آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    العالم الإسلامي   الجاليات والأقليات المسلمة في العالم
الــــصـــــــيــــــــــن



مرات القراءة:4844    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

الــــصـــــــيــــــــــن(1)

الشيخ عبد الله سالم

كل الذين كتبوا عن مسلمي الصين اعترفوا بصراحة أنهم يفتحون ملفا غامضا فيه كثير من الحلقات المجهولة وأنهم لن يستطيعوا أن يوفوا البحث حقه من الوضوح والأهمية. ذلك أن الصين عالم مغلق على الغرباء منذ القديم لايدخله داخل ولايخرج منه خارج إلا بمقدار محدد إضافة إلى أن تعقيد اللغة الصينية لعب دورا بارزا في القطيعة بين الصينيين وغيرهم في كل مجال وزمان ولقد ردد كثير من هؤلاء كلمة الأمير شكيب أرسلان في كتابه حاضر العالم الإسلامي عندما قال عن مسلمي الصين مسلمو الصين كأنهم ليسوا من هذه الدنيا .


والحقيقة هي أن الغموض ليس واقعا فقط في الحاضر المعاصر بل وفي التاريخ القديم حيث لايعرف أحد بالضبط بداية علاقة الإسلام ببلاد الصين وهل وصل إليها بحرا عن طريق الهند أم وصل براً بطريق تركستان وما وراء النهر ... إلا أن المصادر التاريخية القديمة كتاريخ الرسل والملوك للطبري والكامل لابن الأثير تذكر أن قتيبة بن مسلم الباهلي بعث جيشاً مع كبير بن فلان ـ أحد رجاله ـ إلى كاشنر وهي أول ما عرفه العرب من بلاد الصين فغنم وسبى سبيا فختم في أعناقهم وأوغل حتى بلغ قريب الصين . ثم تتابع بلك المصادر فتذكر أن ملك الصين قابل ممثلي الجيش المسلم وأعادهم مكرومين بعد أن بر بيمين قتيبة فأرسل له ترابا من بلده ليطأه وأرسل قتيبة من أهل بيته فختم على أعناقهم وبعث إليه فوق ذلك بجزية ومال عظيم ولاتكتفي كتب التاريخ بذكر زحف جيوش المئة الأولى من التاريخ الإسلامي نحو الصين بل تورد حادثة هامة أيضاً : وهي أن تمرداً وقع في الإمبراطورية الصينية في منتصف القرن الثامن الميلادي مما أجبر الإمبراطور ( هس وان تسنغ ) على التنازل عن عرشه لابنه (سو) الذي استغاث بالخليفة العباسي المنصور فاستجاب له وأرسل أربعة آلاف من خيرة جنده لنصرته حتى استعاد عرشه ومن ثم فقد استبقى هذه الفرقة المسلمة التي أقامت في الصين واختلطت بأهلها وتزوجت منهم ....
وكان لها عندهم مقام رفيع حتى أن سجلات أسرة تاقغ لتذكر أن مخصصات هؤلاء الجنود من ميزانية الدولة كانت خمسمائة ألف أوقية من الفضة كل عام .


ومنذ تلك البدايات القديمة بدأ تردد المسلمين على بلاد الصين واستمر مؤشر العلاقات بين الطرفين في تصاعد عن طريق السفارات المتبادلة بين إمبراطور الصين والبلاد المسلمة فقد ذكرت سجلات أسرة سونغ التي حكمت الصين فيما بين عامي 967-1168م أثر زوال أسرة تانغ أن عدد البعثات العربية إلى بلاط الإمبراطور بلغ 49 بعثة عربية خلال قرنين من الزمن ... كما أن أسرة سونغ من طرفها أوفدت مبعوثين محملين بالهدايا إلى بلدان فارس والعرب لتنشيط التجارة وتبادل السلع وطمأنة التجار العرب .


وكانت أكبر تجمعات العرب المسلمين في تلك الفترة في كانتون ( حانفو ) وتسمى تون ( التي سمها العرب مدينة الزيتون ) إذ بلغت أعدادهم عشرة آلاف عربي وكانوا ذوي نفوذ ومال وجاه . ومن هنا تفهم كيف أن العربي أبي شوقي أنتخب رئيسا لدائرة التجارة والملاحة وتولى مقاليد التجارة الخارجية مدة 30 سنة . وقد بنى المسلمون في مدينة تسمي تون في تلك الفترة 400 هـ مسجدهم الكبير على طراز المسجد الأموي بدمشق وله بوابة رائعة ترتفع عشرين مترا وفي أحد جدرانه نحتت رخامة تذكر بناء العرب له وقد رمم هذا المسجد بعد حوالي 300 سنة عام 710 ورممه تاجر مسلم قادم من جهة القدس وكان اسمه أحمد كما أن تاجرا عربيا آخر هو الشناوي أوقف أرضا جنوب شرق المدينة ليدفن فيها أموات المسلمين ...


