آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    ردود وشبهات   مقالات وأبحاث
منهاج الوفافي نجاة والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم



مرات القراءة:2546    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

منهاج الوفا

في

نجاة والدي المصطفى

صلى الله عليه وسلم

 


إعداد : الدكتور محمود أحمد الزين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدى أمتنا بكتابه إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الذي بين لها ما أنزل الله البيان الواضح الحكيم، فتركها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، يجعل من هواه أولى المسالك، ورضي الله عن آل نبينا الأطهار، ذوي الدين والخلق، وأصحابه الأبرار الذين بثوا دين الله في كل أفق، وعن جميع العلماء العاملين والورثة الكاملين.

وبعد فإن الله تعالى أراد أن يفرق بين العلماء المخلصين وذوي الأهواء الزائفين، فأنزل كتابه والآيات فيه صنفان: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} وبين سبحانه موقف الفريقين، فقال سبحانه: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب}، وقد بين أهل العلم أن المنهج الحق في فهم الكتاب الحكيم هو تفسير المتشابه بما يناسب المحكم ولا يخالفه؛ إذ إن مخالفة التفسير للآيات المحكمة التي هي أم الكتاب دليل على فساد ذلك التفسير.

أما منهج الزيغ فهو البدء بالآيات المتشابهات لتأويلها حسب الهوى، ثم تفسير المحكم بما يناسب ذلك التأويل، ومراد أصحاب الأهواء بذلك فتنة الناس وصرفهم عن اتباع كتاب الله على الوجه الذي يريده الله ويرضاه، وبه تكون هداية الأمة إلى الصراط المستقيم.

كما بين العلماء ـ أخذاً من كتاب الله ـ أن الآيات المحكمات اللائي هن أم الكتاب معني بها الآيات البينة الواضحة، التي لا تحتمل اختلاف وجهات النظر، ولذا كان الاختلاف عليها موجباً لعذاب الله، كما قال سبحانه: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأؤلئك لهم عذاب عظيم} ثم يقال لهم: {أكفرتم بعد إيمانكم}؟ فالخلاف بعد البينات لا يكون إلا عناداً لله، وهو كفر صريح.

أما الخلاف في غير ذلك من الآيات أو الأحاديث ـ مما فيه مجال للاجتهاد في إثبات النقل أو الاجتهاد في فهمه بسبب تفاوت العلم بالأحاديث المنقولة وعدالة رجالها، وتفاوت العلم بوسائل فهم الآيات والأحاديث، التي تحتمل معاني متعددة ـ فهذا اختلاف له في دين الله حكم آخر بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم ثم اجتهد فأخطأ فله أجر) رواه البخاري برقم (6919)، فالخلاف الاجتهادي كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يتميز كل التميز عن ذاك الخلاف العنادي، فالفريقان هنا مأجوران ، ولا يجوز بناء على ذلك أن يتهم أحدهما صاحبه بالبدعة والضلال والخروج عن مذهب السلف؛ لأنه في نظره أخطأ مراد الله تعالى من الدليل؛ لأنا لو سلمنا له أن مخالفه مخطئ، فالمخطئ في اجتهاده مأجور كما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه لا يأجر على البدعة والضلال والخروج عن مذهب السلف في اتباع السنة، بل يعاقب على ذلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) رواه النسائي برقم (1576)، واصله عند مسلم. ومن اتهمه بالبدعة فقد رد حكم الله فيه ورفض رخصة الله لمن أخطأ في اجتهاده. ثم ماذا يقول هو عن نفسه حين يكتشف مرة أنه كان مخطئاً في مسألة اجتهد فيها؟ أيحكم على نفسه بأنه كان ضالاً مبتدعاً؟ أم يجعل ذلك الخطأ رخصة في حقه دون سائر الناس؟.

