آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    العالم الإسلامي   الجاليات والأقليات المسلمة في العالم
بـــولــــنــــده



مرات القراءة:1887    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

بـــولــــنــــده

الشيخ عبد الله نجيب سالم


يختلط الحديث عن المسلمين في بولندا بكثير من الألم والحسرة . كما هو الشان والحال عند الحديث عن الجاليات المسلمة في عموم أوربا الشرقية وأسبانيا وغيرههما من الدول التي لمازال عنها سلطان المسلمين دون أن تزول أقدامهم عن كثير من ممالكهم كما كان من الحكام النصارى أو الشيوعيين إلا الاضطهاد لهم دون أي تسامح معهم أو رحمة بهم أو عدل في التعامل أو منطق في التصرف .


ويكفي أن نعلم أن المسلمين في بولنده كانوا بعد الحرب العالمية الأولى 150 ألف بينما هم اليوم وهذه الإحصائية في أواسط الثمايينات -لايزيدون على 25 ألفا ولذلك من الإشارات ما له .


ولقد د خل الإسلام إلى بولنده بواسطة التتار الذين سبقوه في منتصف القرن السابع الهجري باتجاه بعضهم نحو الغرب واستمروا في ذلك حتى وصلوا إلى بولنده وسكنوا فيها . ولكنهم لم سلبثوا أن غيروا وجهتهم في السير فتركوا أوربا وعادوا إلى بلاد الشرق الأوسط دون أن يفقدوا صلاتهم الحسنة مع ملوك بولندا بل تبادلوا الزيارات والوفود ، حتى إذا ما دخل التتار في دين الله وأسلموا أسلم من كان منهم في بولنده فاستفاد البولنديون من هؤلاء التتار في إيفادهم إلى الدول الإسلامية لما لهم من معرفة باللغات الشرقية والعادات الإسلامية وقربهم كمسلمين من قلوب إخوانهم في الدين وكان من هؤلاء التتار اثنان من أحفاد سلالة جنكيز خان ... ولا أدل على حسن علاقات هؤلاء المسلمين بملوك بولنده في ذلك الحين مما نقله المؤرخ البولندي ستريجكوسكي من وصف رائع لما قابل به ملك بولنده الكسندر من الكرام وحفاوة خان مغول ماوراء الفولجا المسمى الشيخ أحمد عام 1505 م (911هـ ) ... وفي تلك المقابلة تقدم الملك البولندي فانعم بلقب الفروسية على بعض إشراف البولنديين والمغول على حد سواء .


وكان باستطاعة مسلمي بولنده في ذلك الحين استقدام الأئمة وعلماء الدين الإسلامي من البلاد الإسلامية لملء الفراغ في صفوف مشايخهم وعلمائهم وأئمتهم وذلك لأن بولندا في ذلك الحين كانت تتاخم حدود شبه جزيرة القرم وتركيا .. كما كان باستطاعتهم أن يبعثوا أولادهم إلى مصر كطلبة علم شرعي وذلك لأجل تحصيل العلوم الشرعية كالفقه والحديث والتفسير وغير ذلك ثم يعودوا إلى قومهم فيعلموهم لعلهم يحذرون - كما هو التعبير القراني الرائع -


وقد أكدت بعض الوثائق أن مسلمي بولندا التتارين كانوا دائمي الاتصال بالعالم الإسلامي عن طريق الحج الذي يؤدون شعائره بالرحيل إلى بلد الله الحرام مكة المكرمة مرورا بكثير من البلدان الإسلامية ففي وثيقة بعنوان (رساله تترله ) أن رساله التتر البولنديين وهي تعود إلى القرن السادس عشر الميلادي وكتبت باللغة التركية كتبها مسلم بولندي أثناء إقامته في استانبول وهو في طريقه إلى مكة بناء على أمر رستم باشا صهر الصدر الأعظم في زمن السلطان سليمان القانوني نجد كثيرا من التفاصيل الهامة عن المسلمين في بولنده وعن أحوالهم وكيفية وصولهم إلى الحرم الشريف واتصالهم بالمسلمين في العالم . كما أنه منذ قرابة مئة وسبعين عاما زار مسلم بولندي آخر يدعي تاراسى هو رزا بوشزاكي كثيرا من البلاد الإسلامية وأقام فيها مده من الزمن بعد أدائه فريضة الحج ثم عاد إلى بولندا وقام بجهد مشكور حينما ترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغة اليونانية لتسهيل اتصال المسلمين بكتابهم .