إلى أن أحفاد جنكيز خان وهم من المغول الذين سبق لهم أن اكتسحوا الشرق المسلم وعاشوا به قبل أن يسلموا - أعطوا الإسلام دفعة قوية إلى الأمام في الصين ففي عهد قوبلاي خان (1215-1294م) عين أول وزير مسلم في الحكومة وكان اسمه (أحمد البناكتي ) ( أهاما بالصينية ) كما وصل المسلمون إلى مناصب عليا أخرى في الدولة مثل بوشو شنغ الذي عين قاضيا وشقيقة شوقنغ الذي كان مساعدا لرئيس وزراء قوبلاي خان . بل أن سجل طبقة الأعيان الملكي لأسرة يوان يتضمن أكثر من مئة اسم مسلم بلغ كل منهم رتبة رفيعة . ويشهد لذلك أن الرحالة الإيطالي ماركوبولو دوّن في كتاباته لقاءه في الصين عام 1296 م باثنين من كبار المهندسين المسلمين على أن أشهر شخصية مسلمة في تلك الفترة الذهبية للإسلام في الصين كانت السيد الأجل ( واسمه الحقيقي السيد عمر شمس الدين وهو من آل البيت ) توفي عام 1279 فإنه مازال يترقى في المناصب الرسمية حتى عين وزيرا وجعله قوبلاي خان عضوا في مجلس أمانة السر الأعلى ثم ترقى فأصبح حاكما على مقاطعة يونتان فقام بتطويرها وتقديم خدمات اجتماعية وإصلاحات اقتصادية عظيمة فيها كما عمر المساجد لأهل الإسلام ... وقد حفظت له إمبراطورية الصين خدماته تلك عندما أمر الإمبراطور ( تاى تسوكاو هوأنغ تي ) بتسجيل سيرته في كتاب خاص بقيد المآثر اسمه (ين تشه شو ) كما أصدرت الحكومة الصينية أمرا عام1405 م بتأليف سيرة له كتبها تشنغ هو . كما يذكر ذلك الأمير شكيب أرسلان رحمه الله .


وقد جاءت رحلة ابن بطوطه إلى الصين التي ابتدأت من وصوله إلى تسي تون (أو تشوأنتشو الأن ) أو مدينة الزيتون ومنها إلى صين كلأن ( ميناء كانتون ) ثم مدينة (كان جان فو ) ثم مدينة بَيْوَم قطلو ثم مدينة قالضوه ( أو هانج تشوفو الان) التي قال عنها أنها أكبر مدينة رأها على وجه الأرض ثم سار إلى مدينة خان بالق (بكين الأن ) حيث التقى بالخان الأعظم وسلمه رسالة ملك الهند الذي ابتعثه إليه ثم عاد أدراجه بعد أن سجل لنا لقاءاته وزياراته للمسلمين في الصين الذين انتشروا انتشارا ظاهرا له حجمه الكبير ومكانته العظيمة وأنهم كانوا يمارسون التجارة على وجه الخصوص وأن أهم تجمعاتهم تتم كانت على الساحل الصيني ... ويكفي أن ننقل عنه قوله ( وفي كل مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين ينفردون بسكناهم ولهم فيها المساجد لإقامة الجمعات وسواها وهم معظمون محترمون .

وفي عهد أسرة سينغ التي حكمت الصين من عام 1368-1644 برز كثير من المسلمين الصينيين على مسرح الحياة العامة مثل تشنغ هو من مقاطعة يوننان وكان قائد أسطول تجاري ضخم ورحالة زار بلدانا كثيرة مثل هاي زوي الذي دارت عدة مسرحيات حول نزاهته وكفاءته ودعوته إلى العدل والفضيلة ... أما خوونغ تشو فهو حامل لقب أستاذ الأساتذة لأنه أول عالم مسلم في الصين حول المساجد إلى مدارس وأدخل التعليم الديني ضمن مسئولية الإمام ورسالة المسجد وكان هذا النظام الذي استحدثه وسيلة فعالة في الإبقاء على الإسلام في ظل أسوأ الظروف التي عاشها المسلمون في الصين بل أنه لم يتوقف خلال سنوات الثورة الثقافية السود العجاف وكان الفتى يمضي أكثر من عشر سنين في دراسة علوم الدين كلها حتى يصبح بعد ذلك مؤهلا للإمامة والدعوة والتصدي لتعليم المسلمين .


