آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   الحديث الشريف وعلومه
رد الشبهات عن منهج رواية الحديث الشريف



مرات القراءة:3646    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

رد الشبهات عن منهج رواية الحديث الشريف

د: محمود أحمد الزين

 

التعريف بالبحث

يتكرر في الكتب الإسلامية أن حديث الآحاد (ظني الثبوت)، ولأجل ذلك قال المحدثون: إنه إذا خالف صريح العقل فهو موضوع، واشتبهت فكرة (الظن) على بعض الفئات قديماً وحديثاً، فرفضوا الحديث كله بزعم أنه موضع شبهة، وأن في القرآن عنه غنية، كما اشتبهت فكرة رد الحديث المعارض لصريح العقل على آخرين، فرفضوا منه ما خالف آراءهم النظرية.

وجاء في عصرنا من يرفضه إذا خالف أي شيء من معلوماته ولو أوهاماً، وأزعجت هذه الأقوال آخرين فزعموا أنه قطعي الثبوت دائماً.

وبين هذه الفئات توسط جمهور العلماء فقالوا: إنه راجح الثبوت، غير قاطع حتى يتواتر، أو تحف به قرائن تجعله قاطعاً، واختلفوا في هذا المحفوف بالقرائن، والحال يقتضي توضيح حقائق الموضوع وأدلته، لدفع الشبهات، وتقديم أرجح الأقوال، وتيسير ذلك قدر الإمكان بإيجاز، وهو ما حاولتُ تقديمه مستعيناً بالله تعالى.


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

ترددت في كتب قواعد الحديث وكتب الأصول وغيرهما فكرة أن الحديث غير المتواتر ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتاً ظنياً، وكلمة ((الـظن)) مصطلح يعني في العلوم الإسلامية ((الحكم الراجح)) ونشأت عن ذلك إشكالات قديمة وحديثة، بعضها يقول: لا يجوز أخذ الأحكام من الحديث؛ لأنه ظني، والقرآن الكريم يقول: إن الظن لايغني من الحق شيئاً [النجم:28] وظهر في عصرنا أقوام سموا أنفسهم القرآنيين، وآخرون اتكؤوا على هذه الفكرة بسوء نية؛ ليتخلصوا من تفصيلات الأحكام الشرعية؛ لأن أكثرها جاء في الأحاديث، وما ذلك منهم إلا مقدمة لرفض الأحكام القرآنية بطرق التأويل، الذي يتجاوز كل الحدود والقواعد المعروفة عند علماء الأمة سلفاً وخلفاً.

وبعضها يقول: إن الظن رجحان، وعليه تقوم أكثر شؤون الحياة وأكثر أحكام الشرع، فلابد من الاعتماد عليه في الحديث، فنقبله ونعمل به، غير أنا نـرفضه إذا خالف العقل؛ لأن العقل دليل قاطع، ولا يمكن أن يقبل دليل راجح يعارضه دليل قاطع كالمعتـزلة، وتوسع بعض العصريين بسذاجة، أو بسوء نية، فجعل كل المعلومات التي تدرس في الجامعات - ولاسيما النظريات القادمة من الغرب - أدلة قاطعة، وردوا ما خالفها من الأحاديث، واتكأ هؤلاء على أن المحدثين يقولون: ))إن من علامة وضع الحديث أن يخالف العقل((، وأن ))المعتـزلة ردوا كثيراً من الأحاديث؛ لأنها خالفت العقل(( وليس لأحد أن يمنع الناس من تبني آرائهم كأن القضية عند هؤلاء قضية حرية لا قضية علم وأدلة.

بل أوغل بعض آخر في تلك الفكرة، حتى زعم أن كل المعاملات من تجارة وسياسة وعلاقات اجتماعية إنما هي من أمور الدنيا، ولا يجب الأخذ فيها بالأحاديث النبوية أصلاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ))أنتم أعلم بأمر دنياكم(( وهو إنما يتكلم في هذه الأمور بحسب ظنه الذي يناسب عصره لا بوحي الله، ووقف آخرون ضد إمكانية الظن في الحديث، فزعموا أن الحديث إذا صح سنده فهو قاطع الثبوت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام والعقائد سواء، وهم اليوم كثيرون وأصواتهم مرتفعة، بل هم يهاجمون من لا يقول برأيهم، ويعدونه من أعداء السنة النبوية.

وقد أدت هذه الاتجاهات والاختلافات إلى صدام كبير بين المسلمين قديماً وحديثاً، ومن حق العلم على كل باحث، ومن حق الأمة على أبنائها الباحثين أن يساهم كل منهم في كف هذا الصدام، أو التخفيف منه قدر استطاعته، وكاتب هذا البحث يرى أن ذلك الخلاف العلمي أو الفكري كان أساساً لهذا الصدام، وأن كثيراً من ذلك الخلاف - إذا خلا عن سوء النية والغش في العلم - مرده إلى غموض في فهم الكثيرين لهذا الاصطلاح ))الظن(( وغموض في فهم مضموناته وتفصيلاته وتطبيقاته في القواعد الحديثية، والأصولية، والاعتقادية، وغيرها من العلوم الإسلامية - وقد قام علماؤنا السابقون بجهد موفور مشكور في هذا الباب أدى إلى إزالة الغموض، وإلى فض كثير من الخصام بذلك، وقد جدَّت في عصرنا أمور كثيرة أهمها: بُعْدُ الأمة - حتى بعض أهل العلم - عن تلك الكتب، وصارت لغة تلك الكتب وأساليبها غريبة عليهم، فعاد الغموض من جديد، فأحب صاحب هذا البحث أن يكتب بحوثاً تـزيل هذا الغموض أو كثيراً منه، أو تساعد على ذلك قدر الإمكان:

أولها: الظن في معاجم العربية واستعمالات القرآن والحديث وقد تمت كتابته لكنه لم ينشر بعد.

وثانيها: الظن في قواعد علم الحديث وقد نشر جزء منه في مجلة الأحمدية - العدد الرابع - بعنوان : حديث الآحاد الصحيح بين العلم القاطع والظن الراجح-كانت وجهته إلى عرض الأقوال وتوضيحها ومقارنة الأدلة المختلفة، وانتهى إلى أن أكابر من نسبت إليهم فكرة القطع قد صرحوا بخلافها، إلا ابن حزم، ولكنه أبان عن أن قصده بالقطع غير الاصطلاح المعروف، وكان من حق هذا القسم أن ينشر مع أصله الذي أخذ منه، وهو هذا البحث، ولكن شدة الحاجة إليه دعت إلى التعجيل بنشره في ذلك الحين. ولا ريب أنه لو بقي مع إخوته وفي سياقه من هذا البحث لكان يزداد وضوحاً ويتم به البحث.

وهذا البحث بدأته بفصل أوله: شرح مبسط لاصطلاحات (الظن، والقطع، والشك، والوهم) وأتبعت ذلك بشرح مبسط حاولت أن أشرح فيه أساسيات قواعد رواية الحديث، وكيف يحصل الظن واليقين فيها، وكيف تتعاضد الروايات الصحيحة، فتكون متواترة تفيد اليقين الضروري، أو تكون دون ذلك فتفيد اليقين النظري، وبينت الخلاف في النظري، ولأجل هذا الخلاف جعلته من مباحث الظن، كما بينت كيف تتعاضد الروايات الضعيفة فترتقي إلى القبول، وقد أردت أن أبسطه أكثر ما أمكنني التبسيط؛ لأن هذه القضية دخل في مناقشتها ناس لم تكن لهم مشاركة في دراسة علوم الحديث، فكان الغموض عندهم أكثر، والخلل الناشئ عنه أكثر، وهم لا يمكنهم اليوم أن يمارسوا تلك الكتب، ولا أن يدققوا النظر في مصطلحاتها ومضموناتها، ولا ينفع في محاورتهم أن نكلمهم بحسب تلك المصطلحات والأساليب العلمية.

وعرضت في الفصل الثاني: أول القضايا الخلافية في موضوع الظن، وفيها اختلاف عبارات الحافظ ابن حجر، وحقيقة رأيه في أنواع الحديث الثلاثة التي تفيد القطع النظري: هل يعني به اليقين النظري؟ أو يراها تظل في نطاق الظن الراجح - مهما قوي الرجحان فيها - وناقشت رأيه في ذلك هو ومن وافقوه، ونبهت إلى أن هذا الموضوع أوسع من موضوع إفادة أحاديث البخاري ومسلم القطع، وإلى أن الحافظ ابن حجر يرى الكفتين قريبتين من الاستواء، ولذا سمى ما رجحه (الرأي المختار).

ثم كان الفصل الثالث: وفيه عرضت رأي منكري السنة إجمالاً، حتى المتواتر من الروايات - وهذا رأي قديم ينسب إلى الخوارج - وقد عرضه الشافعي، وعرض حجة أصحابه مفصلة، وأساسها أننا نستغني عن السنة بالقرآن؛ لأنه يقين، وهي ظنون تحتمل الخطأ، وناقشه وألزم، الذين رآهم من أهله، بالرجوع إلى قبول المتواتر والآحاد من السنن، وبسطت ما كان غامضاً من هذا الحوار؛ ليكون قريباً من إدراك القارئ المعاصر، فيجد فيه قوة على محاجة الذين ينكرون السنة في عصرنا الحاضر.

ثم أتبعت ذلك بفصل رابع مطوّل قسمته إلى ثلاثة مباحث:

أولها: فصلت فيه موقف المحدثين من تعارض الحديث مع العقل، وماذا يعنون بقولهم: }من علامة الحديث الموضوع مخالفته للعقل{ وناقشت الذين اتخذوا ذلك ذريعة لرد الأحاديث التي تخالف آراءهم، ومعلوماتهم السابقة بادعائهم أنها هي الدليل العقلي القاطع.

والمبحث الثاني: جعلته لقواعد علوم الحديث عند المعتـزلة؛ لأن بعض المعاصرين يزعمون أن موقف المعتـزلة هو رد أحاديث الآحاد مطلقاً إذا عارضت العقل، وبينت أن موقف المعتـزلة - من حيث القواعد - لا يختلف كثيراً عن أهل السنة، وأن الاختلاف بينهما في التطبيق العملي في مباحث العقيدة، حيث يرى المعتـزلة أن العقل دليل عقلي قاطع، ويبالغون في ذلك فيدعونه ذلك في العقليات الظنية المختلف عليها حتى بين علمائهم.

وخصصت المبحث الثالث لمثال عملي من المسائل الاعتقادية، التي زعموا فيها أن العقل يحكم بغير ما جاء في أحاديث الآحاد، وهي مسألة }رؤية العباد ربهم عز وجل يوم القيامة{، وهي من مباحث العقيدة، ومكانها كتب العقيدة، إلا أني وجدت أنها أقوى مثال يتضح فيه خلل هذا المنهج، وشرحتها بتفصيل لبيان أن ما زعموه دليلاً عقلياً قاطعاً ما هو إلا دلالة ظنية اختلفوا فيما بينهم عليها، وأثبت تطور العلوم التجريبية فساد عدد منها، والأدلة العقلية الظنية لا تصلح أن تكون ميزاناً للروايات الحديثية - وإن كانت ظنية - وقد يلحظ القارئ في هذا المبحث غموضاً لم أتمكن من توضيحه أكثر مما فعلت؛ لطغيان الطبيعة الفلسفية على كتابات المعتـزلة، وصعوبة مناقشتها إلا بمنهج يقارب منهجهم.

وقد بقي من متممات قضايا الظن بحثان:

أحدهما: الظن وضوابطه عند علماء أصول الفقه، وقد شرعت فيه، فأسأل الله إتمامه.

وثانيهما: الأدلة الظنية في مباحث الاعتقاد، وقد جمعت بعض مادته، فأسأل الله أن ييسر كتابته، وهو سبحانه ولي التوفيق.


* * *

الفصل الأول

قواعد الرواية الحديثية بين اليقين والظن

إيضاح ودفع أوهام

الظن في قواعد علوم الحديث مبحث واسع في شموله لقضايا متنوعة، وللخلافات التي نشأت حول تلك القضايا، ولا يستغني الباحث في ذلك عن العودة إلى الحديث عن الظن من حيث إنه حكم عقلي، ومن حيث بيان مرتبته بين الأحكام العقلية، ومن حيث كونه اصطلاحاً علمياً يدل على ذلك المعنى، وهو أمر ضروري لشدة ارتباطه بمعرفة درجات الحديث، والخلاف حول تلك الدرجات.

ومن المعلوم بداهة عند كل ذي علم أن حكم الإنسان على شيء بالنفي أو الإثبات له عنده درجات في قوة الإثبات واحتماله للخطأ.

الدرجة الأولى: أن يكون الإنسان قاطعاً في حكمه، بحيث لا يكون عنده أقل احتمال لنفي ما أثبت، أو إثبات ما نفى، وهذا القطع نوعان بحسب الوضوح والحاجة إلى الاستدلال:

النوع الأول: أحكام ضرورية، أي يضطر الإنسان إلى قبولها، ولا يجد في نفسه إمكانية عدم القبول كالأحكام الحسية، أي التي تدرك بواسطة إحدى الحواس الخمس، مثل قولنا: النار محرقة، وهذا الدواء مروكالأحكام البدهية المستقرة في كل العقول بلا خلاف، فهي في قوة الحسية من نحو قولنا: الواحد نصف الإثنين، والإثبات والنفي نقيضان لا يجتمعان.

النوع الثاني: أحكام نظرية، أي لا يصل الإنسان إلى القطع بإثباتها أو نفيها إلا بعد النظر العقلي فيها، كمسائل الحساب المطولة، وبعض الأحكام المنطقية من نحو قولنا: الحكم على الكلي حكم على كل فرد من أفراده

وهذه الدرجة من العلم بنوعيها هي العلم الواقعي، أي الذي تدرك به حقيقة الشيء على ما هي في الواقع، والعلماء يعرفون العلم بناءً على ذلك: بأنه إدراك الشيء على ما هو به في الواقع لما يوجب ذلك من اضطرار أو دليل.

أما النوع الأول: فلا يقبل الاختلاف إطلاقاً؛ إذ لا يمكن وقوع الخطأ فيما تدركه الحواس، أو تدركه بداهة الإنسان أياً كان.

والنوع الثاني: لا يقبل الخطأ إلا إذا لم يعط حقه من النظر، وهو إذا لم يعط حقه يحتمل الاختلاف.

والدرجة الثانية: أن يترجح عنده الحكم بالنفي أو الإثبات، فيحكم به، لكن عنده بعض التردد فيه، ومهما زاد التردد لا يبلغ درجة يتعادل فيه النفي والإثبات، ويمكن عنده - لو توفرت أدلة تنقض الحكم الأول وتثبت خلافه - أن ينقض ويحكم بخلافه.

والدرجة الثالثة: أن يستوي عنده النفي والإثبات، بحيث تتعادل أدلتهما، فلا يترجح أحدهما على الآخر.

والدرجة الرابعة: هي المعاكسة للدرجة الثانية، وذلك أنه إذا ترجح عنده الإثبات مثلاً يكون النفي مرجوحاً، وأدلته أضعف من أدلة الإثبات، فهو يحتمل - لو توفرت الأدلة - أن يحكم به.

وهذا التقسيم للإدراك إلى درجاته الأربع حقيقة واقعة يدركها كل إنسان، ويشعر بها شعوراً لا يتردد فيه - وإن تردد في التعبير عنه - فهو من ضرورات العقول.

أما تسمية كل واحدة من هذه الدرجات باسم خاص بها يميزها عن أخواتها فذاك أمر يخص اللغة، واصطلاحات العلوم، فيذكر هنا الاصطلاح - إن شاء الله تعالى -.

وقد اصطلح العلماء على أن يطلقوا على الدرجة الأولى بنوعيها لفظ (العلم) وربما وصفوه عند استعماله في الكلام فقالوا:(العلم القاطع أو العلم اليقيني) دفعاً للالتباس، لا تغييراً للمعنى، وقد كان الشافعي - رحمه الله - يسميه (العلم بإحاطة)(1).

وأطلقوا على الدرجة الثانية لفظ (الظن) وربما وصفوه عند استعمال اللفظ فقالوا: (الظن الراجح، أو الغالب) زيادة في التوضيح، لا تغييراً للمعنى، وإذا عبروا عن هذه الدرجة بلفظ }العلم{ جرياً على الاستعمال اللغوي الأصلي جعلوا في الكلام أوسياقه حينئذ دليلاً على أنهم يريدون به الرجحان، لا اليقين القاطع.

وأطلقوا على الدرجة الثالثة لفظ }الشك{، وعلى الرابعة لفظ }الوهم، أو التوهم{.

والرواية في الحقيقة ما هي إلا حكم من الأحكام؛ إذ المخبر يحكم بثبوت الخبر، فيقبل السامع هذا الحكم، أو يرده بعد النظر والتفكر فيه، حسب ما يرى من الأدلة على القبول أو الرد، ولذلك قال العلماء: }كل خبر يحتمل الصدق والكذب لذاته{ يعني قبل النظر في الأدلة، فهو حينئذ في درجة الشك، ثم الأدلة إما أن ترفعه إلى درجة رجحان القبول، أو القطع به، وإما أن تنـزله إلى درجة رجحان الرد، أو القطع به، فدرجاته بهذا الاعتبار خمس، وهذا التقسيم شائع في الواقع العملي عند الناس، وذلك لأن قواعد قبول الأخبار وردها موجودة أساسياتها في العقل الفطري لكل إنسان صغير أو كبير، إنما يختلف الناس في تفاصيلها، أو فيما زاد عليها، وفي ضوابطها، وفي إعطاء تلك القواعد حقها عند العلم بها، فمن الناس من لا يستوثق من توفر شروط الرواية، بل يتقبلها لموافقتها ما يحب، ومنهم من يتشدد في الرفض لمخالفتها ما يحب، أما الأساسيات فلا تحتمل خلافاً، كما يظهر من النظر اليسير فيها، والسبب في أن هذه القواعد الأساسية مترسخة في عقل كل إنسان، وأنه يتعامل بها مع الأخبار تعاملاً طبيعياً غير محتاج للدراسة؛ أن الإنسان بطبعه لا يمكن أن يستغني عن الأخبار في واقع حياته، فكلما جاءه خبر نظر إليه من خلال هذه القواعد، وإذا وجدنا من يزعم أنه يستغني عن الأخبار فزعمه باطل، لا يستند إلى شيء من الواقع، إنما هو يستغني عن الأخبار التي لا تهمه، أو لا توافق رغباته، فمثلاً نجد إنساناً لا يهتم بأخبار الطب؛ لأنه صحيح البدن لكنه حين يمرض يسارع إلى الطبيب، والطبيب حين يصف له الدواء ما هو إلا مخبر بأن هذا الدواء مفيد، عرف فائدته بتجربته، أو بتجربة غيره من الأطباء قبله من معاصريه أو من سابقيه، ثم إذا لم يستفد من هذا الدواء مرة بعد مرة نجده يشك في علم هذا الطبيب، أي بصحة خبره عن فائدة الدواء، لكن إذا جاءه من يخبره أنه جرب التداوي عند هذا الطبيب لنفس المرض فعوفي بعد مدة أكثر من المدة التي جربها هذا فإن شكه يتراجع، فإذا كثر المخبرون بذلك وكانوا موثوقين عنده زال عنه الشك أو كاد، فإن لم يجد أحداً من الذين سبق لهم العلاج عند هذا الطبيب - مع هذا الشك الذي وقع في نفسه - فإنه يتحول إلى طبيب آخر ليجد عند الآخر ما فقده عند الأول، والثاني كذلك إما أن ينقض خبر الأول، أو يؤيده بإعادة الدواء نفسه، فيزداد شكه قوة بالنقض، ويضعف شكه أو يزول بالتأييد،حتى إذا كثر تردده على أطباء آخرين - وكلهم يعطيه الدواء نفسه - اطمأن إلى صحة الدواء، واطمأن إلى أن السبب في عدم استفادته ليس من الدواء، بل من المرض الذي استحكم فاستعصى على التداوي.

وأمور الحياة الإنسانية كلها كذلك، والناظر في هذا المثال وغيره يجد أن الخبر يتراوح بين الوهم والشك، والظن، واليقين، والإنسان يرغب أن يعتمد على الأخبار اليقينية لو أمكن ذلك، لكنه غير ممكن دائماً، فتراه يعتمد على الأخبار الراجحة، كما سبق في هذا المثال وإذا لم يجد الراجحة جمع الأخبار المشكوك فيها إلى بعضها حتى تترجح.

وأحاول هنا - إن شاء الله - توضيح الأساسيات من قواعد رواية الحديث الشريف بأكبر قدر يمكنني من التيسير والتبسيط، قبل ذكر نصوص العلماء فيها؛ لأن قضية »الظن« في الروايات أثيرت فيها إشكالات من غير أهل الاختصاص أو منهم، لكن لم يدرك بعض الناس أقوالهم على حقيقتها لعدم تعمقهم فيها، فهذا التوضيح من شأنه أن يسهل البحث والمناقشة -إن شاء الله-.

فلنفرض أننا أخبرنا إنساناً - ولو جاهلاً أو طفلاً لا يتجاوز العاشرة وهما طبيعيان ليسا من أهل الغباء - بخبر يخالف العقل فقلنا مثلاً عن شخص كان حاضراً عنده قبل قليل: إنه مات بالأمس رفضه رفضاً لا تردد فيه، وهذا الرفض مبني على شرط من شروط الرواية معلوم في فطرة الإنسان أكد عليه علماء الحديث(2)، وهو }أن يكون الخبر ممكناً وقوعه عقلاً{ وجعلوا مخالفته للعقل علامة ودليلاً على أنه مكذوب عمداً أو سهواً، ثم يختلف الناس - حتى أهل العلم أحياناً- في تفسير مخالفة العقل وموازين ذلك، ويأتي توضيح بعض مهماته عند مناقشة الخلافات المتعلقة منه بقضية الظن - إن شاء الله - وقاعدته الأصلية: أن المحدثين يردون الرواية إذا خالفت صريح العقل، لا بمجرد مخالفة القواعد العقلية التي يختلف الناس عليها.

وحين يسمع أي إنسان خبراً من شخص جرب عليه الكذب يغلب على ظنه أن هذا الخبر كاذب؛ لأن من تكرر منه الكذب لا يثق الناس به ومثله فاسد السلوك، وإن كان يمكن وقوع الخبر، ويمكن أن يصدق الكاذب، أما إذا كان يعرفه صادقاً فإنه يتقبل الخبر؛ لأنه يستبعد الكذب منه، وإن كان غير مستحيل أن يكذب الصادق بسبب الخوف مثلاً، وهذا مبني على شرط آخر من شروط رواية الأخبار الموثوقة يشترطه كل الناس، وقد أكد عليه علماء الحديث، وهو }صدق الراوي{، وإن اختلف الناس والعلماء في كيفية التثبت من وجود الصدق في الراوي.

وحتى حين يكون المخبر معروفاً عند سامعه بالصدق التام يرفض خبره إذا كان يعرفه طائشاً قليل التفهم والانتباه لما يسمع ويرى، أو على الأقل يتردد في قبول الخبر، ولا يقبل خبره إلا إذا عرفه بعكس ذلك، وكلما كان فهمه وانتباهه أكثر كان القبول أكبر، وهذا شرط آخر ذكره علماء الحديث، وسموه }الضبط{ وقسموه إلى نوعين: ضبط بواسطة الكتابة، وضبط بواسطة حفظ الصدر.