إن من يتهم المخطئ في اجتهاده بالبدعة سيسوقه ذلك إلى اتهام بعض السلف الذين شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم خير قرون الأمة، وهي خير أمة أخرجت للناس، وذلك لو نظر مثلاً في اختلاف الصحابة حول رؤوية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء، أو اختلافهم في سماع الموتى ـ وهما مسألتان علميتان أي من مسائل الاعتقاد لا من مسائل العمل ـ ثم ترجح عنده أحد القولين فاتبعه، أيقول عن الآخر إنه بدعة وضلال مع العلم أن من السلف من قال به؟ أم يقول إنهم معذورون ومن يتبعهم غير معذور؟ وهل لديه حجة على ذلك، إلا أنه فهم من الدليل غير ما فهموا، فجعل فهمه هو الدليل نفسه، وجعل فهمهم معارضاً للدليل لأنه عارض فهمه؟! أفيصح مثلاً لمن يرى أن الموتى لا يسمعون أن يضلل القائل بذلك من الصحابة كسيدنا عبد الله بن عمر ويبدعه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري برقم (3530): ”إن عبد الله رجل صالح“ أم يزعم أن الصحابي معذور مأجور، وأن تابعه في هذه المسألة ليس كذلك؛ لأن نيته مختلفة؟ فمن الذي أطلعه على نيته؟!


لقد كان السلف يدركون الفرق الواضح بين مسائل الاجتهاد والمسائل التي لااجتهاد فيها، فكانوا رغم اختلافهم في كثير من الاجتهادات إخوة متحابين، ويصلي بعضهم وراء بعض رغم اختلافهم في مسائل الطهارة ومسائل الصلاة، فمن بنى الولاء والبراء على المسائل الاجتهادية فقد خرج عن مذهبهم، واتبع مذهب أهل الأهواء.

وفي كل عصر يوجد ناس ممن يجهل حقيقة المسألة، فلا يفرق بين الخلاف العنادي والخلاف الاجتهادي، فيجعل فهمه أو فهم إمامه الذي يتبعه هو الحق القاطع، فيضلل ويبدع كل من خالفه؛ لأنهم عنده خالفوا كتاب الله وسنة نبيه حين خالفوا فهمه لهما، رغم أن هذا الصنف من الناس قد لا يكون من أهل العلم أصلاً، أو يكون ممن لديه بعض من العلم لا يكفي للعمل بدليل الكتاب والسنة، كمن يعلم الحديث ولا يعرف قواعد فهمه كعلم العربية والأصول، اللذين لا يمكن فهم الكتاب والسنة بدونهما، وقد بين الله تعالى في كتابه أنه جعله بلسان العرب ليتمكنوا من تعقله، فقال سبحانه: {إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون} ومن عرف الحديث ولم يعرف قواعد فقهه لا يجوز له أن يقحم نفسه في فقهه قبل أن يتأهل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رب حامل فقه ليس بفقيه) رواه الترمذي برقم (2656)، والحديث يصرح أنه ليس كل محدث فقيهاً، وأنه قد يكون محدثاً لا يفقه الحديث الذي يحدث به، فعليه أن يلزم حده وهو الرواية، فضلاً عن أن يخطِّئ ويضلِّل ويبدِّع مخالفيه، والمحدث المخلص في خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته هو الذي لا يتكلم في الأحكام حتى يتفقه في الحديث، فحينئذ يعتد بقوله لأنه فقيه لا لأنه محدث، أما أن يكون عاجزاً عن فقه السنة مقلداً متعصباً لمن يقلدهم، ثم يزعم أنه متبع للسنة ومذهب السلف فتلك دعوى لا تعفيه من مسؤولية القول في دين الله بغير علم، وهي مسؤولية عظمى حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) رواه الترمذي برقم (2950) وحسنه، وهذا هو الرأي الذي ذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) رواه الترمذي، وقال: غريب، برقم (2952)، ورمز السيوطي لحسنه.