وقد وصل الأمر بعض أمراء المسلمين وهو الشاه رخ بهادر - أن كتب رسالتين إلى إمبراطور الصين وأراسلهما مع أحد السفراء الصينيين عام 1412م وفيهما يدعوه إلى الإسلام وتطبيق شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وتقوية الإسلام لنيل سلطان الآخرة بدلا من سلطان الدنيا ... ولعل من نتائج تلك الدعوة الموجهة إلى الإمبراطور نفسه أن رويت روايات عن تحول أحد أباطرة الصين إلى الإسلام وقيامه ببناء أربعة مساجد كبيرة في العاصمة وما يقرب من تسعين مسجدا في الولايات الأخرى من الصين على نفقته، وأنه كان في (كنجن فو) عدد كبير من المسلمين يبلغ 30 ألف أسرة منحهم الإمبراطور هبات من الأرض واعفاهم من الضرائب وأعطاهم الحرية الكاملة في ممارسة دينهم.


ومن المفيد في سرد تاريخ الإسلام في الصين أن ننوه بذكر أربعة من كبار علماء المسلمين الأئمة عاشوا في عطاء وماتوا في خفاء فكانو جنودا مجهولين . وقد أورد أسماءهم الأستاذ فهمي هويدي في كتابه الإسلام في الصين ) وهم الشيخ وانغ داي يو (1560 -1660 ) وهو أول من كتب عن الإسلام باللغة الصينية وله مجموعة من الكتب في التوحيد والفقه وأحكام الدين . والشيخ ماتشو (1640-1711) وله كتاب ارشاد الإسلام في عشرة مجلدات والشيخ ليوبشه (1655-1745 ) م ومؤلفاته كثيرة منها سيرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم في 20 جزءا وأحكام الإسلام في 20 جزءا والشيخ مافو تشو (1794-1873م ) وكان مؤلفا مرموقا وفقيها متعمقا .


وقد حدا اتجاه أسرة مانشو التي أعقبت أسرة مينغ نحو العزلة بالمسلمين ذوى الأصول الوافدة من الخارج أن تجمعهم قومية هوى وأن يحملوا أسماء صينية إلى جانب أسمائهم العربية بل أن يتصرفوا كمواطنين بل لا كغرباء لهم حقوق يدافعون عنها تجاه ظلم الولاة والحكام حتى وصل الأمر بهم إلى استخدام السلاح من أجل ذلك ودفعوا في سبيل حريتهم وكرامتهم ثمنا غاليا في حينه إلا أنهم تاريخيا صنفوا كصينيين مناضلين ضد الاستغلال والظلم .


وفي النصف الثاني من عهد أسرة مانشو أي في القرن التاسع عشر عاني المسلمون كثيراً من ظلمها مما اضطرهم إلى الثورة عدة مرات مطالبين بالحرية الدينية وكان أول تلك الثورات عام 1648م في قانصو (هانغ تشوفو ) ثم في عام 1760 ثار المسلمون في كاشفر ومرة أخرى في نجاريا عام 1770 بل لقد شهدت المئة سنة الواقعة بين عامي 1758و1873 م خمس ثورات كبرى لمسلمي الصين وكانت من الضخامة بحيث كتبت أحداثها على الطريقة الصينية في مجلدات كثيرة يتعذر الالمام بها ... وهي أولا ثورة في عام 1758 في ولاية قانصو بقيادة سوس سان وكتبت في 20 جزءا من الكتب الرسمية. وثانيا في مقاطعة سين كيانغ ثورة جنقخ عام 1825 واستمرت سنتين وكتبت أحداثها في 80 جزءا وثالثا : ثورة مقاطعة يوننان بقيادة سليمان دووين شيو واستمرت 80 عام 1855 وسجلت في 50 جزءا . ورابعا في مقاطعة سيكيانغ وقانصو وشنسى من نفس العام وكان قائدها يعقوب بك طوال عشرين عاما واحتاجت إلى 330 جزءا لتسرد فيه أحدثها .


وكانت هذه الثورات تقابل بقمع شديد وبمذابح جماعية بقصد الإبادة وبهدم المساجد ومصادرة الحريات والأملاك والضغط على المسلمين في أكل لحم الخنزير ورفع الضرائب ومضاعفتها . في الوقت الذي كان سور الصين يقوم بنشر عباءة الصمت وكتمان الأخبار ومنعها من الانتشار ومنع المسلمين من الاستغاثة بإخوانهم من حولهم . خصوصا إذا تذكرنا أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد بداية انهيار الدولة العثمانية وتقسيم العالم الإسلاميين أيدي المستعمر الأوربي.


