعتبر قبرص إحدى جزر البحر الأبيض المتوسط الشهيرة والمأهولة بالسكان منذ أمد بعيد وذات الأهمية البالغة للوطن الإسلامي وتقدر مساحتها تقريبا بمساحة لبنان أي 9251 كيلو مترا مربعا وأقصى طول لها 235 كيلومترا وأقصى عرضها تسعين كيلومترا وهي تقع شرقي البحر المتوسط قرب الساحل التركي حيث لا تبعد عنه بأكثر من خمسة وستين كيلو مترا بينما يبعد عنها الساحل السوري تسعين كيلو مترا .


وإذا كانت النصرانية قد وصلت إلى قبرص قديما عندما دخلها القديس بولس عام 48 للميلاد فان الإسلام منذ فجره قد وصل إلى قبرص عام 28 هـ حيث كانت أول فتوح للمسلمين في البحر . قال الواقدي في فتوح البلدان غزا معاوية بن أبي سفيان في البحر غزوة قبرص الأولى . ولم يركب المسلمون بحر الروم قبلها . وكان معاوية استأذن عمر في غزو البحر فلم يأذن له ، فلما ولي عثمان بن عفان كتب إليه يستأذنه في غزوة قبرص ويعلمه قربها وسهولة أمرها . فكتب إليه أنْ قد شهدتَ ما رد عليك عمر رحمه الله حين استامرته في غزوة البحر . فلما دخلت سنة سبع وعشرين كتب إليه يهون عليه ركوب البحر إلى قبرص فكتب إليه عثمان : فإن ركبت البحر ومعك امرأتك فاركبه مأذونا لك وإلا فلا . فركب البحر من عكا ومعه مراكب كثيرة وحمل امرأته فاضة بنت قرظة بن عبد عمرو وحمل عبادة بن الصامت امرأته حرام بنت حلمان الأنصارية وذلك في سنة ثمان وعشرين بعد انحسار الشتاء . وقد شارك في هذا الفتح إضافة إلى من ذكر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو ذر الغفاري وأبو الدرداء الخزرجي وشداد بن أوس وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين ... واشترطوا على أهل قبرص دفع الجزية وعدم إعانة العدو .


وأخل أهل قبرص بشروط الفتح فأعانوا الروم على المسلمين بمراكب أعطوهم إياها . فأعاد المسلمون غزوها ثانية عام 34 بإمرة معاوية رضى الله عنه نفسه في جيش بلغ اثني عشر ألفا من الجند على سفن تعدادها خمسمائة سفينة ... يقول الواقدي: ثم أقرهم على صلحهم وبعث إليها باثني عشر ألفا كلهم أهل ديوان ( أي من الجند المؤظفين ) فبنوا بها المساجد ونقل إليها جماعة من أهل بعلبك وبني بها مدينة وأقاموا يعطون الأعطية وهكذا بدأ انتشار الإسلام في هذه الجزيرة البحرية .


ولم يكن حكم المسلمين لقبرص متصلاً كحكمهم للبلدان البرية التي افتتحوها حولهم بل كانت بحكم موقعها في البحر عرضة لتسلط الروم وغزواتهم بين الحين والحين وكان المسلمون يردونهم عنها كذلك المرة تلو المرة وقد تحولت إلى قاعدة إمداد ونقطة انطلاق تجمع لقوات الصليبيين بعد أن احتلها ريتشارد قلب الأسد عام 587 هـ بل إنها بعد اندحار الصليبيين من بيروت والمنطقة غادر إليها من لبنان عدد من النصارى المحليين الذين رحلوا مع الصليبين واستقروا في قبرص. ولاتزال الطائفة المارونية في قبرص إلى اليوم معترفاً بها ولها مقعد في المجلس النيابي مخصص لأحد أفرادها .


ولم تستقر قبرص في يد المسلمين إلى عام 979 هـ 1570 م بل كانت مقرا للقراصنة حينا وتحت سلطة البنادقة حينا آخر . حتى فتحها العثمانيون وعملوا على توطيد الإسلام فيها وكان من خطة السلطان سليم الثاني أن يحولها إلى جزيرة مسلمة فأسكن فيها حامية عثمانية وبث فيها الدعاة المسلمين بين السكان فعملوا بهمة ونشاط وبروح جادة ودأب حتى لم يمض قرن من الزمن إلا والمسلمون في قبرص ثلاثة أمثال النصارى فيها ... وتحولت قبرص إلى جزء من ديار الإسلام وجزره .