وحين يستغرب الإنسان - أيُّ إنسانٍ - خبراً نجده يتوثق من المخبر - بعد معرفة صدقه وضبطه- فيسأله: هل سمعت هذا، أو رأيته بنفسك، فإن قال: نعم تقبله منه، وإن قال: سمعت الناس يذكرون ذلك، ولم يعرف المخبر تحديداً تردد في القبول، وربما رفض الخبر أصلاً، وهذا الشرط نبه إليه علماء الحديث، وسموه }اتصال السند{ وأهمية هذا الشرط معلومة لدى كل إنسان، وإن كان الناس يختلفون في الانتباه إليها كثيراً، أو يختلفون في كيفية التحقق المحدد من وجوده في الرواية.

وأكثر ما يقع الشك في الرواية حين يسمع الإنسان الخبر من جهتين متناقضاً: هذا يثبته، وهذا ينفيه، لكنه لا يرفضه مباشرة، لاسيما إذا كان محتاجاً عند سماعه إلى الاعتماد عليه، فهو حينئذ يجهد نفسه في الموازنة بينهما من حيث المعقولية، والصدق، والضبط، وعدد المخبرين، حتى يطمئن إلى إحدى الجهتين فيأخذ بروايتها؛ لأن تلك الصفات فيها أقوى، ولأن احتمال الخطأ عندها أقل، وهذا مبني على شرط مهم اعتمده علماء الحديث هو }ألا يخالف الراوي من هو أوثق منه{ فإن خالف سموا حديثه }شاذا{.

ومحاولة الإنسان أن يتوثق من الخبر بواسطة هذه الشروط تدل على أن الأخبار عنده في الأصل لا تخلو من التردد في قبولها، مهما قل هذا التردد، أو كان خفياً حتى على صاحبه، فنجد الإنسان مثلاً يأتيه الخبر من صاحب له - وهو عنده ممكن وقوعه عقلاً، وراويه موثوق عنده صدقاً وضبطاً ومباشرة للخبر من قائله أتم الثقة - فلا يشعر بشيء من التردد في قبوله، وربما حكم بثبوته قطعاً، لكنه إذا جاءه أصحاب له أكثر عدداً - مع تمام الصدق والضبط ومباشرة المخبر- يظهر عليه التردد في خبر صاحبه الأول، ولعله يجزم بأنه أخطأ، ويقول: أخطأ هذه المرة على خلاف عادته، وبهذا يظهر أن خبر الواحد مهما عظمت الثقة به يظل في حقيقة الأمر علماً ظنياً راجحاً غير قاطع، حتى تأتي معه أدلة أخرى تصل به إلى درجة اليقين القاطع، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

وهذا الرجحان تتفاوت درجاته حسب قوة كل من هذه الشروط، أو قوتها جميعاً، فالذي يكون في أعلى الدرجات من تلك الشروط حديثه أوثق ممن قل نصيبه منها، وكلاهما في نطاق الرجحان، فأما إن تساوى ضعف الآخر فيها مع القوة، أي إن كان احتمال الخطأ عنده يساوي احتمال الصواب تغير حال روايته، فصارت موقوفة لا تقبل ولا ترد، فإذا زاد احتمال الخطأ زيادة عظيمة كرواية الكذاب، وفاحش الخطأ الذي لا يدري ما يقول أصبح الرد قاطعاً، أو كاد، ويكون الرد قاطعاً تماماً حين يخالف مع ذلك قواطع الأدلة، وأما إذا بقي الراوي في حيز استواء الخطأ والصواب، أو زيادة الخطأ على الصواب زيادة قليلة، فإن أمثال هذا إذا تعاضدت رواياتهم، وأيد بعضها بعضاً ارتفعت إلى درجة الرجحان والقبول المعبر عنها بالظن، هكذا يفعل كل ناظر في الأخبار بعقل وعلم.

وقد أوجز الحافظ ابن حجر - رحمه الله - تلك الشروط، وأثر تفاوتها على الخبر المروي بها، فقال في نخبة الفكر(3): }وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل، ولا شاذ هو الصحيح لذاته، وتتفاوت رتبه بتفاوت هذه الأوصاف... فإن خف الضبط فالحسن لذاته، وبكثرة طرقه يصحح...{.

ثم ذكر - رحمه الله - أسباب الطعن في الراوي، وبين ما يصلح للجبر منها بروايته من طريق آخر ضعيف في مثل درجته من الضعف أو قريب منها، فذكر - من الصالح للجبر، وهو المهم هنا - السيئَ الحفظ، ويعنون به من لم يشتد ضعفه في الحفظ، وذكر المستورَ، ويعنون به من كان ظاهر حاله الصدق والحفظ وعدم المخالفة، وذكر الرواية المرسلة، وهي أن يقول التابعي: }قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { دون ذكر الواسطة، وذكر رواية المدلس، وهو الذي لا يصرح باتصال السند، ويكون كلامه محتملاً للاتصال والانقطاع، وقد علم من حاله أنه يروي بهذه الطريقة ما لم يتصل، ثم بين - رحمه الله - أن رواية هؤلاء ضعفها غير شديد، وأنها قابلة للتقوية إذا تابع راويها راو آخر مثله أو قريب منه، وكان ممن تعتبر روايتهم ولا تهمل، فقال(4): }ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر - وكذا المستور والمرسل والمدلس - صار حديثهم حسناً لا لذاته، بل بالمجموع{.

وتقوية بعض الروايات ببعض من الأمور المتفق عليها بين الناس ببداهة العقل، ولها أثر واضح على رواية أكبر الثقات الذين تم صدقهم وضبطهم واتصال روايتهم، وعلى رواية أقلهم في تلك الصفات، بل على الضعفاء، وعلى الكذابين.

وتوضيح ذلك من أهم المهمات لأن كثيراً من الاشكالات وبعضاً من الخلافات نشأ من غموض هذه المسألة عند بعضهم، ومن أشهرها مسألة الحديث المحفوف بالقرائن، هل يفيد اليقين النظري؟.

وقد مر بيان تقوية الروايات ببعضها، وأنه أمر بدهي، والمراد هنا بيان كيفية حصول ذلك، وارتقاء الخبر من درجة الرجحان إلى اليقين القاطع.

ولنأخذ - كمثل من شروط الرواية - صفة الحفظ، فإنها تتفاوت كثيراً بين من يكاد لا ينسى شيئاً، لقوة ذاكرته، أو كثرة مراجعته لما حفظ، وبين من ينسى القليل النادر، وبين من ينسى أكثر من ذلك، لكن يظل صوابه راجحاً، وكذلك يتفاوت ضعفها بين من يستوي حفظه ونسيانه وبين من يرجح نسيانه، وبين من لا يمسك ذهنه إلا القليل النادر، فيكون من كثرة الخطأ كالكذاب، ويتفاوت أثر تقوية بعض الروايات ببعض حسب درجة حفظ الراوي.

ويتضح ذلك إذا قدرنا الحفظ بنسبة مئوية لتقريب الفكرة، لا لإثبات أن ذلك واقع عند المحدثين، فمثل هذا الأمر يأبى أن ينحصر في أرقام معينة، ولنأخذ مثالاً من الواقع لقوة الحفظ، هو الإمام البخاري - رضي الله عنه - في كتابه }الجامع الصحيح{ فإنه روى فيه (2602) ألفين وستمائة حديث وحديثين(5) بحذف المكرر، انتقد عليه مائة وعشرة أحاديث(6) منها، وعند المناقشة العلمية المدققة تبين أن الانتقاد فيه تشدد غير واقعي، وأن الصواب في الأكثرية الساحقة مع البخاري(7)، لكن لو افترضنا أن الانتقاد كله صحيح، وافترضنا أن الخطأ كله في حفظ البخاري لكانت نسبة الخطأ (2600/110) وهي تساوي (100/4) تقريباً فإذا عرفنا أن الذي ترجح فيه خطأ البخاري أقل من عشر(8) هذا العدد تبين لنا أن نسبة الخطأ (1000/4) لا من مائة، وكذلك يقدر حفظ الإمام مالك وأحمد وأمثالهما.

ويسمي علماء الحديث هؤلاء الرواة ومن قاربهم بالأئمة الحفاظ، ومن اطلع على أحوالهم في التوثق عند الرواية عرف أن احتمال الخطأ عندهم أقل مما تقدم ذكره كثيراً في أول التقدير، وكذلك كانوا في سائر شروط الرواية.

وحين يروي أحدهم حديثاً يكون احتمال الخطأ المقدر بأربعة قد عارضه احتمال صواب مقدر بستة وتسعين، يعني أن احتمال الصواب يتفوق على احتمال الخطأ بأربعة وعشرين ضعفاً.

ولا شك في رجحان الصواب حينئذ رجحاناً ساحقاً يجعل احتمال الخطأ جديراً بعدم الالتفات، إلا إذا تقوى بالاتفاق أو غيره من الأدلة، وحين يوافقه على روايته ثقة آخر من الرواة يكون احتمال الخطأ قد عارضه احتمال صواب آخر، هو مثل الأول، أو قريب منه، أي تضاعفت قوة احتمال الصواب أو قاربت.

والناظر في هذا الأمر حسب قواعد العقل الإنساني وموقفه من الأخبار يدرك أنه يستحيل في المعتاد من طبيعة الوقائع الإنسانية أن يقع الخطأ في هذا الخبر، ويدرك أنه صحيح يقيناً، كما لو جاءنا إنسان بخبر، وعارضه فيه ثمانية وأربعون إنساناً كلهم من الثقات الضابطين.

ويسمي العلماء هذا الحديث عزيزاً لتعزّزه، أي تقويته بمجيئه من طريقين، ومسلسلاً بالأئمة الحفاظ؛ لأن رواته في كل طبقة، كذلك قال ابن حجر: }وقد يقع فيها أي في أخبار الآحاد... ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار... ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريباً كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلاً، ويشاركه فيه غيره عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم، ولا يتشكك من له أدنى ممارسة بالعلم وأخبار الناس أن مالكاً لو شافهه بخبر أنه صادق فيه، فإذا انضاف إليه من هو في تلك الدرجة ازداد قوة وبعد ما يخشى من السهو{(9).

وحين تقل درجة الراوي عن هؤلاء الأئمة قليلاً، فيكون من الثقات الذين لا ضعف فيهم، ولم يبلغوا درجة الأئمة الحفاظ فإن احتمال الخطأ يزيد قليلاً، ولنفرض أنه يكون عشرة من مائة، يعارضه احتمال صواب قدره تسعون من مائة، أي تسعة أضعافه، وهو احتمال راجح رجحاناً كبيراً، لكنه ليس في قوة الأول؛ ولذلك تشدد المحدثون ههنا أكثر، فقالوا: لا يكون هذا الحديث يقينياً حتى يجتمع ثلاثة فأكثر من هؤلاء الرواة في كل طبقة، فيكون احتمال خطأ الراوي الأول المقدر بعشرة قد عارضه صواب مقدر بمائتين وسبعين، هي مقدار رجحان حفظه وضبطه مضافاً إليه الرجحان الذي عند صاحبيه، وذلك كما لو جاء واحد بخبر وعارضه سبعة وعشرون، والناظر فيه - حسب قواعد النظر في الواقع الإنساني - يدرك أن هذا المقدار يعطي يقيناً تاماً قاطعاً أيضاً، وهو يقين نظري أيضاً، ويسمي المحدثون هذا الحديث بالمشهور الذي خلت طرقه من الضعف، وقد ذكره ابن حجر في الطرق التي تفيد اليقين النظري، فقال(01): }ومنها المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل{ والمشهور ما رواه ثلاثة فأكثر، ولم يبلغ التواتر، واعتبر كثير من العلماء رواية البخاري أو مسلم للحديث مفيدة اليقين القاطع كالنوعين السابقين، وإن كان راويه في كل طبقة واحداً، وتقويته ههنا ليست حاصلة من اتفاق الرواة والنظر العقلي فيه، بل من إجماع المحدثين على صحة ما في الكتابين مما لم ينتقده العلماء، والإجماع دليل شرعي؛ لأن الأمة لا تجمع على ضلالة، أي إن احتمال الخطأ قد عارضه إجماع الأمة على صواب الرواية(11) قال ابن حجر: }وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التخالف بين مدلوليه{.

قلت: السبب واضح هو أن ما انتقدوه خرج من الإجماع، والمختلفان اللذان تناقض مدلولاهما لابد أن أحدهما غير صحيح.

والعلماء لا يقصرون الثبوت اليقيني النظري على هذه الأصناف الثلاثة، بل عندهم أن كل حديث أيده دليل قاطع صار قاطعاً، لكنهم ذكروا هذه خصوصاً لأنها مما يتعلق برواية الحديث، قال ابن حجر(12): }وقد يقع فيها أي أخبار الآحاد... ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار{، والعلم النظري هو اليقين الذي يدرك بالتفكر، والعلم الضروري يدرك بالبداهة.

والمتأمل في ما تقدم - من بيان كيفية حصول اليقين النظري عند اتفاق راويين من الأئمة الحفاظ، وعند اتفاق ثلاثة فأكثر من الثقات الذين ليسوا من الأئمة الحفاظ - يدرك كيفية حصول اليقين الضروري حين يكثر الرواة كثرة كبيرة، وكذلك فإن المتأمل لكيفية حصول الرجحان عند اجتماع راويين ضعيفين فأكثر - إذا كان ضعفهما غير شديد - يدرك كيف يحصل اليقين الضروري عند اجتماع عدد كبير غير محصور، وإن كان من هؤلاء، بل ربما كثر العدد كثرة هائلة أوجبت تصديقهم - ولو كانوا من غير أهل الصدق - إذا استحال اتفاقهم، كما يأتي عدد كبير من جهات مختلفة كلهم يخبر بخسوف القمر، فيصدقون وإن لم يكونوا معروفين بالصدق.

ولم يشترط العلماء عدداً معيناً لإفادة التواتر والقطع الضروري المدرك من خلاله، بل اشترطوا أن الناظر في العدد الموجود منهم يدرك القطع لأجلهم إدراكاً ضرورياً مهما اختلفت حال تلك الجماعة، فالعدد الذي يتحقق به القطع الضروري من الأئمة الحفاظ أقل من العدد الذي يتحقق به ذلك ممن هم دونهم، وما يتحقق به القطع ممن هم دونهم أقل مما يتحقق به القطع من الضعفاء، لكن المهم هو إدراك الناظر بعقله في حالهم؛ إذ يدرك باجتماعهم على الرواية أن خبرهم صار يقيناً ضرورياً، وأن خطأهم مستحيل عادة.

وهذا الأمر وإن كان يدرك بالعقل إلا أن معنى الاستحالة هنا هو الاستحالة العادية، أي التي تجري عليها طبيعة وقوع الأحداث في الكون كاستحالة طيران الإنسان بلا وسيلة طيران، وليس المراد الاستحالة العقلية - التي هي عدم إمكان تصور الوقوع في العقل - كاجتماع الضدين الوجود والعدم في شيء واحد في آن واحد من جهة واحدة، فهذا لا يتحقق في أي خبر مهما كثر رواته، ولو وجب علينا في كل خبر متواتر أن يستحيل تصور وقوع الكذب من ناقليه في الأذهان حتى نقطع بثبوته لوجب علينا في مقابل ذلك ألا نقطع بتكذيب خبر حتى يكون تصوره في الذهن مستحيلاً، فنصدق به وإن كان مستحيلاً وقوعه حسب قوانين الطبيعة الدنيوية، كمن يزعم أنه حمل جبلاً عظيماً، وهذا أمر باطل بداهة، فمثل هذا الخبر يكذب صاحبه إلا أن يكون ذلك بعون القوة الإلهية خرقاً للعادة وقوانين الطبيعة وهذا أمر آخر، فكذلك يقطع بصدق الأخبار التي يستحيل في العادة اتفاق ناقليها على الكذب.

وقد بين الحافظ ابن حجر - رحمه الله - شروط الحديث المتواتر فقال(13): }فإذا جمع هذه الشروط الأربعة: عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، أو توافقهم عليه، رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحس، وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه فهذا هو المتواتر{.

وتقدير الحفظ - أو درجة القوة والضعف عموماً - في الرواية يوضح لنا كذلك أثر اتفاق الرواة الضعفاء على الحديث، فإذا أخبرنا به إنسان حفظه مقدر بخمسين من مائة توقفنا عن قبوله أو رده، فإذا وافقه عليه من هو مثله ترجح القبول؛ لأن احتمال الخطأ المقدر بخمسين عارضه احتمال صواب مقدر بمائة، كما لو كان عندنا خبر يرويه أهل الحفظ فيختلفون يتفق على إثباته اثنان ويخالفهم واحد فينفيه، فيترجح قبوله بلا ريب، ولو كان الاتفاق على الخبر بين اثنين كل منهما مقدر حفظه بأربعين من مائة لكان اتفاقهم يرفع الخبر إلى درجة الرجحان.

أما الذين ينحط حفظهم كثيراً فاتفاقهم لا يفيد حتى يكونوا كثرة كبرى، كما مر في الحديث المتواتر، فإن كانوا أقل كان لخبرهم بعض الاعتبار، فيكون كالحديث الضعيف الصالح للتقوية، كما مر قريباً.

وهكذا يظهر للمنصف من كل ما تقدم - مع شدة إيجازه - أن قواعد رواية الحديث الشريف في القبول والرد قواعد متينة، قد أخذت فيها كل الاحتياطات، وسدت فيها كل منافذ الكذب والخطأ حسب الإمكان الذي يتيسر في حدود طاقة الإنسان العالم، والبحث والنظر في تفصيلاتها في الواقع العملي لدى المحدثين الثقات - من تتبع أحوال الرواة، وتتبع روايات الحديث الواحد لمقارنتها ومعرفة الأوثق منها - يزيد الإنسان يقيناً بأنه لم يوجد لهذا المنهج نظير عند أمة من الأمم إطلاقاً، ويزيده يقيناً أن ما يستجد من البحث العلمي في الروايات لم يستطع أن يكشف خللاً في ذلك المنهج يمكن أن يستدرك عليه، ويزيده يقيناً أن حملات التشكيك في رواية الحديث إنما هي صادرة عن جاهل بهذا المنهج، أو مغرض يعرف الحق ويلقي عليه الشبهات ليرد الناس عنه.

وهذه الشبهات وقعت قديماً لدى الذين قل حظهم من علم الحديث، ومعرفة تفاصيله، وتأمُّلِ باطن قواعده مع ظاهرها، أو قل حظهم من القدرة على التوفيق بين العقل والنقل، فتسرعوا في رفض السُّنَّة كلها، أو الظني منها، أو ما ظنوه مخالفاً للعقل منها، وقد تصدى لهم المحدثون والفقهاء وعلماء الاعتقاد، فكشفوا زيف مقالاتهم، ولا نحتاج اليوم إلى قواعد جديدة لرد الشبهات المعاصرة، ولكننا نحتاج إلى تقريب ما قرره الأئمة من ذلك، وتفصيله، فتنقشع الشبهات الجديدة، كما انقشعت القديمة، ولا يبقى' لها من الأتباع والأنصار إلا من يصر على الباطل، أو يصر على تقليده التقليد الأعمى، والحمد لله.


الفصل الثاني

حديث الآحاد المحفوف بالقرائن

هل يفيد اليقين النظري

قد سبق في كلام الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عند حديثه عن الحديث المحفوف بالقرائن الدالة على القطع أنه عدها ثلاثة هي: ما روي في أحد الصحيحين، وما له ثلاثة طرق صحيحة، وما تسلسل بالأئمة الحفاظ حيث لا يكون غريباً.

وهو قد قال عنها: }وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر فيها، إلا للعالم المتبحر، العارف بأحوال الرواة، المطلع على العلل{(14).

وفرق بينها وبين المتواتر بأنه يفيد العلم ضرورة، وهي تفيده نظراً، وفسر كلاً من الإفادتين بوضوح، فقال: }الضروري يفيد العلم بلا استدلال، والنظري يفيده لكن مع الاستدلال على الإفادة والضروري يحصل لكل سامع، والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر{(15).

وهذه التسوية بينهما في إفادة العلم مع الافتراق في طريقة إفادته تقتضي أن يكون معنى العلم فيهما واحداً، هو المعنى المشهور، أي إدراك الأمر على ما هو به في الواقع، لكن الحافظ ابن حجر - رحمه الله - قال كلاماً يفهم منه خلاف ذلك، وهو قوله: }ومحصل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها أن الأول منها مختص بالصحيحين، والثاني بما له طرق متعددة، والثالث بما رواه الأئمة، ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد، ولا يبعد حينئذ القطع بصدقه{(16).

ووجه الاختلاف بين كلاميه أنه صرح بأن كلاً من الثلاثة وحده يفيد العلم النظري، والعلم هو القطع، فكيف يقول إنه بعد اجتماع الثلاثة لا يبعد القطع به؟!

ويبعد أن يريد بالقطع هنا الضروري؛ لأن كل صنف من الثلاثة يحتاج إلى نظر، ومعرفة اجتماعها تحتاج إلى نظر، فقد تراكمت الحاجة إلى النظر، ويبعد أن يريد به اتفاق العلماء على إفادته القطع النظري؛ لأنه صرح بأن المخالفين يأبون القطع المبني على القرائن أصلاً، فقال: }وقد يقع فيها، أي أخبار الأحاد... ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، خلافاً لمن أبى ذلك{(17).

ويمتد الإشكال إلى ما يعنيه بالعلم النظري إذا تأملنا قوله بعد هذا مباشرة، حين حاول أن يوفق بين قول من يراه مفيداً للعلم النظري ومن يأبى ذلك، حيث قال: }والخلاف في التحقيق لفظي؛ لأن من جوّز إطلاق العلم قيده بكونه نظرياً، وهو الحاصل عن الاستدلال، ومن أبى الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده ظني، لكنه لا ينفي أن ما احتف بالقرائن أرجح مما خلا عنها{(17).

وإذا كانت حقيقة الخلاف هي حول اللفظ مع الاتفاق على المضمون، ومرده إلى رجحان المحتف بالقرائن على الخالي منها لم يخرج المحتف بالقرائن عن حكم سائر الآحاد، وهو الظن، ولم يدخل في ما يفيد القطع، وهذا يتنافى مع قوله: إنه }يفيد العلم النظري{ وقد ذكر الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري، فبين أن اتحادهما في إفادة العلم، وأن اختلافهما في الحاجة إلى الاستدلال فقط، حسب ما سبق نقله عنه قريباً، والعلم في المتواتر متفق على أنه القطع، وهذا ما يظهر من حوار العلماء حول أحاديث البخاري ومسلم، فمن المعلوم أن الخلاف في هذه المسألة يدور حول إفادة المحفوف بالقرائن القطع، والمساجلة بين ابن الصلاح وموافقيه وبين مخالفيهم في أحاديث البخاري ومسلم - وهي جزء من مسألة المحفوف بالقرائن - كلها دارت حول إفادته القطع واليقين، وهذا واضح في عبارة ابن الصلاح، حيث قال: }وأعلاها الأول، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيراً: صحيح متفق عليه... وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به{(18)، واليقين لا يحتمل الخطأ أصلاً، كما سيصرح به في مسألة العصمة، ويتأكد ذلك من النظر في الاحتجاج لكل من القولين، حيث ادعى ابن الصلاح الإجماع على تلقي ما في الصحيحين بالقبول، وفسره بالموافقة على حكم الشيخين بصحة أحاديثهما، وذكر أن مخالفيه فسروا التلقي بالاتفاق على وجوب العمل بما فيهما، ورد عليهم معللاً قوله: بأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة؛ ولذا كان الإجماع المنبني على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها(19) وحين ذكر ابن حجر المسألة أيد ابن الصلاح في تفسيره الاتفاق، فقال: }}فإن قيل: (إنما اتفقوا على وجوب العلم به لا على صحته) منعناه، وسند المنع أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجه الشيخان، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة... ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح{{(02).