ويجب أن لاننس أن السلطان العثماني عبد الحميد حاول إقامة علاقات طيبة مع مسلمي الصين فأرسل أحد رجاله من خاصة أنور باشا كما استقبل إمام مسجد بكين الشيخ الياس عبد الرحمن الذي طلب منه إرسال بعثة إسلامية لمعرفة الأوضاع ومحاولة تجميع المسلمين ... فأجابه وأرسل اثنين من علماء الأتراك هما رضا وحسن حافظ اللذين كان من جهودهما بث روح الانضمام إلى الخلافة ومحاولة إحياء التعليم الديني حيث أسسا مدرسة في مسجد نيوجاه في العاصمة وبلغ عدد طلابها 120 طالبا .
وهكذا خاض المسلمون صراعا مريرا ضد أسرة المانشو التي استشرى الفساد والظلم والطغيان في عهدها كما تخاذلت عن الدفاع عن الصين أمام اليابان بل تحولت الصين في عهدها إلى مناطق نفوذ لحساب الدول الأوربية وأمريكا وهذه الأسباب في جملتها هيأت الجو للقوى الوطنية الصينية لخوض معركة ضد أسرة مانشو وشرورها وفسادها متكاتفة مع المسلمين ومساندة لهم .


وقد تميز المسلمون نفي الصين خلال تلك الحقبة الزمنية الماضية بأنهم كانوا في مد إسلامي حتى أن توماس أرنولد ينقل عن أحد المبشرين في بكين عام 1721 قوله ( أن طائفة المسلمين يتزايد أعدادها شيئا فشيئا ) والسبب في ذلك يرجع إلى أنهم كانوا يشترون أطفال الوثنيين لعجز آبائهم عن إطعامهم في المجاعة حتى بلغ ما اشتراه المسلمون من هؤلاء الأطفال واستنقذوهم من الموت والكفر عشرة آلاف طفل كما أن المسلمين كانوا يتزوجون بالصينيات ويشترون لهن الدور ويكونون الأحياء والقرى المستقلة كما أن المسلمين أثناء ثورة البوكسرز التي قام بها الصينيون ضد الأوربيين ونهبوا أموالهم وقتلوا رجالهم وباعوا نساءهم وأطفالهم فاشترى المسلمين في مقاطعة ننفشيا من أطفالهم من دخلوا في الإسلام ... ولاشك أن الدافع إلى ذلك ديني وإنساني فهم يضمنون لهؤلاء الجياع أو المضطهدين من الحياة الكريمة وفي نفس الوقت ينيرون قلوبهم بنور الإسلام .


وكان من حسن سياسة المسلمين في تلك الفترة أنهم لم يتميزوا عن الصينيين في شيء حتى لايعاملهم هؤلاء كغرباء وأجانب خاصة إذا علمنا أن الصينيين معرفون بعقدة كراهية الأجنبي والشك فيه والحذر في معاملته .. ومن هنا نفهم كيف أن مساجد المسلمين في الصين بدون مآذن وهي مصممة على الطراز الصيني حتى لاتختلف عن أي مبنى أو منشأة أخرى ، كما أنهم في ثيابهم الفضفاضة وأغطية رؤوسهم وضفائر شعرهم لا يختلفون عن غيرهم بل أنهم في سلوكهم اليومي كانوا كغيرهم من سائر أبناء الصين يؤدون فروض الطاعة والاحترام ومراسم الولاء والتعظيم للإمبراطور ... كل ذلك لتجنب الكراهية التي يعامل بها الصينيون أصحاب الديانات الأجنبية كاليهودية والمسيحية .


كما تميز المسلمون في الصين على حد تعبير الأمير شكيب أرسلان نقلا عن الجغرافي الفرنسي اليزي ركلوس بتضامنهم مع بعضهم البعض مما يجعلهم أسعد حالا وأعظم ثروة من غيرهم . وهم يفرضون على جماعتهم ضريبة معلومة ( وهي الزكاة المفروضة في مال الأغنياء ) لأجل إنفاقها في مصالح الجماعة ... وقد كانت الزكاة مبالغ طيبة مفيدة جدا خاصة إذا علمنا أن تجارة الشمال الصيني لاسيما تجارة المواشي كانت تكاد تنحصر في أيدي المسلمين .