وظلت قبرص كذلك أكثر من ثلاثمائة عام أي إلى عام 1896 وهي المدة التي بقي فيها العثمانيون أصحاب السيادة حتى إذا ضعف أمرهم وبدأت دولتهم بالتفكك اضطروا بموجب المعاهدة المفروضة عليهم عام 1816 والمسماة بمعاهدة التحالف الدفاعي للتخلي عن قبرص لصالح إنجلترا التي سعت من حين استيلائها عليها إلى تشجيع النصارى اليونانيين على الهجرة إلى قبرص والانتشار فيها واستملاك الأراضي وإقامة التجمعات السكانية فيها كما أنها من جهة أخرى أخذت تضيق الخناق على الأتراك المسلمين وتضطرهم للرحيل وترك ممتلكاتهم فرارا بدينهم وما ذلك إلا إدراكا منها لخطورة موقع قبرص الاستراتيجي المهم بالنسبة لبلدان شرق البحر المتوسط سوريا وتركيا ولبنان وفلسطين .


واستمرت إنجلترا في نهجها هذا إلى الحرب العالمية الأولى عندما هزمت تركيا في الحرب فضمت قبرص إلى ممتلكات التاج البريطاني وأن بقيت اسمياً ملحقة بتركيا إلا أن اختلال ميزان السكان لصالح اليونانيين النصارى حيث غدا النصارى من يونانيين وقبرصيين أكثرية عددية هيأ الأجواء لهم للمطالبة باستقلال قبرص وضمها إلى الأراضي اليونانية ... وكانت بريطانيا قد عرضت مع بداية الحرب العالمية الثانية على اليونان لقاء انضمامها إلى الحلفاء ضد الألمان أعطاها قبرص بلحاقها بها ... وقد عبر اليونانيين عن مشاعر الحقد والكراهية ضد مسلمي قبرص بعدد من الغارات الجوية شنوها على سكان الجزيرة المسلمين كما ارتكبوا عددا من الفظائع كالقتل وانتهاك الأعراض وهدم المساجد والمنازل والتعرض للحرمان .. مما أدى إلى رحيل أعداد كبيرة أخرى من المسلمين عن الجزيرة .

ولم يأت عام 1959 م (1379 هـ ) وهو عام استقلال قبرص إلا وقد انخفض عدد المسلمين من ثلاثة أرباع السكان إلى ربع السكان في قبرص، وقد كان الاستقلال بعد اتفاق بين تركيا واليونان وقبرص وبريطانيا على أن تكون قبرص دولة مستقلة يكون رئيسها من السكان اليونانيين النصارى بينما نائبه من السكان الأتراك المسلمين وأن يضم مجلس وزراء الجزيرة سبعة وزراء من اليونانيين وثلاثة من الأتراك على أن تعهد وزارة الدفاع أو المالية أو الخارجية إلى وزير تركي وإن يكون للجزيرة مجلس نيابي يشغل اليونانيون 70% منه ويشغل المسلمون 30% منه أما الجيش فلليونايين 60% وللمسلمين 40% . ولكن هذه الاتفاقية لم ترض المتطرفين اليونانيين الذين شكلوا عصابات مسلحة تقوم بالاعتداء على المسلمين ومهاجمة الأحياء المسلمة وارتكاب أبشع الفظائع وتحرض على أعمال الاضطرابات والعنف ... وبدلاً من أن تقوم الحكومة القبرصية بردع العدوان وكفه أو تقف على الحياد على الأقل إذا بها تقف وتشجع بل قامت الطائرات بقصف مناطق المسلمين بما فيها من مساجد ومساكن ثم فصلت الحكومة وزير الخارجية التركي المسلم وبقيت الاضطرابات في عهد القسيس مكاريوس رئيس قبرص إلى أن وقع انقلاب عام 1974 الذي دبره التطرفيون اليونانيون واستلموا الحكم بعده .


وأدى هذا الوضع الجديد إلى أن تحركت اليونان لدعم النصارى فتحركت تركيا بالمقابل لدعم المسلمين من أصل قبرصي الذين تعرضوا لاضطهاد مرير وخطر بالإبادة واضح ... وهكذا بادرت تركيا إلى إنزال قواتها في الجزء الشمالي من الجزيرة وهو الإقليم الذي تقيم فيه أكثرية تركية وتبلغ مساحته ثلث مساحة الجزيرة بعامة ...وهكذا قسمت قبرص إلى قبرص تركية وقبرص يونانية الأولى مسلمة والثانية نصرانية .