ومن عجائب ما ترى من هذه الفئة أنها تخالف السلف في المسألة وتزعم أن ما تقوله هو مذهب السلف كما يزعمون في صلاة التراويح أن من زاد فيها على ثمان ركعات فهو كمن زاد في صلاة الظهر على أربع، مع أن السلف في الحرمين الشريفين كانوا يزيدون، فمالك رحمه الله كان من تابع التابعين ـ أي القرن الثالث من قرون السلف ـ يقول في المدونة (1/222): (بعث إلي الأمير وأراد أن ينقص من قيام رمضان الذي يقومه الناس في المدينة ـ قال ابن القاسم: وهي تسع وثلاثون ركعة بالوتر ـ قال مالك: فنهيته أن ينقص من ذلك شيئاً، قلت له: هذا ما أدركت الناس عليه، وهو الأمر القديم الذي لم يزل الناس عليه) أي أدرك مالك طبقة شيوخه ـ وهم التابعون ـ يفعلونه، واستمر إلى زمانه، وفي مختصر المزني ص (21) أن الشافعي ـ حين ذكر عدد صلاة التراويح قال: (وأحب إلي عشرون؛ لأنه روي عن عمر، وكذلك يقومون بمكة، ويوترون بثلاث) والطبقة التي أدركها الشافعي هي طبقة أكبر تابع التابعين، وهذا يعني أن السلف كانوا يفهمون أن الزيادة غير مخالفة للسنة، بل كانت أكثريتهم تعمل بالزيادة في أعظم مساجد الإسلام، فالذي يقول إن الزيادة على الثمان بدعة كزيادة الظهر على أربع، يجعل فهمه لحديث التراويح هو مذهب السلف، ويجعل فهم السلف وعملهم بدعة مخالفة لمذهب السلف!! وهذه نتيجة طبيعية لادعاء الاجتهاد بلا أهلية، ولو افترضنا وجود الأهلية لكانت نتيجة طبيعية لجعل الخلاف الاجتهادي ضمن الخلاف الذي نهى الله عنه ، حتى يضلل المرء من يخالفه في فهم المسائل الاجتهادية ويبدعه، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه مأجور، فهل يأجر الله على الضلال؟!

اختلاف الأئمة في أهل الفترة

ومن المسائل التي اختلف فيها الأئمة رحمهم الله: الحكم في أهل الفترة، الذين لم يدركوا الأنبياء، كقوم نبينا صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، فنجد بعض الناس يختار القول بأنهم معذبون في النار، وينكر على من يختار غير قوله، فيضللهم ويبدعهم؛ ويتهمهم بأنهم خالفوا الكتاب والسنة ومذهب السلف؛ لأنهم خالفوا فهمه أو فهم العلماء الذين يتبعهم، مع أن ابن كثير قال في تفسيره لقول الله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} (5/50): (بقي ههنا مسألة قد اختلف فيها الأئمة قديماً وحديثاً، وهي الولدان الذين ماتوا صغاراً وآباؤهم كفار ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف، ومن مات في الفترة ولم تبلغه الدعوة).

وقد قال ابن تيمية في الفتاوى (17/311) ـ بعدما بحث المسألة، واختار القول بأن هؤلاء يمتحنون يوم القيامة، ويكون مصيرهم بحسب ما يقولون ـ قال: (وهكذا مسائل النزاع التي تنازع فيها الأمة في الأصول والفروع، إذا لم ترد إلى الله والرسول لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة، فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضاً، ولم يبغ بعضهم على بعض، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيقر بعضهم بعضاً ولا يعتدي عليه، وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم، فبغى بعضهم على بعض، إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه، وإما بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله، وهذه حال أهل البدع).