ومن الواجب أن ننوه إلى أن السجلات القديمة للصين تشير إلى المسلمين باسم (داشي) أي التاجر حتى أصبحت تلك الكلمة (داشي) تدل على المسلمين مثل قولهم
( باي لي داشي ) أي المسلمين ذوي الملابس البيضاء . ثم أطلق عليهم اسم (هوى ) وهو المقطع الأول من كلمة (ويفور ) وهي اسم قومية مسلمي الغرب الأتراك ... وقد كانت تلفظ قديما (هو يفور ) .
هذه صفحة مقتضبة من تاريخ الإسلام في الصين قديما ... ننتقل بها إلى تاريخ الإسلام حاليا في بلاد العجائب و الأسرار .


الصين (2)

 

بعد ما تقدم الحديث عن المسلمين في الصين قديماً ... نتناول الآن الحديث عن المسلمين في الوقت الحاضر .
وأول ما يستوقف المرء هنا هو السؤال عن عدد المسلمين اليوم ... هذا السؤال الذي أثار الحيرة وحرك النبوءات بين الكتاب والباحثين من شرقيين وغربيين حتى جاءت أقوالهم متضاربة أشد التضارب ومتعارض كل المعارضة وذلك ابتداء من خمسة ملايين كما قدرتهم بعثة أولون الفرنسية أوائل القرن الحالي مروراً بعشرة أو خمسة عشر أو عشرين مليونا وصولا إلى خمسين مليون مسلم كما ذكر ذلك رئيس البعثة الإسلامية الصينية إلى الأزهر الشريف بل والى 70 مليونا كما جاء في حديث لعالم صيني اسمه سعيد الياس أو (واي ون كين ) مع جريدة الأهرام عندما كان يقوم بجولة في العالم الإسلامي وأكثر ما ذكر عن عددهم هو ما أورده الأستاذ عباس العقاد في كتابه الإسلام في القرن العشرين نقلا عن الرحالة عبد الرشيد إبراهيم أن عددهم مئة مليون مسلم في الصين .


ويرجع التناقض الكبير في تقدير أعداد المسلمين في الصين إلى الحجم الهائل للصينيين أرضا وسكانا وإلى أن المسلمين باعتبارهم أقلية فمن المتوقع أن تهوّن أمرهم بعض الجهات الرسمية حتى لا تبرز كثيرا من مسائلهم وحقوقهم . والى أن كثيرا من المسلمين في الصين يخفون إسلامهم وأسماهم الإسلامية من منطق الخوف من السلطات الشيوعية الحاكمة التي لم تكن على الحياد بالنسبة لهم في أحسن الأحوال فكيف بأسوئها .


والحقيقة التي يطمئن كثير من الكتاب إليها بعد تجاوز مغالاة المغالين والأعراض عن اجحاف المجحفين هي أن المسلمين لايقلون حاليا عن 25 مليون مسلم في الصين .


وتاريخ الصين الحديث يبدأ عام 1911 عندما نجحت الثورة الوطنية وسقطت أسرة مانشو الإمبراطورية ومع هذا التاريخ يبدأ المسلمون صفحة جديدة في حياتهم هناك .


وقد كان موقف المسلمين في بداية إعلان الجمهورية مؤيدا ومناصرا لاغبار عليه ، إذا انهم تخلصوا بسقوط أسرة مانشو من كابوس ثقيل جثم على صدورهم أكثر من مئتين وسبعين عاما كانت مليئة بالأحزان والاضطهاد ... ولذلك فقد بادرت حكومة الدكتور (صن يات صم ) إلى الاعتراف بالمسلمين على أنهم أحد العناصر الخمسة الأساسية التي تقوم عليها البلاد كما قال البيان عام 1913 (أن الصين (قومية الهان ) والمانشو والتبت والمغول والمسلمين هم جميعا أبناء جمهورية الصين التي لاتفرق بين الأجناس والأديان ) . ولهذا فان أول جمعية لمسلمي الصين أسست عام 1912 وكان اسمها جمعية التقدم الإسلامية في بكين ثم انطلقت إلى يوننان فيما بعد وما زالت تتوسع حتى انشأت إدارات للمعارف والدعوة والصلح والإفتاء وأصدرت مجلة (المنبه الإسلامي ) باللغة الصينية واستأذنت شيخ الأزهر في إرسال بعثه لطلب العلم في الأزهر .


ومن الجمعيات التي أنشئت في تلك الفترة الجمعية الإسلامية الصينية في شنغهاي والجمعية العامة للمسلمين في نانكين كما أن عدة مجلات إسلامية ظهرت أيضا مثل مجلة نضارة الهلال في بكين ونور الإسلام في تينجان ومجلة العلوم الإسلامية في كانتون .