وهذا الاحتمال الذي ذكره ابن حجر احتمال ضعيف؛ لأن الشيخين حكما بصحة ما في الكتابين، والعلماء وافقوهما على ذلك، إلا ما انتقدوه، فالموافقة كانت على الصحة نفسها؛ إذ كل من ذكر كتابيهما وصفهما بالصحة، ونوه بها، وحتى لو ثبت أن المزية هي كون أحاديثهما أصح الصحيح، وهي مجمع عليها ثبت أن الإجماع حاصل على أنهما أصح الصحيح، وهذا أقوى من سابقه.

وبهذا كله يظهر أن الخلاف حقيقي غير لفظي، ولكن الحافظ ابن حجر لم يفرق هنا بين العلم النظري والعلم الضروري بوضوح، كما فعل في نكته على كتاب ابن الصلاح؛ إذ بين أن العلم النظري غير قاطع عنده، وغير يقيني، وهو يرى أن ابن الصلاح ومن معه يوافقون على ذلك من حيث المضمون، وأنه كان ينبغي لابن الصلاح أن يعدل عبارته، فقد قال في النكت: }}لم يقل ابن الصلاح ولا من تقدمه إن هذه الأشياء تفيد العلم القطعي، كما يفيده الخبر المتواتر؛ لأن المتواتر يفيد العلم الضروري الذي لا يقبل التشكيك، ولهذا تخلفت إفادة العلم عن الأحاديث التي عللت في الصحيحين... فقول ابن الصلاح: }والعلم اليقيني النظري حاصل به{ لو اقتصر على قوله: }العلم النظري{ لكان أليق بهذا المقام، أما اليقيني فمعناه القطعي؛ فلذلك أنكر عليه من أنكر لأن المقطوع به لا يمكن الترجيح بين آحاده، وإنما يقع الترجيح في مفهوماته، ونحن نجد علماء هذا الشأن - قديماً وحديثاً - يرجحون بعض أحاديث الكتابين على بعض بوجوه الترجيحات النقلية، فلو كان الجميع مقطوعاً به ما بقي للترجيح مسلك، وقد سلم ابن الصلاح هذا القدر فيما مضى لما رجح بين صحيحي البخاري ومسلم، فالصواب الاقتصار في هذه المواضع على أنه يفيد العلم النظري، كما قررناه{{(21).

وإذا كان ابن حجر يفسر العلم النظري بغير القطع فليس غريباً أن يقول: }ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد، فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه{ ولكنه يكون قد خالف المشهور عند العلماء من معنى العلم النظري، وخالف الفارق الذي ذكره في نـزهة النظر بينهما، مع أن العلم الذي ذكره في آخر كلامه لابد أن يكون نظرياً.

وإذا كان ابن حجر أيضاً يرى أن ابن الصلاح وغيره يوافقونه في المضمون، فليس بعيداً أن يقول: إن الاختلاف في المسألة لفظي، لكن كلامه لا يخلو من الحاجة إلى المناقشة.

فأما أنهم فاضلوا بين أحاديث الصحيحين، وأن القطعي لا يقبل التفاوت من حيث الصدق فهذا حق؛ إذ صرح ابن الصلاح وغيره بأن ما اتفقا عليه أعلى مما انفرد به أحدهما، وانفراد البخاري أعلى من مسلم، والمقطوع به لا يقبل التفاوت؛ لأن معنى القطع مطابقة الواقع، والمطابقة لا تتفاوت مهما كثرت أدلتها، إن قام دليلها ثبتت، وإلا لم تثبت، لكن يتفاوت ظهورها ووضوحها.

وأما أنهم لم يقولوا إن هذه الأشياء تفيد العلم القطعي كما يفيده المتواتر فعباراتهم التي نقلها فيها التصريح بالقطع، وقد نقل هو عن ابن فورك أنهم }إن تلقوه بالقبول قولاً وفعلاً حكم بصدقه قطعاً{(22) وعن أبي إسحاق الاسفراييني أن }أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بها{(22) ونقل عن ابن الصلاح لفظ القطع مع المساواة بين المتواتر وبين المروي في الصحيحين في إفادته، وإن اختلفا من حيث الاضطرار والحاجة إلى النظر، نقله عنه من طريق النووي، حيث قال: }وما اتفقا عليه فهو مقطوع بصدقه لتلقي الأمة له بالقبول، وذلك يفيد العلم النظري، وهو في إفادة العلم كالمتواتر، إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروري، وتلقي الأمة بالقبول يفيد العلم النظري{(23).

وإذا كان التواتر يتضمن معنيين القطع والاضطرار، فتشبيه المتفق عليه به إذا انتفى القطع لا وجه له، لأن الاضطرار منفي اتفاقاً، فلا يبقى حينئذ اشتراك بينهما يقوم عليه التشبيه، فالقطع مذهبهم صراحة، وعدم القطع ليس مذهبهم، لكنه يلزمهم بسبب مفاضلتهم بين أحاديث الشيخين في الصحة، ولازم المذهب ليس بمذهب، وقد اعتمد ابن حجر على هذا اللازم حين أراد أن يجمع بين الأمرين فأول قولهم: }يفيد العلم{ ونفى القطع، وهو ثابت في ألفاظهم صراحة، كأنه يريد نفي قصدهم معناه الاصطلاحي، كما نفى المشابهة مع المتواتر، وهي ثابتة في صريح عبارة ابن الصلاح، والجمع بين القولين على هذا الوجه غير قوي، ويكون هذا رأي ابن حجر نفسه، لأنه صرح به. والله تعالى أعلم.

وإذا كان الخلاف حقيقياً فأي القولين أقوى وأكثر أنصاراً؟

قال الإمام النووي:}وذكر الشيخ أن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته... وخالفه المحققون والأكثرون{.

وقد اهتم ابن حجر بمناقشته في ذلك فقال: }}فقول الشيخ محي الدين النووي (خالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون) غير متجه، بل تعقبه شيخنا - شيخ الإسلام - في محاسن الاصطلاح فقال: }هذا ممنوع، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين عن جمع من الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة أنهم يقطعون بصحة الحديث الذي تلقته الأمة بالقبول{.

قلت: وكأنه عنى بهذا الشيخ تقي الدين ابن تيمية فإني رأيت فيما حكاه عنه بعض ثقات أصحابه ما ملخصه: الخبر إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له وعملاً بموجبه أفاد العلم عند جماهير العلماء من السلف والخلف، وهو الذي ذكره جمهور المصنفين في أصول الفقه كشمس الدين السرخسي، وغيره من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، والشيخ أبي حامد الاسفراييني، والقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وسليم الرازي، وأمثالهم من الشافعية، وأبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبي يعلى، وأبي الخطاب، وغيرهم من الحنبلية، وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشاعرة، وغيرهم، كأبي إسحاق الاسفراييني، وأبي بكر ابن فورك، وأبي منصور التميمي، وابن السمعاني، وأبي هاشم الجبائي، وأبي عبد الله البصري، قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح... وخالفه في ذلك من ظن أن الجمهور على خلاف قوله... وعمدتهم أن خبر الواحد لا يفيد العلم بمجرده، وأن الأمة إذا عملت بموجبه فلوجوب العمل بالظن عليهم، وأنه لا يمكن جزم الأمة بصدقه في الباطن؛ لأن هذا جزم بلا علم.

والجواب أن إجماع الأمة معصوم عن الخطأ في الباطن، وإجماعهم على تصديق الخبر كإجماعهم على وجوب العمل به - والواحد منهم - وإن جاز عليه أن يصدِّق في نفس الأمر من هو كاذب ،أو غالط فمجموعهم معصوم عن هذا، كالواحد من أهل التواتر يجوز عليه بمجرده الكذب والخطأ، ومع انضمامه إلى أهل التواتر ينتفي الكذب والخطأ عن مجموعهم ولا فرق{{.

ويظهر أن ابن حجر يوافق شيخه وغيره في الانتصار لقول ابن الصلاح، لكنه مع ذلك لا يضعف قول النووي وموافقيه تضعيفاً شديداً؛ لأنه عند ترجيحه القول الآخر لم يقل إنه الصحيح، أو الأصح، وإنما قال عنه }المختار{ ولأنه حين عارض قول النووي }خالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون{ لم يقل: بل المحققون مع ابن الصلاح، وإنما قال: }ما ذكره النووي في شرح مسلم من جهة الأكثرين أما المحققون فلا فقد وافق ابن الصلاح أيضاً محققون{ فأثبت وجود المحققين في الفريقين ووافق النووي على أن الأكثرين خالفوا ابن الصلاح فخالف في ذلك قول ابن تيمية مخالفة صريحة في النقل عمن ذكرهم، على أن نقل ابن تيمية عن أهل مذهبه لا يمكن نقضه، فقد بينت في بحث(24) آخر أن قول الإمام أحمد الذي يتفق عليه علماء الحنابلة، هو أن الحديث المحفوف بالقرائن قطعي؛ لأنه ثبت عنه القول بالقطع في حديث الآحاد، وأصحابه فريقان أحدهما: يحمل كلامه على المحفوف بالقرائن، والآخر: يحمله على كل الآحاد، فهم موافقون لأولئك في المحفوف بالأولى. والله تعالى أعلم.


الفصل الثالث

إمكانية الوهم في رواية الحديث

هل هي دائمة وهل تبرر رفض الحديث كله

قد تقدم القول بأن استخدام كلمة الظن في الرواية الحديثية - وفي العلوم الإسلامية عموماً - جعل بعض من لم يتأمل القضية يقف موقف الريب، وربما موقف الإنكار خوفاً من إمكان وقوع الوهم فيها، وأن المواقف تفاوتت في درجة بعدها، وأن هذا يحتاج إلى إيضاح ومناقشة.

وأبعد ما وقع هو إنكر السنة كلها بحجة أنه يمكن وقوع الوهم في الرواية، ولم يستثن هؤلاء شيئاً حتى المتواتر منها، وأذكرهم هنا لشمول إنكارهم الأحاديث الظنية - أي الآحاد - ولاعتمادهم في إنكارها على إمكان الخطأ، فكلها عندهم ظنية، وزعم أصحاب هذا الرأي أنهم يستغنون عنها بالقرآن الكريم؛ لأن ثبوته يقيني لا شك فيه، ومناقشة هذه الفكرة ضرورية؛ لأنها قد تجددت في عصرنا، وارتفع صوت أنصارها، وزاد هؤلاء على أهلها القدماء بعداً عن حقائق أصول الرواية، وأنهم مدفوعون من جهات مريبة.

ويبدو لي - والله أعلم - أن منشأ هذا الرأي هو عدم وضوح قضية إمكان الكذب والخطأ في الرواية عند هؤلاء، وهل هو إمكان ذهني، أو إمكان واقعي؟ وقد سبق بيان الفرق، وأن المطلوب في الرواية المتواترة هو عدم إمكان الخطأ حسب الواقع - لا حسب الذهن والتصور، وبه يظهر إغراق هذه الجماعة في البعد عن التحقيق العلمي في مسألة الرواية.

وقد لقي الإمام الشافعي رجلاً من هؤلاء فحكى قولهم عنه، وناظره فيه، حتى رجع عن كثير من أفكاره، قال الشافعي رضي الله عنه: } قال: لا أقبل منها شيئاً إذا كان يمكن فيه الوهم، ولا أقبل إلا ما أشهد به على الله، كما أشهد بكتابه الذي لا يسع أحداً الشك في حرف منه، أو يجوز أن يقوم شيء مقام الإحاطة وليس بها؟{(25).

وليس مراد الرجل أنه يقبل من الأحاديث ما كان مثل القرآن في قوة الرواية، بل مراده أنه لا يوجد شيء من الأحاديث روايته مثل رواية القرآن؛ ولذلك لا يقبل منها شيئاً، والذي يدل على أن هذا هو مراده أمران:

أولهما: أن الشافعي كان يحاوره دائماً بإيراد الأدلة على وجوب الأخذ بالأخبار النبوية، دون تفريق بين متواتر وآحاد.

وثانيهما: أنه كان يستدل في بعض المواضع - بأن خصمه يسلم بأحكام شرعية ليست في القرآن، بل في الحديث المتواتر، فلو كان الرجل لا ينكر كل السنة لم يكن لكلام الشافعي - رحمه الله - وجه، ولم يتكلم الإمام الشافعي عن حديث الآحاد حتى سلم الرجل بالمتواتر.

وحين حكى الشافعي أقوال العلماء في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - رضي الله - عنه في كتابه جماع العلم(26): }لا يختلف أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فرقة سأصف قولها{ ثم ذكر القول السابق.

وقد اعتمد الشافعي - رحمه الله - في مناظرته لهؤلاء على ثلاثة أسس: اثنين في لزوم قبول الخبر مطلقاً، وهو يشمل المتواتر والظني، فلابد من ذكرهما لعلاقتهما بالظني، والثالث وجوب العمل بخبر الواحد وإن كان ظنياً. كل ذلك بالاستدلال الذي يلزم كل منصف.

الأساس الأول: هو أنهم إذا كانوا حقاً يأخذون بالأدلة القرآنية، فالقرآن نفسه يدل على وجوب العمل بالأحاديث مطلقاً؛ لأنه يأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالرواية، لاسيما لمن لم يعاصره صلى الله عليه وسلم قال - رحمه الله - في كتابه جماع العلم(27): }قلت: لقد فرض الله تعالى علينا اتباع أمره فقال: وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا[الحشر:7] قال: إنه لبينٌ في التنـزيل أن علينا فرضاً أن نأخذ الذي أمرنا به وننتهي عما نهانا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: والفرض علينا وعلى من هو من قبلنا ومن بعدنا واحد؟ قال: نعم. قلت: أنحيط أنه إذا فرض علينا شيئاً فقد دلنا على الأمر الذي يؤخذ به فرضه؟ قال: نعم. قلت: فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله عز وجل... أو أحد قبلك أو بعدك ممن لم يشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟{.

فأقر الرجل بأنه لا سبيل إلا بذلك، وقال للإمام: }والحجة لك ثابتة بأن علينا قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {.

الأساس الثاني: أن هذه الفئة، وكل ناظر في تفسير القرآن لا يستغني في فهمه الفهم الصحيح عن الأخبار، بل هم يفسرون بعض الآيات اعتماداً على الأحاديث النبوية - متواترة وغير متواترة - وهم لا يشعرون، وذلك في الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص أكثر من غيرهما، وهكذا دائماً شأن من لا يحقق في العلم ينكر شيئاً بلسانه، ويسلم به بفعله.

قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في مسألة الناسخ والمنسوخ: }}قلت قال الله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين (البقرة) 180 وقال في الفرائض : ( ولأبويه لكل واحد منهما السدس مماترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس)[النساء:11] فزعمنا بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آية الفرائض نسخت آية الوصية للوالدين والأقربين، فلو كنا ممن لا يقبل الخبر، فقال قائل: الوصية نسخت الفرائض، هل نجد الحجة عليه إلا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: والحجة ثابتة لك بأن علينا قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «(28).

وقال عن مسألة العموم والخصوص في كتاب جماع العلم أيضاً(29): (قلت: وفرض المواريث للآباء والأمهات عاماً، ولم يورث المسلمون كافراً من مسلم، ولا عبداً من حر، ولا قاتلاً ممن قتل بالسنة، قال: نعم... قلت: فما دلك على هذا؟ قال: السنة لأنه ليس فيه نص قرآن).

ثم أكمل الشافعي - رضي الله - عنه إقامة الحجة على الرجل وفئته بأن سأله عما يترتب على إنكار الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها، أو إنكار ما لم يكن معناه موجوداً في القرآن - حسب رأي بعض من فئته - فأقر الرجل بأنه يترتب عليه فساد عظيم.

قال الشافعي في جماع العلم(30): (قلت: فقد بان لك في أحكام الله تعالى في كتابه فرض الله طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والموضع الذي وضعه به من الإبانة عنه: ما أنـزل خاصاً وعاماً، ناسخاً ومنسوخاً، قال: نعم، ومازلت أقول بخلاف هذا حتى بان لي خطأ من ذهب هذا المذهب، ولقد ذهب فيه أناس مذهبين: أحد الفريقين لا يقبل خبراً وفي كتاب الله البيان. قلت: فما لزمه؟ قال: أفضى' به عظيم إلى عظيم من الأمر، فقال: من جاء بما يقع عليه اسم صلاة، وأقل ما يقع عليه اسم زكاة فقد أدى ما عليه، لا وقت في ذلك، ولو صلى ركعتين في كل يوم، أو قال في كل أيام، وقال ما لم يكن في كتاب الله فليس على أحد فيه فرض).

يعني أن هؤلاء لما قالوا لا نقبل خبراً استغناء بالقرآن لأن فيه البيان، أي بيان كل أمور الدين، فقولهم عظيم المخالفة، أفضى' بهم وأوصلهم إلى أمور مخالفتها ونكارتها عظيمة، لو فكروا فيها؛ إذ يترتب على قولهم هذا إنكار أمور ثابتة من الدين بلا خلاف، يعملون بها هم وكل المسلمين، ولم يبينها القرآن، وإنما بينتها الأحاديث، مثل كيفيات الصلاة، وعدد ركعاتها، ومثل مقادير الزكاة.

والأمثلة التي ذكرها الرجل تدل على أن مرادهُ بقولهم (لا نقبل خبراً وفي كتاب الله البيان) أنهم لا يقبلون الخبر مطلقاً، وليس مراده (أنهم يردون الخبر إذا كان معنى الخبر مبيناً في القرآن) لأنه يترتب على تفسيره بهذا المعنى أن يقبلوا الأحاديث التي لا توجد معانيها في القرآن، ومن جملتها كيفية الصلاة، ومقاديرها، ومقادير الزكاة، فالواو في قوله (وفي كتاب الله البيان) استئنافية ليست حالية.

ثم ذكر الشافعي - رضي الله عنه - حكاية الرجل القولَ الآخر، وما يترتب عليه من فساد، فقال في جماع العلم(13): (وقال غيره: ما كان فيه قرآن يقبل فيه الخبر، فقال بقريب من قوله فيما ليس فيه قرآن، فدخل عليه ما دخل على الأول، أو قريب منه، ودخل عليه أن صار إلى قبول الخبر بعد رده وصار إلى أن لا يعرف ناسخاً ولا منسوخاً، ولا خاصاً ولا عاماً. والخطأ ومذهب الضلال في هذين المذهبين واضح لست أقول بواحد منهما).

يعني أنه يقبل من الأحاديث ما يتفق معناه مع ما في القرآن الكريم، وينكر ما سواه، فلزمه أن ينكر الأحاديث التي بينت النسخ؛ لأن معناها ليس في القرآن، وكذلك الأحاديث التي بينت أن بعض الآيات مخصص لبعض، ولزمه أن ينكر أحكاماً يعمل بها هو وكل المسلمين، يتناقلها مئات الألوف عن مئات الألوف، مثل كيفية الأذان، والصلاة، والزكاة، والطهارة، فهو ينكرها بقوله، ويقبلها بفعله، فصار بذلك إلى قبول الخبر بعد رده، فكان حال الفريق الثاني قريباً من حال الفريق الأول.

ثم انتقل الرجل، فانتقل معه الإمام الشافعي إلى مسألة العمل بالدليل الظني - ومنه أخبار الآحاد - فأورد على الإمام ذلك الإشكال الذي يكثرون ترديده وهو كيف يمكن أن يستباح شيء اعتماداً على دليل ظني، بعد أن ثبت تحريمه بدليل قطعي؟ يريدون بذلك أن العمل بالحديث الآحاد مع وجود القرآن عمل بالدليل الظني مع وجود الدليل القاطع، بل هو ترجيح للظني على القاطع حين يتعارضان، فأثبت الشافعي - رضي الله عنه - للرجل أن هذا مأمور به في القرآن، وأنتم ترون القرآن حجة في الدين، ولا يمكن أن يأمر القرآن بالاعتماد على دليل باطل، ومثّل لذلك بالشهادة، وهي مما يمكن فيه الوهم، فلم يعتبر القرآن هذا الوهم، يعني الشافعي- رضي الله عنه - أن الرجحان كافٍ في العمل، ولا قيمة معه للاحتمال الضعيف، قال الرجل للشافعي - كما في كتاب جماع العلم(23): (هل من حجة في أن تبيح المحرم بإحاطة بغير إحاطة) يعني هل لديك دليل على أن تبيح المحرم، الذي يثبت تحريمه قطعاً، وأنت تعتمد في استباحته على دليل غير قاطع؟ قال الشافعي: (قلت: نعم. قال: ما هو؟ قلت: ما تقول في هذا الرجل - لرجل إلى جنبي - أمحرم الدم والمال؟ قال: نعم. قلت: فإن شهد عليه شاهدان بأنه قتل رجلاً، وأخذ ماله فهو هذا الذي في يديه؟ قال: أقتله قوداً، وأدفع ماله الذي في يديه إلى ورثة المشهود له. قلت: أويمكن في الشاهدين أن يشهدا بالكذب والغلط؟ قال: نعم. قلت: فكيف أبحت الدم والمال المحرمين بإحاطة بشاهدين، وليسا بإحاطة؟ قال: أمرت بقبول الشهادة).

ومع أن هذا إقرار من الرجل بوجوب قبول خبر الآحاد - مع احتمال الخطأ فيه - اتباعاً لكتاب الله عز وجل أراد الشافعي أن يثبت له أن هذه المناظرة فيها إقرار آخر منه، وهو أنه في شهادة القتل نفسها عمل بالقياس؛ لأن شهادة الاثنين في القرآن لم تذكر في القتل، فقاس الرجل قبول شهادتهما فيه على شهادتهما في غيره، مع احتمال أن يكون للقتل - حسب أهميته - خصوصية في عدد الشهود، كما كان للقذف خصوصية فيه. فزعم الرجل أن هذا مجمع عليه. فيلزمه أن تكون علته كذلك، وإذ لا علة له إلا الرجحان بعد ما أقر الرجل باحتمال الخطأ في شهادة الاثنين، فوجب عليه أن لا ينكر أخبار الآحاد لمجرد احتمال خطأ مرجوح، قال الشافعي: ((قلت: أفتجد في كتاب الله تعالى نصاً أن تقبل الشهادة على القتل؟ قال: لا، ولكن استدلالاً أني لا أومر بها إلا بمعنى. قلت: أفيحتمل ذلك المعنى أن يكون لحكم غير القتل ما كان القتل يحتمل القود والدية؟ قال: فإن الحجة في هذا أن المسلمين إذا اجتمعوا أن القتل بشاهدين. فقلنا: الكتاب محتمل لمعنى ما أجمعوا عليه، وأن لا تخطئ عامتهم معنى كتاب الله، وإن أخطأ بعضهم.

فقلت له: أراك رجعت إلى قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإجماع دونه. قال: ذلك الواجب علي. وقلت له: أنجدك إذاً أبحت الدم والمال المحرمين بإحاطة بشهادة وهي غير إحاطة؟ قال: كذلك أمرت. قلت: فإن كنت أمرت بذلك على صدق الشاهدين في الظاهر، فقبلتهما على الظاهر، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإنا لنطلب في المحدث أكثر مما نطلب في الشاهد، فنجيز شهادة بشر، لا نقبل حديث واحد منهم، ونجد الدلالة على صدق المحدث، وغلطه ممن شركه من الحفاظ، وبالكتاب والسنة ففي هذا دلالات ولا يمكن هذا في الشهادات))(33).