وإذا كان المطلوب في المسائل الاجتهادية أن يبذل العالم وسعه في فهم الأدلة ليختار منها ما يراه أقوى دليلاً، وأن يقر مخالفيه ولا يفسقهم ولا يكفرهم، فلا أجد ضرورة لبحث أدلة المسألة في كتيب غير كبير، فليبحثها من شاء الاختيار من أهل العلم في مصادرها، بل أكتفي هنا إن شاء الله ببيان فهم الأدلة عند القائلين بنجاتهم ودخولهم الجنة بعفو الله تعالى، ومنهم والدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا لأنقض أو أنتقص غيره من الأقوال، بل ليعلم المنصف أن أولئك الأئمة كانت لهم وجهة نظر في فهم الأدلة اعتمدوها؛ لأنها راجحة عندهم، وإن كانت مرجوحة عند مخالفيهم فذلك لا يضر؛ لأن الكل لا يقتنع بوجهة نظر مخالفيه، وإلا لاختارها وأخذ بها، وكذلك لا يضرهم تركهم بعض الأحاديث الصحيحة، فإنهم لم يتركوها استهانة بالسنة ـ كما يزعم المتعصبون، بل لأنهم رأوا غيرها أرجح منها، فما من إمام إلا ترك شيئاً من الصحيح لوجود الأصح منه، كما قال ابن كثير في تفسيره (5/50): (طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة في صحيح البخاري... ”وإنه ينشئ للنار خلقاً فيلقون فيها“... فهذا إنما جاء في الجنة؛ لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل، لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه، وقيام الحجة عليه، وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة، وقالوا: لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين) وذكر ابن كثير روايتهما هذا الحديث، وليس فيها هذه اللفظة في حق النار، إنما هي في حق الجنة، فرجح الرواية الخالية من قوله: ”ينشئ للنار خلقاً فيلقون فيها“ وترك الرواية التي فيها هذه العبارة، كما فعل العلماء قبله.

وكذلك من قال: إن أطفال المشركين يكونون مع الذين يمتحنون يوم القيامة تركوا الأخذ بحديث البخاري في أواخر كتاب التعبير برقم (7047): (وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين)، تركوه لا لضعف سنده، بل لأن غيره أرجح عند الاستدلال منه حسب فهمهم، بينما رجح هذه الرواية من قال بدخولهم الجنة كأولاد المسلمين.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري (3/290): عند قول البخاري ”باب ما قيل في أولاد المشركين“: أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة على أقوال فعدها، ثم قال: (الثامن: أنهم في الجنة... قال النووي: وهذا المذهب الصحيح المختار، الذي صار إليه المحققون؛ لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى)، والنووي رحمه الله يقيس ههنا أطفال المشركين ـ لاختلاف الأدلة فيهم ـ على من لم تبلغه الدعوة ـ ومنهم أهل الفترة ـ فيحكم بدخولهم الجنة، فالذين لم تبلغهم الدعوة ـ حسب فهمه ـ هم الأصل الشرعي في النجاة نظراً إلى الآية السابقة.

والعلماء الذين قالوا بنجاة أهل الفترة، ودخولهم الجنة بعفو الله، يرون أن الآية عامة في نفي كل عذاب سواء كان دنيوياً أو أخروياً ـ خلافاً لمن خصها بدفع عذاب الدنيا بسبب مناسبة السياق ـ واعتمدوا في إثبات هذا العموم على أمرين: أولهما: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا كان سبب نزول الآيات لا يخصصها فأولى من ذلك ألا يخصصها السياق. وثانيهما: أنه غير معقول أن يكون عدم وجود الرسول ينجيهم من عذاب الدنيا ـ وهو الأقل ـ دون أن ينجيهم من عذاب الآخرة وهو الأكثر والأشد، والأكثر دواماً، ويضاف إلى ذلك أن هذه الصيغة ”وما كنا معذبين“ تدل على أن المنفي بها لا يمكن أن يقع، وهذا أبلغ في نفي العذاب عنهم، وإذا كان الخلق يوم القيامة {فريق في الجنة وفريق في السعير} كما قال الله تعالى في كتابه الكريم كان نفي العذاب إثباتاً لدخول الجنة؛ لأنه ليس هناك فريق ثالث كما صرحت الآية.