ومما تجدر الإشارة إليه أن مسلمي بولندا كانوا قديما يتكلمون اللغة العربية ويستخدمونها في كتاباتهم وشاع ذلك بينهم بشكل ملحوظ فلديهم نسخ من القرآن الكريم مما كتبه أناملهم . كما أن لديهم كثيرا من الكتب الدينية كتفاسير القرآن والقصص وغيرها مخطوط باللغة العربية إضافة إلى كتب الفقه والحديث واللغة ... إلا أن تلك المعرفة باللغة العربية تكاد تنحصر في طلبة العلم وعلماء المسلمين وبعض المستشرقين الذين اكبوا على العلوم الإسلامية والمعارف الدينية كما عنوا بكتابة النسخ وزخرفتها وبزين حواشيها وقاموا بإهدائها إلى الأسر الكبيرة لتتوارثها جيلا بعد جيل . وقد ظهر أول تفسير للقرآ الكريم عام (1830م) وأول ترجمة كاملة له بقلم جان يوزاكي ين الحاج يعقوب يوزاكي (1758 ) م. ناك ترجمة أخرى للقران من العربية إلى البولندية قام بها يان مرزاطارق بونشاتسكى عام 1858م.


ولقد أشار الأستاذ عبد الرحمن زكي في كتابه المسلمون في العالم إلى بعض مساجد بولندا وأشاد به وبجمالها فقال : لقد عرف البولنديون المسلمون كيف يطبعون مواطنهم بالطابع الإسلامي وشاراته في طراز البناء ورسم الهلال وكتابة سور القرآن. وبعضها منذ القرن الخامس عشر كمسجد ستور زيانكا ومسجد شينه (1716) والمبنى المغربي في فمسوفيا (1756) إلى ما هنالك من مساجد صغيرة في قرى شرقي بولندا وأغلب بنائها من الخشب ومن أشهرها جامع بوهويتكي الذي يمتاز برقعة مربعة يجمعها سقف مخروطي ومنارة دقيقة يعلوها الهلال وتزدان جدرانه بآيات قرآنية ورسوم تمثل مشاهد من المدينة المنورة ومكة المكرمة والكعبة المشرفة. ومنها جامعا كروشينإلى وبوخوميكي ولكل جامع جبانة (مقبرة ) يرجع تاريخ أقدمها إلى عام 1774 م .


وبمناسبة ذكر المقابر التي هي الشواهد الباقي على الأحياء الفانية فإن المسلمين لما زاد عددهم في فارسوفيا انشئوا لهم جبانة (مقبرة )ف يها عام 1839 وتضم قبر جان بوزاكي بن الحاج يعقوب مترجم القرآن الكريم ويعتبر قبره نموذجا لقبور المسلمين حيث يعلوه الهلال . ثم لما ضاقت بهم هذه المقبرة أنشاوا أخرى لهم وللوافدين من المسلمين على بولندا .