وبهذا الحوار العلمي يكشف الإمام الشافعي - رضي الله عنه - أن منكري السنة - سواء من أنكرها كلها، ومن أنكر الآحاد خصوصاً - يقيمون مذهبهم على شبهات، لا حقيقة لها، فيفرقون بين المتماثلات دون برهان، ويزعمون أنهم لا يعملون إلا بالقرآن؛ لأنه قطعي، وهم في الحقيقة إنما يتبعون فهماً لهم غير قطعي من القرآن الكريم، بل نراه في كثير من الأحيان وهماً، ثم يزعمون لهذا الفهم أنه هو القرآن القاطع، مع أن موقفهم هذا من الأخبار مناقض لما أمر به القرآن، وهو التوثق لا الترك المطلق ؛ إذ يقول : ياأيها الذين آمنوا عن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا[الحجرات:6]. والتبين إذا لم يكن مراداً منه قبول الصحيح، ورفض الباطل، وما قاربه لا يكون إلا عبثاً بلا غاية.أما نهي القرآن عن اتباع الظن فهو نهي عن اتباع الأوهام الفاسدة،أو هو نهي عن اتباع الظن الراجح ظاهراً مع وجود الدليل القاطع في مسألة معينة، فهذا وهم، ليس بظن، وذلك ظاهر من المقارنة بين الآيات التي تمدح أهل الظن كقوله تعالى - حكاية عن المؤمن الفائز يوم القيامة -: إني ظننت أني ملاق حسابيه [الحاقة:20] والآيات التي تذمه، وتذم أهله : وإن الظن لايغني من الحق شيئاً[النجم:28] وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم [فصلت:23] والله تعالى أعلم.

الفصل الرابع

حديث الآحاد ومخالفة العقل

إيضاح ودفع أوهام

وفيه ثلاثة مباحث:

1- قاعدة »الحديث لا يخالف العقل« بين المعنى الصحيح والأوهام والمغالطات.

2- قواعد الرواية، والموازنة مع العقل عند المعتـزلة.

3- أحاديث رؤية الله - عز وجل - يوم القيامة، ومناقشة منهج المعتـزلة في ردها أو تأويلها.


المبحث الأول

قاعدة (الحديث لا يخالف العقل)

بين المعنى الصحيح والأوهام والمغالطات

قد تقدم القول أن وصف أغلب الروايات الحديثية بأنها ظنية أثار إشكالات نشأت من غموض معنى الظن في أذهان بعض الناس، لاسيما في العلاقة بين العقل والنقل، فأدى إلى خلل كبير في التعامل مع الحديث الشريف من هذه الجهة.

ومن أهم المشكلات التي أثيرت حول )الظن) في رواية الحديث سوء التعامل مع القاعدة، التي توجب أن يترك الحديث إذا خالف (العقل)؛ لأن العقل - كما يقولون - دليل قاطع، وحديث الآحاد دليل ظني غير قاطع، والقاطع مقدم على الظني، والمحدثون هم الذين عدوا من علامات وضع الحديث مخالفته للعقل.

وهذه قضية تحتاج إلى بيان حقيقتها، وكشف غوامضها؛ لأنها صارت في زماننا »متكأ« لكل من يريد أن يترك شيئاً من الحديث إذا خالف وجهة نظره، أو خالف ما يألفه من الأفكار والنظريات، فيزعم لرأيه ولما يألفه أنه العقل والعلم، ويلقي بالحديث وراء ظهره؛ لأنه - عنده - ظن يمكن أن يكون خطأً، هذا مع تسليمه بأن سنده صحيح.

وقبل بيان حقيقة القضية ينبغي كشف تلك الأغاليط والمغالطات، وذلك أن كثيراً من المثقفين العصريين - على اختلاف ثقافاتهم الأدبية والفلسفية والقانونية والطبيعية - يعتبرون كل ما لديهم من الأفكار والمعلومات شيئاً جديداً ما عرفه القدماء، ولا عرفوا قواعد البحث التي يقوم عليها، فإذا ما تكلموا في شيء من قضايا العلم، التي تكلم فيها القدماء تعاملوا معه على أساس أنه أفكار ساذجة أساسها ضعيف هش، وأن ما لديهم من الأفكار حقائق علمية، لا يمكن أن تحتمل الخطأ، وحسبها قوة - كما يزعمون - أنها تدرس في جامعات العالم الحديث، وحسب علوم القدماء ضعفاً بزعمهم - ومنها الأحاديث النبوية، والأحكام الفقهية المأخوذة منها، ومن آيات القرآن الكريم أيضاً - أن أصحابها يقرون بكونها ظنية، ويغفل أكثر هؤلاء، أو يتغافلون عن معنى الظن في كتب علماء الإسلام، ويغفلون أو يتغافلون أيضاً عن أن تلك الجامعات تبين لهم في كل الأبحاث التي تصدرها - لاسيما في دراسات الاختصاص - أن مايدرس فيها أكثريته الساحقة نظريات قابلة للنقض، وأن الباحث المتفوق هو الذي يستطيع أن يأتي بأدلة تحول نظرية ما إلى حقيقة علمية ثابتة يقيناً، أو يستطيع أن يقوض نظرية من النظريات بأدلة يقينية، ليقيم على أنقاضها حقيقة علمية يقينية، أو يقيم نظرية أرجح دليلاً، وإن لم تبلغ درجة العلم اليقيني.

بل إن المطلع على مناهج البحث لدى تلك الجامعات يرى أنها - لكثرة ما يحدث عندها من نقض المعلومات السابقة - تقول ((ليس في العلم حقائق ثابتة لا تقبل النقض)) ومناهج البحث عند علماء الإسلام لا تسلم بهذا القول، بل كل يقيني صار يقينياً حقيقة لا يحتمل النقض، وهذا موجود حتى عند من ينفي وجود الحقائق التي لا تقبل النقض بدليل أن كروية الأرض كانت نظرية تنافسها نظرية تسطح الأرض، وظل الحوار العلمي مفتوحاً بينهما على مدار التاريخ، ثم أصبحت الآن قضية قاطعة لا تحتمل الجدل فضلاً عن أن تحتمل النقض. وأمثالها في العلم كثير جداً.

وعلماء المسلمين كما يسمون رواية حديث الآحاد ظنية يسمون تلك النظريات التي لم تبلغ درجة اليقين القاطع ظناً أيضاً، بحسب الاصطلاح نفسه، فهل يسوغ في عقول الباحثين المنصفين أن يقدموا ظناً على ظن - لو سلمنا تساوي الظنين -؟.

أما إذا لاحظنا قوة الظن الكبرى في رواية الحديث الصحيح - كما تقدم عند ذكر أساسيات الرواية - وإذا لاحظنا اندراج أكثرية الحديث الصحيح ضمن قواعد قاطعة ثبتت بالأدلة الكثيرة من الآيات والأحاديث المتفقة المعنى، إذا لاحظنا ذلك كله تبين لنا زيادة الرجحان في الأحاديث الصحيحة على تلك النظريات عموماً، فضلاً عن أنه حين تكون الموازنة بين حديث معين ونظرية معينة توجد أدلة أخرى زائدة على الاعتبارات الثلاثة المذكورة، ولو كان هذا الرجحان في الآحاد عند باحثين غير مدققين لزعموا أنه حقائق قاطعة.

هذا كله إذا كانت الموازنة بين حديث صحيح الإسناد ونظرية معتبرة، أما إذا كانت بينه وبين افتراض يزعمونه نظرية، فالموازنة بينهما حينئذ ضرب من التوهم الباطل، ينبغي أن يتـنـزه عنه العقلاء جميعاً، فضلاً عن العلماء والباحثين المنصفين.

ومن ذلك أنهم يردون كل شيء لم يكتشفه العلم، أو لم يطلعوا على أنه اكتشفه، فإذا ذكر لهم نوع من الأدوية في حديث، ولم يعلموا شيئاً يوافقه من الدراسات الطبية الحديثة سارعوا، فقالوا: هذا باطل، وهذا خرافة، بينما نجد واقع أساتذتهم في بلاد الغرب على خلاف ذلك؛ إذ يدرسون الطب الذي يتوارثه الأطباء الشعبيون - فضلاً عما يروى عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - أملاً في أن يكتشفوا فيه شيئاً صحيحاً لم يطلعوا عليه في دراساتهم الأكاديمية؛ لأن قواعد البحث العلمي تقول: إن ما لم نعلمه لا نحكم فيه بنفي ولا إثبات، حتى نعرضه على موازين العلم.

ومن الدعاوى التي بنيت على ذلك الأساس رفض الأحاديث الصحيحة،التي تذكر أن الدجال موجود في جزيرة بالبحر مكبلاً بقيود الحديد(34). فقال بعض المثقفين: إن البعثات الكشفية قد جالت العالم كله، وإن السفن الفضائية صورت الكرة الأرضية كلها فلم تعثر عليه، فهذا الحديث مردود، وغفل هؤلاء عن أن الرحلات الكشفية لم تكف عن البحث حتى الآن، فلو كانت قد كشفت كل شيء في كل مكان على الأرض لم يكن لبحثها المتواصل فائدة تذكر، وكذلك سفن الفضاء مازالت تواصل التصوير وتطوره لتكشف ما لم تكتشف بعد من خفايا الأرض.

وينبغي أن نلاحظ شيئاً آخر، هو أن كثيراً مما يقال: إنه نظريات علمية ما هو إلا مجرد افتراض، استطاع أصحابه بذكائهم أو دعاياتهم أو قوتهم أن يقنعوا به الناس، حتى كثيراً من أهل الاختصاص نفسه، والمثال الأوضح على ذلك هو نظرية الاقتصاد الشيوعي، التي سيطرت على أفكار جمهرة من المثقفين والسياسيين، فطبقوها في كثير من بلدان العالم، وهاهو عصرنا يشهد كيف تقوضت أركانها، حتى نبذها أهلها، ومن تبقى عنده منها شيء، فهو يتملص منه برفق تجنباً لذلك الزلزال، الذي مزق أول دولة كبرى عملت بالنظرية، وبذلت لتعميمها كل طاقاتها الاقتصادية والإعلامية والعسكرية على مدى أكثر من سبعين عاماً، وإذا بشعبها - الذي وعدوه وعود الجنة على الأرض - يظهر للعالم كله ممزقاً فقيراً تعاني أكثريته الساحقة من الجوع والتشريد.

وبدلاً من أن يراجع هذا الصنف من المثقفين أنفسهم، ويتعمقوا في أصول معرفة الصواب والخطأ من النظريات قفزوا إلى الجانب الآخر، فأخذوا بافتراضاته الاقتصادية والتشريعية عموماً، وراحوا يروجون لها، ويدعون إلى رفض ما يعارضها من الأحاديث - بل من الآيات - تحت شعار جديد، غير شعار تقديم العلم على الظن، هو شعار (أنتم أعلم بأمور دنياكم) وهو حديث صحيح رواه مسلم(35)، لكن هذا الصنف من المثقفين يزوّر معنى الحديث، أو يتكئ على أستاذته الذين زوروه له، ووضعوه في غير موضعه؛ ليخدعوا المسلم عن الأخذ بالأحاديث، التي تعارض أفكارهم في مبادئ الحياة وتشريعاتها.

وبيان ذلك أن واقع الحديث ومناسبته ومكانته بالآيات والأحاديث تبين أن المراد به (أنتم أعلم بقوانين الطبيعة) وليس معناه أنتم أعلم بما ينبغي تشريعه لمعاملاتكم فيما بينكم من الأموال، وسائر أمور الدنيا، فالحديث جاء تعقيباً على حادثة تأبير النخل، حيث رآهم يؤبرونه، أي يلقحونه فقال: (لو تركتموه لصلح) فلما رآه لم يصلح قال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم).

وهذا يختلف كلياً عن المعاملات بين الناس في أمور الدنيا من بيع وإجارة وزواج، وسائر أمور المعاملات، فهذه قد يقع فيها الظلم والفساد، والقرآن كله نـزل لدفع الظلم والفساد، وإقامة الحق، قال سبحانه: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله )النساء:105] بل كل الأنبياء بعثهم الله: وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيمااختلفوا فيه [البقرة:213].

وهكذا خدعوا الناس بوضع الحديث في غير موضعه، ولكن العلم يكشف هذا التـزوير، وستأتي الأحداث التي تكشف فساد المبادئ والتشريعات التي يدعون إليها، فيظهر الحق الذي جاءت به الأحاديث، وكذا الآيات، وستبرد تلك الدعايات وتموت، كما ماتت دعايات الشيوعية، فانكشفت حقيقتها.

بل إن عدداً من الأفكار التي كانت تسمى نظرية علمية، وكانت دعاياتها قد أخمدت النظريات التي تعارضها زماناً طويلاً، لم يجد أهلها بداً من أن يقروا بأنها أصبحت مجرد افتراض، وأوضح مثال على ذلك نظرية النشوء والارتقاء في العلم الطبيعي، فإنها حين ظهرت الأجهزة، التي تكشف أعمار الأشياء في الطبيعة - جمادها وحيوانها - تبين لهم أن الزمن الذي تحتاجه الأحياء لتتطور - حسب قوانين النظرية - أكثر بكثير من العمر الواقعي للحياة على الأرض، وذلك لأن النظرية تقول: إن كل طور من الأطوار لا ينتقل إلى الطور الذي فوقه إلا بعد عشرات الألوف، أو مئات الألوف من السنين، فإذا ضُرِبَ عدد السنين بعدد الأطوار ظهر الفارق الكبير الهائل بينهما، أي بين عمر الحياة المكتشف وبين الزمن الذي تحتاجه تلك الأطوار الكثيرة الموجودة بزعم النظرية.

وكلا النظريتين الاقتصادية والطبيعية كان لإعلانهما دوي هائل، هز الدنيا، وهز الأديان، بل كاد يمحوها ما عدا دين الإسلام، مع أن كثيراً من المثقفين في بلاد الإسلام كانوا قد اغتروا بهما غاية الاغترار، ومال إليهما بعض المنتسبين لعلوم الدين الإسلامي، تأثراً بالتيار الإعلامي الجارف، فراحوا يؤولون الأحاديث، بل الآيات لكي تتفق معهما - عدا الجانب الاعتقادي، الذي كان مزعوماً لهما - لكن الراسخين في العلم تصدوا لذلك كله، وبينوا للأمة أن النظريات العلمية تتقلب كثيراً، وما كان منها راجحاً في وقت من الأوقات قد يصير في وقت آخر مرجوحاً، بل قد يصير وهماً أو باطلاً؛ ولذلك فهي لا تصلح أن تكون ميزاناً للحديث الشريف، ولو كان آحاداً، فضلاً عن أن تكون ميزاناً لعقائد الدين، وأموره القائمة على الأدلة القاطعة.

أما الحقائق العلمية القاطعة، التي لم تعد مجال بحث، مثل كروية الأرض، فإنها لو عارضت حديث الآحاد، ولم يمكن تفسيره بما يتناسب معها فإن علماء الإسلام - ومنهم المحدثون - يقولون: إن الرواية حينئذ ينبغي أن تترك على أنها خطأ من الراوي، عملاً بما يقتضيه العقل والعلم من تقديم القاطع على الظني، ويكون ذلك بناءً على أننا نـزن حفظ الراوي في تلك الموازين العلمية، ولا نـزن فيها كلام الله تعالى، أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فنقول: إن الراوي أخطأ كما يخطئ الإنسان المتثبت في الأقل النادر، فيخالف الأثبت منه فترد روايته.

أما الأحاديث المتواترة - وكذا الآيات القرآنية - فإنه لا يمكن أن تتعارض معها الحقائق العلمية القاطعة؛ لأن كلاً منهما يكشف الواقع، والواقع لا يتعارض، أي لا يتناقض بعضه مع بعض، لكن يمكن أن تتعارض الحقائق العلمية القاطعة مع بعض تفسيراتهما - إذا كان لهما أكثر من تفسير - ويظهر حينئذ خطأ التفسير المعارض لهما، ويقال حينئذ أيضاً: إن هذا الحديث المتواتر المعين - وكذا الآية - قد وجدناه يقينياً قاطعاً من جهة الثبوت، إلا أنه ظني من جهة دلالة اللفظ على المعنى المراد، وموازين الدلالة الظنية والقاطعة مفصلة تفصيلاً واسعاً في علم أصول الفقه.

وبعد دفع تلك الأوهام عن قضية الاختلاف بين العقل أو العلم، وبين حديث الآحاد يحسن أن تبين حقيقة المسألة، وحقيقة موقف علماء الإسلام منها، وفي مقدمتهم علماء الحديث، الذين قالوا: إن من علامة كون الحديث مكذوباً على النبي صلى الله عليه وسلم مخالفته للعقل.

ولهذه المسألة تفصيلات تتعلق بالفرق بالإسلامية؛ لأن رد الحديث المخالف للعقل منسوب إلى الجميع على تفاوت بينهم في ذلك، ومع وجود خلافات من بعض أفراد الفرقة الواحدة خالفوا به الأكثرين من فرقتهم.

وحتى لا يخرج البحث عن مساره المنطقي ينبغي أن لا يذكر فيه ما لا يتعلق به تعلقاً مباشراً، وهو شيئان:

أولهما: الموقف من حديث الآحاد إذا خالف الأدلة الشرعية الأخرى، فهذا مكانه في مبحث الظن عند الأصوليين؛ لأن هذا قائم على أساس الموازنة بين الظنون، وتقديم الأقوى منها، ومنه ترك رواية الثقة في الحديث إذا خالف الأوثق، وهو ما يسمى اصطلاحاً بـ (الحديث الشاذ).

ثانيهما: موقف الشيعة الإمامية - الاثني عشرية، وأشباههم - من رفض الأكثرية الساحقة من أحاديث أهل السنة، فهذا يتعلق بتكفيرهم كثيراً من الصحابة، فلا يقبلون روايتهم، وهذا أمر آخر، لا علاقة له بكون الحديث من رواية الآحاد، بل علاقته بموقف خاص من أشخاص الرواة، كما يرد أهل السنة رواية صاحب البدعة(36) المكفرة مثل من يزعم أن في القرآن ما ليس من كلام الله عز وجل.

وموقف أهل السنة - وهم جمهور المسلمين - من علاقة العقل بالروايات الحديثية واضح، وهو أنهم يشترطون في الحديث عدم مخالفة دليل العقل، ويعتبرون ذلك دليلاً كافياً على بطلان الرواية المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه شرح نخبة الفكر(37): (ومن القرائن التي يدرك بها الوضع ما يؤخذ من حال الراوي... ومنها ما يؤخذ من حال المروي، كأن يكون مناقضاً لنص القرآن، أو السُّنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، أو صريح العقل).

ثم بين الحافظ شرطاً مهماً في هذه المناقضة، فقال: (حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل)؛ لأن ما يقبل التأويل، ويكون المعنى الذي أوِّل به معقولاً لا يصح أن يرفض، بل يقال فيه: إن العقل دليل على أنه لم يقصد به المعنى الظاهر، وإنما قصد به المؤول، وتفسير القاطع بما لا يقبل التأويل والاختلاف، ذكره الشافعي في رسالته(38)، وهذا الشرط إذا وضح، ودفعت عنه الشبهات عرف بداهة أنه لابد منه، وبطل تعلق الرادين للأحاديث بسببه، وبطل أيضاً قول من يعترضون عليه - ممن ينتسبون إلى علم الحديث - بدعوى أن العقل لا يصح أن يكون ميزاناً للشرع، وأن العكس هو الصحيح؛ لأن الشرع معصوم، أما العقل فيخطئ ويصيب، فهذا الذي يقولونه إنما يصح في العقل الظني(39) لا العقل القطعي الصريح.

وعبارة ابن حجر - رحمه الله - كافية لا تحتاج أكثر من تنبيه يسير، حيث قال: (صريح العقل) وهي لا تعني دليل العقل القاطع فقط، بل ما يكون القطع به واضحاً لا يخضع لاختلاف وجهات النظر، وهو أساسيات التفكير الإنساني الموجودة في فطرة كل إنسان سليم الإدراك، وما يعتمد عليها، ويتفرع عنها تفرعاً واضحاً قوياً، ولا يمكن أن يكون معنى العقل هنا الاستدلالات النظرية الظنية، التي تحتمل اختلاف وجهات النظر مما يراه فلان حقاً، ويراه غيره باطلاً؛ وأبسط ما يقال لمن يرد الحديث إذا خالف وجهة نظره ومقدار علمه وفهمه - إذا كان مسلماً -: إذا اختلفت وجهة نظرك ووجهة نظر الرسول صلى الله عليه وسلم فأيهما أحق بالترك: نظرة الظانّ المحدود الخطأ، أم نظرة صاحب الوحي المعصوم من الأخطاء - لو افترضنا أن الحديث وجهة نظر مجرد افتراض - أما العقل الأول: وهو الأساسيات القاطعة المتفق عليها، فعليه تقوم الحياة الإنسانية كلها، وعليه يعتمد الأنبياء في إقناع أقوامهم بالإيمان بالله، وبأنهم رسل الله، ويتضح ذلك إذا لاحظنا أننا لا يمكن أن نقول لمن ينكر وجود الله عز وجل: أطع قول الله تعالى:(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) مثلاً، فأبسط ما يرد علينا به أن يقول: كيف أطيع من لا أعلم أنه موجود؟! فلا نجد بداً من أن نثبت له وجود الله - عز وجل - بالدليل العقلي، ثم نثبت له نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالدليل العقلي أيضاً، ثم نثبت له صحة نقل القرآن الكريم عنه صلى الله عليه وسلم ، وحينئذ يمكننا أن نقول له: أطع قول الله تعالى.

وإذا صح أن يكون هذا العقل مستنداً لأصل الدين وأساسه، فلا يرتاب عاقل بصحة الاعتماد عليه في توثيق الأخبار عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لا يمكن أن يجعل الله هذا العقل دليلاً يرشد العباد إليه، ويعرفهم عليه، ثم يخاطبهم بكلام لا يقبله هذا العقل.

وقد قسم علماء المنطق العقلي الأشياء - من حيث حكم العقل بوجودها - إلى ثلاثة أقسام:

واجب الوجود، وممكن الوجود - ويعبر عنه أيضاً بجائز الوجود -، ومستحيل الوجود، وهو تقسيم يسلم به كل ذي عقل سليم، ولا يجد عنه محيصاً؛ لأن العقل لا يفترض زيادة عليها ولا نقصاً، وببيانها ينجلي معنى مخالفة العقل الصريح في الروايات المرفوضة عقلاً، وهذه الأمور لا تدرس في كتب قواعد الحديث، ولا كتب الأصول، بل تدرس في كتب العقائد، التي يثبت بها أن الكتاب والسنة حجة، ويشار إليها في كتب الحديث والأصول إشارة على أنها أمور معلومة عند دارسهما من قبل، حينما درس المنطق والعقيدة، وهذا البحث بحاجة إليها؛ لأن كثيراً ممن يتكلمون اليوم في قضية (الظن) في رواية الحديث الشريف لم يعطوا هذه المباحث حقها عند دراسة المنطق والعقائد أولاً، أو مروا بها عابري سبيل.