والعلماء القائلون بنجاة أهل الفترة، الذين لم تبلغهم الدعوة يؤكدون شمول الآية لقوم سيدنا محمدصلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث إليهم، فمن مات منهم قبل الدعوة كان ناجياً ومن أهل الجنة ـ خلافاً لمن قال إنهم سبقت لهم دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ـ وإنما قالوا بنجاتهم لأن الله نص على أنهم لم يأتهم نذير، وأنهم غافلون، فقال سبحانه: {إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} وقال في آية أخرى: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} أما دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام فما بلغتهم إلا وهي محرفة مغيرة، يتناقلها الناس شفاهاً، ولم يبق من صحفهما شيء يمكن الرجوع إليه، أو يوثق به، والنظر العقلي لا يعتمد عليه في استحقاق العذاب، وإن كان يمكن أن يعرف به الحق في شأن التوحيد وحقوقه، وقد عذر الله العباد إذا لم يرسل إليهم رسولاً، فما كل عاقل يعرف الحق، لاسيما البسطاء، وقد وردت أحاديث في قوم من أهل الفترة وحدوا الله تعالى، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في الجنة، كالذي ذكره ابن كثير في البداية والنهاية عند ذكره ”زيد بن عمرو بن نفيل“ (1/224) قال: (فمن ذلك ما رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة... عن جابر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد بن عمرو بن نفيل... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”يحشر ذاك امة وحده بيني وبين عيسى بن مريم“ إسناده جيد حسن... وقال الباغندي... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”دخلت الجنة فرأيت لعمرو بن نفيل دوحتين“ وهذا إسناده جيد) انتهى كلام ابن كثير.

حال جد النبي صلى الله عليه وسلم:

وروى الحاكم في المستدرك (1/373) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فلما رجعنا وحاذينا بابه إذا هو بامرأة لا نظنه عرفها، فقال: يافاطمة من أين جئت؟ فقالت: جئت من أهل الميت رحمت إليهم ميتهم وعزيتهم، قال: فلعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت: معاذ الله أن أبلغ معهم الكدى، وقد سمعتك تذكر فيه ما تذكر، قال: لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يرى جد أبيك) قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وذكر المنذري في الترغيب والترهيب: أن فيه ربيعة بن سيف، وقال: هو من تابعي أهل مصر فيه مقال لا يقدح في حسن الإسناد([1]).

قال السيوطي في شرح هذا الحديث من سنن النسائي (4/27) وما بعدها ـ رداً على من توهم أن معناه لا تدخلين الجنة أبداً كعبد المطلب، فاضطرهم ذلك إلى أنه تغليظ وليس مراداًَ حقيقة ـ: (لا دلالة في هذا على ماتوهمه المتوهمون؛ لأنه لو مشت امرأة مع جنازة إلى المقابر لم يكن ذلك كفراً موجباً للخلود في النار، كما هو واضح، وغاية ما في ذلك أن يكون من جملة الكبائر التي يعذب صاحبها، ثم يكون آخر أمره إلى الجنة... فأكثر ما يدل عليه الحديث المذكور أنها لو بلغت معهم الكدى لم تر الجنة مع السابقين، بل يتقدم ذلك عذاب أو شدة أو ما شاء الله من أنواع المشاق، ثم يؤول أمرها إلى دخول الجنة قطعاً([2]) ، ويكون عبد المطلب كذلك... هذا مدلول الحديث على قواعد أهل السنة، لا معنى له غير ذلك). قلت: وذلك لأن هذا هو معناه الحقيقي بلا تأويل، أما ما توهموه فمعنى مجازي لا يعدل إليه إلا عند تعذر الحقيقة، والمعنى الذي قاله السيوطي لا إشكال فيه؛ لأن تضمن الحديث إيمان عبد المطلب ودخوله الجنة ما هو إلا كالإخبار عن زيد ابن عمرو بن نفيل، إلا أنك تجد الذين يشتهون القول بكفر عبد المطلب يقولون: إن الحديث يدل على كفره، مع أن هذه الدلالة تأويل ومجاز مخالف للحقيقة الظاهرة، فإذا قوبلوا بذلك زعموا أن الحديث ضعيف، فلماذا يحتجون به أولاً إذن؟!

