آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    العربية وعلومها   مقالات وأبحاث
ما الذي يحبب العربية الفصحى إلى الناس؟



مرات القراءة:2704    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

ما الذي يحبب العربية الفصحى إلى الناس؟

د.محمود أحمد الزين

قبل أن أجيب عن هذا السؤال أحب من القارئ ألا يعجل بالإنكار قبل أن يعرف ماذا أعني، وكان عليّ أن آتيه ابتداء بالجواب واضحاً غيرَ غامض، لكني آثرتُ هذا الجواب الغامض وتعقيبه بما يفسره لأبين كيف أن فهم الاصطلاحات بغير حقيقتها قد ساد، وأن سيادته هذه جنت على العلم.

وللإجابة عن السؤال (ما الذي يحبب العربية الفصحى إلى الناس) أقول: “الخطاب البليغ” هو الذي يحببها إلى الناس ويحبب إليهم سماعها وتعلم التحدث بها.

وسينكر هذا القول كل من يظن أن الخطاب البليغ هو التقعر وحشد غرائب الألفاظ والتراكيب الغامضة، ويقول إن الخطاب البليغ هو الذي ينفر الناسَ من العربية الفصحى ويبغضها إليهم، أما الذي يعلم أن البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال ويفهم من ذلك أن البلاغة هي أن تخاطبَ كل فئة بما تفهمه كل الفهم، وتميل إليه قلوبُها كل الميل، بألفاظ مألوفة، وتراكيب واضحة مأنوسة، وأفكار مضيئة.

.. تم الإقرار بأن الخطاب البليغ يحبب العربية الفصحى إلى الناس.

وقد حكوْا قديما أن رواةَ الشعر ونقاده جاؤوا يوما إلى الشاعر بشار بن برد وبلغهم أنه قال في جاريته شعرا في غير المستوى العظيم المعهود من شعره، حيث قالت له: قد ملأت بشعرك الدنيا، وقلت الشعر في كل أحد، ولم تقل فيّ كلمة واحدة وأنا أخدمك وأقوم على راحتك ليلي ونهاري، فقال لها:

ربابة ربة البيت

تصب الخلّ في الزيت

لها عشرُ دجاجات

وديك حسن الصوت

فقال له بعض أولئك الرواة والنقاد: أين هذا من شعرك؟ فقال: إن هذا أفضلُ عندها من (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل).

وبشار نفسُه هو الذي جاءه بعضُ علماء الأدب والنقد والعربية فقالوا له: بلغَنا أنك قلتَ قصيدة أكثرتَ فيها من الغريب. قال: نعم، إنما قلتُها لِسَلْم بن قتيبة، وهو يزعم أنه بصير بغريب اللغة، فأحببت أن أسمعه فيها ما لا يعلم. وفي هذه القصيدة قال بشار:

بكّرا صاحبيّ قبل الهجير

إن ذاك النجاح في التبكير

فقال له أحدهم: لو أنك قلت بدل “إن ذاك النجاح في التبكير”: “بكرا فالنجاح في التبكير”. قال: إني قلت ذلك لأني نظمتها أعرابية وحشية على طريقة الأعراب البدويين، ولو قلت (فالنجاح) لكان مخالفا لمنهج القصيدة، ولا يشبه كلام الأعراب.

فبشار في هذين الخبرين ينبه إلى الأسلوب الذي يصلح لخطاب البسطاء كخادمته، والأسلوب الذي يتكلم به كبار الشعراء فيرسلون أنفسهم على سجيتها في اختيار الألفاظ والتراكيب وروائع الصور، والأسلوب الذي يخاطَب به الأعراب البدويون، والأسلوب الذي يخاطَب به الحضر المنعمون.

ورعاية هذه الأحوال هي التي سيرت شعر بشّار وأشباهه بين الناس على امتداد العصور.

وواجبنا اليوم سواء كان أحدنا شاعراً أو كاتباً أو محاضراً أن نقدّر المستوى الذي يطيقه ويحبه من نخاطبهم حتى يتقبلوا ما نقول، ويفضلوه على العامية المحلية أيا كانت، فشعوبنا العربية ما زالت تجلّ الفصحى وتحبها وتحترمها وتأنس بسماعها شريطة أن تفهم ما تسمع منها ولا ينفر منها بلا سبب إلا أولئك الذين سمّمت عقولهم الدعايات ضد العربية وأهلها، أو أشربت قلوبهم العصبية للهجتهم المحلية الخاصة، ولم تعد قلوبهم تحس بأهمية الحفاظ على وحدة الأمة العربية وعلى التراث العربي الذي كتب بالفصحى.