فواجب الوجود: هو الذي لولاه لكانت هذه الموجودات كلها عدماً، وحيث إنها موجدوةً بحكم الحس والعقل كان وجوده واجباً؛ لأن كل من نظر فيها بعقله ورأى تطورها الدائم ضمن قوانين محكمة كل الإحكام علم قطعاً أنها مصنوعة، والمصنوع لابد له من صانع، وإلا صح أن يدعي كل إنسان وجود أي شيء بلا صانع مادامت الموجودات كلها مع قوانينها بلا صانع، ولوكان صانعها مصنوعاً لم يكن إلا زيادة في عدد المصنوعات، ولم يفدنا شيئاً إلا زيادة الحاجة إلى الصانع فوجب أن يكون صانعها غير مصنوع، أي موجوداً بلا بداية، وحينئذ لا يعقل أن نسأل عن بدايته فضلاً عن صانعها؛ لأنه تناقض، كأننا نقول: أخبرونا عن بداية ما لا بداية له؟! وبهذا تسقط الشبهة التي يرددها الوجوديون،فيقولون:(إذا كان الله خلق العالم فمن خلق الله)؟.

وواجب الوجود واحد هو الله عز وجل، ولا يقبل أي حديث ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخالف هذه الحقيقة العقلية القاطعة، وقد نسب بعض الوضاعين الحمقى، أو المغرضين حديثاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (قيل يا رسول الله ممّ ربنا؟ قال من ماء مرور، لا من أرض ولا سماء، خلق خيلاً فأجراها، فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق)(40) فمثل هذا يحكم العلماء ببطلانه قبل النظر في إسناده؛ لمخالفته إثبات واجب الوجود سبحانه، فضلاً عما فيه من تناقض، وهذه واحدة من مخالفات صريح العقل.

ولا يقال إن مسألة وجود الله - عز وجل - مما اختلفت فيه العقول، حتى أنكره كثير من الفلاسفة القدامى والمعاصرين، فكيف يمكن لأحد أن يزعم أن إنكارها مخالف لصريح العقل؟.

والجواب عن ذلك: أن منهم من أنكر عناداً، ومنهم من أنكر عن عدم تأمل في الدليل، انسياقاً وراء الشبهات، كالشبهة التي سبق ذكرها »مَن خَلَق الله« وهي شبهة شيطانية، كما جاء في الحديث الشريف(41).

وإلا فأي عاقل يسلم بوجود كل هذا العالم وقوانينه وتطوراته دون صانع، أو يسلم أن كل هذا العالم قديم، وهو يشاهد تطوره بعينه، لاسيما وجود الاكتشافات الدالة على أعمار الأشياء، ومنها الكواكب والشمس والمجرات.

أما مستحيل الوجود عقلاً فهو الذي يكون تعريفه متناقضاً، كمن يقول: إذكروا لي (عدداً زوجاً فرداً بآن واحد) أو يقول: (أريد شيئاً سائلاً جامداً بآن واحد)؛ لأن الزوجية والفردية كل منهما تنقض الأخرى، وتنفي وجودها، وكذلك السيلان والجمود، فلا يمكن أن يجتمعا في شيء واحد أبداً، بل لا يمكن تصور ذلك في العقل، فضلاً عن الوجود الواقعي، وعن مثل هذا يقول علماء العقيدة:(إن قدرة الله لا تتعلق بالمستحيل) وذلك لأنه في نفسه غير قابل للوجود، لا لأن قدرة الله-عز وجل- محدودة ناقصة،كما أن قدرته سبحانه لا تتعلق بالظلم، فيستحيل أن يقع منها، لا لعجزها عنه، بل لأنه لا يليق بها، وهو يدل على عجز فاعله عن بلوغ غرضه بدونه.

وهذان مثالان واضحان لا يغفل الناس عنهما، لكنهم قد يغفلون عن التناقض في بعض الأمثلة الغامضة، كسؤال بعض المشركين للمسلم هل يستطيع ربك أن يخلق إلهاً مثله؟ فيتحير الذي لا يحسن التفكير: إن قال: نعم، أقر - حسب ظنه - بإمكان وجود إلهين، وإن قال: لا، أقر - حسب ظنه - بعجزه، ويغفل المسكين عن أنه لو افترضنا أنه خلقه فلا يمكن أن يكون المخلوق إلهاً، فذاته محدثة، وصفاته كلها محدثة، وهو نقيض صفات الألوهية، فكيف يمكن أن يكون مثل الله عز وجل؟! فكأن هذا السائل يقول: أريد أن يوجد ربكم شيئاً له بداية ولا بداية له«، فمثل هذا المستحيل عقلاً لا يصح أن يجيء في حديث نبوي، فإذا رواه خبيث أو أحمق رفضناه قبل النظر في سنده، وهذا التناقض نفسه موجود في الحديث الموضوع، الذي سبق ذكره؛ لأنه حين يقول: خلق نفسه، يزعم أنه خالق قبل أن يكون موجوداً، فهو يقر بوجوده، ويزعم أنه محتاج إلى أن يُخلق، فهو يقر بعدم وجوده كل ذلك في آن واحد، ولذا حكم العلماء بوضعه دون حاجة إلى النظر في إسناده - وإن كان في سنده راو كذاب وضاع للأحاديث.

ونحو ذلك ما روي منسوباً إلى النبي صلى الله عليه وسلم (أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعاً، وصلت عند المقام)(42) ووجه التناقض فيه أن مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكن موجوداً أيام نوح عليه السلام، فالذي يروي هذا كالذي يروي (أن الابن والد لأبيه) ولذا قال العلماء: حديث السفينة هذا موضوع، رغم أنه ليس فيه إلا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف عند المحدثين، شديد الضعف عند بعضهم، وكلاهما لا يقتضي أن يكون حديثه موضوعاً - إذا اقتصرنا على النظر في إسناده - وغاية ما يمكن هو أن يقال عن روايته التي يتفرد بها: إنها واهية.

وبهذا كله يظهر جلياً أن معنى مخالفة الرواية لصريح العقل هو أن يكون فيها إثبات ما يستحيل وجوده عقلاً أو ينتج عنه ذلك، أو نفي ما يجب وجوده عقلاً أو ينتج عنه ذلك، وأن تكون هذه المخالفة ظاهرة لا تحتمل تأويلاً، ولا تختلف فيها وجهات النظر، فكل الأحاديث لا تكون إلا من الجائز وجوده الممكن عقلاً، وهذا معنى قول المحدثين: »إن الأحاديث لا تأتي إلا بمجوزات العقول«(43) أي لا تخبر إلا عن شيء جائز وجوده عقلاً.

أما المستحيل عادة، وهو الذي لا يمتنع وجوده عقلاً، أي ليس تعريفه متناقضاً، لكن سنن الكون الإلهية والقوانين الطبيعية، التي نظم الله عز وجل بها الكون تمنع من وجوده، فهذا لو جاء حديث يخالفه لا نرده اعتماداً على العقل وحده، وذلك لأن القوانين الطبيعية لا تتحكم في قدرة الله عز وجل، كما إذا جاء حديث يخبرنا أن الله - عز وجل - خلق شيئاً من الأشياء المستحيلة عادة، كخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب، وخلق حواء من رجل بلا امرأة، فلا يقال: إن هذا مخالف للعقل، وكذا لو جاء مثل ذلك عمن أيده الله، كما كان سيدنا عيسى عليه السلام يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله، ويبرئ الأمراض المستعصية، دون دواء أو أيِّ وسيلة أخرى، فهو من صنع الله-عز وجل-من حيث الحقيقة، وكما جاء صاحب سيدنا سليمان بعرش ملكة سبأ بطرفة عين بما أعطاه الله من علم الكتاب،وهذا أيضاً من صنع الله عز وجل من حيث الحقيقة،فيقبل ما جاء من الأحاديث من ذلك، وإن كان مستحيلاً عادة وطبيعة، إذا صح سنده، وقد جهل ذلك من زعم أن حديث المعراج يخالف العقل؛ لأن الفضاء خارج الكرة الأرضية تنعدم فيه أسباب الحياة، أو لأن اختراق المسافات الفضائية العظمى بهذا الزمن اليسير يقتضي أن يسير بسرعة الضوء، والأجسام تتلاشى عند هذه السرعة، وتتحول إلى طاقة، ونسي بداية الأمر، وهي أن مجرد الطيران من أصله لا يقدر عليه أحد من البشر، وأن الذي نقله خرقاً لقانون الطيران هو نفسه سبحانه الذي خرق له القوانين الأخرى.

وقد يعبر بعض الكاتبين بلفظ العقل في مخالفة حديث الآحاد بعض الأدلة الشرعية، كالذين قالوا: برد حديث سحر اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم بدعوى أنه لا يعقل أن يسلط الله السحرة على نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ذلك يفقد الثقة بالنبوة - فهذا لو سلم لهم - لا يكون من مخالفة العقل، وإنما هو من مخالفة دليل الشرع؛ لأن عصمة الأنبياء دليلها شرعي، وإن كان يفهم بالعقل، فهذا إنما يذكر في الظن عند الأصوليين، أما حديث السحر فإنما يصح رده لو كان يختلف مع العصمة اختلافاً يتعذر فيه الجمع، وهو هنا ممكن؛ لأن المروي هو تأثير السحر عليه صلى الله عليه وسلم في غير الوحي والتبليغ، بل »يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله«(44) وقد ثبت مثله في القرآن الكريم عن سيدنا موسى عليه السلام:يٍخّيَّلٍ إلّيًهٌ مٌن سٌحًرٌهٌمً أّنَّهّا تّسًعّى"(45)،وقد سبق في كلام ابن حجر-رحمه الله- أن مخالفة العقل، أو دليل الشرع القاطع تدل على أن الحديث موضوع (إذا لم يمكن التأويل للحديث) فكيف إذا كان الحديث نفسه لا يخالف العقل أو الشرع وكان فهم الزاعم اختلافهما قد جانب التأمل الصحيح؟ فحديث السحر لم يأت في شيء من رواياته تأثير السحر على النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الوحي والتبليغ، وإنما حصل ضرر التخييل، وهو يشبه النسيان، والنسيان يقع من الأنبياء، ولكن يعصمهم الله تعالى من نسيان التبليغ لما أمرهم به، لا من النسيان كله، وسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام- كما يتضح من كل السياقات القرآنية التي ذكرت قصته - لما أصابه التخييل وقع في نفسه الخوف فثبته ربه عز وجل، وهذا أمر لا يؤثر على تبليغ ما أمره ربه به.

وربما اشتبهت لدى بعض الناس قضية الحكم على الحديث بالوضع لمخالفته نص القرآن الكريم، أو الحديث المتواتر، أو الإجماع، أو العقل الصريح بقضية ترك العمل بالحديث الصحيح الإسناد إذا خالفه ما هو أصح منه إسناداً - وإن كان آحاداً - أي ظنياً، فيحسب هؤلاء أنه يمكن الحكم على الحديث بالوضع بناءً على الأدلة غير القاطعة، فيقولون عن المخالف لما هو أصح منه: مكذوب، أو موضوع، والعلماء إنما يحكمون عليه بالشذوذ أو النكارة، وهما من أنواع الضعيف المتوقف في قبوله، لا الباطل، والتوقف فيه من باب تقديم الراجح على المرجوح، والفرق بين التوقف والتكذيب كبير.

وخلاصة الأمر في العلاقة بين الحديث وبين العقل أن موافقة الحديث للعقل شرط لابد منه، لكن على التفسير الصحيح، الذي تقدم بيانه لكلمة (العقل) لا على المعنى المضطرب الذي يفهمه من يردون الأحاديث الثابتة بدعوى مخالفة العقل دون تأمل وتدبر، وكذلك يقال أيضاً: إن هذا الشرط ليس تحكيماً للعقل البشري غير المعصوم في الوحي المعصوم، كما يحسبه بعض المنتسبين إلى علم الحديث، وإنما هو اعتماد على العقل القاطع الواضح، الذي بني عليه الدين كله: أصوله، وفروعه في التوثق من نسبة الحديث إلى رسول الله مصدر تلقي الوحي صلى الله عليه وسلم.

ولكي لا يقال: إن هذا كله مبني على قواعد أهل السُّنة، بينما قواعد المعتـزلة تقضي بتقديم العقل على النص حديثاً كان أو قرآناً، فيمكن أن يستند إلى قواعدهم عند رد الأحاديث وتأويل الآيات المخالفة للعقل، لكي لا يقال هذا: أعرض فيما يلي - إن شاء الله - موقف المعتـزلة في هذه المسألة من جهة القواعد أولاً، ثم من جهة التطبيق العملي.


المبحث الثاني

قواعد الرواية والموازنة مع العقل

عند المعتـزلة

أعرض فيما يلي موقف المعتـزلة، وما فيه من ضوابط لهذه القضية، التي يريد لها بعض الناس أن تنطلق بلا ضوابط، لأجل أن ينشروا أفكارهم الخاصة، وآراءهم الشخصية، أو النظريات المتأرجحة التي توافق رغباتهم، وتخالف السُّنة النبوية، فيردوا السُّنة بدعوى مخالفة العقل، ويظهر - إن شاء الله - أن المعتـزلة لا يختلفون كثيراً عن أهل السُّنة في قواعد رواية الحديث، وأنه لا يمكن الاتكاء على قواعدهم في قضية رفض الأحاديث بدعوى مخالفتها للعقل، ولكنهم جعلوا كل أدلة العقل قاطعة، فأدى بهم ذلك إلى رد أحاديث كثيرة -لاسيما في العقائد- ظنوها مخالفة للعقل، ويظهر من عرض قواعدهم وتطبيقاتهم: أن ما ردوه من الحديث، أو حملوه على غير ظاهره خالفوا به قواعدهم التي أصلّوها، والباحث المنصف المحقق يختار من بين الآراء ما وافق الدليل، لا ما وافق الرغائب النفسية، وجانب الأدلة الجلية، فذلك ليس من شأن البحث العلمي.

وعرض مذهب المعتـزلة في هذه القضية يهدف إلى بيان أمرين:

أولهما: رأيهم في رواية الحديث عموماً، وفي حديث الآحاد خصوصاً.

ثانيهما: رأيهم في الاختلاف بين العقل والأدلة الشرعية عموماً بإيجاز؛ للوصول إلى موقفهم من الاختلاف بين العقل وحديث الآحاد خصوصاً بشيء من التفصيل، ويعتمد ذلك على إيضاح معنى العقل عندهم، وإيضاح الحدود التي يعتبر فيها حكمه عندهم، ثم مناقشة بعض التطبيقات التي خرجوا فيها عن تلك الحدود، والله هو الموفق للصواب.

أما رأي المعتـزلة في الروايات الحديثية فينبغي أن يلاحظ فيه شيء مهم، وهو أن منهم أفراداً لهم آراء خاصة خالفوا بها جمهورهم، فرد عليهم أهل المذهب أنفسهم، كقول أبي الحسين الخياط(46)، الذي صنف كتاباً في نفي الاحتجاج بخبر الواحد، فرد عليه تلميذه الكعبي في كتاب أيضاً، وكقول(47) أبي علي الجبائي بأن حديث الآحاد لا يقبل إلا أن يكون من رواية اثنين عن اثنين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكقول(48) أبي إسحاق النظام: بأن الحديث ولو كان متواتراً لا يُقبل حتى تنضم إليه دلالات وقرائن تدل على القطع بصحته، فهذه الاتجاهات الفردية المرفوضة عند أهل المذهب أنفسهم لا يصح اعتبارها هي مذهب المعتـزلة، بل مذهبهم ما استقر عليه رأيهم في الكتب المعتمدة عندهم، ككتب القاضي عبد الجبار، وأبي الحسين البصري، وأبي القاسم الزمخشري، مما تتفق عليه أكثريتهم الساحقة.

والمعتـزلة يقسمون الأخبار كتقسيم أهل السُّنة إلى ما يفيد الثبوت القاطع، وما يفيد الثبوت الراجح، وما يفيد الشك، فيكون موقوفاً أو مردوداً.

ويوافقون أهل السنة على تسمية الدليل القاطع علماً، وتسمية الدليل الراجح ظناً، ويسمون الراجح أيضاً (أمارة)وهو لفظ موجود عند أهل السُّنة بهذا المعنى، والمعتـزلة يكثرون استعماله.

قال أبو الحسين البصري في كتابه (المعتمد في أصول الفقه)(49): (والأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ضربان: أحدهما: يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها، والآخر: لا يُعلم أنه قالها، فالمعلوم أنه قالها إما أن لا تتعارض، وإما أن تتعارض، فإن لم تتعارض وجب العمل بها إن تضمنت عملاً، وإن تعارضت، وأمكن تأويل بعضها على موافقة بعض فعل ذلك... وإن لم يمكن تأويل بعضها حُملا على التخيير... ووقوع العلم بالخبر يمنع من رده من غير تأويل.

وأما الأخبار التي لا يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها فضربان:

أحدهما: يتضمن عملاً، والآخر: لا يتضمن عملاً، فما لا يتضمن عملاً لا يجوز الاحتجاج به، وما يتضمن عملاً فقد يجب العمل به على شرائط، وقد يرد؛ لفقده تلك الشرائط«.

يعني بما لا يتضمن عملاً ما يتضمن اعتقاداً؛ لأنه قال: »لا يجوز الاحتجاج به« فشرطه إذن أشد من شرط المتضمن عملاً، وذلك لا يكون إلا في الاعتقاد.

ويعني بالأخبار التي لا يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها حديث الآحاد، وقد فصل فيه القول بعد كلامه السابق من جهة توافر الشروط، وفصل القول فيه من جهة الاستدلال على وجوب العمل به في بحثين خصه بهما: أولهما: (باب جواز ورود التعبد بأخبار الآحاد)(50). وثانيهما: (باب التعبد بخبر الواحد)(51)، ناقش في الأول إمكان ذلك عقلاً، أي: هل يعقل أن يأمر الله تعالى الناس بالعمل بحديث الآحاد؟ فأثبت إمكان ذلك عقلاً، أي لا يوجد دليل عقلي صحيح يمنع من ذلك، وأطال في الرد على الاحتمالات والشبهات التي يمكن أن يتعلق من لا تحقيق عنده بها، وناقش في الثاني حصول ذلك في واقع الشرع الإلهي، فأثبته ورد على الشبهات والاحتمالات التي تعلق بها الزاعمون خلاف ذلك، وأطال فيه كثيراً مستدلاً على تثبيته بالعقل، وبأدلة الكتاب، والسُّنة المتواترة، والإجماع، وبدأ بدليل العقل فقال(52): (والدليل على وجوب العمل بأخبار الآحاد هو أن العقلاء يعلمون بعقولهم وجوب العمل على خبر الواحد في العقليات، ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك، أو حسنه بعقولهم، إلا وقد علموا العلة التي لها وجب ذلك أو حسن، ولا علة لذلك إلا أنهم قد ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل، وهذا موجود في خبر الواحد الوارد في الشرعيات... وقد علمنا في الجملة وجوب الانقياد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبرنا به من مصالحنا، فإذا ظننا بخبر الواحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعانا إلى الانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه مفسدة مضرة فقد ظننا تفصيلاً لما علمناه في الجملة).

ولا حاجة لنقل ما ذكره من الأدلة الشرعية، فقد سبق ذكر المهم منها في مناظرة الشافعي - رضي الله عنه - لمنكري الاحتجاج بالسُّنة متواترها وآحادها.

وحين تحدث أبو الحسين عن شروط ثبوت خبر الآحاد ذكر ما يقع في ذلك من الاشتباه الذي يدعو إلى ردّ الرواية، فبين أنه إما أن يرجع الاشتباه إلى الخبر، وإمّا إلى الراوي، وإما إلى المخبر عنه، ويعني بالمخبر عنه الله ورسوله، ثم قال: (وأما حال المخبر عنه فبأن يثبت بالدليل القاطع خلاف ما اقتضاه الخبر، كدليل العقل، والكتاب، والسُّنة المعلومة)(53).

وهذه العبارة صريحة كل الصراحة في أن الرواية إنما ترد بسبب مخالفة العقل إذا كان الدليل العقلي الذي خالفته قاطعاً، لا إذا كان مما تختلف فيه وجهات النظر، ويترجح بعضها على البعض؛ لأنه عده ضمن القاطعات، وسماه دليلاً، ولم يسمه أمارة كعادة المعتـزلة، وهي ما يسمي في الاصطلاح: العقل الظني، أو الاجتهادي، وهذه العبارة توافق عبارة الحافظ ابن حجر، التي سبق ذكرها في هذه المسألة عند أهل السُّنة والجماعة، إلا أن عبارة أبي الحسين قدمت العقل على الكتاب والسُّنة، وعبارة ابن حجر أخرته عنهما، وليس هذا تقديماً لعلم العقل الإنساني على علم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، إنما هو تقديم على الأدلة النقلية، التي يُعرف مراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بها، وتقديم العقل عليها إنما كان لأنه هو الذي يعرف ثبوتها، وهو الذي يفسرها، فيفرق بين المحكم والمتشابه منها، ويحدد ما يصح نسبته إلى الله ورسوله منها - حسب رأي المعتـزلة - كما قال عبد الجبار في كتابه متشابه القرآن(54): (فأقوى ما يفرق بين المحكم والمتشابه أدلة العقول - وإن كان ربما يقوى ذلك بما يتقدم المتشابه، أو يتأخر عنه؛ لأنه هو الذي يبين أن المراد ما يقتضيه المحكم... ومما يبين ذلك أن موضوع اللغة يقتضي أنه لا كلمة في مواضعتها إلا وهي تحتمل غير ما وضعت له، فلو لم يرجع إلى أمر لا يحتمل لم يصح التفرقة بين المحكم والمتشابه).

وتعبيره عن العقل بأنه (أمر لا يحتمل) يقتضي أن مرادهم بالعقل أدلة العقل القاطعة، التي لا تحتمل اختلاف وجهات النظر.

ويؤكد ذلك أن القاضي عبد الجبار حين ذكر الأدلة قدم العقل، وبين أن سبب تقديمه هو أنه يقوم عليه الإيمان بالله تعالى، وصفاته، والإيمان برسوله، وبه يعرف حسن الأشياء وقبحها، وهو عندهم دليل إثبات الشرائع كلها، فبه ثبت أن الكتاب والسُّنة والإجماع حجة، والعقل الذي يقوم عليه الإيمان بالله تعالى وتوابعه المذكورة هو العقل القاطع، لا العقل الظني، الذي يحتمل الاختلاف في وجهات النظر، قال عبد الجبار في مقدمة كتابه (فضل الاعتـزال وطبقات المعتـزلة)(55): (أولها دلالة العقل؛ لأنه به يميز بين الحسن والقبيح، ولأنه به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السُّنة، والإجماع) قال: (وربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسُّنة والإجماع فقط. أو يظن أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس الأمر كذلك؛ لأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السُّنة، والإجماع).

وإذا عرفنا أن المعتـزلة يقصدون بلفظ الدلالة والدليل ما كان قاطعاً غير ظني، تحققنا من أن مرادهم في كل ما سبق من لفظ العقل هو العقل القاطع، قال أبو الحسين في المعتمد: (والدلالة هي ما النظر الصحيح فيها يفضي إلى العلم، والأمارة هي ما النظر الصحيح فيها يفضي إلى غالب الظن)(56) والأمارة وإن كانت راجحة إلا أن فيها احتمال الخطأ، فلا يصح أن يفسر بها الدليل العقلي، الذي ذكره عبد الجبار، أما أن يزعم أحد أن العقل كله قاطع، فهذا ما يشهد الواقع ببطلانه، وكم من عالم حكم بعقله في أمر، ثم استبان له الخطأ، فتراجع، وأيضاً لو كان العقل كله قاطعاً لما اختلف اثنان من أهل العقل في شيء إطلاقاً؛ لأن الخلاف إنما يكون - إذا وجد فيه الإنصاف - عندما يبدو من القضية لكل من الطرفين المختلفين ما لا يبدو للآخر، وسيأتي - إن شاء الله - بيان خلل المنهج الاعتـزالي من الناحية العلمية، حيث يظهرون وكأنهم يجعلون جميع الأدلة العقلية قاطعة.