والدا النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الفترة:

وكذلك وردت أحاديث في أفراد من أهل الفترة أنهم في النار، فذهب العلماء الذين اختاروا نجاة عموم أهل الفترة إلى ترجيح العمل بقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} وذلك كحديث مسلم برقم (203) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: (إن أبي وأباك في النار) لأن الحديث غير المتواتر مهما كان صحيحاً فهو يحتمل التوهم والشذوذ والخطأ بخلاف آيات القرآن الكريم، وكذلك هو يحتمل التأويل ولذلك يرجح العلماء بين الأحاديث، وإن كان كل منها وارداً في الصحيحين كما سبق، والمرجوح محكوم عليه بخطأ الرواية أو شذوذها، أو لزوم التأويل، ولم يجعلوا الحديث مخصصاً للآية؛ لأن سبب دفع العذاب عن أهل الفترة هو عدم وجود الرسول الذي يبلغهم، وهذا السبب موجود في والدي النبي صلى الله عليه وسلم وأهل زمانهما، فإن لم يكن لهما خصوصية تميزهما على أهل زمانهما فلا أقل من أن يكونا مثلهم بخلاف من انتفى عنه السبب، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في عمرو بن لحُيٍّ: (إنه رآه يجر قصبه ـ أي أمعاءه ـ في النار) وبين أن سبب ذلك هو أنه أول من غير دين إسماعيل، كما رواه مسلم برقم (2856).

ومع أن النووي ـ رحمه الله ـ صرح فيما سبق بأن الذين لم تبلغهم الدعوة لا يعذبون عاد عند هذا الحديث وقال في شرحه: (فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من اهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ).

ورد عليه الأبي في شرحه على مسلم (1/617) فقال: (تأمل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة... فأهل الفترة هم الأمم الكائنة بين الذين لم يرسل إليهم الأول، ولا أدركوا الثاني، كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى، ولا لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم ... ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة، علمنا أنهم غير معذبين) أي إن القول ببلوغ دعوة إبراهيم إليهم ينافي معنى الفترة، وأقول: بل ينافي قوله تعالى: {ما أنذر آباؤهم فهم غافلون}، وقوله سبحانه: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون}، ومخالف لقول النووي نفسه بأن من لم تبلغه الدعوة لا يعذب، ولقياسه أطفال المشركين على من لم تبلغه الدعوة في كونهم ناجين كما تقدم، ومخالف لقوله في الروضة (10/238): (لا يقاتل من لم تبلغه الدعوة حتى يدعوه) وهي مسألة اتفق عليها الأئمة الأربعة، وقد قال النووي نفسه في حديث مسلم برقم
(2661) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً“ (16/424)([3]) : (فيجب تأويله قطعاً... فيتأول على أن معناه: أن الله علم أنه لو بلغ لكان كافراً، لا أنه كافر في الحال، ولا يجري عليه في الحال أحكام الكفار)، وهذا تعليل لأن الخضر قتله بأمر الله، فكانت ثمرة ذلك أن يموت قبل سن التكليف، فلا يحاسب. وأما حديث مسلم برقم (976) في والدة النبي صلى الله عليه وسلم : ”استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي“ فقد قال السيوطي في كتابه الحاوي للفتاوي (2/394) بعد ذكر حديث ”إن أبي وأباك في النار“، وبعد ترجيح العمل بعموم قول الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} وغير ذلك من الأدلة، قال: (والحديث الصحيح إذا عارضه أدلة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله، وتقديم تلك الأدلة عليه، كما هو مقرر في الأصول، وبهذا الجواب الأخير يجاب عن حديث عدم الإذن في الاستغفار لأمه على أنه يمكن فيه دعوى عدم الملازمة) ثم فسر عدم الملازمة، والتفسير الأقرب مما ذكره هو أن عدم الإذن ليس لأنها كافرة، كما أن عدم الإذن له يوم القيامة في الشفاعة لكل من قال ”لا إله إلا الله“ ليس لأنهم كفار بدليل قول الله تعالى في الحديث: ”ليس ذلك إليك“ رواه مسلم برقم عام (193)، وضمن كتاب الإيمان برقم (326)، ومعنى ذلك أن شفاعته صلى الله عليه وسلم لأمته، أما الأمم الأخرى الذين لم يدركوا دعوته فهم في شفاعة الله عز وجل كما قال في الحديث نفسه : " هذه شفاعتي"، وأمه صلى الله عليه وسلم لم تدرك دعوته، فعسى أن تكون في شفاعة الله عز وجل إما لأنها من أهل التوحيد، وإما لأنها داخلة في عموم عفوه سبحانه عن أهل الفترة في قوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}.