وعلى الرغم من أن بولندا لم تكن جزءا من الإمبراطورية العثمانية المسلمة كما كان الحال في شبه جزيرة البلقان إلا أن بولندا تأثرت كثيرا بالفنون الإسلامية المعروفة في تركيا وإيران بل إنها أصبحت من أهم الأسواق لتصريف التحف والبضائع الإيرانية والتركية وذلك عن طريق موانئ البحر الأسود الذي تقع عليه مدن جنوب شرق بولندا وعن طريق التجارة البرية مع تركيا وقد نوه الأستاذ زكي محمد حسن في كتاب فنون الإسلام إلى أن بعض الأسر البولندية كانت توصي بنسج السجاجيد الشرقية في تركيا وإيران على أن تنسج عليها شعارات تلك الأسر أو شاراتها الخاصة ...


وفوق هذا فقد نشط البولنديون في الصناع والفنانين في تقليد الأحزمة الحريرية الشرقية التي كان يستعملها نبلاء بولندا في ملابسهم المعروفة كما برعوا في تقليد المنتجات الفنية ولاسيما المنسوجات والسجاد والتحف المعدنية والأسلحة والحلي وغيرها .


ويهمنا هنا أن نذكر صراحة أن المسلمين في بولندا عانوا من مضايقات صريحة وواضحة كشان إخوانهم في عموم بلدان أوربا الشرقية إلا أن انتهاء الحرب العالمية الأولى وظهور دولة بولندا إلى الوجود من جديد بعدها عام (1918 ) أتاح الفرصة مرة أخرى أمام المسلمين البولنديين للإعلان عن دينهم ومشاعرهم المكبوتة المخفية في صور عديدة منها الإقبال على دراسة العلوم الدينية الإسلامية والإطلاع على اللغات الشرقية والرحيل إلى البلاد الإسلامية وتأليف الكتب العديدة في مختلف المواضيع الإسلامية .


وكانت أهم مراكز تجمعهم السكانية في نيالستوك وجراتسك ووارسو وكانت جملة مساجدهم في تلك الفترة ثمانية عشر مسجدا أشهرها ثلاثة موجودة في مدن وارسو العاصمة وبوهنكي وبيالستوك وكان لمسلمي بولندا في تلك الفترة نقيب في مكتب الطوائف الدينية التابع لمجلس الوزراء فقد قام بتخصيص مبالغ مالية لترميم وصيانة بعضها خاصة وان قنابل الحرب الأولى قد نالت من بعضها . كما نالت منها فيما بعد قنابل الحرب العالمية الثانية .


وكان للمسلمين أيضا كلية للدراسات الإسلامية العالمية ومجلس للإشراف على الشئون الدينية والثقافية .
وقد قام الشيخ محمد ماتش أولى البولندي بأعباء كبيرة وقدم خدمات جليلة لمسلمي بولندا خاصة وأنه كان من المتضلعين بالعلوم الإسلامية والعارفين بالقرآن الكريم ومعانيه وأحكامه. كما شغل الدكتور الشيخ يعقوب شنكييفش منصب مفتي المسلمين في بولندا ومثل بولندا في المؤتمرات الإسلامية والعالمية ... ولكنه اضطر أخيرا إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة تحت ضغوط لم يستطع تحملها .


وجاءت هذه الضغوط والعداء السافر ضد مسلمي بولندا من قبل الحكم الشيوعي المنهار والذي حكم بولندا إلى أمد قريب حيث عانى المسلمون منه ما عانوا من قطع الروابط بالعالم الإسلامي والتضييق عليهم في مجال ممارسة شعائر دينهم والحفاظ على شخصيتهم وهويتهم وتلقي مبادئ ثقافتهم بل وصل الأمر إلى هدم المساجد ومطاردة المسلمين حتى لم يبقى من مساجد المسلمين سوى ثلاثة فقط .


وفي الوقت الذي كان المسلمون من التتار في بولندا صادقين في إسلامهم كانوا أيضا أوفياء لوطنهم الجديد بولندا حتى أنهم في عام 1792م أقسم من كان منهم في قوات بولندا على القرآن الكريم وبحضرة زعمائهم الدينين من شيوخ وأئمة أنهم لن يقصروا في الدفاع عن وطنهم وملكهم ودستورهم وذلك عندما هددت الدول المجاورة بولندا في ذلك الحين .