وكما بين المعتـزلة مقصودهم من كلمة (العقل) الذي يكون حكماً في الروايات الشرعية وتفسيرها بينوا كذلك - في قضية تعارض العقل مع حديث الآحاد والنصوص الشرعية عموماً - أمراً آخر لا يقل أهمية عنه، وهو بيان المجال الذي يدخله العقل، والمجال الذي لا يدخله، وهذا أمر ضروري؛ لأن حكم العقل يقوم على مقدمات، فإذا كانت مقدمات بعض الأحكام مما لا يدركه العقل، أو مما يدركه دون إحاطة بجهاته، التي يتأثر بها الحكم، كان تحكيمه ظلماً له، وتزويراً عليه، واتهاماً له بأحكام هو منها بريء صاغها صاحبها بهواه ثم نسبها إليه.

وقد قسم المعتـزلة مجالات الحكم الشرعي بحسب علاقة العقل بها إلى ثلاثة أقسام:

أولها: ما يحكم فيه العقل، ولا يصح أن يحكم فيه الشرع، وهو الأدلة التي يثبت بها الشرع؛ لأن الاعتماد على الدليل الشرعي فيها يؤدي إلى الدور؛ إذ إن معناه أن لا يؤمن الإنسان بالشرع حتى يعلم الدليل عليه، ولا يعلم الدليل عليه حتى يؤمن به، فهذا كمن يقول: إن ابن فلان هو والده، فالاعتماد في هذا المجال على العقل، ولا يأتي في الشرع ما يخالفه، وما ذكر من هذا النوع في القرآن والحديث فإنما هو للتذكير والتنبيه على ما هو معلوم لدى الإنسان، حتى يعمل بما يترتب على ذلك المعلوم، فإن وجد فيهما ما يعارضه ظاهراً أوجب تأويل القاطع منه، ورد الظني، أو تأويله.

ثانيها: ما يمكن أن يحكم فيه العقل والشرع، بحيث يمكن أن يستدل عليه بكل منهما، لكنه ليس مما يتوقف ثبوت الشرع عليه، وضربوا مثالاً على ذلك بواحدانية الله عز وجل، وأنه لا ثاني له في حكمته، وهو من الأمور التي تعتمد على الأدلة القاطعة، وهي موجودة في العقل وفي الشرع، ومثلوه أيضاً بوجوب رد الوديعة، والانتفاع بما لا مضرة فيه على أحد، وهذان الأمران معلوم حسنهما قطعاً ببداهة العقل(57)، والشرع لا ينهى عن الحسن، ولا يأمر بالقبيح، فلابد من أن يتفق الشرع والعقل، وباتفاقهما يعرف صحة الشرع، فإن ورد في القرآن، أو الحديث خلاف ذلك وجب تأويل القاطع ثبوته، وكذا الظني، فإن لم يقبل الظني تأويلاً فإنه يرد؛ لأنه يوهم نسبة القبيح إلى الله - عزو جل - أما المتواتر القاطع الدلالة فإنه لا يمكن أن يخالف العقل القاطع؛ لأن القطعيات تكشف عن حقيقة الواقع، والواقع لا يمكن أن يتعارض فيما بينه.

ثالثها: ما ينفرد فيه الشرع وحده بالحكم فيه، وهو ما لا يتمكن العقل من معرفته، أو معرفة مقدماته، التي يقوم عليها كلها أو بعضها، وقد مثل المعتـزلة ذلك بالمصالح والمفاسد، وما له تعلق بهما من التكليفات الشرعية، ويعبرون عن التكليفات الشرعية بالتعبدات، فهي عندهم أعم من العبادات الاصطلاحية، إذ ذكروا منها وجوب الصلاة، وتحريم الخمر، وتحريم شرب الخمر ليس من العبادات المعروفة اصطلاحاً قطعاً، وفسروا (ما له تعلق بهما) بأدلة الأحكام وأسبابها وشروطها، كقولنا: إن سبب القصاص القتل العمد، وشرط إيقاعه ألا يكون المجني عليه جانياً يستحق القتل، فهذه كلها لا يحكم فيها العقل، وليست مجالاً له؛ إذ إن إدراك المصالح والمفاسد في أكثر الأمور لا يمكن أن يعرفه العقل، وإن أدرك منه جانباً غاب عنه آخر، وإن أدرك الجميع لم يدرك العوارض التي تعرض له،كما خفي على كثير من الناس ما في الخمر والزنا وأمثالهما مما حرمه الله، حتى جاء العلم الحديث فكشف من أضرارهما الشيء الكثير، وعجزت الحضارة الحديثة بكل قواها عن منع الناس منهما، بينما وضع الشرع الأساليب الناجعة لذلك، حتى كادا يزولان تماماً من المجتمع الإسلامي، وهذه الوسائل جانب من الشرع تقصر عنه العقول مجتمعة، كما هو ملاحظ من الواقع، مما يؤكد أن إدراك هذا ليس من مجالات العقل فضلاً عن أن يحكَّم العقل فيما جاء منه في الشرع، فيقبل ويرفض حسب ما يقتنع به.

وأذكر هنا كلام أبي الحسين البصري في ذلك ببعض الاختصار، مشيراً إلى مواضع الحذف بالتنقيط بين العبارات، فقد عقد لذلك باباً في المعتمد(58) فقال: (باب فيما يعلم بأدلة العقل وما يعلم بأدلة الشرع:

اعلم أن الأشياء المعلومة بالدليل إما أن يصح أن تعلم بالعقل فقط، وإما بالشرع فقط، وإما بالشرع وبالعقل.

أما المعلومة بالعقل فقط: فكل ما كان في العقل دليل عليه، وكان العلم بصحة الشرع موقوفاً على العلم به، كالمعرفة بالله وبصفاته، وأنه غني لا يفعل القبيح...

وأما ما يصح أن يعرف بالشرع وبالعقل فهو كل ما كان في العقل دليل عليه، ولم تكن المعرفة بصحة الشرع موقوفة على المعرفة به، كالعلم بأن الله تعالى واحد لا ثانٍ له في حكمته... فإذا أخبر الرسول أن الإله واحد لا قديم سواه علمنا صدقه، وكذلك وجوب رد الوديعة، والانتفاع بما لا مضرة فيه على أحد.

فأما ما يعلم بالشرع وحده: فهو ما في السمع دليل عليه دون العقل، كالمصالح، والمفاسد الشرعية، وما له تعلق بهما، أما المصالح والمفاسد الشرعية: فهي الأفعال التي تعبدنا بفعلها أو تركها بالشريعة، نحو كون الصلاة واجبة، وشرب الخمر حراماً، وغير ذلك... وأما ما له تعلق بالمصالح والمفاسد الشرعية: فهي طرق الأحكام الشرعية، كالأدلة، والأمارات، وأسباب هذه الأحكام، وعللها، وشروطها).

وبهذا يظهر - إن شاء الله - أن مذهب المعتـزلة لاسيما في المصالح والمفاسد - التي تترتب عليها الأحكام الشرعية من حلال وحرام كالخمر - هو أنها لا تعرف إلا بالشرع، فلا يمكن لمن يردون الأحاديث بدعوى مخالفة العقل أن يستفيدوا من قواعد المعتـزلة في هذه القضية، قضية رد الأحاديث النبوية إذا خالفت العقل، بل قواعدهم تقف في وجه تلك المحاولات كلها.

هذا موقف المعتـزلة من حيث القواعد، وهو لا يبعد عن موقف أهل السُّنة كثيراً، لكنهم من حيث التطبيق والتفصيل - لاسيما في مجال العقائد - نجدهم يزعمون في بعض المسائل أن دليلها العقل القاطع، ثم يبنون على ذلك تأويل ما خالفها من الآيات، والأحاديث المتواترة، والآحاد، أو يردون الآحاد إن كان التأويل فيه بعيداً متعسفاً، وعند تحقيق النظر يتبين أن مسائلهم تلك دليلها ظني، أو دون الظني، كما يظهر حين عرض بعضها، ومناقشته عند أهل السُّنة.

وليس من مهمة هذا البحث أن يناقش قضاياهم الاعتقادية هنا، لكن الحاجة إلى بيان اعتمادهم عملياً على العقل الظني في تلك القضايا، التي ردوا بها بعض حديث الآحاد تدعو إلى شيء من ذلك فأذكره - إن شاء الله تعالى -.

قال أبو الحسين البصري في كتاب المعتمد، وهو يرد على اعتراضات منكري الاحتجاج بالآحاد في المسائل العملية، أي غير الاعتقادية، ويفرق بينهما(59): ((وإن قالوا: نريد بالأصول توحيد الله وعدله، قيل: لو قبلنا أخبار الآحاد في ذلك لقبلناها في الاعتقادات، وذلك لا يجوز؛ لأن الواحد إذا أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم _أن الله لا يُرى_ لم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، فلا يُعلم أن الله تعالى لا يُرى؛ لأنا غير عالمين بدليله، وإذا لم نكن عالمين بأنه لا يُرى، واعتقدنا ذلك لم نأمن كون اعتقادنا جهلاً، وكل اعتقاد لا يؤمن كونه جهلاً قبيح)).

ومن المعلوم أن المعتـزلة ينكرون(60) رؤية العباد لربهم عز وجل يوم القيامة مع أنها وردت في أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وتعددت طرقها حتى ذكرها بعض من صنف في المتواتر، وذكر أنها مروية عن سبعة وعشرين من الصحابة، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله.

وقد سلكوا في ذلك الإنكار مسلكين، وبعضهم جمعهما: إنكار التواتر، بل الصحة، وتأويل الرؤية بغير ظاهرها، والمهم أنهم يرفضون مضمونها الظاهر، وسأعرض هنا أدلتهم، التي اعتمدوا عليها في نفي الرؤية، ومناقشتها عند أهل السُّنة، وإذا لم تكن مناقشة ذلك من مهمات مسائل الرواية - كما قدمت - فإن له أهمية من جهة خاصة، وهي البرهان على أنهم قد خالفوا قاعدة تعارض الأحاديث مع العقل، وهي: (أن الحديث لا يرد إلا إذا عارض دليل العقل القاطع لا الظني) وأنهم قد اعتمدوا في نفس الرؤية على أدلة ظنية، قد اختلفوا على بعضها فيما بينهم فضلاً عن مخالفيهم، فلا تصلح دليلاً على رد الأحاديث، ولو آحاداً، وبذا يعلم أنهم ليسوا أكثر تمسكاً من غيرهم بقول أهل الأصول والحديث (لا يجوز أن يأتي في النقل الصحيح ما يعارض العقل الصريح)كما ظن(61) العلامة الشيخ طاهر الجزائري - رحمه الله -، بل هم - كما ظهر لي في المناقشة، ولعله يظهر للقارئ إن شاء الله - قدموا ظنون الرأي الاحتمالية على البراهين العقلية والشرعية.

ومن كان يريد مناقشة ثبوت الأحاديث بميزان العقل محافظاً على المنهج العلمي يجد نفسه مضطراً إلى اجتناب طريقهم، ومن كان يريد أن يجد متكأ أي متكأ في أقوال القدماء لرد الأحاديث الصحيحة، فهو واجد في منهجهم بعض بغيته يمكنه أن يسلك طريق منكري السُّنة كلها معرضاً عن الحجج التي ذكرها الشافعي، ولكن ما قيمة ذلك علمياً؟!.

المبحث الثالث

أحاديث رؤية الله عز وجل يوم القيامة

ومنهج المعتـزلة في ردها وتأويلها

وقد ستدل المعتـزلة وموافقوهم - على منع رؤية العباد ربهم سبحانه يوم القيامة - بأدلة عقلية، وأدلة نقلية، وعارضهم أهل السُّنة في الاثنين، ولا تعنينا هنا مسألة الرؤية، ولا أدلة المنع والجواز إلا من جانب واحد، هو كشف منهجهم العملي في رد حديث الآحاد إذا خالف العقل، وهل يتقيدون بقاعدة رده إذا خالف العقل القاطع؟ أو يردونه لمخالفته أدلة خاضعة لاختلاف وجهات النظر إن فرض فيها القطع فهو خفي غير صريح؟.

واستدلال المعتـزلة بالنقل إنما هو عندهم من باب التأكيد لما ثبت في العقل، وإلا فإن ما لا يجوز عقلاً، إذا جاء في الحديث يجب تأويله إن كان ثبوته قاطعاً كالمتواتر، ويجب أن يرد أو يؤول إن كان ثبوته غير قاطع كالآحاد - حسب قواعدهم -

قال القاضي عبد الجبار وهو يرد على مثبتي الرؤية في كتابه المغني في أبواب التوحيد والعدل(62): (فإن قالوا: قد دل السمع على خلاف ما ذكرتموه فلذلك لم نجوزه. قيل: فيجب أن يجوز ذلك من جهة العقل)، يعني أن الأحاديث تأتي بما يجوز في العقل لا بما يمتنع، فإن جاء فيها ما يمتنع وجب رده، ولذلك استكثر من تفصيل الاستدلال العقلي كثيراً، كما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.

وقال فيه أيضاً(63): (وقد بينا أن الرؤية من باب العلم، وليس لخبر الواحد فيه مجال).

وقال فيه أيضاً(64): (وما رووه من أخبار الآحاد فلا يصح ذلك فيما طريقه العلم).

وقد طعن المعتـزلة في الروايات من غير جهة العقل، أي من جهة الرواة، وسائر شروط الرواية.

قال في المغني(65): (قال شيخنا أبو علي... إن أكثر ما نقل في الرواية ثمانية أخبار، لا واحد منها إلا وقد طعن فيه).

وكان ينبغي ألا يتوقف عند هذا أيضاً؛ لأن المعول عندهم على حكم العقل فالأحاديث عندهم آحاد، لا يعمل بها في هذه المسألة على افتراض ثبوتها لديهم، لكن لا ضرر من الإجابة عن ذلك بإيجاز مع الإحالة على المراجع للتوسع؛ لأن في الجواب بياناً لبعدهم عن السُّنة، مما يجعل أحكامهم عليها موضع نظر، وفي كلامهم هنا أمران: دعوى أنها أخبار آحاد، ودعوى أنها مطعون فيها من جهة شروط الرواية.

أما دعوى الطعن فيها من جهة شروط الرواية فحسبنا في المناقشة أن منها ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، فحديث أبي هريرة، وأبي سعيد هو عند البخاري برقم (7000) وعند مسلم برقم (450)، وحديث جرير هو عند البخاري برقم (6997) وعند مسلم برقم (633)، وحديث أنس بن مالك هو عند البخاري برقم (7002) وعند مسلم برقم (450)، ورواه البخاري فقط عن عدي بن حاتم الطائي، وهو برقم (7005) ومسلم عن صهيب برقم (181)، أي اتفق الشيخان على روايته عن أربعة من الصحابة، وانفرد كل منهما بروايته عن واحد آخر، وكلها بلفظ الرؤية، والنظر، ورفع الحجاب، وقد روياه بألفاظ أخرى عن غير هؤلاء، ومعلوم أن ما اتفق عليه الشيخان فهو في أعلى درجات الصحيح، والاعتراضات عليه مبنية على وجوه مرجوحة، ولا يتجه منها إلا النادر.

وأما دعوى أنها أخبار آحاد فمردودة بأن الدارقطني خص الرؤية بكتاب سماه(66) كتاب الرؤية، فروى الحديث عن تسعة عشر صحابياً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن ثلاثة منهم من قولهم، دون رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا مما لا يقال إلا بالرواية، فقولهم له حكم الرفع، بل أحصى بعض أهل العلم رواية هذا المعنى من طريق سبعة وعشرين صحابياً(67)، وإذا ثبت الحديث من طريق واحدة صحيحة فلا يضر ضعف غيرها في إثبات التواتر فكيف وههنا أربعة في الصحيحين، واثنان تفرد كل منهما بواحد منهما، وقد رفض أبو علي الجبائي الطعن في حديث المسح على الخفين؛ لأنه من رواية أربعة وعشرين صحابياً، كما أقره حين نقله عنه عبد الجبار في المغني(68) ولفظ البخاري عن أبي هريرة، وأبي سعيد (قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه كذلك).

والخلاف في مسألة الرؤية بين أهل السُّنة والمعتـزلة يبدأ من أول الطريق في هذه القضية، وهو تحديد معنى الرؤية المختلف عليها، قال عضد الدين الايجي: (ولابد أولاً من تحرير محل النـزاع فنقول: إذا نظرنا إلى الشمس فرأيناها، ثم غمضنا العين، فعند التغميض نعلم الشمس علماً جلياً، وهذه الحالة مغايرة للحالة الأولى، التي هي الرؤية بالضرورة... ثم علمت أن الله تعالى ليس جسماً ولا في جهة، ويستحيل عليه مقابلة، ومواجهة، وتقليب حدقة، ومع ذلك يصح أن ينكشف لعباده إنكاشف القمر ليلة البدر، ويحصل لهوية العبد بالنسبة إليه هذه الحالة المعبر عنها بالرؤية)(69).

لكن المعتـزلة يقولون: (إن ما تدعونه في حق الصانع لن يعرف رؤية عند أهل اللسان، وفي المتعارف بين أرباب العقول فإن رؤية ما ليس بجسم، ولا عرض، ولا مقابلة بين الرائي وبينه، ولا محاذاة، ولا اتصال شعاع ولا تقليب المقلة، ولا توجيه الوجه إليه، ولا إقبال عليه، ولا استدراك قدره، والوقوف على كله أو بعضه لن يعرف رؤية) (70). وهذا الجواب من المعتـزلة مردود بداهة (فإن الله تعالى يرى الأشياء، ورؤيته ليست بمقابلة، ولا محاذاة، ولا اتصال شعاع، ولا تقليب مقلة)(71)، ومع ذلك عبر سبحانه عن رؤيته للأشياء بلفظ الرؤية في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كقوله سبحانه: لاتخافا إنني معكما أسمع وأرى [طه:46]، والقرآن أقوى أدلة اللغة والشرع، ثم إن بين أهل السُّنة والمعتـزلة، وبين المعتـزلة بعضهم وبعض، خلافاً حول قضية تعد كحجر الأساس في مسألة الرؤية عموماً، ومنها رؤية العبد ربه سبحانه، وهي قضية الأسباب والمسببات، فرؤية العين للأشياء ناتجة عن أمر هو عند أهل السنة خلق الله الرؤية في العين عند توجيه الإنسان عينه إلى الأشياء، لا بواسطة العين(72)، ولم تحصل للعبد رؤية ربه في هذه الدنيا، لأن الله لم يخلقها له(73) وذلك هو شأن الأسباب كلها لا أثر لها في إيجاد المسببات، لأن الخالق هو الله وحده، وكل الممكنات مستندة في وجودها إليه بلا واسطة(74).

أما المعتـزلة فاختلفت أقوالهم في هذه القضية مع اتفاقهم على منع رؤية العبد ربه سبحانه في الدنيا والآخرة، ولهذا الخلاف دلالته المهمة في مسألة الرؤية، كما يأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- عند مناقشتها بعد نقل كلامهم.

قال عبد الجبار في المغني(75): (وكان أبو إسحاق النظام يقول في الإدراك خاصة: إن الله-سبحانه - يفعله بإيجاب خلقه وبحواسّ.

وأما أبو الهذيل - رحمه الله - فإنه كان يقول في الإدراك: إنه فعل الله تعالى على جهة الاختراع، كقول شيخنا أبي علي - رحمه الله -، لكنه يقول: إنه يجوز أن يكون البصر صحيحاً، والموانع مرتفعة، ولا يخلق الله له الإدراك فلا يدرك ما بحضوره، ويجوز أن يخلق الله العلم بالألوان في قلب الأعمى الذي لم يبصر لوناً قط.

وشيخنا أبو علي - رحمه الله - يمنع من ذلك؛ لأن عنده أن البصر متى احتمل الإدراك، فلابد من وجوده؛ لأن المحل لا يخلو من الشيء إلا إلى ضده إن كان له ضد.

وحكي عن صالحِ قبةَ أن جميع أفعال الله سبحانه تقع ابتداء... وكان يجيز أن تقرب النار من الحطب اليابس، فلا تحرقه من غير مانع، وأن يخلق الله بها التبريد، وهي على حالها...، وكذلك يجوز أن يدرك بها [يعني العين] ما وراء الساتر، ومع عدم المقابلة والضياء إذا خلق الله له الإدراك، ويجيز أن يخلق الله الألم والعِلم في الميت).

ثم ينقل لنا عبد الجبار توضيحاً لقول أبي علي في الأسباب فيقول في المغني(76): (كان شيخنا أبو علي - رحمه الله - يذهب إلى أن الله تعالى لا يفعل بأسباب، ولا يصح ذلك فيه، كما لا يصح أن يفعل بالآلة ويقول: إن القول بذلك يوجب حاجته إلى السبب... وإن ما يقال إنه بسبب يوجب الفعل إنما يفعل عنده لا أنه يفعله به).

وعبد الجبار يخالف شيوخه هؤلاء إذ يقول في المغني(77): (السبب من حقه أن يوجب وجود المسبب من غير أن يتعلق باختيار القادر... ومن حق ما يوجد عن السبب أن يجب وجوده مع ارتفاع الموانع).

لكنه يحاول أن يدفع أمرين يمكن أن يفهما من كلامه هذا، أحدهما: احتياجه سبحانه إلى السبب فيقول في المغني(78): (ولما كان تعالى يصح منه أمثال ما يفعله بالسبب ابتداءً دونه لم نقل إنه يحتاج إليه). وثانيهما: وقوع المسبب بغير اختياره سبحانه، بمعنى أن يكون مضطراً إليه فيقول في المغني(79): (وبعد فإنه تعالى يصح أن يمنع السبب من فعله من التوليد ويصح ألا يفعل المنع فيتولد فقد صار المسبب من هذا الوجه في حكم ما يتعلق باختياره).

ولما كانت العين عند ارتفاع الموانع هي سبب الرؤية في الواقع المشاهد أجرى عليها عبد الجبار قاعدته في الأسباب، فنتج عن ذلك أن الرؤية مسببة عنها، ولا تتوقف بعد وجود سببها على خلق الله، ولا تمنعها من الوقوع إرادة الله فقال في المغنى(80): (اعلم أن الرائي منا متى حصل بالصفة التي لكونه عليها يرى المرئي، وحصل المرئي بالصفة التي لكونه عليها يراه الرائي، وارتفعت الموانع المعقولة، فيجب أن يراه، ومتى فقد بعض ما ذكرناه استحال أن يراه، فليس له إلا حالان).