وقد استدل السيوطي في الحاوي (2/368) على إيمان أصول النبي صلى الله عليه وسلم بحديث مسلم برقم (2276): ”إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم“، قال في
(2/370): (ومن المعلوم أن الخيرية والاصطفاء والاختيار من الله تعالى، والأفضلية عنده، لا تكون مع الشرك) قلت: أظنه أخذ ذلك من قول الله تعالى: {إنما المشركون نجس} فشتان ما بين النجاسة والاصطفاء الإلهي.

وأما الذين يرفضون هذا القول فيؤولون هذا الحديث ونحوه على معنى الاصطفاء في الصفات الإنسانية، والفضائل الخلقية من عقل وحكمة وإنصاف وشجاعة وجود، وكمال خلقة، لكن يقول لهم الأولون: إن من كان ذا عقل وحكمة وإنصاف تأبى شخصيته عبادة الأصنام، ويهديه عقله وحكمته وإنصافه إلى توحيد الله تعالى، أينصفون الناس ويعتدون بالشرك على حقوق رب العالمين؟!

الثناء على أصول المصطفى صلى الله عليه وسلم وتحريم شتمهم:

وينبغي أن يلاحظ كل إنسان أن الفريقين يتفقان على جلالة حظ ذلك النسب الشريف والأصل المنيف من الفضائل الإنسانية، والمحاسن الخلقية، والأصالة العرقية، التي تفهم من أن الله تعالى قد ”اصطفاهم“ فالثناء عليهم بهذا ثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتقاصهم انتقاص له صلى الله عليه وسلم فوق أنه بهتان وشتم أي واحد منهم شتم له صلى الله عليه وسلم، فالذين يقولون في الشتم ”لعن الله أبا فلان“ لا يفهم من عبارتهم إلا شتم الابن، لا كما زعم بعض أدعياء العلم أن من شتم والدي النبي صلى الله عليه وسلم لا شيء عليه؛ لأنه شتم ناساً من أهل الشرك ـ حسب قول الذين يرونهم مشركين ـ فهذا خلط بين المفاهيم والموازين؛ إذ لو سلم لهم أنهم مشركون فالملاحظ في الشتم كونه إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد برقم (18209) والترمذي برقم (1982): ”لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء“ وفيما رواه الحاكم في المستدرك (1/385) وقال: صحيح الإسناد، وسكت عليه الذهبي: ”لا تؤذوا مسلماً بشتم كافر“ وقال الله تعالى: {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم}، فلو افترضنا أنهم كفار لما كان شتمهم جائزاً لما فيه من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك إذا اعتمدنا على القول بأنهم يمتحنون يوم القيامة، كما يأتي عن البيهقي بعد قليل؛ لأنه يقتضي ألا يكونوا الآن بحكم الكفار الذين يجوز لعنهم؛ إذ إن نهايتهم تعرف بعد امتحانهم يوم القيامة.