ونستطيع أن نوجز بعض أحوال مسلمي بولندا الحالية بالقول أنهم بعد انهيار الشيوعية في بلادهم ربما تنسموا بعض نسائم الحرية إلى حد ما تلك النسائم التي منعوا منها طويلا ... حتى إنهم بعد إنشاء اتحاد المسلمين ثانية بعد الحرب العالمية الثانية لم يعين مفتي جديد بل كانت القضايا الدينية والتنظيمية يقوم بحلها ومناقشتها المجلس الإسلامي الأعلى الذي تولى شئونهم . وللمرة الأولى في عام 1984 زار سماحة الشيخ حسن خالد مفتي لبنان مسلمي بولندا وتفقد أحوالهم ثم في عام 1986 زار ممثلة منظمة الدول الإسلامية وعلى رأسهم الشيخ محمد العبودي نائب السكرتير العام للمنظمة فتعهدوا الأماكن الإسلامية وأدوا الصلوات مع المسلمين في مسجد كروشيغاني هذا المسجد الخشبي الرائع الذي يعد من أهم الآثار الإسلامية في بولندا .


وقد كانت زيارة هؤلاء المسؤلين لمسلمي بولندا ضرورية كما هي ضرورية لكل جالية تحتاج إلى عنصر التأييد ومناقشة أوضاعها فقد أظهرت الحاجة إلى السرعة في تشيد مسجد كبير في بولندا وضرورة مساعدة الأئمة والشيوخ البولنديين على السفر للاستزادة من العلوم الدينية وضرورة تنظيم رحلات الحج لمسلمي بولندا.


هذا وقد تم أخيرا بناء أحدث مسجد في مدينة جرانسك أكبر موانئ بولندا ليخدم المسلمين فيها سواء من البولنديين أو البحارة أو الطلاب المسلمين وقد قدم التاجر علي عبد التركي لهذا المسجد معونة مالية كبيرة من العرب المقيمين في بولندا. وقد ضم هذا المسجد إضافة إلى قاعة الصلاة قاعتين أخريين أحدهما لتدريس اللغة العربية والتاريخ والإسلام وفنونه والثانية لتثقيف غير البولنديين .


وتضيف إلى ذلك الصحفية البولندية دوروتا متولي قولها : ويشيد المسلمون البولنديون كذلك مسجدين في العاصمة وراسوومدينة بياوي ستوك ويعتبر الأول مركزا متكامل الخدمات فهو يضم ماديا ثقافيا ومكتبة عامة وقاعة للمعارض الإسلامية وقاعة للدرس والتحصيل وقد صمم بناءه المهندس المسلم فويتشيخ زابودتسكي الذي لم ينسى أن يضم إليه مئذنة رائعة تصل إلى 51 مترا بينما المسجد الثاني فقد صممته مهندسة مسلمة هي كرستينا كاكارينكو ليكون شاملا الثلاثة أبنية بناء لمسجد وبناء لمدرسة قرآنية وبناء للضيافة المخصصة لعجزة المسلمين وتبلغ مساحة أرضه خمسة آلاف متر مربع .


ولعل أروع ما نختتم به الحديث عن مسلمي بولندا أن نعلم أن أحدث ترجمة للقرآن الكريم إلى البولندية قام بها الأستاذ يوسف بيلافسكي أستاذ اللغة العربية وأدابها وفلسفتها في جامعة وارسو عام 1986 وقد اكتملت بعد عشر سنوات من التفرغ لترجمته على يد هذا الأستاذ الكبير الذي أنشأ مركزا للدراسات العربية والإسلامية وافتتحه في الستينات بنفس الجامعة المذكورة ... وقد أكدت هذه الترجمة الحديثة الرغبة في معرفة الإسلام دين الله الحنيف من نفوس ظماء إلى الحق والهداية.