ومجتمع الإمارات الذي يضم فئات كثيرة من كل البلدان العربية أحوج ما يكون حين نحاضر فيه أو نكتب وننظم الشعر إلى العربية الفصحى كي تمتزج فيه ألوان الطيف كلها فتشكل لون العربية الموحّد صورة ومعنى.

حين يكتب أحدُنا أو ينظم أو يحاضر لا بد له من أن يختار أقرب المفردات وأقرب التركيبات وأقرب أساليب عرض الأفكار بالعربية الفصحى، وهذا يحبب العربية وسماعها والتحدث بها على كل عربي تجري في عروقه الدماء العربية المسلمة.

وآخر محاضرة ألقيتها في الدعوة إلى العربية كانت بين طلبة في آخر سنوات الابتدائية تتراوح أعمارهم بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة، قدمتها بالفصحى، وكان التجاوب فيها كبيراً، وناقشني أولئك الصغار دون أن أشعر أو يشعروا بالفوارق اللغوية، ولا بصعوبة الفكرة والأدلة التي قدمتها لهم، وكانوا يحاولون أن يستعملوا في محاوراتهم معي اللغة العربية الفصحى رغم أنهم لم يعتادوا ذلك بدافع مجاراة المحاضر الذي يكلمهم.

وهذا يرجع فيما أرى إلى تقدير حالهم، أي مستواهم الفكري واللغوي بدقة، ومخاطبتهم بما يناسب هذا المستوى أي بمطابقة الكلام لما يقتضيه حالهم، وبنحو هذا يحب الناسُ العربية الفصحى.

ولا ينبغي لنا أن ننسى أن نهج القرآن الكريم وهو أبلغ كلام عربي كان يراعي مستوى الإدراك عند المخاطب، وقد نبه علماء البلاغة إلى ذلك وسموه الأسلوب الحكيم، وضربوا له مثلا بقول الله تعالى: “يسألونك عن الأهلة، قل هي مواقيت للناس والحج” قالوا سأل الصحابة نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بال الهلال يبدو صغيرا ثم يكبر ثم يصغر على أن ينمحق كأنهم يريدون أن يعرفوا السبب الكوني الذي بسببه يكون الهلال كذلك، فجاء الجواب بذكر فائدة ذلك، أي نبههم إلى أن الجدير بهم هو السؤال عن هذا لا عن ذاك، لأن العصر لم يكن أهله قد استعدوا لاستقبال المعلومات الكونية، وربما شغلهم ذلك عما هو مهم في مرحلة بناء الأمة، ولأن ما سألوا عنه يمكن أن يعرفوه بواسطة دراسة الظواهر الكونية، فأرشدهم الله إلى أن الأولى بهم أن يسألوا عن حكمة الله ونفع العباد في ظاهرة تغير الهلال.

وكذلك كان نهج القرآن في رعاية المعرفة اللغوية حيث إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقرئ أمته القرآن على حرف واحد، أي على لهجة لغوية واحدة، فقال صلى الله عليه وسلم: أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك. إلى أن أذن له سبحانه بأن يقرئهم القرآن على سبعة أحرف. وكيفية اختلاف هذه الأحرف تدلنا على أن المقصود منها هو تيسير الفهم باختلاف بعض المفردات على وجوه يقرأ كل ما هو أقرب إلى لهجة قومه، نحو: “وانظر إلى العظام كيف ننشزها” وفي قراءة (ننشرها)، أو باختلاف الأساليب نحو: “فناداها مِن تحتها” (بكسر الميم) وفي قراءة (فناداها مَن تحتها) (بفتح الميم)، وبذلك تحقق التيسير الذي طلبه النبي صلى الله عليه وسلم وعلله بقوله: إن أمتي لا تطيق ذلك.

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول المقتدين بكتاب الله في هذا الأمر حيث كان يخاطب كل قوم بلغتهم أي يخاطب كل قبيلة من العرب بلهجتها، ومن أشهر ذلك ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم حين خاطبه قوم من أهل اليمن لهجتهم قلْب (ال ) إلى (أم) فسألوه: “هل من امْبر امْصيام في امْسفر” يعنون: هل من البر الصيام في السفر؟ فأجابهم بلهجتهم: “ليس من امْبر امْصيام في امسفر”.

وحين يراعي المتحدث مستوى المخاطبين فكريا ولغويا يسهل عليهم فهم ما يقول ويهتمون بما يقول، ويحبون اللغة التي يفهمون ما تقول.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.