وإضافة إلى ذلك فان نهضة تعليمية عاشها المسلمون في بداية عهد الجمهورية الصينية فمثلا أنشأت جمعية التقدم الإسلامية مدرسة ابتدائية وثانوية في عاصمة مقاطعة يوننان وكان من ضمن اهتماماتها تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية كما أنشأ الجنرال مافوشيانغ مدرسة المعلمين الإسلامية الثانوية في مقاطعة شانتونغ كما كانت هناك ثانية وثالثة للمعلمين المسلمين في شنغهاي وسيتشوان .... بل لقد دخلت مدارس التعليم الإسلامي في كل منطقة تجمع للمسلمين إضافة إلى أنهم من أجل المزيد من التعلم فقد سعوا في تلك الفترة الأولى من الجمهورية الصينية إلى كسر طوق العزلة وكان أبرز مثال على ذلك بعثات التعليم التي وصلت إلى الأزهر الشريف سنة 1931 م أول مرة وكانت تضم خمسة أشخاص ثم في سنة 1932 م وصلت بعثة أخرى من خمسة أشخاص آخرين ثم ثلاثة في العام الذي بعده ثم ستة في عام 1934 م ثم 16 تبعوثا مرة واحدة في 1937 ...... كما سعى المسلمون إلى تجديد صلتهم بالعام الإسلامي عن طريق احياء بعثات الحج السنوية .


وقد كان أبطال المسلمين وعلمائهم في هذه الفترة كثيرون كالشيخ وانغ جينغ تشاي الذي كان يجيد العربية والفارسية إضافة إلى الصينية وقد قام بترجمة القرآن الكريم المطبوع عام 1945 وترجم كذلك كتاب العمدة في الفقه الحنفي والشيخ محمد تواضع بانغ شي تشاي المتوفي عام 1958 وكان أول من جلب حروف الطباعة العربية الى الصين من مصر التي خلد دراسته فيها بكتابه (ذكريات تسع سنين في مصر ) وله كتاب (تاريخ التشريع الإسلامي ) وكتاب (رسالة الإسلام ). والشيخ ماليانغ غيوت المتوفى عام 1957 وهو الذي يعتبره المسلمون في سسنكيانغ إمام الأئمة وكان يواظب على تأليف وترجمة الكتب الدينية باللغات الصينية والعربية والفارسية إضافة إلى طباعتها وإنفاق ما يملك كله في سبيل ذلك ومن أبرز ترجماته كتاب (المبسوط للسرخسي ) الذي يتكون من ثلاثين مجلدا . والشيخ محمد مكين الذي ظل 30 عاما يعمل في جامعة بكين حتى وفاته عام 1978 وكان من كتبه (رسالة التوحيد ) و(تاريخ علم الكلام ) وموجز شرح القرآن الكريم .


بل وفوق ذلك كله فقد تم اعتراف دستوري بحق المسلمين في التمثيل بالبرلمان مما أتاح المجال لانتخاب 17 عضوا مسلما في عام 1947 وهي تقريبا أواخر السنين التي تميزت بالحرية والراحة والطمأنينة فبعد عام 1949 تولى الحزب الشيوعي السلطة بقيادة ماوبسي الذي دخل بكين وأعلن عن انتصاره على مشيانغ كاي شييك كما أن المسلمين تفاءلوا خيرا بقدومه حيث كانوا ساندوه ضد خصمه واشتركوا في مسيرة ماو عام 1935 وكان موقفهم مشرفا في الحرب الصينية اليابانية إلا أن المسلمين لاحظوا في عام 1949 وما بعده اختفاء الجمعيات الإسلامية العديدة واحدة تلو الأخرى بل وتوقف بعثات الدراسة خارج الصين وانقطاع وفود الحج اللهم إلا ما كان من تكوين الجمعية الإسلامية الصينية عام 1953 م بمشاركة أمثال الحاج برهان شهيدي والحاج نور محمد (دابوشنغ ) وهي الجمعية الوحيدة التي سمحت لها السلطة بالبقاء حتى الآن وباسم هذه الجمعية سمح لبعض الصينيين على فترات متقطعة بأداء فريضة الحج .... وكان أيضا من نشاط المسلمين هناك إنشاء مجلة باسم مسلمي الصين في عام 1954 وإنشاء معهد إسلامي تابع للجمعية عام 1955 وطبع القرآن الكريم باللغة العربية لأول مرة بعد التحرير ولكن الفترة من عام 49 -1958 م كانت فترة المحنة أو بداية أزمتها بالنسبة لمسلمي الصين .... هذه الأزمة التي استمرت فيما بعد إلى عام 1978فكانت سنوات عجافا بدأت اوائلها مع ظهور كتابات في الصحف وهي ملك للدولة عن جدوى ذلك العدد الكبير من المساجد والدعوة إلى استغلالها في التطور الاقتصادي ما مهد السبيل إلى اغلاق بعض المساجد لأول مرة في تاريخ الإسلام في الصين وكانت صدمة للمسلمين لاتقل في شدتها عن صدمة تجنيد أئمة المساجد وموظفيها في الكوميونات الاقتصادية ثم أعقب ذلك إيقاف نشاط المعهد الإسلامي في بكين التابع للجمعية الإسلامية الصينية مع العلم أنه كان المعهد الوحيد في الصين كلها الذي يتلقى فيه المسلمون علوم دينهم وتوقفت كذلك مجلة
( المسلمون في الصين ) بل وتوقفت بعثات الحج تماما بعد عام 1964 وتمت عمليات تغيير للسكان في المناطق الإسلامية بتهجير آلاف الأسر الصينية إلى سينكيانغ المسلمة كما نقلت آلاف من الأسر المسلمة من مقاطعة بوننان إلى مناطق أخرى .