ويبلغ عدد سكان قبرص اليوم قرابة 750 ألف نسمة نسبة المسلمين بينهم 19.5% بالنسبة إلى النصارى الذين هم من الأرثذوكس وقليل من الموارنة وفي الجزيرة كذلك قليل من اليهود . وبناء على ما ذكر فإن عدد المسلمين يبلغ 150 ألفا لهم محاكمهم الشرعية ومدارسهم الخاصة من ابتدائية وثانوية ... ولهم أربعة جرائد صحفية على الأقل ولغتهم التركية إضافة إلى الإنجليزية واليونانية .


وفي نيقوسيا التي هي عاصمة الجزء اليوناني حالياً ذكر الأستاذ عبد الرحمن زكي أن فيها عدة مساجد قديمة منها جامع سنت صوفيا الكبير وقد كان في الأصل كنيسة ومسجد عمر وكان كنيسة كذلك ومسجد البيرقدار (أي حامل العلم ) وله مسجدا آخر باسم البيرقدار في (فيما غوستا ) . ومنها جامع ترو نشلو الذي شيده سعيد محمد أغا وقد تولى حكم الجزيرة فترة من الزمن ويعرفه عامة الناس باسم مسجد شجرة البرتقال وبنى سعيد محمد أغا جامع المسجد الجديد ومسجد السراي ومسجد العرب أو المسجد المصري ومسجد توفيق وهو عبارة عن واحد من ثلاثة أضرحة بناها سعيد محمد أغا متسلم قبرص في بداية القرن الثامن عشر .


وفي نيقوسا مسجد بويوك خان الذي ينسب بناؤه إلى القرن السادس عشر ويضاف إلى هذا كله عدة مساجد صغيرة أخرى منها على سبيل المثال مساجد تحت القلعة وخان ابليك وأبو جرفوسه ومحمد باشا وطبقخانه والنوبتخانه و الجوبخانه . وقد تهدم مسجد أبو قاووك الذي شيد على أنقاض كنيسة صغيرة كانت قائمة حتى عام 1902 .


بل إن قبرص لاتخلو فيها مدينة ـ إلى أمد قريب ـ من مسجد أو عدة مساجد.


وتبقى قبرص اليوم حلبة من حلبات الصراع بين المسلمين والغربيين فالوجود الإسلامي والجالية الإسلامية والتاريخ الإسلامي حقيقة واقعة لاتنكر وأمر ظاهر لايخفى ولكن المصالح الغربية والعصبية العمياء ضد المسلمين والعداء السافر ضد الإسلام هي المحرك الأساسي لكل ما تتعرض له الجزيرة من ويلات وحروب ودمار وتقسيم وإلا فإن تاريخ المسلمين في هذه الجزيرة بالذات يشهد لهم بالتسامح وهم أقوياء وبالعفو هم مقتدرون فكيف إذا تعايش معهم الآخرون بسلام وأمان وجاوروهم بحسن نية واطمئنان .


قال الواقدي : وكان الوليد بن يزيد بن عبد الملك أجلى خلقا منهم إلى الشام لأمر اتهمهم به. فأنكر الناس ذلك فردهم يزيد بن الوليد بن عبد الملك إلى بلدهم.


وكان حمدي معيوف الهمزاني غزاهم في خلافة الرشيد لحديث أحدثوه فأسر منهم بشراً ثم انهم استقاموا للمسلمين فأمر الرشيد برد من أسر منهم فردوا .


بل إن عدل المسلمين في قبرص شمل إضافة إلى عدم اجلائهم حتى في ظل تمردهم ونقضهم العهد عدم زيادة الضرائب المالية عليهم . بل إنصافهم بالعدل في الالتزامات المالية . يقول الأقدي أيضا وحدثني محمد بن سعد الواقدي في إسناده قال: لم يزل أهل قبرص على صلح معاوية حتى ولي عبد الملك بن مروان فزاد عليهم ألف دينار، فجزى ذلك إلى خلافة عمر بن عبد العزيز فحطها عنهم، ثم لما ولي هشام ابن عبد الملك ردها .فجرى ذلك إلى خلافة أبي جعفر المنصور فقال: نحن أحق من أنصفهم ولم نتكثر بظلمهم ، فردهم إلى صلح معاوية .


وهكذا عامل المسلمون في قبرص الأقليات الأخرى. وهكذا يعاملون عند ما يتحولون هم إلى أقلية ... وكم الفرق كبير.