وينفي تدخل الإرادة الإلهية في الرؤية البصرية فيقول في المغني(81): (وكيف يصح أن يريد ألا نرى، والإرادة إنما تتعلق بالشيء على سبيل الحدوث، والرؤية ليست بمعنى حادث) أي تحصل بمجرد سلامة الحاسة، وعدم الموانع، وليست أمراً زائداً عليهما يحدث بحدوثهما، وهذا يستلزم عدم تدخل قدرة الله في إيجاد الرؤية؛ لأنه لا يمكن أن يخلقه دون أن يريد خلقه، بل إن عبدالجبار يعجب ممن يجيز أن يكون لله تدخل في خلق الرؤية، وينقل في المغني عن شيخه أبي علي أنه قال: (إذا جاز أن يفعل سبحانه فيه الإدراك، وجاز أن لا يفعله، فلا شيء يوجب وجوده، فما الذي يمنع من أن يفعل أحدهما، ولا يفعل الآخر، قال - رحمه الله - فإن ارتكبوا ذلك لزمهم أن يجوزوا أن يكون القادر على حمل مائة رطل يتعذر عليه حمل رطل... ومن بلغ هذا المبلغ فقد تجاوز حد من تكلم في المذاهب وقد ألزمهم - رحمه الله - القول بإبطال الفزع إلى الحواس في معرفة المحسوسات؛ لأنه إذا جاز أن يرى مكان الشيء ولا يرى ما فيه، ويرى اليسير، ولا يرى العظيم، فقد خرج بذلك من كونه طريقاً للعلم)(82).

هذا كلام أشهر أئمة الاعتـزال، وفيه ثلاث ملاحظات:

الأولى: في بيان أثر قضية الأسباب على مسألة الرؤية، والثانية: في دلالة اختلاف المعتزلة في هذه المسألة الاعتقادية، والثالثة: مناقشة أقوال عبد الجبار خصوصاً، وما وافقها مما نقله عن أبي علي.

الملاحظة الأولى: أن المعتـزلة حين يستدلون بالعقل على امتناع رؤية العباد ربهم سبحانه، يقولون: إن الأشياء تمتنع رؤيتها في حالتين: انعدامُ شرط من شروط الرؤية، أو وجود مانع من موانعها، أو عدمُ قابليته لأن يكون مرئياً.

وقضية خلق الله الرؤية في عين الرائي تدخل في الشروط عند أهل السُّنة ومن وافقهم من المعتـزلة وغيرهم، فمن سلم بأنها شرط تنعدم الرؤية بانعدامه، لا يستطيع أن يستدل على أن شيئاً من الأشياء تمتنع رؤيته؛ لأنه غير قابل للرؤية، إذ يقال له حينئذ: إن امتناع الرؤية يحتمل أحد سببين: عدم خلق الله رؤيته في عين الناظر إليه، وعدم قابليته للرؤية، فلماذا حتمت أنه امتنعت رؤيته لعدم القابلية، ولم تقل إنها امتنعت لأن الله تعالى لم يخلقها؟ فيسقط استدلاله بهذا الطريق ويعجز عن إثبات الامتناع به.

وهذا العجز لازم لصالح وأبي الهذيل لزوماً واضحاً، وهو لازم لأبي علي وعبد الجبار عند تدقيق النظر، وإن كان أبو علي يزعم أن خلق الرؤية في العين يعرف بسلامتها، وانتفاء العمى عنها، وإن العمى هو ضد الرؤية، فإذا انتفى هو ثبتت هي؛ إذ العين لا تخلو من أحدهما، فهذا لا يفكه من الإلزام المذكور؛ إذ يقال له: إن مذهبك في الأسباب ينقض هذا، فالعين وإن كانت سليمة ليس لها أثر في إيجاد الرؤية؛ إذ الرؤية برأيك توجد عندها لا بها، والله يخلق بدون أسباب، ومعنى ذلك أنه قد يوجد سبب الرؤية، وهو العين، ولا يوجد المسبب، وهو الرؤية، وهذا كله يعني أنه لا مانع أن يخلق الله فيها الرؤية لبعض الأشياء دون بعض باطراد كعدم رؤيتها الروائح والطعوم والأصوات، أو بعدم اطراد كعدم رؤيتنا في الظلام، مع أن بعض المخلوقات ترى في الظلام، ويمكن أن يخلق الله فيها رؤيته يوم القيامة لأهل الإيمان، وقد سبق في جملة ما نقلته عن أبي علي -وأقره عليه عبد الجبار- أنه يعترض على من يزعم أن الرؤية خلق الله، فيجوز أن يفعلها بدون سلامة الحاسة، ويجوز ألا يفعلها مع سلامتها باعتراضين: أحدهما: أنه يؤدي إلى جواز (أن يكون القادر على حمل مائة رطل يتعذر عليه حمل رطل).

وهذا عنده من التناقض، وهو تناقض مبني على أن الله خلق الإنسان وقدرته، ثم تركه يفعل ما يشاء، بينما قاعدته هو في الأسباب تقول: (إن الله يخلق المسببات عندها لا بها) فحمل الأول، وحمل الثاني، كلاهما بقدرته سبحانه، وهو قادر على كل شيء، لكن جرت سنته أن يكون بين الأسباب والمسببات تناسب، ولو شاء أن يغير ذلك لفعل، فهذا التناسب عادي، وليس عقلياً، ولا ملزماً لله تعالى، فإن غيّره تغييراً دائماً مطرداً أصبح الحال الجديد هو القانون، وإن غيّره في حالة أو حالات قليلة كان ذلك خرقاً للعادة، وتبقى الحالة السابقة هي القانون.

ويتضح هذا الرد أكثر إذا أخذنا الأمثلة التي ذكرها عبد الجبار حيث قال في المغني: »ما يجري على طريقة واحدة لو صح كونه بالعادة لأدى أن يلتبس علينا الموجب بما طريقه العادة... فكان يجب أن يجوز إجراء العادة في بعض الأماكن، أو الأوقات على خلاف هذا الوجه، وذلك يؤدي إلى أن يجوز أن يكون... يرى الرائي ما بعد، ويمتنع عليه رؤية ما قرب، ويرى المحجوب والرقيق، دون الكثيف، وما بينه وبينه حجاب، ويرى بسائر حواسه، دون حاسة العين، ويرى بيده، ويلزم عليه سائر ما ذكرناه من الجهالات، فوجب القضاء بفساده«(83).

والبدء بمناقشة الأمثلة يعين على نقض قاعدته أكثر، فرؤية الإنسان ما بَعُدَ، دون ما قَرُبَ أمر يحصل في الواقع عندما يصاب الإنسان بمد البصر، وهي حالة يعرفها كل طبيب، بل يعيش بها ناس كثيرون، أفلا يمكن أن يجعل الله سبحانه هذه الحالة ثابتة لكل الناس في كل حال، فتكون هي القانون الطبيعي، الذي يُسْتَغْرَبُ خلافه؟ فكيف يقال عما هو واقع مشهود إنه غير ممكن حصوله، وإن هذا القول حكم عقلي يقيني؟.

أما رؤية المحجوب دون غير المحجوب فأمر أصبح واقعاً مشهوداً في آلات التصوير الشعاعي، فهي تصور أحشاء الإنسان، دون ثيابه وجسده الظاهر، فيظهران في الصورة كالشيء الشفاف، وتكون صورة الأحشاء أوضح، وسبب ذلك أن الذي صنعها جهزها بما يجعلها تصور هذا المحجوب دون ذاك المكشوف، والتصوير قائم على أساس محاكاة الرؤية البصرية، ويزيد عليه في تثبيت المرئي على الورق ونحوه، ووجود هذه الاختراعات يكشف عن أن شيوخ المعتـزلة يبنون أحكامهم في العلم على الآراء النظرية، لا على اليقين العقلي، فيحكمون على الشيء الذي لا تمكن مخالفته في الواقع المرئي عندهم بأنه لا يمكن أن تقع مخالفته، لا في زمانهم ولا غيره؛ لأن مخالفته مخالفة لحكم العقل، بينما هي مخالفة لحكم القوانين المعتادة فقط، وأما رؤية الرقيق دون الكثيف فلا تختلف اليوم عن رؤية المحجوب، إذ وجدت أجهزة تصور الإشارات الكهربائية الصادرة عن المخ الإنساني مثلاً، ولا تصور المخ نفسه، ولا الجمجمة التي تحويه؛ وذلك لأن الإنسان الذي صنعها خصصها برؤية هذه الإشارات وتصويرها، ولم يجعل فيها من وسائل التصوير ما يصور المخ والجمجمة، رغم كثافتهما، ورقة الإشارة وشفافيتها، بحيث تراهما العين ولا تراها، ومثل ذلك الأجهزة التي تصور الموجات الصوتية.

وبهذا يظهر أن رؤية العين الإنسانية للقريب دون البعيد، وللمكشوف دون المحجوب، وللكثيف دون الرقيق، ما هي إلا قانون يحكم الواقع الذي وجد فيه فقط، وليس حكماً عقلياً يوجبه العقل، فلا يجيز مخالفته، ويظهر أن القول بكونه حكماً عقلياً قول مخالف للعقل والعلم، وأن هذا القول مزج بين الأحكام العادية والأحكام العقلية، فالأحكام العادية مهما اطردت وجرت على طريقة واحدة لا تصير واجبة عقلاً أبداً، بل القول بأنها واجبة عقلاً هو الذي أدى إلى (أن يلتبس علينا الموجب بما طريقه العادة) على عكس ما زعم عبد الجبار؛ لأن الموجب تؤدي مخالفته إلى التناقض، أما الذي طريقه العادة فمخالفته مخالفة للعادة وحدها، فبينهما فرق عظيم، وكثيراً ما تتغير العادة، أما العقليات فلا.

والاعتراض الثاني: الذي اعترض به أبو علي على من يقول: إن الرؤية خلق الله، يجوز أن يوجدها، دون سلامة الحاسة، وأن لا يوجدها مع سلامتها، هو أن هذا القول يؤدي إلى (إبطال الاعتماد على الحواس في إدراك المحسوسات، ويخرجها من أن تكون طريقاً للعلم) مع أن كل علماء العقل يجعلون الإدراك الحسي كالرؤية مثلاً طريقاً للعلم اليقيني.

وهذا الاعتراض لا يسلم له - وقد خالفه فيه بعض أهل مذهبه، كأبي الهذيل، وصالح، لا أهل السُّنة فقط، حيث أجازوا أن تنعدم الرؤية مع سلامة الحاسة - والعقل يفرض على أهله ألا يسلموا بهذا الاعتراض، وبيان ذلك أن القول الذي اعترض عليه هو الذي يناسب قوله: (إن الله لا يخلق بأسباب، وما يقال إنه خلقه بسبب، إنما يخلقه عنده لا به) كما سبق توضيحه، وما كان كذلك جاز أن يخلقه متى شاء، وأن يتركه متى شاء، ومنه الرؤية، وهذا لا يغير قضية الاعتماد على الحواس في إدراك الأشياء، ولا كون هذا الاعتماد طريقاً للعلم، بل هو وضع لها في موضعها الصحيح، دون مجاوزة حدودها، فهي قانون طبيعي وضعه الله، فيعتمد عليه في هذا النطاق الطبيعي وحده، فإذا اطلعنا على قانون آخر طبيعي يفوق هذا القانون اعتمدنا عليه أيضاً، كما حصل حين اطلع الإنسان على قوانين طبيعية تختلف عن قوانين الرؤية الطبيعية، فاستطاع بها رؤية البعيد، والمحجوب، والرقيق، ووضعنا كلاً من القانونين في موضعه، واستخدمناه في نطاقه دون تجاوز.

ثم إن رؤية العين الإنسانية نفسها - مادامت تحصل بخلق الله تعالى - يمكن أن يغيرها الله تعالى، فترى البعيد، والمحجوب، والرقيق، فيصبح لها قانون آخر، غير ما كانت عليه، ويعتمد عليها في نطاقه، وتكون طريقاً للعلم حسب حدودها الجديدة، كما يمكن أن يغير قانونها الحالي في حالات خاصة كالمعجزة، ثم تعود إلى حالتها الأصلية، ويعتمد عليها في الإدراك، والحكم على الواقع، ولا تبطل الثقة بأحكامها، كما أن تغيرها في حالة المرض والعوارض الأخرى لا يؤدي إلى ترك الاعتماد عليها في الحالات الطبيعية، وهذا يعني أنه سبحانه يمكن أن يغير قوانين الرؤية يوم القيامة، ويجعل فيها القدرة على رؤيته سبحانه.

هذه المناقشة حول قضية الأسباب والمسببات، توضح الخلل الكبير في منهج المعتـزلة في الاعتماد على العقل حين الحكم على الأحاديث النبوية، يظهر منها أنهم اعتمدوا على ظنيات نظرية جعلوها علماً يقينياً.

وقد قلت من قبل: إن ما ذهب إليه عبد الجبار في مسألة الأسباب - فنفى أن تكون الرؤية بخلق الله تعالى، كما نفى أن تكون المسببات كلها بخلقه - لا يخرجه من العجز عن الاستدلال بعدم رؤية الأشياء على أنها غير قابلة للرؤية إذا دققنا النظر في قوله، وبيان ذلك أن عبد الجبار يرى أن الله سبحانه (يصح منه أمثال ما يفعله بالسبب ابتداءً دونه) ويرى أنه (يصح أن يمنع السبب من فعله من التوليد، ويصح ألا يفعل المنع فيتولد) والعبارة الأولى صريحة في الدلالة على أن رؤية العباد للأشياء يمكن أن تقع بخلق الله مباشرة، دون الاعتماد على السبب المعتاد، وهو العين. والثانية صريحة في الدلالة على أن الله تعالى يمكن أن يمنع العين من رؤية الأشياء متى شاء، أي أنه يمكن أن تكون هناك أشياء يمنع الله العين من رؤيتها، فلا نراها، وبناءً على ذلك يقال له: إن ما لا نراه من الأشياء تمتنع رؤيته لأحد سببين: إما لأنه غير قابل للرؤية، وإما لأن الله منع العين أن تراه - كما يمكن أن يمنع سائر الأسباب أن تنتج عنها مسبباتها - فكيف يمكنك أن تحتم في شيء من الأشياء أنه امتنعت رؤيته لأنه غير قابل للرؤية فقط؟ لا لأن الله منع من رؤيته؟.

الملاحظة الثانية: على كلام أئمة الاعتـزال في مسألة ترتب الأسباب على المسببات - ومنها ترتب الرؤية على العين وسلامتها - أنه كلام مختلف فيه بينهم، مهما تفاوت في القرب أو البعد من قول أهل السُّنة والجماعة، لاسيما ذاك التناقض الكبير بين صالح وغيره، أو بين أبي الهذيل وعبد الجبار، فكيف اختلف هؤلاء في هذه المسألة الوثيقة الصلة بمسألة رؤية العباد ربهم سبحانه؟ ولا جواب لهذا السؤال إلا واحد من اثنين: إما أن يكون كلامهم فيها مبنياً على الظن؛ لأن القولين المتناقضين لابد أن يكون أحدهما خطأً، واليقينيات لا تخطئ فلا تتعارض، فكيف ساغ لهم أن يستدلوا بالظنيات في مسألة اعتقادية، وأن يردوا الأحاديث لمخالفتها هذه الظنيات؟!

وإما أن يكون كلام بعضهم مبنياً على أدلة يقينية، لكنها خفية بلغ خفاؤها أن يعجز بعضهم الآخر عن إدراكها، فأخطؤوا فيها رغم علمهم الواسع العميق لدى أهل الاعتـزال. ومثل هذه الأدلة لا يصح أن تكون مستنداً لعقائد الأمة، التي يطالب بها كل فرد من أفرادها جاهلاً كان أو عالماً، ولا يصح أيضاً أن يعتمد عليها في رد الأحاديث التي تخالفها؛ إذ الأحاديث ترد حين تخالف صريح العقل، أما الظن واليقين الخفي، فكلاهما ليس كذلك، والاعتماد عليهما في رد الأحاديث خروج عن المنهج العلمي الصحيح، الذي يردها إذا كانت لا تحتمل الصواب، لا إذا اختلفت فيها وجهات النظر، وأوضح الأمور دلالة على أن المعتـزلة اعتمدوا في منع الرؤية على أدلة ظنية، هو ما ذكره عبد الجبار ضمن شروط الرؤية: من أن الرؤية لا تحصل إلا بوجود شعاع في العين ترسله إلى المرئيات، فتراها، أو لا تراها، حسب قوته وضعفه، وقد أطال عبد الجبار الكلام في هذا الشعاع، وضرورته للرؤية، وعقد في المغني فصلاً خاصاً »في الدلالة على أن الرائي منا لا يرى إلا بشعاع ينفصل من عينه على وجه مخصوص«(84).

وتوقف الرؤية على هذا الشعاع كان في عصره نظرية علمية، تنازعها نظريات أخرى(85)، ولكنها سقطت في العصر الحديث، وأصبح بطلانها من البداهات، وثبتت في مقابلها نظرية تقول: إن شعاع الشمس ونحوه يقع على المرئيات، ويرتد منها إلى العين، فتتلقاه، وتحصل لها الرؤية بحسبه، وقد بنيت عليها صناعة آلات التصوير، حيث هيئت لتقبل الضوء المنعكس عن الأشياء، ولتثبيت الصورة على الورق، وبالتجارب تنتقل النظرية إلى حقيقة علمية ثابتة، وهذه الحقيقة العلمية امتلأت بها كتب العلم المعاصرة، وأصبحت جزءاً من مناهج المدارس العامة.

ومرة أخرى لابد من التأكيد على أن أهم ما يثبت ظنية الأدلة الاعتـزالية في نفي الرؤية هو: اعتمادها على نظريات بطلت بعد مرور الزمن، وتطور العلم، فلولا أنها كانت في منطق العقل قابلة للخطأ في زمانها لما أمكن أن يثبت خطؤها فيما بعد؛ إذ العلم اليقيني غير قابل للخطأ أصلاً. ومثل هذه النظريات يستحيل أن تبنى' عليها العقيدة اليقينية؛ لأن الظن لا ينتج يقيناً أبداً مهما كان قوياً.

ولو أن الإنسان استقصى كلام المعتـزلة في مقدمات الرؤية، وناقشها لخرج البحث عن مقصوده؛ فلذلك كانت وجهة هذا البحث أن يتناول من مسألة الرؤية، وشروطها ما يتعلق بكشف المنهج التطبيعي عند المعتـزلة في التعامل مع حديث الآحاد، ومخالفته للعقل، وفيما سبق ما يتعلق بشروط الرؤية كفاية إن شاء الله تعالى.

ويتناول البحث الآن - إن شاء الله - أدلتهم على منع الرؤية عقلاً لرد الأحاديث المثبتة لها، ومناقشتها لكشف الخلل فيها، وخطأ الاعتماد عليها في رد الأحاديث، وتقتصر المناقشة على تناول ما يؤدي هذا الغرض، وهو أربعة أدلة تعد الأهم عندهم: الأول: أن حقيقة الرؤية يستحيل أن تتعلق بالله سبحانه، والثاني: أن شروط الرؤية - لاسيما الجهة - يستحيل أن تتحقق فيه، والثالث: - وعليه أكثر تعويلهم - أنه لا يرى مع ارتفاع الموانع(86) فوجب أن يكون غير قابل لأن يُرى أصلاً، والرابع: أنه لو رئي لوجب أن يرى على أخص أوصافه، وذلك محال.

وهذه الأدلة كلها مرتبط بعضها ببعض، مستخرجة كلها من طبيعة الرؤية عند الإنسان، وبعض المخلوقات، وقائمة على أن القوانين التي تحكم الرؤية في الواقع عقلية، لا يمكن أن توجد أيُّ رؤية بدونها، وستُنَاقَشُ - إن شاء الله تعالى - على الترتيب المذكور.

وأولها: أن العين لا ترى إلا الأحجام والألوان، وهما من صفات الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، ولا عرض يتعلق بجسم، فيستحيل أن يرى. قال عبد الجبار في المغني: »اعلم أن الجواهر والألوان مرئيان... فإذا صح أنا نـراهما فلنا أن ننظر الوجه الذي لكونهما عليه تصح رؤيتهما، وقد علمنا أنا نفصل بالرؤية بين الألوان المختلفة وبين أحوال الأجسام في العظم والصغر، فيجب أن تكون الرؤية متعلقة بهما على ما يختصان به في جنسهما«(87).

ثم ينقل عن بعض شيوخه أنه »لو كان سبحانه مرئياً لوجب أن يكون من أجناس المرئيات في الشاهد... فإذا استحال كونه من جنسها - لأن ذلك يوجب كونه جوهراً، أو عرضاً، ويوجب حدوثه - فيجب القضاء بأنه غير مرئي أصلاً«(88).

وهذا الاستدلال فيه خلل من وجوه:

منها أنهم اختلفوا عليه فيما بينهم، والأدلة لا يختلف عليها إلا إذا كانت ظنية، أو قطعية قطعها خفي، فلا تصلح أن تكون ميزاناً للعقائد، ولا لقبول الحديث ورده، وقد اختلفوا على هذا الدليل، واختلفوا على الأساس الذي استند إليه، وهو الأمور التي تتعلق بها الرؤية.

أما اختلافهم فيه: فقال عنه عبد الجبار: »قال شيخنا أبو هاشم - رحمه الله -: إن وصف المرئي بأنه مرئي لا يوجب تجنيساً؛ لأن الأشياء المختلفة تشترك في هذه الصفة نحو الجسم واللون، ونحو الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، على طريقة شيخنا أبي علي - رحمه الله - فلا يجب كونه تعالى من جنس المرئيات لو كان مرئياً، كما لا يجب كون المرئي السادس من جنس المرئيات الخمس من حيث شاركها في أنه مرئي، وكما لا يجب كون اللون من جنس الجوهر من حيث شاركه في أنه مرئي«(89).

وأما اختلافهم في الأمور التي تتعلق بها الرؤية فظاهر في كلام أبي هاشم، وأبي علي، فقد عدا من المرئيات »الجسم، والحركة، والسكون، والاجتماع والافتراق« بينما قصر عبد الجبار الرؤية على الجواهر - ومنها تتكون الأجسام - وعلى الألوان والأحجام، قال في المغنى: »قال شيخنا أبو علي في الحركات إنها مرئية« ثم قال عن نفسه: »ونمنع كونها مرئية«(90).

وقال أبو المعين النسفي في تبصرة الأدلة: »نرى الجواهر والألوان والأكوان، وهي الحركة، والسكون، والقرب، والبعد، والاجتماع، والافتراق، وقد وافقنا الجبائي على أن هذه الأجناس الثلاثة مرئية، وابنه أبو هاشم وافقنا على رؤية الألوان، وخالفنا في رؤية الأكوان، والنظام وافقنا على رؤية الألوان، غير أنه ادعى أنها أجسام«(91).

والخلل الأكبر في الاستدلال الذي اعتمد عليه عبد الجبار وشيوخه هو: جعل الواقع - إذا اطرد وانعكس - دليلاً على أنه لا يمكن عقلاً أن يوجد شيء يخالفه، وزعمهم أن من ادعى إمكان ذلك فهو مخالف لأحكام العقل، وقد تقدم نقض قاعدتهم هذه، وتقدم أن الدليل العقلي الذي لا تصح مخالفته هو الدليل الذي تؤدي مخالفته إلى التناقض، كقولنا: هذا شيء قديم حادث، وهذا شيء موجود معدوم، وتقدم أيضاً أن الأمثلة التي زعموها من المحال - كرؤية المحجوب دون غير المحجوب، ورؤية الرقيق دون الكثيف، ورؤية البعيد دون القريب - أصبحت واقعاً مشهوداً يدركه كل من أراده، ويتعايش معه أكثر الناس، ويعرفه كل من تدبره، والخلل الذي حصل عندهم في مقدمات منع الرؤية هو نفسه الذي حصل في أدلة منع الرؤية.