وإذا كان الثناء عليهم ثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم فالكتب التي تؤلف في ذكر فضائلهم وماحسنهم هي بيان لطيب أصله صلى الله عليه وسلم، وذلك من دلائل النبوة، كما سأل هرقل أبا سفيان عن نسب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ”كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب ـ يعني ذا نسب طيب كريم ـ قال هرقل: وكذلك الرسل تبعث في أنساب قومهما“ وذلك مروي في صحيح البخاري برقم (7)، والاهتمام بدلائل النبوة باب من أبواب الدعوة إلى الحق، تتابع عليه السابقون وصدروا به كتب السيرة النبوية، وأفرده بعضهم بالتأليف، جزاهم الله خيراً.

وختاماً أعود للقول بأني لم أرد بهذا الذي قلته انتقاص قول في المسألة أو ترجيح قول على قول، وإن كنت ممن يأخذ بقول نجاة والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولو أردت ذلك لكان علي أن أعرض جميع الأدلة المختلفة، وأوازن بينها حسب قواعد الأصول من استنباط وترجيح، وأذكر دليل كل ترجيح، ودليل كل تضعيف، وذلك يحتاج إلى توسع في التأليف، ولا تحتمل ذلك هذه الرسالة، وقد سبق إلى ذلك الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالة سماها ”مسالك الحنفا في والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم “ لكن السيوطي وكل من كتب فيما يوافقه أو يخالفه لا يزيد على أن يكون رقماً يضاف إلى هذه القائمة أو تلك من الفرق المختلفة، فالمسائل الاجتهادية لا يمكن لأحد أن يصل فيها إلى نتيجة قاطعة، وإلا لما كانت اجتهادية، والمرجو للجميع أن يكونوا مخلصين فيما يذهبون إليه، فيفوزوا بأجرين أو بأجر واحد يوم القيامة.

وختاماً أذكر بأن في المسألة مذهباً يقول بأن أهل الفترة، ومن لا يسمع، ومن لا يعقل، ومن لم تبلغه الدعوة، يمتحنون يوم القيامة، فيكون مصير كل منهم بحسب جوابه، ورد عليهم الذين ذهبوا إلى نجاة الجميع بأن الآية أقوى من الأحاديث المروية في ذلك، وأن تلك الأحاديث تعارض الآيات التي توجب أن يكون الإيمان بالغيب لا بالشهادة، وأمور الاعتقاد يوم القيامة مشهودة كلها، لكن الحافظ ابن حجر قال في فتح الباري (3/290): (وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في كتاب الاعتقاد أنه المذهب الصحيح) لكن صحة السند لا تمنع ترجيح الدلة الأخرى على هذه الطرق الصحيحة، لاسيما قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}.

ونقل عنه السيوطي أنه قال في غير فتح الباري تعليقاً على حديث الامتحان: (ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته فيمن يدخلها طائعاً فينجو).

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآل بيته وأصحابه وورثته أجمعين.

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) قلت: هذا كلام أهل التحقيق، فقد اختصر حاله في التقريب بقوله: ”صدوق له مناكير“ ومثله يحسن الأئمة حديثه، وقد اختلف فيه قول النسائي، فضعفه في السنن، وقال في التمييز: لابأس به، وقال الدارقطني: صالح، وقال البخاري وابن يونس: عنده مناكير، وهي عبارة لا تدل على غلبة المناكير حتى تجعل تضعيفاً، بل إن الأزدي حين قال عنه: ضعيف الحديث، أتبع ذلك بقوله: ”عنده مناكير“ وابن حبان قال: يخطئ كثيراً، لكن ذكره في الثقات، وليس لأحد ان يلزم غيره الأخذ بقول الذين ضعفوه.

([2]) وقع في المطبوع من كلام السيوطي خلل أصلحته مما نقله عنه السندي في حاشيته، وإن كان المعنى فيهما واحداً.

([3]) طبع دار المعرفة بيروت.