وزادت الأزمة شدة وبلغت ذروتها في سنوات الثورة الثقافية في منتصف الستينات حيث تعرض المسلمون في الصين لمختلف أنواع الإيذاء ابتداء من احراق الكتب والمصاحف إلى مصادرة الأوقاف والممتلكات إلى إغلاق المساجد التي لم يبق منها إلا مسجد واحد في بكين إلى إهانة رجال العلم وأئمة المسلمين إهانات بدنية ونفسية واجتماعية بالغة إلى إتلاف الآلاف من المخطوطات الإسلامية النادرة إلى إلغاء عطلة عيد الضحى والفطر بحجة عدم تعطيل الإنتاج إلى إغلاق المطاعم التي تقدم الوجبات الحلال إلى منع استخدام مسلمي سينكيانغ حروف اللغة العربية في الكتابة إلى تحريم ارتداء الأزياء القومية للمسلمين إلى منع تكفين الموتى بل وفوق ذلك جرت محاولات لتدمير المقابر ... بمعنى أنه لم يسلم لا الأحياء ولا الأموات من بطش وأذى ما سمي فيما بعد رسميا بعصابة الأربعة .. . كل ذلك وسط جو إعلامي مشحون ضد الإسلام على وجه الخصوص من بين كل الأديان التي أصابها الأذى كما اصاب الإسلام إلا أن الإسلام ذاته لقي اشد العنت والاضطهاد ... يدلنا على ذلك أن ما سمي بالثورة الثقافية من بدايتها شكلت ( مجموعه ثوريه لمقاومة الإسلام ) كانت موكلة بكل هذه التصرفات الشائنة والهمجية. ومن يقرأ تاريخ تلك الفترة المظلمة يشيب شعره لما لقيه المسلمون من شباب الحرس الأحمر .... ينقل الأستاذ فهمي هويدي في كتابه ( الإسلام في الصين ) عن الشيخ عبد الرحمن ناجونغ أستاذ التاريخ في معهد اللغات الأجنبية في بكين أن مكتبته الخاصة التي أفنى في تكوينها ثلاثين سنة من عمره اتنهبت كلها وألقيت مراجعه حيث أحرقت ولم يستطع أن ينقذ من هذا المصير المحزن إلا كتبا بعدد أصابع اليد ... كما يذكر على سبيل المثال أن الحاج محمد على تشانغ رئيس الجمعية الإسلامية الصينية تعرض للضرب وكذلك نائبه الحاج الياس شين الذي قال : ما جرى معي لامكن وصفه فقد كان من الناحيتين المادية والمعنوية شيئا فظيعا .


وما كادت فترة السبعينات تحل حتى بدأت غيوم الأزمة بالانقشاع وتمثل الانفراج في محاولة رئيس الصين كبح جماح التجاوزات التي تمت باسم الثورة الثقافية ثم موته سنة 1976 ودخول الصين في دوامة الصراع حول السلطة الذي انتهى بسحق عصارة الأربعة والإعلان رسمياً عن طي سجل الماضي الأسود وبدء صفحة جديدة عام 1978 .


وقد بدأت الوعود تتوالى على المسلمين من إعادة فتح المعهد الإسلامي إلى طبع القرآن الكريم إلى إعادة إصدار مجلة المسلمون في الصين ثم إعادة بعثات الحدج عام 1979 وتبادل الزيارات مع مسلمي العالم ثم الاعتراف بعطلتي الفطر والأضحى ثم فتح المساجد المغلقة ... وفي هذا الصدد نذكر أنه في مقاطعة سينكيانغ ( التي كانت تسمي تركستان الشرقية قبل احتلال الصين لها ، والتي يمثل المسلمون فيها أغلبية كبيرة ) أعيد افتتاح أكثر من 1900 مسجد.