وبيان ذلك أن تحديد ما يصح أن يرى، وتحديد الشروط، والموانع حكم مستند لديهم إلى الواقع الذي يشاهدونه فما تراه العين هو الذي يصح أن يرى، والرؤية متعلقة به تعلق المعلَّل بعلته، والمسبب بسببه، فلا يمكن أن يرى غيره، قال عبد الجبار في المغني: »يبين ذلك أن الواحد منا إذا رأى في المحل السواد، ولم ير الحلاوة، فيجب أن يقضي أنها غير مرئية؛ لأنها لو كانت مرئية لم تر إلا لما هي عليه؛ إذ لا مانع يمنع من رؤيتها... فكذلك إذا لم نر القديم سبحانه علم أننا لم نره؛ لأنه في ذاته غير مرئي«(92).

وهذا أيضاً لا يسلم لهم؛ لأن الحلاوة صفة تنشأ من كون ذرات الشيء المذوق مركبة على وجه معين، وقد تمكن الإنسان بواسطة الآلات أن يرى تركيبها، الذي يميزها عن الحموضة وغيرها، وكذا يقال في الروائح: قد أمكنت رؤية التركيب الذي يميز كلاً منها عن غيره، فيعرف، ويتعين لدى الناظر إليه، أما أن تدرك العين مثل ما يدرك اللسان من الطعم، والأنف من الرائحة، فهذا لا يكون رؤية، وإنما هو تحول حاستهما إلى العين، حتى تكون أداة ذوق وشم، إنما المراد إدراك الحقيقة، التي تتكون منها الرائحة، ويتكون منها الطعم، وهذا الأمر يظهر في الصوت، فإنه لا تراه العين المجردة، ولكن اكتشف العلم أنه موجات كهربائية مغناطيسية، وتمكن من تصويرها، وتخزينها، والتحكم فيها، فالاستدلال بعدم رؤية العين للطعوم والروائح والأصوات - مع ارتفاع الموانع - على أنها لا يمكن أن ترى مردود من جهتين: جهة عدم التوثق من ارتفاع الموانع التي ذكروها كاللطافة في الروائح، أي كون ذراتها في غاية الصغر، وكالرقة في الأصوات، أي كون الموجات في غاية الشفافية، ومن جهة أن هذه الموانع مأخوذة من واقع رؤية العين المجردة، وهي كما في المغني: »القرب المفرط، والبعد المفرط، والحجاب، واللطفاة، والرقة، وأن يكون المرئي في غير جهة محاذاة الرائي«(93) فلما كشفت الآلات المساعدة للعين أسقطت الحكم المبني على الموانع، وإذا سقط الحكم الذي حكموا به على بعض المحسوسات أنه يصح أن يرى - بحيث تتعلق الرؤية به تعلق المعلل بالعلة، والمسبب بالسبب، حتى يقال: إن حقيقة الرؤية هي إدراك الأجسام، والألوان، والأحجام، وما لم يكن كذلك، فهو غير مرئي - سقط حكمهم بأن الله لا يرى؛ لأنه ليس من جنس هذه الأشياء، وسقط قولهم: إن شروط الرؤية يستحيل أن تتعلق به، فيستحيل أن يرى؛ إذ الشروط والموانع التي ذكروها مأخوذة من واقع محدود، وقد ثبت فساد حصر الرؤية بها، فلا يصح أن تحكم على غير ذلك الواقع، ولاسيما رؤية الله سبحانه.

ثم إن بعض هذه الشروط هو من أحكام الرائي، فجعلوه من أحكام المرئي، وذلك كالجهة، قال عبد الجبار في المغني: »ومما يدل على أنه لا يصح أن يرى بالأبصار أن البصر لا يصح أن يرى إلا ما كان مقابلاً... وهذا الشرط - في أنه واجب فيما يصح أن يرى بالبصر - بمنـزلة البصر نفسه في أنه شرط واجب في الرائي... لأنا نجد الجسم واللون الحال فيه إذا كان مقابلاً لنا، يصح أن نراه، وإذا أدبرنا عنه لم يصح أن نراه«(94).

وهذا لا يسلم له في المحسوسات فضلاً عن الله تعالى، والدليل على ذلك أن الإنسان ينظر إلى السماء، فيراها من جهة الأمام، لكن ذلك لا يعني أنها محصورة في تلك الجهة، والدليل الأكبر من ذلك هو أن الله تعالى يرانا، ونحن حالون في مكان وجهة، لكن لا يلزم أن يكون هو في جهة تقابل الجهة التي نحن فيها، فهو منـزه عن الجهة عندنا وعندكم.

وقد ثبت في الصحيحين عن أنس قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إني لأراكم وراء ظهري«(95)، فهذه رؤية من مخلوق لمخلوق تخرج عن قيد المقابلة، واحتمال الخطأ في الرواية من ثلاثة أصحاب بأصح الأسانيد أبعد عن احتمال الخطأ من هذا التلازم العقلي، الذي يختلف عليه الناس، بل يختلف عليه بين المعتـزلة أنفسهم، كما تبين معنا من قول صالح فيما مضى.

ومن جملة الموانع التي هي من أحكام الرائي - فجعلوها من أحكام المرئي - »الحجاب« وقد تكرر في ما سبق من كلامهم، وعدوا انتفاءه من شروط الرؤية، وادعوا أن هذه الشروط لا تصح في حقه، فلا يصح أن يرى، قال عبد الجبار في المغني: »فما لا يصح معه الشروط، التي معها يصح أن نراه، فيجب أن يستحيل كونه مرئياً«(96).

وهذا الادعاء إن صح في القرب والبعد والرقة واللطافة، فلا يصح لزومه في الجهة، كما تقدم بيانه، ولا يصح لزومه في الحجاب، كما يتبين الآن - إن شاء الله -، وذلك لأن الحجاب يكون في معنى تعطيل آلة الرؤية، كغشاء البياض، أو السواد على إنسان العين، وهذا النوع من الحجاب يرتبط بالرائي، لا بالمرئي - وليس ضرورياً أن يكون جداراً مثلاً قائماً بين المرئي والرائي - كما يمكن أن يكون نوراً باهراً يمنع العين من الرؤية، دون أن يؤثر على المرئيات في نفسها، وكذلك يمكن أن يكون نقصاً في الاستعداد، وعجزاً عن شيء دون شيء في حالة مؤقتة، كالذي حصل في عجز العين عن الأشياء اللطيفة والرقيقة، وما كان من صفة الرائي لا يصح أن يقال إنه يمتنع أن يتحقق في المرئي، فيكون دليلاً على امتناع رؤيته.

وأشد مما مضى كله في الخروج عن قواعد الاستدلال - اعتماداً على هذه الشروط المأخوذة من واقع بصر الإنسان، وبعض المخلوقات الأخرى - أن ينتقل المعتـزلة من امتناع رؤيتنا له إلى امتناع رؤيته سبحانه لنفسه، قال في المغني: »فإذا دللنا على أنه لا يصح أن نراه على وجه من الوجوه، وفي حال من الأحوال، فيجب القضاء باستحالة كونه رائياً لنفسه«(97).

فهل يمكن أن تكون شروط الرؤية المستنبطة من بصر المخلوقات حاكمة على بصر الخالق؟ فكيف وقد ظهر فساد حكمها أحياناً على بصر المخلوق، كما سبق في قوله: »إذا رأى السواد في المحل، ولم ير الحلاوة، فيجب أن يقضي أنها غير مرئية«.

ويتكرر التحكم من المعتـزلة في الدليل الرابع أكثر من الأدلة الثلاثة الأولى، وهو قولهم: »لو كان مرئياً لوجب أن يرى على أخص أوصافه« قال عبد الجبار في المغني: »وقد استدل أبو هاشم - رحمه الله - على أنه جل وعز لا يُرى بأنه لو رئي لوجب أن يرى على أخص أوصافه؛ لأن الرؤية تتعلق بالمرئي على أخص أوصافه... ولو رأيناه كذلك لوجب أن نراه قديماً عالماً قادراً حياً؛ لأن هذه الصفات هي أخص أوصافه، ولو رأيناه كذلك لوجب أن نرى كل ما شاركه في هذه الصفات، وفي استحالة ذلك دلالة على أنه لا يصح أن يرى؛ إذ القول بصحة رؤيته يؤدي إلى ما ذكرناه«(98).

وهذا الاستدلال يرتكز على »أن الرؤية تتعلق بالمرئي على أخص أوصافه« وهي قاعدة تتناقض مع البداهات في قواعد الرؤية، فالرائي يفرق بين الإنسان وسائر الحيوان بالصورة المعينة، التي لا يشاركه فيها غيره، والصورة ليست أخص أوصافه، إنما أخص أوصافه: أنه ناطق، فهو يشارك أجناس الحيوان في الحيوانية، ويتميز عنها بالناطقية، وهي لا تدرك بالبصر - سواء قصدنا بها الكلام، أو قصدنا الإدراك العقلي، الذي يكون به الكلام، ويتلقى به الكلام - ولو خلق الله حيواناً على صورة الفرس فيه الناطقية لحكم الناس بأنه إنسان، لا فرس، أو قالوا: إن الناطقية ليست من خواص الإنسان.

والقدم والحدوث ليسا مما يميزه البصر عادة، إنما يميزهما العقل بالأدلة، ولو كانا يتميزان بالبصر عادة لما اختلف الفلاسفة في قدم العالم وحدوثه، بل لو صح ذلك لما اختلف الجهلة في هذا الأمر، لكن يمكن أن يقال: إن البصر يتناول المرئي على أخص أوصافه مما يرى عادة، والعادة ليست حكماً عقلياً، كما سبق بيانه، ولو جعل الله في البصر ما يميز القدم والحدوث لأمكن أن نرى الله تعالى من حيث إنه قديم.

كان موقف المعتـزلة إذن - حسب ما ظهر من النظر في موضوع الرؤية - خالياً من الموازنة السليمة بين العقل والنقل، وكان في تقديري موقفاً غير عقلي؛ لأن العقل يفرض الموازنة السليمة بين الأدلة، والسبب في ذلك أنهم اعتبروا العقل قاطعاً دائماً، رغم ما هم عليه من الخلاف في كثير مما سموه دليلاً عقلياً - مع أن الدليل عندهم هو القاطع، وأما الراجح فيسمونه أمارة - ولا يمكن أن تتعارض الأدلة القاطعة، فلابد أن أحدهم مخطئ، فكيف أخطأ فيما هو قاطع؟ لقد وقع الخطل من البداية، حيث لم يتم التمييز عملياً بين القاطع والظني، وهذا ما أدى بهم إلى تقديم ما يسمونه دليلاً عقلياً على الدليل النقلي - وهو الكتاب والسُّنة - إما بالرد - حيث يمكن الطعن في السند - وإما بالتأويل حيث لا يمكن الطعن في السند.

والله جنب أهل السُّنة ذلك الخلل، فاشترطوا في الدليل العقلي الذي لأجله يرد الحديث أن يكون صريحاً، كما سبق بيانه، والدليل العقلي الصريح يكون قاطعاً واضحاً، غير قابل للاختلاف، وكذلك لا يوجبون تأويل القرآن لأجل الدليل العقلي، إلا أن يكون صريحاً، وهذا هو الموقف العقلي العادل في الترجيح بين الأدلة عموماً، وفي الترجيح بين العقل والنقل، أو بين العقل والنص، أو ما يسميه المعاصرون اليوم: الدين والعلم.

وفي موقف المعتـزلة ونتائجه عبرة كبرى للباحث عن الحق في هذه القضية حيث استندوا - في ردّ بعض النصوص أو تأويلها - إلى معلومات كانت في زمانهم تسمى علماً، ثم كشف تقدم العلوم عن فسادها، ومعلومات زماننا بالنسبة إلى المستقبل كمعلوماتهم بالنسبة إلى زماننا، كلها تقبل التغيير، إلا ما كان قاطعاً صريحاً، واستنادنا في رد السُّنة -أو تأويلها وتأويل آيات القرآن- إلى معلوماتنا غير القاطعة الصريحة مصيره في المستقبل كمصير آراء المعتـزلة حين وزنت بموازين العلم الحديث.

وهذا إنما يقال فيمن أخلص في البحث عن الحق، فأخطأ سبيله كالمعتـزلة، أما من يريد أن يتكى على منهجهم ليصل إلى رد ما يشتهي رده من شرع الله باسم العلم والعقل، فهؤلاء لا يرد عليهم ههنا، بل يرد عليهم في كتب أخرى تختص بالرد على محترفي التـزوير العلمي؛ إذ نرى هؤلاء ينظرون إلى كل ما يأتي من الغرب على أنه علم ممحص، قاطع، جدير بالتقديم، حين يتعارض مع السُّنة النبوية، وهم يخصون السُّنة بالذكر لما فيها من تفصيلات الأحكام، ولأن في مروياتها ما يمكن رده بحسب قواعد العلوم الإسلامية؛ لخطأ في الرواية، أو لمعنى يكشف أحياناً بواسطة العقل، وهذا مجال للدس لا يتيسر في آيات القرآن الكريم، ولكن الناظر في شأنهم لا يخفى' عليه أنهم ينبذون آيات الكتاب - كما ينبذون السُّنة النبوية - إذا تعارضت آياته مع ما يتلقونه من الغرب - وغير الغرب من كل الأمم - سواء ما كان مدروساً في الجامعات، كنظريات تتغير بين حين وآخر، أو كان عادات وتقاليد لا تستند إلى العلم، أو لا تتفق معه.

وإذا كان مرور الزمن وتطور العلم قد كشف كثيراً من خلل المنهج الاعتـزالي في تقديم العقل على النقل - وهو منهج في البحث - فماذا يصنع تطور العلم بآراء أهل الأهواء، الذين يتعمدون التـزوير باسم العلم؟! قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون [الأنعام:91].

 

المصادر والمراجع

1- اتحاف ذوي الفضائل المشتهرة، عبد العزيز الغماري، ط: دار التأليف بالقاهرة.

2- تبصرة الأدلة في أصول الدين، ميمون النسفي، تحقيق: كلود سليمان، ط: المعهد الفرنسي بدمشق (1993م).

3- تدريب الراوي للإمام السيوطي، تحقيق: أحمد عمر هاشم، ط: دار الكتاب العربي ببيروت (1993م).

4- تنـزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، علي بن عراق، تحقيق: عبدالوهاب اللطيف وعبد الله صديق، ط: دار الكتب العلمية ببيروت (1981م).

5- توجيه النظر إلى أصول الأثر، للشيخ طاهر الجزائري، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ط: مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب (1995م).

6- جماع العلم، للإمام الشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، ط: مكتبة ابن تيمية بالقاهرة.

7- الحق الدامغ، أحمد الخليلي، ط: مكتبة الضامري بسلطنة عمان (1992م).

8- الرسالة، للإمام الشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، ط: دار التراث بالقاهرة (1399هـ-1979م).

9- الرؤية، للإمام الدارقطني، تحقيق: إبراهيم العلي، وأحمد الرفاعي، ط: مكتبة المنار بالزرقا - الأردن (1411هـ-1990م).

10- شرح صحيح مسلم، للإمام النووي، تحقيق: خليل شيحا، ط: دار المعرفة ببيروت (1414هـ-1994م).

11- شرح العقائد النسفية، مسعود التفتازاني، تحقيق: أحمد السقا، ط: الكليات الأزهرية بالقاهرة (1987م).

12- شرح المواقف، القاضي عضد الدين الإيجي، شرح الشريف الجرجاني، ط: أمير بقم، الثانية.

13- شرح النخبة (نـزهة النظر في توضيح نخبة الفكر)، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: نور الدين عتر، ط: دار الخير ببيروت (1993م).

14- صحيح البخاري، الإمام البخاري، تحقيق: مصطفى البغا، ط: دار ابن كثير بدمشق، الخامسة (1414هـ-1993م).

15- صحيح مسلم، الإمام مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: دار الكتب العلمية ببيروت (1413هـ-1992م).

16- الفرق بين الفرق، عبد القاهر بن طاهر البغدادي، تحقيق: إبراهيم رمضان، ط: دار المعرفة ببيروت.

17- الكفاية في معرفة أصول علم الرواية، للخطيب البغدادي، طبعة دار الهدى، القاهرة.

18- المباحث المشرقية، للإمام فخر الدين الرازي، تحقيق: محمد المعتصم بالله، ط: دار الكتاب العربي ببيروت.

19- متشابه القرآن، القاضي عبد الجبار بن أحمد، تحقيق: محمد زرزور، ط: دار التراث ببيروت (1969م).

20- مجلة الأحمدية - إصدار دار البحوث الإسلامية بدبي - العدد (3،4).

21- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ الهيثمي، ط: دار الكتاب العربي ببيروت، الثالثة (1402هـ-1982م).

22- مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وتحقيق: عبد الرحمن النجدي.

23- المعتمد في أصول الفقه، محمد بن علي الطيب، ط: دار الكتب العلمية ببيروت (1983م).

24- المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار الهمذاني، تحقيق: مجموعة من العلماء، ط: المكتبة الأزهرية بالقاهرة.

25- مقدمة ابن الصلاح، تحقيق: نور الدين عتر، ط: دار الفكر، الثالثة.

26- المسند، للإمام أحمد بن حنبل، ط: موسوعة السُّنة، الدعوة وسحنون.

27- نخبة الفكر، ملحق بشرحه نـزهة النظر، تحقيق: نور الدين عتر.

28- النكت على كتاب ابن الصلاح، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: ربيع عمير، ط: دار الراية بالرياض (1408هـ-1988م).

29- هدي الساري مقدمة فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ط: دار أبي حيان بالقاهرة، الأولى (1416هـ-1996م).

 

الهوامش:

(1) ينظر كتاب جماع العلم للشافعي ص 15- 30

(2) انظر الرسالة للإمام الشافعي ص399

(3) نخبة الفكر ملحق بشرحه نزهة النظر مستقلاً ص146 تحقيق الدكتور نور الدين عتر

(4) نخبة الفكر ص148

(5) مقدمة فتح الباري طبعة دارأبي حيان ص 743

(6) مقدمة فتح الباري ص554

(7) مقدمة فتح الباري ص 553

(8) مقدمة فتح الباري بين ص 553 وبين 603 انظر الأحاديث رقم 29- 37- 39- 75- 81- 83

(9) نزهة النظر ص48 ،ص 51

(10) انظر نزهة النظر ص50

(11) تدريب الراوي 1/104 ومابعدها

(12) نزهة النظر ص48

(13) نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص39

(14) نزهة النظر ص 53

(15) نزهة النظر ص 41

(16) نزهة النظر ص 53

(17) نزهة النظر ص 48

(18) مقدمة ابن الصلاح ص 28

(19) مقدمة ابن الصلاح ص 28

(20) نزهة النظر ص 52

(21) النكت على كتاب ابن الصلاح 1/378

(22) النكت على مقدمة ابن الصلاح 1/373

(23) النكت 1/ 372 ، شرح مسلم للنووي 1/ 136

(24) هذا مذكور في البحث ( حديث الآحاد الصحيح بين العلم القاطع والظن الراجح ) وهو منشور في الأحمدية العدد الثالث ، وقول أصحاب الإمام مذكور ص 148 و 151

(25) حماع العلم للإمام الشافعي ص 15

(26) ص 11

(27) ص 21 ، ومابعدها

(28) جماع العلم ص 22

(29) ص 26

(30) ص 27

(31) ص 28

(32) ص 29

(33) وقد أوسع الشافعي قيام الحجة بخبر الآحاد بحثاً في كتابه الرسالة ، اكتفيت ههنا بهذا القدر لإن فيه الكفاية من جهة ولإن المنكر هنا يحتج بالقرآن فأقيمت الحجة عليه من القرآن خصوصاً

(34) انظر صحيح مسلم رقم 2942

(35) برقم 2363

(36) انظر شرح نخبة الفكر ص 100

(37) ص 87

(38) الرسالة ص 357

(39) قال ابن تيمية في الفتاوى: 11/ 243 والأنبياء صلوات الله عليهم يخبرون بما تعجز عقول الناس عن معرفته، لا بما يعرف الناس بعقولهم أنه ممتنع، فيخبرون بمجازات العقول، لا بمحالات العقول، ويمتنع أن يكون في أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ما يناقض صريح العقول، ويمتنع أن يتعارض دليلان قطعيان سواء كانا عقليين أو سمعيين أو كان أحدهما عقلياً والآخر سمعياً

(40) تنـزيه الشريعة المرفوعه عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، لابن عراق 1/ 134 ط دار الكتب العلمية ببيروت.

(41) الحديث في صحيح البخاري برقم (3102) قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا... حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته).

(42) تنزيه الشريعة 1/ 250

(43) ينظر الكفاية، للخطيب البغدادي1/89، وفتاوى ابن تيمية:11/244

(44) صحيح الباري برقم 3095

(45) سورة طه الآية : 66

(46) ينظر الفرق بين الفرق، لعبد القاهر البغدادي، ص168

(47) المعتمد 2/138

(48) المعتمد 2/92

(49) 2/127

(50) 2/98

(51) 2/106

(52) 2/106

(53) 2/128

(54) ص 8

(55) نقلت هذا من المقدمة التي كتبها الدكتور عدنان زرزور لكتاب متشابة القرآن لعبد الجبار ص41 عن كتاب الطبقات المذكور مخطوط الورقة الثانية.

(56) المعتمد 1/5

(57) أصل هذين الأمرين واضح، لكن تعرض لهما عوارض تخفى على العقل؛ لذلك يتحفظ أهل السُّنة في مثلهما، ويستدركون على المعتـزلة في مسألة الحسن والقبح استدراكات عدة لها أهمية كبرى، هذا بغض النظر عن قول من يرفضون التحسين والتقبيح العقلي أصلاً، والمجال هنا لا يتسع لبحث القضية.

(58) 2/337

(59) 2/101

(60) ينظر متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار، ص673 وما بعدها. المغني 225/4 .

(61) ينظر »توجيه النظر إلى أصول الأثر« للشيخ طاهر الجزائري 196/1، الكفاية 89/1 .

(62) 44/273

(63) 4/228

(64) 4/222

(65) 4/237

(66) ط مكتبة المنار الأردن، الزرقاء، 1990 .

(67) ) الشيخ عبد العزيز الغماري في كتابه (إتحاف ذوي الفضائل المشتهرة)، ص150

(68) 4/227

(69) المواقف ص299

(70) تبصرة الأدلة: 389/1-390، الحق الدافع 98، وأشار إليه في المغني: 234/4 .

(71) تبصرة الأدلة 4/430

(72) العقائد النسفية ص 54

(73) العقائد النسفية ص 52

(74) نفس المرجع ص 63

(75) المغني ، عبد الجبار 9/12

(76) 9/94

(77) 9/17

(78) 9/103

(79) 9/108

(80) 4/39

(81) 4/123

(82) المغني 4/56

(83) المغني 4/124

(84) المغني 4/59

(85) انظر المباحث المشرقية للإمام فخر الدين الرازي: 299/2

(86) المغني 4/140

(87) 4/83

(88) المغني 4/29

(89) المغني 4/ 132

(90) 4/ 81

(91) تبصرة الأدلة 1/406

(92) المغني 4/95

(93) المغني 4/116

(94) 4/140

(95) وهو في البخاري برقم (686)، وفي مسلم برقم (425)، وعند مسلم عن أبي هريرة (423) وعند أحمد بن حنبل في المسند عن أبي سعيد، وهو في مجمع الزوائد برقم (2518).

(96) 4/92

(97) 4/93

(98) 4/126