آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    العربية وعلومها   مقالات وأبحاث
بالأسلوب المبسط نخدم لغتنا



مرات القراءة:3313    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

بالأسلوب المبسط نخدم لغتنا


د. محمود أحمد الزين


في لقاء إعلامي مع أحد منتجي برامج الأطفال ومترجميها عن اللغات الأخرى سئل عن أحد برامجه، لماذا ترجمه إلى العربية الفصحى مع أن إقبال الأطفال يكون أكبر على البرامج التي تتكلم بلهجتهم المحلية والربح فيها أكبر؟ وكان في جوابه ما يلفت النظر ويدعو إلى التدبر في ترتيب قائمة الأولويات لدينا. قال المنتج: نحن لم نخرج عن هذه القاعدة: قاعدة الاهتمام بالتوزيع أكثر، ولكننا نظرنا إليها من زاوية أخرى، التوزيع فيها أكثر والربح فيها أوفر، فالبرنامج ذو اللهجة المحلية توزيعه أكثر في نطاق البلد التي تتكلم بتلك اللهجة، ولكن الذين يفهمون اللغة العربية المبسطة التي اعتمدناها في الترجمة أكبر كثيرا إذا لاحظنا كثرة هؤلاء على امتداد البلاد العربية.

وانتهى ما يهمنا من هذا الحوار، وفيه جانبان يحتاجان منا إلى مزيد التأمل، فالفكرة صحيحة تجاريا، ومفيدة ثقافيا، وهي تساعد على مد الجسور وإحياء الترابط مع لغتنا التي تهاونّا في حقها كثيرا، وتؤكد أننا حين نهتم بها لا نخسر ماليا بل ذلك أكثر ربحا، ومثل هذا يلاحظ في الأفلام التي تكون ترجمتها في البلاد الأجنبية أيضا، مع أن الأجانب يهمهم الربح وحدَه ولا ينظرون إلى أهمية نشر العربية الفصحى. والجانب الآخر في هذا الحوار هو أننا لم نلتفت إلى لغتنا إلا عند ملاحظة الربح المالي.. وهذه قضية تحتاج منا إلى مراجعة لا سيما أن الأمر يتعلق بهويتنا، فنحتاج إلى اهتمام أكبر بل إلى تضحية وبذل.

وفضلاً عن مسألة الهوية فإن مثل هذا البرنامج الذي يعتمد اللغة العربية الفصحى المبسطة يسهل على أبنائنا الدراسة والاستيعاب واعتياد التفكير في العبارات العربية في جميع مواد الدراسة المكتوبة بالعربية، هذا فيما يتعلق بالبرامج المعدة للربح أما واجبنا الحقيقي فهو أن تأخذ هذه البرامج حصة الأسد من اهتمامنا وأن يشجع المهتمون بها بجميع وجوه التشجيع ماليةً ومعنوية، وأن يركز فيها على مضمونات ثقافية تعزز تعميق ثقافتنا العربية دون إهمال الثقافة العالمية ودون طغيانها على ثقافتنا بحيث تتجدد دماء العربية باستمرار.

وأهم ما في هذا الخبر أن الطريق إلى خدمة هذه اللغة ليس بالطريق الشاق الطويل إذا أحسنّا السير فيه بخطى مدروسة ثابتة وحسبنا ما في ذلك الحوار الذي صدرت به هذه الكلمة من الدلالة على أن القدر المشترك في هذه اللغة بين العرب حتى على مستوى الأطفال لا يزال ذا فائدة كبرى رغم إهمالنا الطويل ورغم الكيد المنظم لهذه اللغة منذ زمن غير قليل، فهذا القدر يساعدنا أيما مساعدة على استعادة لغتنا وعلى دخولها بقوة في كل ميادين حياتنا لو أردنا ذلك وأعطيناه حقه، وأقل ما في هذا الحق ألا يكون اهتمامنا بلغتنا تابعا للأهداف الأخرى، وإن لم يكن هناك مانع من وجود هذه الأهداف.

أما حق لغتنا علينا فهو أن تكون رعايتها والحفاظ عليها وحمايتها مقصدا أصليا نصطنع له الوسائل التي تخدمه ولا ننتظر أن يجيء عرضا ثانويا إذا عنّ لنا ودعانا لبيناه، ثم سرنا في طريق وسار هو في طريق.

وإلا كيف تكون اللغة الثانية كالإنجليزية مثلا لها حصص خاصة للمحادثة والتدريب عليها، ولها درجاتها في الاختبارات بينما تحرم اللغة العربية من هذا الدرس الحيوي المثمر؟ ألا يدعونا ذلك إلى التفكير في استدراك هذه الفائدة لتعويض هذا النقص؟ وإذا كنا نتحدث دائما عن أهمية تطوير لغتنا لتواكب المستجدات أفلا يكون من وسائل هذا التطوير أن نعوّد أبناءنا المحادثة بالعربية لتكون لهم مشاركة في هذا التطوير؟ فإن لم يمكنهم ذلك في حاضرهم كانت دروس المحادثة بالعربية مهيئة لهم أن يكونوا كذلك في المستقبل ولا سيما أن الاستعمال للكلمات المطورة يفرض نفسه بحكم الواقع كما الشأن في كل الأمور التي يكون للواقع فيها الاثر الأكبر. وأظهر ما يبرهن على أهمية هذا الأمر هو أن المجامع اللغوية أعدت معاجم بأسماء لمسميات جديدة، ولكنها أهملت في الاستعمال حتى في الكتب والمؤلفات، وكذلك المعاجم التي أعدها أفراد واعتمدت رسميا قد وقع فيها مثل هذا، فاستبعدت من الاستعمال. ونستفيد من تلك الدروس المخصصة للمادة مساهمة في إدخال لغتنا العربية إلى واقع حياتنا العلمية والثقافية.

وفي هذا الحوار الإعلامي الذي ذكر في أول هذا المقال فائدة ذات أهمية كبرى في مجال العمل لحماية لغتنا العربية وإعادتها إلى موقعها الطبيعي أو الذي حقه أن يكون طبيعيا، فالاعتماد في الاستعمال على اللغة السهلة أي ذات المفردات الفصحى المتداولة في أكثر لهجاتنا المحلية والمركبة بالأساليب الصحيحة المتداولة في أكثر لهجاتنا المحلية هو أنجح ما يمكن في تعويد الناس صغارا وكبارا الكلام بالعربية الفصحى.

وليس هذا النهج إضعافا للغة العربية لأنه ليس إلغاء للأساليب الأخرى بل هو مخاطبة الناس بما يألفون من المفردات والأساليب، وهذا ميزان الكلمات العربية الفصيحة حيث قال علماء البلاغة: إن علامة كون الكلمة فصيحة هي أن تكون أكثر تداولا بين الفصحاء، وكذا يقال في أساليب التركيب، والمتحدث الفصيح يخاطب الناس بما يفهمون، فالاعتماد على اللغة السهلة في الكتابة والترجمة يقوم على موازين الفصاحة التي اعتمدها علماء البلاغة، وتلك هي الوسيلة الأنفع في خدمة لغتنا العربية.