وإضافة إلى ذلك فقد أضيفت مادة إلى قانون العقوبات الصيني تعاقب موظفي الحكومة بالسجن - كحد أقصى سنتين أو بالحبس إذا ما أفرطوا في تجريد المواطنين من حرياتهم في عقيدتهم الدينية أو انتهكوا أعراف وعادات أبناء الأقليات القومية على نحو غير شرعي ... ويعتبر هذا النص القانوني ضمانا للمسلمين حتى لايتكرر ما وقع ... مع ملاحظة ما في النص من عبارات اختيرت بدقة لكي لا تسمح بقدر من الحرية كبير .


ويعاني مسلمو الصين حاليا من نقص فادح في الكتب الدينية التي تؤمن مصدر للمعرفة مهما وموثوقا به كما يعانون من الجهل الشديد بأبسط مبادئ الإسلام مثل قراءة القران أو معرفة أركان الصلاة ولهذا أسبابه الواضحة ففيما بين عامي 1937 إلى 1980 أي خلال 43 سنة . لم يتح المجال لأحد من المسلمين وكما يقول فهمي هويدي أن مدرس علوم الدين في أي معهد أو جامعة خارج الصين .... ولكن مع ذلك فانهم يعترفون بأنهم من أتباع المذهب الحنفي ولاتزال بينهم بقايا للطرق الصوفية مثل النقشبندية والقادرية دون أن يكون الفهم عميقا وكافيا لمعني كل منهما .


ومما هو جدير بالذكر أن أهم مناطق تجمع المسلمين في الصين هي تركستان الشرقية التي فتحها المسلمون عام 95 هـ على يد قتيبة بن مسلم الباهلي والتي استمرت ثورة المسلمين فيها أكثرمن مئة عام من 1759-1874 م ضد الصينيين الذين احتلوها ناخيرا عام 1875 م وقد قامت فيها ثورة أخرى للمسلمين عام 1931م استمرت خمس سنين إلا أن الصينيين بمساعدة الروس أخمدوها بوحشية ثم انسحب الروس منها وأعلن الحكم الشيوعي فيها عام 1949 م وأعطيت صفة الدولة ذات الحكم الذاتي داخل الكيان الصيني . وعاصمة تركستان القديمة كاشنر واسمها اليوم شوفو ثم من مدنها اورومجي واسمها تيهوا هي العاصمة الحالية ومدينة يارقند وتسمى اليوم سوجي ... وأما في المناطق الداخلية فإن ولاية كانسو تعتبر أيضاُ من أهم مراكز تجمع المسلمين حيث تبلغ نسبتهم 79% من مجموع السكان وعاصمتها


لان تشو ةتسمى اليوم كاوولان وسوتشير وتسمى اليوم كيرتشان . وكذلك الأمر في ولاية ينبج هسيا التي هي في الأصل جزء من ولاية كانسيوه وولاية ستشوان ونسبة المسلمين فيها 8% وأشهر المراكز الإسلامية فيها بلدة سونج بان يننج وبلدة كيوشيا . وولاية يوتنان واشهر مدنها يونان وتسمى اليوم كون مينج ومدينة (تالى ) وولاية شي وهي منطقة يبلغ المسلمون فيها قرابة الثلث من أصل 21 مليون نسمه وأخيرا ولايات شانسي وكوانج سى وهيونان وصفوليا الداخلية وآن هوي وكوي شو .... وأما في المناطق الساحلية فأشهر الولايات التي يتجمع فيها المسلمون ولاية كوانج تونج وسماها ابن بطوطة سين كالان وأهم مدنها كانتون ، وولاية فوكيبه ومن مدنها آموي وتشانج تشو وولاية شنغهاي والمسلمون فيها قرابة 14% وولاية كيانج سو ومن مدنها نانج كينج ... ومناطق أخرى كثيرة يعجز المرء عن عددها .
وأخيرا فقد أشار الأمير شكيب أرسلان إلى نقطة ذات دلالة ومغزى ... عندما قال : وق همت مسالة إسلام الصين دول أوربا كثيرا لأنها تتوجس خيفة من انتشار الإسلام في الصين وقال أيضا : ولقد كثر تكهن العلماء والمؤرخين على مستقبل إسلام الصين وكل منهم أدلى بدلوه وقال : فاسيليف عام 1867 إذا انتشر الإسلام في الصين كما انتشر مذهب بوذا ينقلب وجه العالم .