آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    العربية وعلومها   مقالات وأبحاث
الغريبة القريبة



مرات القراءة:2563    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

الغريبة القريبة

د. محمود أحمد الزين


لو قلنا لأي إنسان: تكلم باللغة العربية الفصحى لاعتذر بشتى الأعذار، وأغرب هذه الأعذار أن يقول: إن لساني لم يتعودها، وهذا أمر واقع، فنحن قد أهملنا هذا اللسان دهراً طويلاً واستحكمت في ألسنتنا اللهجات المحلية، حتى وقر في نفوسنا أن تعويد ألسنتنا على الفصحى مستحيل أو قريب من المستحيل لشدة صعوبته، وههنا قضيتان إذن: قضية ضرورة الإصلاح وقضية صعوبة الإصلاح.

أما ضرورة الإصلاح فتمليها علينا حاجاتنا القومية إلى لغة واحدة تحفظ جانباً مهماً من وحدتنا، لأنه باللغة يكون التواصل الفكري والعاطفي والتعاون في شؤون الحياة، وكذلك تمليها علينا حاجتنا الدينية إلى الإخاء الإسلامي وإلى تقريب الصلة بيننا وبين القرآن الكريم والحديث الشريف اللذين هما أصل ديننا الحنيف، واستحكام المشكلة لايقتضي أن تبقى بلا حل، كما أن استحكام المرض لا يقتضي أن يترك بلا علاج، بل ذلك يدعو إلى مزيد الاهتمام ومزيد من الإسراع بالعلاج لأن إهمال المرض المستحكم يزيده خطراً، بل يجعله قاتلاً قتلاً شنيعاً.

أثر أجهزة الإعلام

 

وأما صعوبة الإصلاح فليست في حقيقة الأمر بالشيء الحقيقي، وإنما الذي ضخمها هو تطاول الزمن عليها وعدم التدبر في الظواهر التي تشهد بسهولتها أو تشهد بإمكان الإصلاح وقربه وبساطته . نعم أقول ذلك جاداً غير هازل.

والذي دعاني إلى ذلك ما رأيته من بعض الأطفال الذين لا يتجاوزون سن الرابعة، وليس الرابعة عشرة، على أثر رؤيتهم في التلفاز قصة حيوانات تتكلم بالعربية الفصحى.

لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني أولئك الأطفال يتكلم بعضهم مع بعض بالعربية، يحاكون ما سمعوه في التلفاز محاكاة صحيحة، وأهم ما رأيت وسمعت منهم أنهم كانوا في بعض الأحيان يخرجون عن القصة التي رأوها إلى حديثهم العادي، ثم يعودون إلى أحداث القصة، فيكون حديثهم العادي استمراراً للكلام بالعربية الفصحى، وإن كان فيه شيء من الخطأ ففيه صواب أكثر، ولا شك في أن هذا الصواب لم يتعلموه من آبائهم وأمهاتهم أو إخوانهم وإنما هو شيء ادخرته أذهانهم من قصص أخرى سمعوها ورأوها فإذا هي تنطلق من عقلهم الباطن إلى ألسنتهم عندما احتاجوا إليها .

وهذا يكشف لنا عن أثر أجهزة الإعلام، لاسيما المرئية، في عقولنا وألسنتنا لو أحسنا استخدامها والاستفادة منها وبذلنا جهداً كبيراً عن طريقها لإصلاح حالنا في شأن لغتنا، وهي جانب مهم من هويتنا القومية والدينية والوطنية باعتبار أن كل بلد عربي تشكل اللغة العربية جانباً من هويته الوطنية .

ولعل بعض الناس يقول: إن هذا ممكن في الأطفال لاسيما في سن الرابعة وما بعدها قليلاً وهي سن المحاكاة في اللغة وغيرها، وشأن الكبار يختلف عن ذلك.

كذا يقال، ولكن الواقع الراهن والواقع التاريخي يشهدان بخلاف هذا الذي يقال ويتردد على ألسنة كثيرة.

أما الواقع الراهن فإن بعض الأميين الذين لايحسنون القراءة والكتابة لهم ولوع ببعض المطربين القدامى الذين كان بعض غنائهم بالعربية الفصحى فنرى محبيهم هؤلاء يحفظون جانباً كبيراً من عباراتهم ويذكرونها عند مناسباتها، وأوضح من ذلك دلالة على التأثر اللغوي بأجهزة الإعلام أننا نرى من الأميين أناساً لهم ولوع بالأخبار السياسية لا تكاد تفوتهم نشرة إخبارية وهم يستوعبونها استيعاباً جيداً ونسمعهم أحياناً يكررون بعض العبارات المهمة مع أن أكثر الأخبار في البلاد العربية تنشر بالعربية الفصحى، وإن كانت فيها شوائب.

التعليم بالمحاكاة

 

على أن أسلوب المحاكاة أسلوب علمي عالمي حديث في تعلم الإنسان غير لغته الأصلية، فهناك مؤسسات تعليمية متخصصة في تنظيم دورات في عدد من اللغات العالمية تأخذ الراغبين في التعلم إلى الموطن الاصلي لتلك اللغة، يعيشون ضمن أسرة هناك عيشة طبيعية تامة مدةً تناسب مستوى ذلك الراغب في التعلم، وقد أثبتت الدراسات الميدانية تميز هذه الطريقة وتمام جدواها في التعود على سلامة النطق، وعلى جودة تركيب الجمل واستعمالها في موضعها المناسب.

فكيف لا يكون لهذا الأسلوب أثر في عودة الإنسان إلى لغته الأصلية، بل هو الأسلوب العلمي الأقدم في تراث لغتنا العربية؛ فقبل تدوين علوم العربية ووضع قواعدها وتلقيها عن العلماء المختصين كان أهل العلم يقصدون البوادي، قبل فساد الألسن فيها، ليصحبوا أهلها ويتلقوا العربية الفصحى من منابعها بطريق المحاكاة.

وقد اشتهر كثير من علماء اللغة بهذا الأمر، وكان من أشهرهم الإمام الشافعي رضي الله عنه، فقد دخل البوادي القريبة من مكة المكرمة، وصحب قبيلة هذيل يسمع كلامهم ويجالس شعراءهم فيحفظ ما تجيش به قرائحهم، وطالت صحبة الشافعي لهذه القبيلة سنوات، واشتهر بإتقانه لهجتهم وآدابهم حتى أن الأصمعي، وهو اللغوي الكبير والأديب العجيب، كانت عنده نسخة فيها مروياته من قصائد شعراء هذيل فقصد الشافعي فصححها وضبطها عليه، وكان يفتخر بذلك بين اللغويين والأدباء.

وهكذا يظهر لنا مستوى النفع الكبير في التعليم بالمحاكاة بشهادة الواقع والتجربة التاريخية والتجربة الحديثة والدراسة الميدانية، وذلك يدعونا إلى تركيز الاهتمام عليها، وابتكار أساليب جديدة متعددة للاستفادة منها في إعانة أبنائنا على التقدم في إصلاح الألسن وتعويدها على العربية القويمة.

فعسى الله تعالى أن يوفق القائمين على أجهزة الإعلام إلى أن يقوموا بالدور الكبير في خدمة لغتنا العربية الفصحى خدمة لعروبتنا ولديننا ولهويتنا الوطنية، ولا سيما الإكثار من القصص الهادفة التي تخدم أخلاقنا ولغتنا الحبيبة، وتشجيع كل من يستطيع المساهمة في هذا المضمار أو في الشعر أو غيره من فنون الأدب.

والمسؤولية الكبرى تقع على عاتق معلمي القرآن الكريم الذين يجب أن يعلموا طلابهم معاني جمله ومفرداته بإيجاز؛ ليكون وسيلة إلى حفظ لغتنا اليوم وغداً كما كان بالأمس أيام الهجوم الاستعماري على لغتنا حيث كان لها حصناً حصيناً.

والله سبحانه هو الموفق لكل خير وكل صواب.